صلح الحسن ( عليه السلام ) ::: 46 ـ 60
(46)
    ثم كان لهذا « الاتجاه الخاص » أثره في خلق معارضة قوية للعهدين اللذين رجعا بامرهما الى العترة من آل محمد صلى اللّه عليه وآله.
     وفي حروب البصرة وصفين فمسكن شواهد كثيرة على ما نقول.
     وفي موقف ابن عمر (1) وسعد بن ابي وقاص واسامة بن زيد ومحمد بن مسلمة وقدامة بن مظعون وعبد اللّه بن سلام وحسان بن ثابت وأبي سعيد الخدري وزيد بن ثابت والنعمان بن بشير .. وهم « القعّاد » الذين آثروا الحياد ، واستنكفوا من البيعة لعلي ولابنه الحسن عليهما السلام شواهد اخرى.
     ولهذه المعارضة ميادينها المختلفة والوانها المتعددة. ومنها المواقف السلبية النابية التي جوبه بها زعماء العترة عليهم السلام ، في المدينة اولاً ، وفي الكوفة اخيراً.
     والا فما الذي كان يحدو علياً عليه السلام ، ليقول من على منبره في الكوفة :
     « يا أشباه الرجال ولا رجال ، ويا أحلام الاطفال وعقول ربات الحجال ، أما واللّه لوددت أن اللّه أخرجني من بين أظهركم ، وقبضني الى رحمته من بينكم ، ووددت أني لم أركم ولم أعرفكم ، فقد والله ملأتم صدري غيظاً. وجرعتموني الامرين أنفاساً. وأفسدتم علي رأيي بالعصيان والخذلان .. »
     الى كثير مما يشبه هذا القول ، مما أثر عنه في خطبه وكلماته.
     اليست هي المعارضة التي زرعت نوابتها الخبيثة في كل مكان من حواضر علي عليه السلام ، فأخذت على الناس التقاعس عن نصرته بشتى المعاذير.
1 ـ قال المسعودي ( هامش ابن الاثير ج 5 ص 178 ـ 179 ) : « ولكن عبد اللّه بن عمر بايع يزيد بعد ذلك وبايع الحجاج لعبد الملك بن مروان !. » ورأى المسعودي ان يسمى هؤلاء « القعاد » بالعثمانية. ورأى ابو الفدا ( ج 1 ص 171 ) ان يسميهم « المعتزلة » لاعتزالهم بيعة علي (ع) ـ اقول : وما هم بالعثمانية ولا المعتزلة ولكنهم الذين ماتوا ولم يعرفوا امام زمانهم.

(47)
    أقول هذا. ولا اريد ان أتتاسى ـ معه ـ العوامل الاخرى التي شاركت « الاتجاه » ـ الآنف الذكر ـ في تكوين هذه المعارضة بموقفيها ـ الايجابي المسلح والسلبي الخاذل ـ تجاه العترة النبوية في العهد الهاشمي الكريم.
     ولا أشك بان العدل الصارم ، والمساواة الدقيقة في التوزيع التي كانت طابع هذا العهد ، بل هي ـ دون ريب ـ طابع العهود الهاشمية مع القرن الاول ، في نبوتها وفي خلافتها. ـ هي الاخرى التي تحسس منها الناس أو قسم من الناس ، بشيء من الضيق لا يتسع للطاعة المطلقة ولا للاخلاص الحر اللذين لن ينتفع بغيرهما في ميدان سلم أو ميدان حرب.
     والظروف الطارئة بمقتضياتها الزمنية التي طلعت بها على الناس خزائن الممالك المهزومة في الفتوح ، والطعوم الجديدة من الحياة التي لا عهد لهؤلاء الناس بمثلها من قبل ـ كل ذلك ، كان له أثره في خلق الحس المظلم الذي من شأنه ان يظل دائماً في الجهة المعاكسة للنور.
     وفي بحران هذا « الاتجاه الخاص » الذي تعاون على تكوينه ربع قرن من السنين ، يتمثل عهد علي عليه السلام في خلافته قبل بيعة الحسن في الكوفة.
