ويزداد هذا العمل أهميةً حين نعلم أنّه خُطَّ بأنامل الخطاط العراقي عبد الحسين الركابي، ليكون واحدًا من أبرز المشاريع القرآنية التي تحمل في طياتها أبعادًا دينية وثقافية واجتماعية وإنسانية كبيرة، فضلًا عن دوره في الحفاظ على مكانة القرآن الكريم وتعزيز حضوره في حياة الناس اليوميّة. كما يُعدّ هذا المشروع إحياءً لسنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الطيبين الطاهرين، وباعثًا على التمسك بتعاليم الدين الإسلامي، ومصدرًا للطمأنينة والسكينة والثقة بعلمائنا وعقيدتنا.
وعند تحليل هذا المشروع من جوانب متعددة، يمكن الوقوف عند المحاور الآتية:
الجانب الاجتماعي:
إنّ طباعة القرآن الكريم بخط اليد تبعث رسالةً مهمّة مفادها أنّ المجتمع العراقي، والمجتمع الشيعي على وجه الخصوص، يمتلك قدراتٍ وإمكاناتٍ كبيرة في المجالات العلمية والفنية والثقافية. كما أنّ لهذا العمل أثرًا نفسيًّا واجتماعيًّا واضحًا في نفوس الناس، إذ يسهم في زرع الثقة بهذه الشريحة وما تحمله من أهدافٍ تسعى إلى خدمة المجتمع العراقي وتعزيز هويته الإسلامية.
الجانب الثقافي:
تُعدّ الثقافة أساسًا في بناء الإنسان السوي، ولا ثقافة أسمى من ثقافة القرآن الكريم وعلومه. وهذا المشروع لا يدلّ إلا على الوعي الحقيقي والثقافة الأصيلة التي تحملها الجهة المشرفة على هذا الإنجاز، إذ يعيد إلى المجتمع ثقافة القراءة والارتباط بكتاب الله الحكيم، ذلك الكتاب الذي مثّل دستورًا إلهيًّا شاملًا لم يترك شأنًا من شؤون الحياة إلا وبيّنه وأعطاه حقه، ليكون نورًا ونهجًا ودستورًا ينظّم حياة الإنسان وطريقة تعامله مع الآخرين.
الجانب المهاري:
إنّ المهارة في بلاد الرافدين جزءٌ أصيل من تاريخها الحضاري، والخط العربي واحدٌ من أبرز الفنون التي تميّز الإنسان العراقي. ومن هنا برز اسم الخطاط عبد الحسين الركابي ليخطّ لنا نورًا يشعّ من أرض ما بين النهرين، ومن جوار سيد البلغاء وأمير الحكماء علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وبمباركة المرجع الأعلى السيد علي السيستاني. ولا ينال هذا الشرف إلا من رافقه التوفيق الإلهي منذ نعومة أظفاره، حتى أصبح مثالًا للإبداع والتميّز في فنّ الخط العربي.
الجانب النفسي:
للقرآن الكريم أثرٌ خاص في نفوس المؤمنين، إذ يمنحهم الطمأنينة والسكينة عند قراءته والتأمل في آياته. وقد بعثت هذه الخطوة المباركة، التي خُطّت بأنامل الإبداع والتميّز، مشاعر الفخر والاعتزاز في نفوس الناس، وهو ما ظهر جليًّا من خلال الإقبال الواسع والكبير على نسخة القرآن الكريم المكتوبة بالخطّ اليدوي العراقي.
نعم، لقد أُنجز هذا العمل المبارك بمباركة المرجعية الدينية العليا، ومتابعة العتبة العباسية المقدسة، وسماحة المتولّي الشرعي، بعد أعوامٍ طويلة من الكتابة والتدقيق والتمحيص. وتمثّل هذه الخطوة بوابةً مهمّة لنشر الثقافة القرآنية وتعزيز الوعي الديني في المجتمع، فضلًا عن ترسيخ الرسالة الحقيقية التي تؤكّدها المرجعية الدينية دائمًا، والمتمثلة في الاهتمام بالقرآن الكريم وجعله أساسًا في حياة الإنسان ليستمدّ منه العبر والدروس والحِكم.
فالابتعاد عن القرآن الكريم وعلومه يُفقد الإنسان صلته الحقيقية بدينه وقيمه، أما التمسك به فيمنح المجتمع النور والهداية والاستقامة. كما أنّ هذا المشروع يمثّل رسالةً واضحة إلى العالم الإسلامي تؤكّد أنّ الشيعة، شأنهم شأن سائر المذاهب الإسلامية، يؤمنون بالقرآن الكريم ذاته، وأنّ كل الإشاعات التي تروّج لوجود قرآنٍ آخر لا أساس لها من الصحة، بل هي محاولاتٌ لتشويه الحقائق وإثارة الفرقة بين المسلمين.
- للكاتب جعفر لفيف
