91
    كان « درب الحصا » في ذلك الضحى غارقاً في حزن مرير ، وباب منزل الامام مشرعاً ، وقد تجمهر عشرات الناس قرب الباب بعد أن ضاق المنزل بهم ..
    كان الخبر قد تسرب الى بعض اصدقاء الامام ، ثم سرعان ما انتشر وقد تلقى أهالي المدينة الخبر بأسى ووجوم وبكى بعضهم .. بكى السلام الراحل .. والرجل المبارك الذي حل بين ظهرانيهم منذ عشرين سنة .. قضاها في خدمة الاسلام ومساعدة المنكوبين ونشر العلم الالهي ..
    كمنارة مسجد مضيء كان الامام .. روحانياً شفافاً في زمن تكاثفت فيه المادة والطين .. زاهداً في زمن استعرت فيه حمى الحرص .. تغمره السكينة في قلب العاصفة .. عاصفة الشرّ ..
    أحبه الناس جميعاً الشيعي والسني .. المسلم والنصراني ..
    المنزل يغص بالجماهير وكان الشيعة اكثر الناس فجيعة .. الدموع تجري بصمت كسماء مثقلة بمطر خريفي .. وهواجس الحيرة تملأ القلوب عن الامام الذي سينهض بالأمانة .. والخوف يمنع الجميع عن السؤال ، فهناك عيون زجاجية مبثوثة .. عيون جواسيس منحوتة من الصخر .. انوفهم كأنوف الكلاب .. وقلوبهم كتل من رصاص ..
    جثمان الامام مسجى وابنه الحسن يصلي ، ومناحة في حجرة مجاورة ارتدت سامراء ثوب الحزن والحداد ، فقد تعطلت


92
الأسواق والمحال التجارية لقد رحل الرجل المبارك .
    حضرت شخصيات رفيعة المستوى للمشاركة في العزاء وموكب التشييع وفي طليعتهم قائد الزحف على بغداد ابان الحرب الاهلية طلحة بن المتوكل الذي يعد من ابرز السياسيين العباسيين والذي أحضر من بغداد ليمثل الخليفة في تقديم التعازي ..
    استحال المنزل الى سوق بسبب ضجة الاحاديث المتبادلة .. ومر وقت قصير عندما ظهر خادم بيده رقعة مطوية فنادى على خادم آخر :
    ـ يا رياش خذ هذه الرقعة وامض بها الى دار أمير المؤمنين ، وقل هذه رقعة الحسن بن علي ..
    وتطلع الناس الى الباب الذي اغلق تواً .. وبعد لحظات فتح الباب ليظهر كافور الخادم ثم ظهر شاب في العشرين من عمره هيئته تنم عن فجيعة .. كان حاسراً مكشوف الرأس يرتدي رداءً ناصع البياض قد شق جزء منه تعبيراً عن المصاب الجلل وفغر البعض أفواههم .. أنه يشبه الامام الراحل تماماً .. بل أنه هو .. لقد كان صورة طبق الاصل لعلي الهادي !!
    اتجه الشاب الى طلحة بن المتوكل الذي عرف باسم « الموفق » .. ونهض الجميع وهب « الموفق » لمعانقة الحسن الذي هتف قائلاً :


93
    ـ مرحباً بابن العم (85) ..
    واتخذ أبو محمد الحسن مجلسه بين بابي الرواق .. وساد الصمت المنزل وكان الجميع مأخوذين بالوجه الاسمر الذي لا يخطىء في ملامحه وجه الأب الراحل (86) .. ولم يعد يسمع أحد ينبس ببنت شفة إلا السعلة والعطسة (87) .. وكان جعفر (88) ينظر الى اخيه نظرة فيها حسد وخرج النعش الطاهر للتشييع والصلاة عليه في المسجد الجامع ..
    وفيما كان النعش يخترق الرواق كحمامة شهيدة ، ظهرت فتاة تهتف بفجيعة :
    ـ ماذا لقينا من يوم الاثنين .. قديماً وحديثاً (89) ؟!
    وشعر الامام بالأسى فقال لمن حوله :
    ـ ألا يوجد من يرد هذه الجاهلة ؟
    وبادر بعضهم فرد الفتاة الى حجرة النساء ، فيما غادر النعش المنزل تحمله أكف وسواعد وقلوب المؤمنين ..
    ضاق شارع « أبي أحمد » وهو أطول شوارع سامراء وأعرضها بالجماهير ..
    شمس حزيران تغمر باشعتها الموكب الطويل ، وفقدت قوات الشرطة السيطرة على الموقف بعد أن اندفعت الجماهير وكل يريد أن يمس بيده النعش الطاهر قبل أن يوارى الثرى .
    اليوم هو يوم 25 جمادى الآخرة من سنة 254 ، وقد بلغ