     والحسن من علي ( عليهما السلام ) كبير ولده ، وولي عهده ، وشريك سرائه وضرائه ، يحس بحسّه ويألم بألمه. وهو ـ اذ ذاك ـ على صلة وثيقة بالدنيا التي أحاطت بابيه من قومه ومن رعيّته ومن أعدائه ، فهو لا يجهلها ولا يغفل عنها ، وكان ينطوي ممّا يدور حوله على شجى مكتوم ، يشاركه فيه أخوه كما يشاركه في اخوّته. وكان هذا الشجى المكتوم ، هو الشيء الظاهر مما خلف به هؤلاء المسلمون ـ يومئذ ـ نبيَّهم في عترته ، جواباً على قوله (ص) لهم : « فانظروا كيف تخلفوني فيهما !! ».


(48)
    وكان الحسن عليه السلام ، اذ ينطوي على هذا الشجى ، لا يلبث ان يستروح الامل ـ أحياناً ـ بما يجده في صحابة أبيه البهاليل من النجدة والحيوية والمفاداة وشمائل الاخلاص الذي لا تشوبه شائبة طمع في دنيا ، ولا شائبة هوى في سياسة.
     ومن هؤلاء ، القواد العسكريون ، والخطباء المفوّهون. والفقهاء والقراء والصفوة الباقية من بناة الاسلام. كانوا ـ بجدارة ـ العدة التي يستند عليها امير المؤمنين ، في حربه وسلمه. وكانوا ـ بحق ـ دعامة العهد الهاشمي فيما تعرض له هذا العهد ، من زلازل وزعازع واخطار.
     وكانوا المسلمين الذين وفوا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله ، فيما واثقوه عليه في ذريته ، بأن يمنعوهم بما يمنعون به انفسهم وذراريهم. فلم لا يستروح الحسن بهم روائح الامل لقضية ابيه ، بل لقضية نفسه.
     وكانوا المؤمنين الذين آمنوا بكلمات اللّه في اهل بيت نبيهم وذوي قرباه وآمنوا بوصيّنبيهم ، وبمراتبه التي رتبها اللّه له أو رتّبه لها. وفهموا علياً كما يجب أن يفهم. وعليٌّ هو ذلك البطل الذي لم يحلم المسلمون بعد رسول اللّه (ص) بمثله ، اخلاصاً في الحق ، وتفادياً في الاسلام ، ونصحاً للمسلمين ، واستقامة على العدل ، واتساعاً في العلم. ولن ينقص علياً في كبرياء معانيه ، جحود الآخرين فضائله ومميزاته ، ولهؤلاء الآخرين من مطامعهم واهوائهم شغل شاغل يملأ فراغ نفوسهم. وما في ملاكات علي عليه السلام متسع للاهواء والمطامع. فليكن هؤلاء ـ دائماً ـ في الملاكات البعيدة عن علي ، وليكونوا في المعسكر الذي يقوم على المساومة بالمال والولايات ..
     وليكن مع علي زمرته المنخولة تلك ، المسلمة اسلامها الصحيح امثال عمار بن ياسر ، وخزيمة بن ثابت ذي الشهادتين ، وحذيفة بن اليمان ، وعبد اللّه وعبد الرحمن ابني بديل ، ومالك بن الحارث الاشتر ، وخباب بن الارت ، ومحمد بن ابي بكر ، وابي الهيثم بن التيهان ، وهاشم بن عتبة


(49)
ابن ابي وقاص ( المرقال ) ، وسهل بن حنيف ، وثابت بن قيس الانصاري ، وعقبة بن عمرو ، وسعد بن الحارث بن الصمة ، وابي فضالة الانصاري ، وكعب بن عمرو الانصاري ، وقرضة بن كعب الانصاري ، وعوف بن الحارث بن عوف ، وكلاب بن الاسكر الكناني ، وابي ليلى بن بليل .... واضراب هؤلاء من قادة الحروب وأحلاس المحاريب ، الذين انكروا الظلم ، واستعظموا البدع ، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ، وتسابقوا الى الموت في سبيل اللّه ، استباق غيرهم الى المطامع في سبيل الدنيا.
