ويمكن ان تجتمع الفروض بعضها مع بعض ، فالنصف يجتمع مثلاً مع
الربع كالزوج والبنت حيث ان للبنت النصف وللزوج الربع ، وهناك موارد
متعددة تجتمع فيها الفروض .
ويمكن ان يمنع شخص من الارث كلا او بعضا بسبب وجود فرد آخر ،
فيكون الثاني حاجباً والاول محجوباً . والحجب على نوعين : حجب الحرمان ،
حيث يكون الحاجب سبباً لمنع المحجوب عن اصل الميراث كحرمان الجد
كلية بسبب وجود الاب ، والضابط لحجب الحرمان مراعاة الاقرب ، لقوله
تعالى : ( وَاُولُوا الاَرحامِ بَعضُهُم اَولى بِبَعضٍ في كِتابِ اللهِ ) (5) . وحجب
النقصان ، وهو ان يكون الحاجب سبباً للمنع من النصيب لا من اصل الارث
كحرمان الزوج مما زاد على الربع بسبب وجود الولد .
ويصطلح الفقهاء على نقصان الفروض عن التركة ب ـ « التعصيب » .
اما « العول » فهو اصطلاح يطلقه الفقهاء على زيادة السهام على
التركة بوجود الزوج او الزوجة . كما لو ترك الميت زوجة وابوين وبنتين ،
ففرض الزوجة الثمن ، وفرض الابوين الثلث ، وفرض البنتين الثلثان . ولا
تحتمل الفريضة ثمناً وثلثاً وثلثين . ولكن علماء الامامية قالوا بعدم العول
وبفاء الفريضة ، وان النقص يدخل دائماً على البنات والاخوات دون الزوج
والزوجة والام والاب ، وعليه فان للزوجة الثمن وللابوين الثلث والباقي
للبنتين .
والمرتبة الاولى من مراتب الارث تشمل الابوين والاولاد
واولادهم . والولد اصطلاح يطلق على الذكر والانثى لانه مشتق من الولادة
كما قال تعالى : ( يُوصِيكُمُ اللهُ في اَولادكُم لِلذَّكَرِ مِثل حَظِّ الاُنثَيَينِ ) (2) .
واستدل بميراث المرتبة الاولى بقول الامام محمد الباقر (ع) : ( لا يرث مع
الام ، ولا مع الاب ، ولامع الابن ، ولا مع الابنة ، الا الزوج والزوجة ، وان
والمرتبة الثانية تشمل الاجداد والجدات ، والاخوة والاخوات
واولادهم . وقد اطلق على الاخوة اسم الكلالة وهي من الاكليل لاحاطتهم
بالفرد كما يحيط الاكليل بالرأس . فاذا كان للميت مثلاً اخوة ذكور من ابيه
وامه قُسِّم المال بينهم بالسوية ، وان كان معهم اناث فللذكر مثل حظ الانثيين
كما ورد نصاً واجماعاً . ويعتبر في تقسيم الارث في هذه المرتبة ان الجد
كالاخ ، والجدة كالاخت ، للروايات المتضافرة ، ومنها : ( يورث الاخ من
الاب مع الجد ينزله بمنزلته ) (2) ، و ( ان الجدة مع الاخوة من الاب مثل واحد
من الخوة ) (3) . و ( ان الجد مع الاخوة يرث حيث ترث الاخوة ، ويسقط
حيث تسقط ، وكذلك الجدة اخت مع الاخوات ترث حيث يرثن ، وتسقط
حيث يسقطن ) (4) . وقد « انعقد الاجماع على ان اولاد الاخوة يقومون مقام
آبائهم ، ويرثن نصيبهم مع عدمهم ، وعدم من هو في درجتهم » (5) .
والمرتبة الثالثة تشمل الاعمام والاخوال واولادهم . وقد « اجمع
وفي ميراث الزوجين ، يشارك الزوج الورثة في جميع المراتب
المذكورة سابقاً ، وله النصف من تركة الزوجة اذا لم يكن لها ولد منه او من
زوج غيره والربع ان كان لها ولد ، ولا فرق ان كان منه او من غيره ، لقوله
تعالى : ( وَلَكُم نِصفُ ما تَرَكَ اَزواجُكُم اِن لَم يَكُن لَهُنَّ وَلَدٌ فَاِن كانَ لَهُنَّ وَلَد فَلَكُم الرَبعُ مِمّا تَرَكن ) (3)
وتعد الشريعة ولد الولد بمنزلة الولد ، لقوله (ع) :
( ولد البنين بمنزلة البنين ، ويحجبون الابوين والزوجين عن سهامهم الاكثر ،
وان سفلوا ببطن او بطنين او ثلاثة او اكثر ، ويرثون ما يرث الولد للصلب ،
ويحجبون ما يحجب الولدل لصلب ) .
