قال : فلما قرأ جرير الكتاب قام فقال : أيها الناس ، هذا كتاب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، وهو المأمون على الدين والدنيا ، وقد كان من أمره وأمر عدوه ما نحمد الله عليه . وقد بايعه السابقون الأولون (4) من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان . ولو جعل هذا الأمر شورى بين المسلمين كان أحقهم بها . ألا وإن البقاء في الجماعة ، والفناء في الفرقة . وعلى (5) حاملكم على الحق ما استقمتم ، فإن ملتم أقام ميلكم .
فقال الناس : سمعا وطاعة ، رضينا رضينا . فأجاب جرير وكتب جواب كتابه بالطاعة . وكان مع علي رجل من طيئ ، ابن أخت لجرير ، فحمل زحر بن قيس شعرا له إلى خاله جرير ، وهو :
| جرير بن عبد الله لا تردد الهدى | * | وبايـع علينا إنني لـك ناصح |
| فإن عليا خير من وطئ الحصى | * | سوى أحمد والموت غاد ورائح |
| ودع عـنـك قـول الناكثـين فإنما | * | اك ، أبــا عـمـرو ، كـلاب نوابح |
| بـايـــعـه إن بايعـته بنـصيحة | * | ولا يـك معها في ضمـيرك قادح (1) |
| فإنك إن تطــلب بـه الـدين تعطه | * | وإن تطـلب الدنيـا فبيعــك رابـح |
| وإن قـلت عـثمـان بـن عفان حقه | * | على عـظيم والشـكور منــاصـح |
| فـحـق علـى إذ ولـيـك كـحقه ، | * | وشكرك ما أوليت في الناس صالح (2) |
| وإن قلـت لا نـرضى عليـا إمامنـا | * | فدع عنـك بـحرا ضـل فيه السوائح |
| أبـى الله إلا أنـه خـيــر دهـره | * | وأفضــل من ضمـت عليه الأباطح |
وقال جرير في ذلك :
| أتانـا كتـاب عـلي فـلم | * | نرد الـكتاب ، بأرض العجم |
| ولـم نعص مـا فيه لما أتى | * | ولمـا نـذم (1) ولمـا نلم |
| نحـن ولاة عـلى ثغـرها | * | نضيم العزيز ونحمـي الذمم |
| نساقيهـم الموت عند اللقاء | * | بكأس المـنايا ونشفي القرم |
| طـحـنـاهم طـحنة بالقنا | * | وضرب سيوف تطير اللمم |
| مضينا يقـينـا على ديننـا | * | ودين النبي مـجلى الظـلم |
| أميـن الإلـه وبـرهـانه | * | وعدل البرية والـمـعتصم |
| رسـول المليك ، ومن بعده | * | خليفتنا القـائم الـمـدعـم |
| عليا عنيـت وصي النبـي | * | نجالد عنــه غـواة الأمم |
| له الفضل والسبق والمكرمات | * | وبيت النبوة لا يهتضم (2) |
وقال رجل (3) :
| وقـال مقـالة جدعت رجالا | * | من الحييـن خطبـهم كبيـر |
| بدا بك قـبل أمتـه عـلى | * | ومخك إن رددت الحق رير (1) |
| أتاك بأمـره زحر بن قيس | * | وزحر بالـتي حدثـت خبير |
| فكنت بما أتـاك به سـميعا | * | وكدت إليه مـن فرح تـطير |
| فأنـت بما سعـدت بـه ولي | * | وأنـت لما تعد لـه نصير (2) |
| ونعم المرء أنت لـه وزيـر | * | ونعم المرء أنـت لـه أميـر |
| فأحرزت الثواب ، ورب حاد | * | حدا بـالركب ليـس له بعير |
| ليهنك ما سبـقت به رجـالا | * | من العلياء والفـضل الكبير (3 ) |
| أتـانا بالنبا زحـر بن قيـس | * | عظيم الخطب من جعف بن سعد (4 ) |
| تخـيره أبـو حسـن عـلي | * | ولم يك زنـده فيـهـا بـصـلد |
| رمى أعـراض حاجته بقول | * | أخـوذ لـلقلـوب بـلا تـعـد |
| فسر الحي من يمن وأرضـى | * | ذوي العليـاء من سلـفى مـعد (5) |
| ولم يـك قبله فـينا خطيـب | * | مضى قبلى ولا أرجـوه بعـدي |
| متـى يشـهد فنحن بـه كثير | * | وإن غاب ابن قيس غاب جدي (1) |
| وليس بموحـشي أمـر إذا ما | * | دنا منـي وإن أفـردت وحدي |
| له دنيـا يعـاش بهـا وديـن | * | وفي الهيجا كـذي شبلـين ورد |
قال : ثم أقبل جرير سائرا من ثغر همدان (2) حتى ورد على علي عليه السلام بالكوفة ، فبايعه ودخل فيما دخل فيه الناس ، من طاعة علي ، واللزوم لأمره .
ثم بعث إلى الأشعث بن قيس الكندي .