     ومن الخير ، أن ننبّه هنا ، الى ان جميع هذه الصفوة المختارة كانت قد استشهدت في ميادين علي عليه السلام ، وان ثلاثاً وستين بدرياً استشهد معهم في صفين (1) وحدها ، وان أضعاف هذه الاعداد كانت خسائر الحروب المتعاقبة مدى ثلاث سنوات.
     فما ظنك الآن ، بذلك الامل الذي كان يداعب الحسن عليه السلام بوجود الانصار ، وهل بقي للحسن ـ بعد هذا ـ الا الشجى المكتوم ، مضاعفاً على تضاعيف الايام.
     اما معسكر علي عليه السلام ، فقد نكب نكبته الكبرى ، حين أصحر من خيرة رجالاته ، ومراكز الثقل فيه.
     واما دنيا علي عليه السلام ، فقد عادت لسقيا الغصص وشرب الرنق ـ على حد تعبيره هو فيما ندب به أصحابه عند مصارعهم ـ.
     وتلفّت عليّ الى آفاقه المترامية التي تخضع لامره ، فلم يجد بين جماهيرها المتدافعة ، من ينبض بروح اولئك الشهداء ، أو يتحلى بمثل مزاياهم ، اللهم الا النفر الاقل الذي لا يناط به أمل حرب ولا أمل سلم.
     ولولا قوة تأثيره في خطبه ، وعظيم مكانته في سامعيه ، لما تألف له ـ بعد هؤلاء ـ جيش ، ولا قامت له بعدهم قائمة.
1 ـ اسم موضوع على شاطئ الفرات بين « عانة » و « دير الشعار ». كان ميدان الحروب الطاحنة بين الكوفة والشام.

(50)
    وهكذا أسلمته ظروفه لان يكون هدف المقاطعة من بعض ، وهدف العداء المسلح من آخرين ، وهدف الخذلان الممقوت من الاتباع ( فلا اخوان عند النجاء ، ولا أحرار عند النداء ).
     وأيّ حياة هذه التي لا تحفل بأمل ، ولا ترجى لنجاح عمل. وقد أزمع فيها الترحال عباد اللّه الاخيار ، الذين باعوا قليلاً من الدنيا لا يبقى ، بكثير من الآخرة لا يفنى.
     فسُمِعَ وهو يقول ( اللهم عجل للمراديّ شقاءه ) وسُمِعَ وهو يقول ( فما يحبس أشقاها ان يخضبها بدم أعلاها ) ، وسُمِعَ وهو يقول ( أما واللّه لوددت ان اللّه أخرجني من بين أظهركم وقبضني الى رحمته من بينكم ).
     وسلام عليه يوم وُلِد. ويوم سبق الناس الى الاسلام. ويوم صنع الاسلام بسيفه. ويوم امتحن. ويوم مات. ويوم يبعث حياً.
     وترك من بعده لولي عهده ، ظرفه الزمنّي النابي ، القائم على اثافيّه الثلاث ـ فقر الأنصار. والعداء المسلَح. والمقاطعة الخاذلة.


(51)


(52)
    اذا كان الدين في الاسلام ، هو ما يبلّغه النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لانه الذي لا ينطق عن الهوى « ان هو الا وحي يوحى » ، واذا كان الخليفة في الاسلام هو من يعيّنه النبي للخلافة ، لانه المرجع الأعلى في الاثبات والنفي ، فالحسن بن علي ، هو الخليفة الشرعي ، بايعه الناس أو لم يبايعوه.
     ذكره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله باسمه في سلسلة أسماء خلفائه الاثني عشر ، كما تضافر به الحديث عنه ، فيما رواه علماء السنة (1) ، وفيما أجمع على روايته علماء الشيعة ، وفيما اتفق عليه الفريقان ، من قوله له ولاخيه الحسين : « انتما الامامان ولأُمَّكما الشفاعة (2) ». وقوله وهو يشير الى الحسين : « هذا امام ابن امام أخو امام أبو أئمة تسعة (3) » ـ الحديث ـ.