وتشارك الزوجة الورثة في جميع المراتب ، ولها الربع ان لم يكن له ولد
منها او من غيرها ، والثُمن اذا كان له ولد منها او من غيرها ، لقوله تعالى :
ولما كان الطلاق من اهم اسباب اضطراب العائلة وتحللها في النظام
الاجتماعي ، لانه يتعلق بحقوق الزوج والزوجة والاولاد ، وما يترتب على
انفصام العلاقة الزوجية من مشاكل اجتماعية وحقوقية بين عائلتي الزوجين ،
كان لابد من تنظيم دقيق لشروطه وعناصره الاخرى المتمثلة بالمطلِّق
والمطلِّقة والعدة والنفقة والرضاع والحضانة ونحوها .
ويقسم الفقهاء الطلاق الى قسمين : طلاق السنة وهو الطلاق الذي
يلتزم به الفرقاء بالشروط الشرعية المقررة ، وطلاق البدعة وهو الطلاق
غير المشروع ويدخل فيه طلاق الحائض والنفساء بعد الدخول ، والتطليق
بعد المواقعة في طهرها ، والتطليق ثلاثاً بصيغة واحدة ، والتطليق بغير شهود .
وللطلاق الشرعي اركان اربعة هي : المطلِّق ، والمطلَّقة ، وصيغة الطلاق ،
والشهود .
ويشترط في شخصية المطلِّق اربعة شروط ، اولاً : البلوغ ، فلا يصح
طلاق الصبي حتى او كان مميزاً . ثانياً : العقل . ثالثاً : الاختيار ، لما ورد في
حديث لرسول الله (ص) : ( رفع عن امتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا
عليه ) (1) . و « تؤيده رواية عائشة عنه (ص) : لاطلاق ولاعتاق ولا
اغلاق (2) . قال ابو عبيد : الاغلاق الاكراه ، وهو مذهب علي (ع) وابن عمر
وابن عباس . وحكم المغضب حكم المكره مع ارتفاع قصده ، لاشتراكهما في
وليس للاب ان يطلق ابنه غير البالغ ، لليص الوارد عن رسول الله
(ص) : ( الطلاق بيد من اخذ بالساق ) (3) . وقد ذهب المشهور ان للزوج الحق ،
غائباً كان او حاضراً ، في توكيل من يشاء بطلاق زوجته ، لإطلاق ادلة
الوكالة الشرعية .
ولاشك ان الطلاق لا يتم ما لم تتوفر كل الشروط الشرعية في
المطلَّقة . وهذه الشروط هي ، اولا : ان تكون بالفعل زوجة دائمة . ثانياً : ان
يعينها بالذات ، فيقول مثلاً : فلانة طالق. ثالثاً : ان تكون في طهر لم يواقعها فيه ،
فلو طلقت وقت الحيض او النفاس او في طهر المواقعة فسد الطلاق ، لقوله
تعالى : ( يااَيُّها النَّبي اِذا طَلَّقتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ) (4) ، وزمان العدة
في الآية الشريفة هو الطهر اجماعاً، فمعنى ( طلقوهن لعدتهن ) اي « لزمان
عدتهن : وذلك ان يطلقها في طهر لم يجامعها فيه .. عن ابن عباس وابن
مسعود والحسن ومجاهد وابن سيرين وقتادة والضحاك والسدي . فهذا هو
ويستثنى في بطلان طلاق الحائض خمسة اصناف : « الحامل المتيقن
حملها ، والتي لم يدخل بها زوجها . والغائب عنها زوجها ، والتي لم تحض ،
والتي قد يئست من المحيض » (3) .