نصر : محمد بن عبيد الله ، عن الجرجاني قال : لما بويع علي وكتب إلى العمال ، كتب إلى الأشعث بن قيس مع زياد بن مرحب الهمداني ، والأشعث على أذربيجان عامل لعثمان ، وقد كان عمرو بن عثمان تزوج ابنة الأشعث بن قيس قبل ذلك ، فكتب إليه علي :
« أما بعد ، فلولا هنات كن فيك كنت المقدم في هذا الأمر قبل الناس ، ولعل أمرك يحمل بعضه بعضا إن اتقيت الله ثم إنه كان من بيعة الناس إياي ما قد بلغك ، وكان طلحة والزبير ممن بايعاني ثم نقضا بيعتي على غير حدث وأخرجا أم المؤمنين وسارا إلى البصرة ، فسرت إليهما فالتقينا ، فدعوتهم إلى أن يرجعوا فيما خرجوا منه فأبوا ، فأبلغت في الدعاء وأحسنت في البقية . وإن عملك ليس لك بطعمة ، ولكنه أمانة . وفي يديك
فلما قرأ الكتاب قام زياد بن مرحب (1) فحمد الله وأثني عليه ثم قال :
" أيها الناس ، إن من لم يكفه القليل لم يكفه الكثير ، إن أمر عثمان لا ينفع فيه العيان ، ولا يشفي منه الخبر ، غير أن من سمع به ليس كمن عاينه . إن الناس بايعوا عليا راضين به ، وأن طلحة والزبير نقضا بيعته على غير حدث ، ثم أذنا بحرب فأخرجا أم المؤمنين ، فسار إليهما فلم يقاتلهم وفي نفسه منهم حاجة ، فأورثه الله الأرض وجعل له عاقبة المتقين » .
ثم قام الأشعث بن قيس ، فحمد الله وأثني عليه ثم قال :
« أيها الناس إن أمير المؤمنين عثمان ولاني أذربيجان ، فهلك وهي في يدي ، وقد بايع الناس عليا ، وطاعتنا له كطاعة من كان قبله . وقد كان من أمره وأمر طلحة والزبير ما قد بلغكم . وعلي المأمون علي ما غاب عنا وعنكم من ذلك الأمر » .
فلما أتى منزله دعا أصحابه فقال : إن كتاب علي قد أوحشني ، وهو آخذ بمال أذربيجان (2) ، وأنا لاحق بمعاوية . فقال القوم : الموت خير لك من ذلك . أتدع مصرك وجماعة قومك وتكون ذنبا لأهل الشام ؟ ! فاستحيا فسار حتى قدم على علي ، فقال السكوني ـ وقد خاف أن يلحق بمعاوية :
| ممـا يظن بك الرجال ، وإنما | * | سـاموك خـطة معشـر أوغـاد |
| إن اذربـيـجـان التي مزقتها | * | ليـست لجدك فاشنـها ببـلاد (1) |
| كانت بـلاد خـليفـة ولا كها | * | وقـضـاء ربـك رائـح أو غـاد |
| فدع البلاد فليس فيها مـطمـع | * | ضربت عليك الأرض بالأسداد (2) |
| فـادفـع بمالك دون نفسك إننا | * | فـادوك بـالأمـــوال والأولاد |
| أنت الذي تثني الخناصر دونه | * | وبكبش كندة يـستهـل الــوادي |
| ومعصب بالتـاج مفرق رأسه | * | ملك لـعمـرك راسـخ الأوتـاد |
| وأطـع زيـادا إنه لك ناصح | * | لا شـك في قول النصيـح زيـاد |
| وانـظـر عليا إنـه لك جنة | * | ترشد ويهدك لـلسعادة هـاد (3) |
ومما كتب به إلى الأشعث :
| أبلغ الأشعث الـمعصب بالتـا | * | ج غلاما حتى علاه القتير (4) |
| يا ابن آل المـرار من قبل الأ | * | م وقيـس أبوه غيث مطير(5) |
| قد يصيـب الضـعيف ما أمر | * | الله ويخطـي المدرب النحرير |
| قد أتى قبـلك الـرسول جريرا | * | فتـلقـاه بـالسـرور جـرير |
| وله الفضل في الجهاد وفي الهج | * | رة والـدين ، كـل ذاك كـثير |
| إن يكن حظـك الذى أنـت فيه | * | فحقير مـن الحـظوظ صغير |
| يا ابن ذي التاج والمبجل من كن | * | دة ، تـرضى بأن يقال أمير ؟ |
| أذربــيجان حــسرة فذرنها | * | وابغين الـــذي إليه تصير |
| واقبل اليــوم ما يـقول علي | * | ليس فيما يــــقوله تخيير |
| واقبل البيعة التــي ليس للنا | * | س سواها من أمرهـم قطمير |
| عمرك اليوم قد تركــت عليا | * | هل له في الذي كرهـت نظير |
ومما قيل على لسان الأشعث :
| أتـانا الرسول رسول علي | * | فســر بمــقدمه المسلمونا |
| رسول الوصي وصي النبي | * | له الفضل والسبق في المؤمنينا |