     وأمره أبوه أمير المؤمنين ـ منذ اعتل ـ أن يصلي (4) بالناس ، وأوصى اليه عند وفاته قائلاً : « يا بنيّ أنت ولي الامر وولي الدم ، وأشهد على وصيته الحسين ومحمداً وجميع ولده ورؤساء شيعته وأهل بيته ، ودفع اليه الكتاب والسلاح ، ثم قال له : « يا بنيّ أمرني رسول اللّه أن اوصي اليك ، وأن أدفع اليك كتبي وسلاحي ، كما أوصى اليّ رسول اللّه ودفع اليّ
1 ـ تجد ذلك مفصلاً في ينابيع المودة ( ج 2 ص 440 ) فيما يرويه عن الحمويني في فرائد السمطين ، وعن الموفق بن احمد الخوارزمي في مسنده. وروى ذلك ابن الخشاب في تاريخه وابن الصباغ في « الفصول المهمة » ، والحافظ الكنجي في « البيان ». وأسعد بن ابراهيم بن الحسن بن علي الحنبلي في « أربعينه ». والحافظ البخاري ( خاجه بارسا ) في « فصل الخطاب ».
2 ـ الاتحاف بحب الاشراف ، للشبراوي الشافعي ( ص 129 ط مصر ) ونزهة المجالس. للصفوري الشافعي ( ج 2 ص 184 ).
3 ـ ابن تيمية في منهاجه ( ج 4 ص 210 ).
4 ـ المسعودي ( هامش ابن الاثير ج 6 ص 61 ).


(53)
كتبه وسلاحه. وأمرني أن آمرك ، اذا حضرك الموت أن تدفعها الى اخيك الحسين ». ثم أقبل على الحسين فقال : « وأمرك رسول اللّه أن تدفعها الى ابنك هذا ». ثم اخذ بيد علي بن الحسين وقال : « وأمرك رسول اللّه أن تدفعها الى ابنك محمد. فأقرِئه من رسول اللّه ومني السلام » (1).
     صورة تحكيها كل كتب الحديث التي تعرض لهذه المواضيع ، وترفعها مسندة بالطرق الصحيحة الموثقة ، الى مراجعها من اهل البيت عليهم السلام وغيرهم. وهي الصورة التي تناسق الوضع المنتظر لمثل ظرفها. والا فما الذي كان ينبغي غير ذلك ؟
     وهذه هي طريقة الامامية من الشيعة في اثبات الامامة.
     ـ نصوص نبوية متواترة من طرقهم ، ومروية بوضوح من طرق غيرهم ، تحصر الامامة في اثني عشر اماماً كلهم من قريش (2) ، وتذكر ـ ضمناً ـ أو في مناسبة اخرى ، أسماءهم اماماً اماماً الى آخرهم ، وهو المهدي المنتظر الذي يملأ اللّه به الارض قسطاً وعدلاً ، بعد أن تكون قد امتلأت ظلماً وجوراً.
     ـ ونصوص خاصة ، من كل امام على خلفه الذي يجب أن يرجع اليه الناس.
     ثم يكون من تفوّق الامام ، في علمه وعمله ومكارمه وكراماته ، أدلة وجدانية اخرى ، هي بمثابة تأييد لتلك النصوص بنوعيها.
1 ـ اصول الكافي ( ص 151 ) وكشف الغمة ( ص 159 ) وغيرهما.
2 ـ ففي صحيح مسلم ( ج 2 ص 119 ) في باب « الناس تبع لقريش » عن جابر بن سمرة قال : « سمعت رسول اللّه (ص) يقول : لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة ويكون عليهم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش ». وروى نحواً منه البخاري ( ج 4 ص 164 ) وابو داود والترمذي في جامعه والحميدي في جمعه بين الصحيحين. ورواه غيرهم. والحديث بحصره العدد في الاثني عشر من قريش ، وبما يفصله صحيح مسلم من كون هذا العدد هو عدد الخلفاء الى ان تقوم الساعة ، صريح بما يقوله الامامية في ائمتهم ، دون ما وقع في التاريخ من أعداد الخلفاء ومختلف عناصرهم.


(54)
    اما بيعة الناس فليست شرطاً في امامة الامام. وانما على الناس أن يبايعوا من أرادته النصوص النبوية. ولا تصحّح الامامية بيعة غيره. ولا تقع من أحدهم الا اضطراراً.