ولا يقع الطلاق الا بصيغة معينة حددها الشارع ، وهي لفظ « الطلاق » ،
لرواية بكير بن أعين عن الامام (ع) « ان يقول لها ، وهي في طهر من غير
جماع : انت طالق ، ويشهد شاهدي عدل ، وكل ما سوى ذلك فهو ملغى » (4) .
ولا يقع الطلاق الا بالاشهاد ، وهو حضور شاهدين عدلين من
الذكور ، لقوله تعالى بعد ذكر انشاء الطلاق وجواز الرجعة : ( وَاَشهِدُوا ذَوي عَدلٍ مِنكُم وَاَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلّهِ ذلِكُم يُوعَظُ بِهِ مَن كانَ يُؤمِن بِاللّهِ وَاليَومِ )
ويقسم الفقهاء طلاق السنة الى قسمين ، الطلاق الرجعي والطلاق
البائن . فالرجفي يملك فيه المطلِّق الحق الرجوع الى مطلقته المدخول بها ما
دامت في العدة ، رضيت بذلك ام لم ترض ، لانها تعتبر شرعاً بحكم الزوجة
اولاً ، ولانه هو الذي طلقها كرها لها ، ثانياً . ولايترتب على الطلاق الرجعي
اي اثر على الحياة الزوجية سوى عدُّه من التطليقات الثلاث ، للنص الوارد
عن الامام الصادق (ع) : ( المطلقة [ الرجعية ] تكتحل وتختضب وتتطيب ،
وتلبس ما شاءت من الثياب ، لان الله عز وجل يقول : ( لَعَلَّ الله يحُدِثُ بَعدَ ذلِكَ اَمراً ) لعلها تقع في نفسه فيراجعها ) (3) .
والطلاق البائن هو الذي تنقطع فيه الرجعة الى المطلَّقة . ويشمل
المطلَّقة ثلاثاً ، والمطلَّقة غير المدخول بها ، والآيسة ، والمطلَّقة خلعياً .
فاذا طلق المرء زوجته ثلاث مرات فلا تحل له ، حتى تنكح زوجاً
غيره نكاحاً دائمياً صحيحاً ويدخل بها ، بدليل النص القرآني الشريف :
( فَاِن طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعد ، حَتّى تَنكح زَوجاً غَيرَه فَاِن طَلَّقَها
فَلا جُناحَ عَلَيهِما اَن يَتَراجَعا ) (4) ، وما روي عن الامام (ع) :
( المطلقة التطليقة الثالثة لا تحل له ، حتى تنكح زوجاً غيره ، ويذوق عسيلتها ) (5) .
وتحرم .
واذا ادعت المرأة المطلقة ثلاثاً بانها تزوجت من زوج آخر يقبل قولها
بلا يمين ، وللزوج الاول ان يتزوجها اذا اطمأنَّ الى صدق ادعائها « لرواية
حماد الصحيحة عن ابي عبد الله (ع) في رجل طلق امرأته ثلاثاً ، فبانت منه ،
فاراد مراجعتها ، فقال لها : اني اريد مراجعتك فتزوجي زوجاً غيري ، فقالت :
قد تزوجت زوجاً غيرك ، وحللت لك نفسي ؟ أتصدَّق ويراجعها ، وكيف
يصنع ؟ قال (ع) : اذا كانت المرأة ثقة صُدِّقَت في قولها بناء على عدم ارادة
الشرطية بذلك » (1) .
والطلاق البائن ، خلعي ومبارأة ، فالطلاق الخلعي ناتج عن ابانة
الزوجة على مال تفتدي نفسها به ، بسبب كرهها له ، لقوله تعالى : ( فَاِن خِفتُم اَلاّ يُقِيما حُدودَ اللهِ فَلا جُناحَ عَلَيهِما فيما افتَدَت بِه تِلكَ حُدود اللهِ فَلا
تَعتَدُها ) (2) ، وقوله ايضاً :
( فَاِن طِبنَ لَكُم عَن شَيء مِنهُ نَفساً فَكُلُوهُ هَنيئاً
مَريئاً ) (3) . وقيل في صيغة الطلاق الخلعي ، ان الافضل ان يجمع بين لفظي الخلع والطلاق ، فيقول مثلاً : خلعتك على كذا فانت طالق . واتفق الفقهاء على
والمعروف ان الفدية هو العوض الذي تبذله الزوجة لزوجها كي
يطلق سراحها ؛ فيمكن ان يكون بمقدار المهر او اقل او اكثر ، بدليل قول
الامام الصادق (ع) : ( يخلعها بما تراضيا عليه من قليل او كثير ) (1) .