94
الازدحام في الشارع الطويل أوجه فتقرر الصلاة على الجثمان في الشارع حتى يسع كثرة الناس ، وشعر « الموفق » بالخطر فقد يتحول هذا الموكب الجرار الى حركة مضادة للحكم القائم فأسرع في انهاء مراسم الصلاة وحمل النعش مرة أخرى ليدفن في منزله حسبما ورد في الوصية ..
    انتهت مراسم الصلاة التي أجريت بسرعة وأثارت إستياء الناس الذين لم يجدوا الوقت الكافي في إجراء مراسم التشييع كما ينبغي .. وكان واضحاً أن هناك توجساً مما قد يؤدي اليه هذا التجمع الذي لم تشهده سامراء منذ تأسيسها وحتى الآن ..
    بلغ من شدة الزحام أن ضغط الناس الامام الحسن ودفعته الأمواج البشرية الى جانب الطريق .. فصادف دكة مرشوشة بالمياه فأستأذن البقال في أن يجلس . وحيا البقال الامام بأدب وكان بعض الذين يمرون يستوقفهم الوجه الاسمر لفتى تتألق في عينيه أنوار النبوات .. وتحلق بعض الناس حوله ينظرون الى شاب قد ذرف على العشرين وقد اشتعل الشيب في ذقنه أية فجيعة هدت هذا الفتى ؟ وأية هموم يحملها وينوء بحملها ؟! قليلون جداً يدركون محنة هذا الانسان الذي نهض بالامامة ..
    لم تمر سوى دقائق حتى جاء شاب بهي الوجه يقود بغلة شهباء فعرض على الامام الركوب .
    وفي ظهيرة ذلك اليوم ووري الثرى رجل عاش في سامراء


95
عشرين سنة امضاها عملاً وجهاداً ومقاومة .. فكان مثالاً في كل شؤون الحياة .
    عاش في زمن مرير .. زمن عاصف الاحداث لكنه حافظ على استقامته وظل هو هو ثابتاً كالجبل قوياً كالاعصار هادئاً كحمائم السلام طاهراً كقطرات الندى متألقاً كقمر بهي ..
    وعم الحزن مساحات شاسعة من الوطن الاسلامي المسلمون جميعاً بمختلف مذاهبهم افتقدوه .. وفجعت شيعته برحيله حتى النصارى حزنوا من أجله لقد كان رجل مباركاً عاش للناس جميعاً فحزنوا عليه جميعاً .
    وبرحيله انتهى فصل تاريخي ليبدأ فصل جديد .. وتدور رحى الأيام ..


96


97
مولـد الـشمس


98


99
13
    أطل عام 255 هـ فيما كان الخريف يلملم أيامه الأخيرة ويرحل تاركاً بعض أوراق الاشجار لرياح كانون الثاني من عام 869 م .
    التوتر يسود سامراء والتطاحن بين القادة الأتراك يسحق الكثيرين وقصور الخلافة تضج بالفساد وتئن من النهب ، وقد كشرت طغمة الأربعة عن أنياب ينز منها الصديد ..
    وبدا واضحاً ان « قبيحة » تقود دفة الحكم مسكونة بالجشع وحمى تكديس الذهب والجواهر .. وما زاد الطين بلة وجود أفراد نصارى حاقدين تظاهر بعضهم بالاسلام أو ظل مصراً على ديانته وهم يحتلون مناصب الدولة العليا .. في ظل سياسة المتوكل .
    رئيس الوزراء الآن ابن اسرائيل وابن مخلد وزير وكان كاتباً لقبيحة أم الخليفة نصراني ظل مصراً على ديانته ويشغل منصباً حساساً في البلاط فهو الكاتب الأول وله علاقة وطيدة مع المتوكل خرجت عن إطار علاقة السيد بأحد عبيده ومماليكه .
    باتت سامراء مدينة تعيش على فوهة بركان قد ينفجر بين


100
ساعة وأخرى ..
    انباء القلاقل في شرق ايران وشمالها تثير هواجس الحكام .. فالصفار ما يزال يواصل تقدمه باتجاه مدن جديدة وهو الآن في طريقه الى كرمان (90) ، والحسن زيد الثائر العلوي يبسط نفوذه على مساحات شاسعة من مقاطعات الدولة وما يزال يشكل تهديداً بالرغم من هزيمة قواته « موسى بن بغا » .
    أما القادمون من البصرة فيتحدثون عن ظهور رجل يدعي الانتساب إلى « أهل البيت » ويسعى إلى تحريض الزنوج على الثورة وان أمره قد استفحل وقد تشتعل نار الثورة لأن الزنوج هناك يعيشون ظروفاً شاقة جداً .
    واضافة إلى كل ذلك فلم يكن قصر الخلافة ليغفل عن الهاجس العلوي خاصة وان اغتيال الامام علي الهادي لم يشتت شمل الشيعة الذين بلغ عددهم الملايين فقد نهض بالأمر بعده ابنه الحسن الذي يشبهه خلقاً وخلقاً وسيرة لكأن الهادي ما يزال يعيش ويمارس دوره في قيادة الملايين التي لا تؤمن إلا بامامته ولا تدين بالولاء لأحد غيره .
    أما الوضع مع دولة الروم فقد توقفت الاشتباكات وهدأت جبهات الصراع هدوءً نسبياً منذ مصرع الامبراطوار ميخائيل الثالث في انقلاب عسكري قاده القائد المقدوني باسيل وبسقوط ميخائيل الثالث انتهى حكم الأسرة العمورية وبدأ عهد الاسرة