     وقضت الظروف بدوافعها الزمنيّة ، أن لا يبايع الناس من الائمة المنصوص عليهم ، الا الامامين علياً والحسن عليهما السلام.
     وابتدأ بعد الحسن عهد « الخلافات » الاسمية ، التي ترتكز في نفوذها على السلاح ، وتقوم في بيعتها على شراء الضمائر بالمال. أو كما قال الغزالي « وأفضت الخلافة الى قوم تولوها بغير استحقاق (1) ».
     وكان الاولى بالمسلمين ، أو بمؤرخة الاسلام على الاخص ، ان يغلقوا عهد « الخلافة » بنهاية عهد الحسن عليه السلام ، ليشرعوا بعده عهد « الملك » بظواهره وسياسته وارتجالاته ولو فعلوا لحفظوا مثالية الاسلام مجلوّةً بما ترسَّمه خلفاؤه المثاليون من سيرة النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ولصانوا الاسلام عن كثير مما وصمه به هؤلاء الملوك الذين فرضوا على المسلمين خلافاتهم فرضاً ، ثم جاء التاريخ فرضي أن يسميّهم « الخلفاء » من دون استحقاق لهذا الاسم ، وأساء الى الاسلام من حيث أراد الاحسان.
     ترى ، أيصح للخليفة الذي يجب أن يكون أقرب الناس شبهاً بصاحب الرسالة في ورعه وعلمه والتزامه بحرفية الاسلام ، أن يصلي « الجمعة » يوم الاربعاء ، أو يصليها مرةً اخرى في ضحى النهار ، أو يتطلب محرماً ، أو يبيع الذهب باكثر منه وزناً ، أو يلحق العهار بالنسب ، أو يقتل المؤمن صبراً ، أو يرد الكافر بالمال ليتجهز على اخوانه المسلمين بالحرب ؟ الى غير ذلك والى أنكى من ذلك من ظواهر الملك التي لا يجوز نسبتها الى الدين. فَلمَ لا يكون صاحبها رئيس دنيا و « ملكاً » بدل أن نسميه رئيس دينٍ و « خليفةً » ؟. وناهيك بمن جاء بعد معاوية من خلائف هذه الشجرة المنعوتة في القرآن ـ نعتها اللائق بها ـ. فماذا كان من يزيد وماذا كان من
1 ـ تراجع « دائرة المعارف » لفريد وجدي مادة « حسن » ( ج 3 ص 231 ).

(55)
    عبد الملك ومن الوليد ، ومن آخرين وآخرين.
     كل ذلك كان يجب أن يستحث المسلمين الى الانتصاف للاسلام ، فلا يضيفون الى مراكزه الدينية العليا ، الا الاكفاء المتوفرين بتربيتهم على مثاليّته والذين هم أقرب الناس شبهاً بمصدر عظمته الاول (ص).
     وعلمنا ـ مما تقدم ـ أن الحسن بن علي عليهما السلام ، كان أشبه الناس برسول اللّه صلى اللّه عليه وآله خلقاً وخلقاً وهيأة وسؤدداً (1). وانه كان عليه سيماء الانبياء وبهاء الملوك. وعلمنا أنه كان سيد شباب أهل الجنة في الآخرة. والسيد في الآخرة هو السيد في الدنيا غير منازع. و « السيد » المطلق لقبه الشخصيّ الذي لقبه به جدّه رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله ).
     وعلمنا أنه كان أشرف الناس نسباً ، وخيرهم أباً واماً وعماً وعمة وخالاً وخالة وجداً وجدة. كما وصفه مالك بن العجلان في مجلس معاوية (2).
     فلم لا يكون ـ على هذا ـ هو المرشح بالتزكية القطعية للبيعة العامة. كما كان ـ الى ذلك ـ هو الامام المقطوع على أمره بالنص. ولم لا يضاف
1 ـ الارشاد ( ص 167 ) واليعقوبي ( ج 2 ص 201 ) وغيرهما.