ويشترط في الطلاق الخلعي ما يشترط في غيره ، من وجود العقل
والبلوغ والاختيار والقصد عند كلا الطرفين . ويشترط في المختلعة ايضاً ان
تكون في طهر لم يواقعها فيه اذا كان قد دخل بها ، وان تكون غير آيسة ، ولا
صغيرة ، ولا حامل . ويشترط في صحة الخلع حضور شاهدي عدل . ولا
يصح الخلع ولا يجوز للرجل اخذ العوض الا اذا كانت هي وحدها كارهة
للزوج ، للنص الشرعي الصريح بذلك : ( لا يكون الخلع ، حتى تقول : لا اطيع
لك امراً ، ولا ابر لك قسماً ، ولا اقيم لك حداً ، فخذ مني وطلقني ، فاذا قالت
ذلك فقد حل له ان يخلعها بما تراضيا عليه من قليل او كثير ) (2) . والمختلعة
تعتد اينما شاءت ، ولا نفقة لها الا اذا كانت حاملاً .
وطلاق المبارأة ، « تطليقة بائنة ، وليس فيها رجعة » حسب ما ورد في
الرواية (3) . ومن شروطها تبادل الكراهية من قبل الزوجين ، وقد ثبت
الاجماع على ذلك « مضافاً الى موثق سماعة عن ابي عبد الله وابي الحسن
والعدة ، هي الفترة التي حددها الشرع للمطلقة للدخول في زواج
آخر ، للنص المجيد : ( وَالمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصنَ بِاَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوء ) (4) ،
والمقصود شرعاً بالقرء هو الطهر ، او ما بين الحيضتين ، وقوله تعالى ايضاً :
( وَالَّذينَ يَتَوَفَّونَ مِنكُم وَيَذَرُونَ اَزواجاً يَتَرَبَّصنَ بِاَنفُسِهِنَّ اَربَعَة اَشهُرٍ وَعَشراً ) (5). وقد اجمع الفقهاء على انه لا اثر للعدة ما لم يحصل
الدخول ، كما جاء في قوله تعالى :
( اَذا نَكَحتُم المُؤمِنات ثُمَّ طَلَّقتُمُوهُنَّ مِن قَبل اَن تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُم عَلَيهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعتَدّونَها ) (6) ، والرواية الواردة عن ائمة
اهل البيت (ع) : ( اذا طلق الرجل امرأته ، قبل ان يدخل بها تطليقة واحدة
وعدة المتمتع بها اذا كانت حاملاً هو وضع الحمل ، ومع الدخول
وعدم الحمل حيضتان ، للرواية المروية عن الامام جعفر بن محمد (ع) : ( اذا
انقضى الاجل بانت منه بغير طلاق ، ويعطيها الشيء اليسير ، وعدتها
حيضتان ) (5) . واذا كانت غير قادرة على الحيض فعدتها خمس واربعون يوماً
« اجماعاً ونصوصاً ، بل في خبر البزنطي عن الامام الرضا (ع) انه قال : ( قال
ابو جعفر (ع) : عدة المتمتعة خمسة واربعون يوماً ، والاحتياط خمس
ولو توفي زوجها فعدتها اربعة اشهر وعشرة ايام ، دخل بها ام لم
يدخل ، دائمة كانت أو منقطعة ، لقوله تعالى : ( وَالَّذينَ يُتَوَفَّونَ مِنكُم ،
وَيَذَرُونَ اَزواجاً يَتَرَبَّصنَ بِاَنفُسِهِنَّ اَربَعَة اَشهُرٍ وَعَشراً ) (2) .
اما اذا كانت حاملاً وتوفي زوجها فعدتها ابعد الاجلين . واتفق الفقهاء على وجوب
الحداد خلال فترة العدة ، اذا توفي زوجها ؛ للرواية المروية عن الامام (ع) :
( المتوفى عنها زوجها لا تكتحل للزينة ، ولا تتطيب ، ولا تلبس ثوباً
مصبوغاً ، ولا تبيت عن بيتها ، وتقضي الحقوق ) (3) .