2 ـ قال معاوية ذات يوم ـ وعنده اشراف الناس من قريش وغيرهم : « اخبروني بخير الناس اباً واماً وعماً وعمة خالاً وخالة وجداً وجدة » ، فقام مالك بن العجلان ، فأومأ الى الحسن فقال : « ها هو ذا ابوه علي بن ابي طالب ، وامه فاطمة بنت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعمه جعفر الطيار في الجنان ، وعمته ام هانئ بنت ابي طالب ، وخاله القاسم ابن رسول اللّه وخالته بنت رسول اللّه زينب ، وجده رسول اللّه ، وجدته خديجة بنت خويلد ». فسكت القوم. ونهض الحسن. فاقبل عمرو بن العاص على مالك فقال : « أحب بني هاشم حملك على ان تكلمت بالباطل ؟ ». فقال ابن العجلان : « ما قلت الا حقاً ، وما احد من الناس يطلب مرضاة مخلوق بمعصية الخالق ، الا لم يعط امنيته في دنياه ، وختم له بالشقاء في آخرته. بنو هاشم انضرهم عوداً ، وأوراهم زنداً ، كذلك يا معاوية ؟ قال : اللهم نعم ». ( البيهقي ج 1 ص 62 ).


(55)
اليه المركز الدينيّ الأعلى ، وهو من عرفت مقامه وسموّه ومميزاته. واذا تعذر علينا أن نفهم الامامة والكفاءة للخلافة ، من هذه القابليات الممتازة والمناقب الفضلى ، فأي علامة اخرى تنوب عنها أو تكفينا فهمها.
     خرج عليه السلام الى الناس ، غير ناظر الى ما يكون من أمرهم معه ، ولكنه وقف على منبر أبيه ، ليؤبن أباه بعد الفاجعة الكبرى في مقتله صلوات اللّه وسلامه عليه.
     فقال : « لقد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الاولون ، ولا يدركه الآخرون. لقد كان يجاهد مع رسول اللّه فيقيه بنفسه. ولقد كان يوجّهه برايته ، فيكتنفه جبرئيل عن يمينه ، وميكائيل عن يساره ، فلا يرجع حتى يفتح اللّه عليه. ولقد تُوفي في الليلة التي قبض فيها موسى بن عمران. ورفع بها عيسى بن مريم ، وانزل القرآن. وما خلّف صفراء ولا بيضاء الا سبعمائة درهم من عطائه ، أراد أن يبتاع بها خادماً لاهله (1) ».
     وتأبين الحسن هذا ـ بأسلوبه الخطابي ـ فريد لا عهد لنا بمثله ، لانه ـ كما ترى ـ لم يعرض الى ذكر المزايا المعروفة في الراحل العظيم ، كما هي العادة المتبعة في أمثال هذه المواقف ، ولا سيما في تأبين الرجال الذين احتوشوا الفضائل ، فكان لهم أفضل درجاتها ، ومرنوا على المكارم فاذا هم في القمة من ذرواتها ، علماً وحلماً وفصاحة وشجاعة وسماحة ونسباً وحسباً ونبلاً ووفاء واباء ، كعلي الذي حيّر المادحين مدح علاه. فلماذا يعزف الحسن عليه السلام ، فيما يؤبنه به عن الطريقة المألوفة في تأبين العظماء ؟. ترى أكانت الصدمة القوية في مصيبته به ، هي التي سدّت عليه ـ وهو الخطيب المصقع وابن أخطب العرب ـ أبواب القول فيما ينبغي أن يقول ، أم أنه كان قد عمد الى هذا الاسلوب قاصداً ، فكان في اختيار
1 ـ اليعقوبي ( ج 2 ص 190 ) وابن الاثير ( ج 3 ص 16 ) ومقاتل الطالبيين.

(57)
    الاسلوب الخاص ، ابلغ الخطباء وابرعهم اصابة للمناسبات ، وأطولهم خطابة على اختصار الكلمات.
     نعم انه يؤبّنه بما لا يسع أحداً في التاريخ أن يؤبن به غيره. وكل تأبين على غير هذا الاسلوب ، كان بالامكان أن يؤبَّن على غراره غيره وغيره من عظماء الناس. اما الاوصاف الفريدة التي ذكرها الحسن لأبيه في هذا التأبين ، فكانت الخصائص العلوية التي لا تصح لغير علي في التاريخ ، ولا يشاركه فيها أحد من العظماء ولا من الاولياء.
     انه ينظر اليه من زاويته الربانية ـ نظر امام الى امام ـ فاذا هو الراحل الذي لا يشبهه راحل ولا مقيم ، ولا يضاهيه ـ في شتى مراحله ـ وليٌّ ولا زعيم.
     رجلٌ ولكنه الذي لم يسبقه الاولون ولا يدركه الآخرون. وانسان ولكنه بين جبرئيل وميكائيل ، وهل هذا الا الانسان الملائكي. ترفع روحه يوم يرفع عيسى ، ويموت يوم يموت موسى ، وينزل الى قبره يوم ينزل القرآن الى الارض! مراحل كلها بين ملَكٍ مقرّب ونبي مرسلٍ وكتاب منزل ، ومع رسول اللّه يقيه بنفسه. فما شأن مكارم الدنيا ، الى جنب هذه المكرمات الكرائم ، حتى يعرض اليها في تأبينه.
     ولعلك تتفق معي الآن الى أن هذا الاسلوب الرائع « الفريد » فيما أبن به الحسن أباه عليهما السلام ، كان أبلغ تأبين في ظرفه ، وأليقه بهذا الفقيد.
     وهذه احدى مواقفه الخطابية ، التي دلت بموهبتها الممتازة على نسبها القريب ، من جده ومن أبيه ( صلى اللّه عليهما وعلى آلهما ). وسيكثر منذ اليوم أمثالها ، من الحسن « الخليفة » عليه السلام ، بحكم نزوله الى قبول البيعة من الناس ، وبما سيستقبله من طوارئ كثيرة ، تستدعيه للكلام وللقول وللخطابة في مختلف المناسبات.


(58)
    ووقف بحذاء المنبر في المسجد الجامع ـ وقد غص بالناس ـ ابن عمه « عبيد اللّه بن عباس بن عبد المطلب ». ينتظر هدوء العاصفة الباكية المرَّنة ، التي اجتاحت الحفل ، في أعقاب تأبين الامام الحسن لابيه عليهما السلام.
     ثم قال ـ بصوته الجهوريّ الموروث ـ الذي يدوّي في الارض دويّ أصوات السماء ، وما كان عبيد اللّه منذ اليوم ، الا داعي السماء الى الارض :
     « معاشر الناس هذا ابن نبيكم ، ووصي امامكم فبايعوه » « يهدي به اللّه من اتبع رضوانه سبل السلام ، ويخرجهم من الظلمات الى النور باذنه ، ويهديهم الى صراط مستقيم ».
     وفي الناس الى ذلك اليوم ، كثير ممن سمع نص رسول اللّه صلى اللّه عليه واله ، على امامته بعد ابيه. فقالوا : « ما أحبّه الينا وأوجب حقه علينا وأحقه بالخلافة ». وبادروا الى بيعته راغبين.
     وكان ذلك يوم الواحد والعشرين من شهر رمضان ، يوم وفاة ابيه عليه السلام ، سنة اربعين للهجرة (1).
     وهكذا وفقت الكوفة لان تضع الثقة الاسلامية في نصابها المفروض لها ، من اللّه عز وجل ومن العدل الاجتماعي ، وبايعته ـ معها ـ البصرة والمدائن وبايعه العراق كافة ، وبايعه الحجاز واليمن على يد القائد العظيم « جارية بن قدامة » ، وفارس على يد عاملها « زياد بن عبيد » ، وبايعه ـ الى ذلك ـ من بقي في هذه الآفاق من فضلاء المهاجرين والانصار ، فلم يكن لشاهد أن يختار ولا لغائب أن يرد ، ولم يتخلف عن بيعته ـ فيما نعلم ـ الا معاوية ومن اليه ، واتبع بقومه غير سبيل المؤمنين ، وجرى مع الحسن مجراه مع أبيه بالامس. وتخلّف أفراد آخرون عرفوا بعد ذلك بالقعّاد.
1 ـ يرجع فيما ذكرناه هنا الى شرح النهج لابن ابي الحديد ( ج 4 ص 11 ) وذكر غيره مكان عبيد اللّه أخاه عبد اللّه. وسنشير في فصل « القيادة والنفير » الى ان عبد اللّه لم يكن في الكوفة أيام بيعة الحسن.