ويكون للمعتدة من الطلاق الرجعي النفقة حاملاً كانت او غير
حامل ، وكذلك المعتدة من الطلاق البائن فان لها النفقة ان كانت حاملاً فقط ،
ولا نفقة لها ان كانت حائلاً . اما المعتدة من الوفاة فلا نفقة لها وان كانت
حاملاً ، بسبب وجود التركة المالية التي لها حق ثابت فيها . واتفق الفقهاء على
ان المطلقة الرجعية تعتد في بيت الزوج ، ولا يجوز للزوج اخراجها منه ، ولا
يجوز لها الخروج من البيت الا باذنه ، والا تعدّ ناشزة وتسقط نفقتها . اما
المطلقة البائنة فانها تعتد في اي مكان ، لانقطاع العصمة بينها وبين زوجها
اولاً ، وسقوط نفقتها الا إذا كانت حاملاً ثانيا ، وانتفاء التوارث بينهما ثالثاً .
ويستطيع الزوج في الطلاق الرجعي ان يستبقي زوجته المطلقة ، في
خصائص النظام العائلي الاسلامي بالمقارنة
مع النظام العائلي الرأسمالي
ومن اجل فهم الابعاد الحقيقية للمؤسسة العائلية في المجتمع
الاسلامي ، ودور الشريعة في إحكام بنائها العلوي ، لابد لنا من دراسة
الفوارق الفكرية والفلسفية المتوقعة بينها وبين نظيرتها في النظام الاجتماعي
الرأسمالي . وفي سبيل تحقيق ذلك الفهم ، لابد من ترتيب النقاط التالية :
اولاً : اقرار الضمان المالي للعائلة في المجتمع الاسلامي ؛ فتنصبّ
مسؤولية الزوج على اعالة زوجته ووالديه وابنائه ، حيث اوجبت الشريعة
نفقة الزوجة الدائمة على زوجها ، حتى لو كانت الزوجة ثرية ؛ وجعلت
المسؤولية مشتركة بينهما ، فعليه النفقة وعليها الطاعة والتمكين . ولا شك ان
تحديد النفقة الشرعية مرهون بالعرف ، الا ان الاصل فيها هو اشباع
حاجاتها الاساسية من المأكل والملبس والمسكن والعلاج ونفقة الحمل
والوضع والرضاعة والحضانة . وبطبيعة الحال ، فان وجوب الانفاق لا
يقتصر على الزوجة فحسب ، بل يجب على الآباء نفقة ابنائهم وان نزلوا
ذكوراً واناثاً ، وعلى الابناء نفقة آبائهم وان علوا ذكورا واناثاً ، وهو ما عبر
عنه فقهياً بنفقة الاصول والفروع ، حتى لو كان الاصل فاسقاً او كافراً بلا
خلاف .
اما في النظام الرأسمالي ، فان النظام العائلي مصمم نظرياً على اساس
ان الفرد المنتج في العائلة الواحدة هو المسؤول عن اعالة الآخرين الذين لا
ولكن الدولة لا تستطيع سد كل حاجات الشيوخ والمسنين
والعاجزين عن العمل . وخروج الزوجة للعمل خارج البيت ، يترك الابناء
والبنات القاصرين دون رعاية ابوية هم بأمس الحاجة اليها وقت نموهم
العقلي والبدني . ولذلك ، فان تحميل المسؤولية المالية على الزوج للانفاق على
زوجته ووالديه وابنائه يعتبر من افضل الحلول الاجتماعية لمشكلة تحلل
الاسرة وتدهورها الاخلاقي والاقتصادي ، والتي يشهدها النظام الرأسمالي
بكل ضراوة بعد أكثر من ثلاثة قرون على انشائه وتطوره في المجالات
الاقصادية والصناعية .