(59)
    اما الخلافة الشرعية. فقد تمت « على ظاهرتها العامة » من طريق البيعة الاختيارية ، للمرة الثانية في تاريخ آل محمد صلى اللّه عليه وعلى آله الطاهرين وطلعت على المسلمين من الزاوية المباركة التي طلعت عليهم بالنبوة قبل نصف قرن. فكانت من ناحية صلتها برسول اللّه صلى اللّه عليه وآله ، امتداداً لمادة النور النبويّ ، في المصباح الذي يستضيء به الناس. ومع الخليفة الجديد كل العناصر المادية والمعنوية التي تحملها الوراثة في كينونته ومثاليته.
     فكان على ذلك الأولى بقول الشاعر :
نال الخلافة اذ كانت له قدراً كما أتى ربَّه موسى على قَدَرِ
     ويعود الامام الحسن عليه السلام ـ بعد أن أُخذت البيعة له ـ فيفتتح عهده الجديد ، بخطابه التاريخيّ البليغ ، الذي يستعرض فيه مزايا أهل البيت وحقهم الصريح في الامر ، ثم يصارح الناس فيه بما ينذر به الجوّ المتلبد بالغيوم من مفاجئات واخطار ..
     فيقول. ( وهو بعض خطابه ) :
     « نحن حزب اللّه الغالبون ، وعترة رسول اللّه الاقربون ، وأهل بيته الطيبون الطاهرون ، وأحد الثقلين اللذين خلّفهما رسول اللّه في امته ، ثاني كتاب اللّه الذي فيه تفصيل كل شيء ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، فالمعوّل علينا في تفسيره ، لا نتظنن تأويله بل نتيقن حقائقه ، فأطيعونا فان طاعتنا مفروضة ، اذ كانت بطاعة اللّه ورسوله مقرونة ، قال اللّه عزّ وجل : يا أيها الذين آمنوا أطيعوا اللّه وأطيعوا الرسول واولي الامر منكم فان تنازعتم في شيء فردّوه الى اللّه والرسول وقال : ولو ردّوه الى الرسول واولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ».
     ثم يمضي في خطابه ، ويردف أخيراً بقوله :


(60)
    « واحذركم الاصغاء لهتاف الشيطان فانه لكم عدوّ مبين فتكونون كأوليائه الذين قال لهم : لا غالب لكم اليوم من الناس واني جارٌ لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال اني بريء منكم اني أرى ما لا تَرون. فستلقون للرماح وردا ، وللسيوف جزرا ، وللعُمُد حطما ، وللسهام غَرَضا. ثم لا ينفع نفساً ايمانها ، لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في ايمانها خيراً (1) » ..
     ثم نزل من على منبره ، فرتب العمّال ، وأمَّر الامراء ونظر في الامور (2).
    قبول الخلافة
    وتحذلق بعض المترفهين بالنقد ، فرأى من « التسرع » قبول الحسن للخلافة ، في مثل الظرف الذي بايعه فيه الناس ، بما كان يؤذن به هذا الظرف من زعازع ونتائج ، بعضها ألم ، وبعضها خسران.
    ولكي نتبين مبلغ الاصابة في التسرع الى هذا النقد. نقول :
    اما اولاً :
    فلما كان الواجب على الناس ديناً ، الانقياد الى بيعة الامام المنصوص عليه ، كان الواجب على الامام ـ مع قيام الحجة بوجود الناصر ـ قبول البيعة من الناس.
    اما قيام الحجة ـ فيما نحن فيه ـ فقد كان من انثيال الناس طواعية الى البيعة في مختلف بلاد الاسلام ، ما يكفي ـ بظاهر الحال ـ دليلاً عليه. ولا مجال للتخلف عن الواجب مع وجود شرطه.
    واما ثانياً :
    فان مبعث هذا الانعكاس البدائي ، عن قضية الحسن عليه السلام هو
1 ـ روى هذه الخطبة هشام بن حسان. وقال : انها بعض خطبته بعد البيعة له بالامر البحار ( ج 10 ص 99 ) والمسعودي.
2 ـ وروى هذا النص اكثر المؤرخين.
صلح الحسن ( عليه السلام ) ::: فهرس