ثانياً : الضمان المالي للزوجة المتمثل بالصداق . وهو الذي شرعه
الاسلام لمصلحتها ، واعتبره حقاً من حقوقها المالية ، ان كان مهراً مسمى ، او
فاذا تم الطلاق حسب النظرية الرأسمالية ، فان المطلَّقين يتقاسمان
الثروة التي جهدا في تحصيلها خلال سنوات الزواج ، ولكن اذا بددت الثروة
المالية خلال ايام الزواج لسبب من الاسباب ، او كان الزوج عاجزاً عن
توفيرها ، اصبحت المطلَّقة ريشة في مهب الرياح الاجتماعية ، لا تملك لنفسها
مالاً تشبع فيه حاجاتها الاساسية . ولما كانت النظرية الرأسمالية لا ترى في
المهر حقاً من حقوق الزوجة الرئيسية ولا شرطاً في صحة الزواج ، انحدرت
اغلب المطلقات واولادهن الى مستوى الطبقة الفقيرة . ولذلك ، فانك ترى
ان اغلب فقراء النظام الرأسمالي هم من المطلَّقات ، والارامل ، والاولاد من
العوائل المطلَّقة .
ثالثاً : ان الشروط الشرعية التي يشترطها الزوج او الزوجة ضمن
العقد ، في النظام الاسلامي ، ليس لها ما يقابلها في النظام العائلي الرأسمالي .
فالشروط الصحيحة التي لا تفسخ العقد يترتب عليها الالزام وصحة العقد ،
كاشتراط الصفات الجسدية او الخلقية في احدهما ، فيثبت خيار الفسخ مع
تخلف تلك الصفات ، لعموم « المؤمنون عند شروطهم » . اما الشروط غير
رابعاً : لا يصح الزواج ، حسب الشريعة الاسلامية ، الاّ بالخلو من
المحرمات النسبية والسببية للزوج والزوجة . ومع ان النظريتين ، الرأسمالية
والاسلامية ، تتطابقان في حرمة التزاوج بسبب المحرمات النسبية كالام
والبنت والاخت والعمة والخالة وبنت الاخ وبنت الاخت . الا انهما يفترقان
في المحرمات السببية . ففي حين توجب النظرية الاسلامية حرمة التزويج
بسبب آثار المصاهرة ، كحرمة زوجة الاب على الابن ، وزوجة الابن على الاب ، وام الزوجة على زوج ابنتها وبنت الزوجة على الزوج ؛ وحرمة التزويج بسبب آثار الزنا ، فليس لابيه ولا لابنه العقد على الزانية التي زنى
بها : والحرمة المؤبدة للدخول بالمعتدة والمتزوجة ؛ وحرمة الجمع بين
الاختين المتولدتين من اب وام ، او لاحدهما ؛ وحرمة الرجوع بعد التطليقة
الثالثة ما لم تنكح زوجاً غيره ، ونحوها ؛ ففي كل هذه الحالات تنفرد النظرية
الاسلامية عن بقية النظريات الاجتماعية في الاهتمام بنظافة العلاقات
الاجتماعية والاسرية المبنية على طهارة النسل وعدم اختلاط الانساب .
وهذا يفضي بالتأكيد الى صلابة البنية التحتية للمجتمع الاسلامي ، حيث
تشكل سلامة الاسرة وصحة مقوماتها ، سلامة النظام الاجتماعي كلياً .
خامساً : العيوب الموجبة للخيار بين فسخ العقد وامضائه ، وهي
العيوب المكتشفة بعد تمام اجراء العقد كالاضطراب العقلي والخصاء والجب
اما في النظام الرأسمالي ، فان خيار الفسخ مرهون بحكم قضاة المحاكم
البلدية ، حيث يرجعون الى العرف واهل الخبرة في تحديد ذلك ، ولا يوجد
في القانون الرأسمالي ما يشير الى دقة تفاصيل العيوب الموجبة للخيار بين
فسخ العقد وامضائه ، كما هو معمول به في النظرية الاسلامية .
سادساً : ان عقد الزواج والصداق في الاسلام لا يقصد منه المعاوضة
التي لابد فيها من العلم الرافع للغرر . ففي المعاملات التجارية والبيع والشراء
يجوز للفرد فحص المادة المراد شراؤها باغلب الاوجه المتعارف عليها
اجتماعيا ، حتى تكتمل قناعة ذلك الفرد بالشراء . الا ان الاسلام لما ارجع
للمرأة حقوقها ، حرّم ذلك في الزواج ، لان ذلك العلم الرافع للغرر يهين المرأة
ويضع المجتمع امام اضطراب اخلاقي خطير ؛ ولكنه في نفس الوقت نظّم
حدود العيوب الموجبة لخيار الفسخ والخيار بالتدليس . ومن الملفت للنظر