| بما نصـح الله والمصطفى | * | رســول الإله الـنبي الأمينا |
| يجاهد في الله ، لا يـنثني ، | * | جميع الطغاة مع الجاحدينا (1) |
| وزير النبي وذو صــهره | * | وسيف المنية في الظـالـمينا |
| وكم بطل ماجد قــد أذاق | * | منية حتف ، من الــكافرينا |
| وكم فارس كان سال النزال | * | فآب إلى النار في الآئبينا ( 2) |
| فذاك عـلى إمـام الهـدى | * | وغيث البرية والمقحمينا (3) |
| وكان إذا مـا دعـا للنزال | * | كليث عرين يزين العرينا (4) |
| أجاب السؤال بنصح ونصر | * | وخالـص ود على العالمينا |
| فمــا زال ذلك مـن شأنه | * | ففاز وربـي مـع الفائزينا |
ومما قيل على لسان الأشعث أيضا :
| أتـانا الرسول رسول الوصي | * | علــي المهـذب من هاشم |
| رسـول الوصي وصي النبي | * | وخيـر البريـة مــن قائم |
| وزيـر النبي وذو صــهره | * | وخـير البرية في العــالم |
| له الفضل والسبق بالصالحات | * | لهدى النبي به يأتمـى (1) |
| محــمدا اعني رسول الإله | * | وغـــيث البرية والخاتم |
| أجبنــا عـليا بفضـل له | * | وطاعة نــصح لـه دائم |
| فقيه حليـم لـه صـولــة | * | كليث عريـن بها سائــم |
| حليم عفيــف وذو نـجدة | * | بعيد من الغــدر والـماثم |
وأنه قدم على علي بن أبي طالب عليه السلام بعد قدومه الكوفة ، الأحنف بن قيس ، وجارية بن قدامة ، وحارثة بن بدر ، وزيد بن جبلة ، وأعين بن ضبيعة ، وعظيم الناس بنو تميم ، وكان فيهم أشراف ، ولم يقدم هؤلاء على عشيرة من أهل الكوفة ، فقام الأحنف بن قيس ، وجارية بن قدامة ، وحارثة بن بدر ، فتكلم الأحنف فقال : « يا أمير المؤمنين ، إنه إن تك سعد لم تنصرك يوم الجمل فإنها لم تنصر عليك . وقد عجبوا أمس ممن نصرك وعجبوا اليوم ممن خذلك ، لأنهم شكوا في طلحة والزبير ، ولم يشكوا في معاوية . وعشيرتنا بالبصرة ، فلو بعثنا إليهم فقدموا إلينا فقاتلنا بهم العدو
فكأنه [ بقوله ] : « كان معك » ربما كره إشخاص قومه عن البصرة (2) .
وكان حارثة بن بدر أسد الناس رأيا عند الأحنف (3) ، وكان شاعر بني تميم وفارسهم ، فقال علي : ما تقول يا حارثة ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ، إنا نشوب الرجاء بالمخافة . والله لوددت أن أمواتنا (4) رجعوا إلينا فاستعنا بهم على عدونا . ولسنا نلقى القوم بأكثر من عددهم ، وليس لك إلا من كان معك ، وإن لنا في قومنا عددا لا نلقى بهم عدوا أعدى من معاوية ، ولا نسد بهم ثغرا أشد من الشام ، وليس بالبصرة بطانة نرصدهم لها ، ولا عدو نعدهم له .
ووافق الأحنف في رأيه ، فقال علي للأحنف : اكتب إلى قومك . فكتب الأحنف إلى بني سعد :
« أما بعد فإنه لم يبق أحد من بني تميم إلا وقد شقوا برأي سيدهم غيركم شقيت سعد بن خرشة برأي ابن يثربي ، وشقيت حنظلة برأي لحيان (1) ، وشقيت عدي برأي زفر ومطر ، وشقيت بنو عمرو بن تميم برأي عاصم بن الدلف ، وعصمكم الله برأيي لكم حتى نلتم ما رجوتم ، وأمنتم ما خفتم ، وأصبحتم منقطعين من أهل البلاء ، لاحقين بأهل العافية . وإني أخبركم أنا قدمنا على تميم الكوفة فأخذوا علينا بفضلهم مرتين : بمسيرهم إلينا مع علي ، وميلهم إلى المسير إلى الشام . ثم أخمروا (2) حتى صرنا كأنا لا نعرف إلا بهم ، فأقبلوا إلينا ولا تتكلوا عليهم ، فإن لهم أعدادنا من رؤسائهم ، وحنانا أن تلحق (3) فلا تبطئوا ، فإن من العطاء حرمانا ، ومن النصر خذلانا . فحرمان العطاء القلة ، وخذلان النصر الإبطاء ، ولا تقضي الحقوق إلا بالرضا ، وقد يرضي المضطر بدون الأمل » .
وكتب معاوية بن صعصعة ، وهو ابن أخي الأحنف :
| تمــيم بن مـر إن أحنف نعمة | * | من الله لم يخصص بها دونكم سعدا |
| وعم بها من بعدكم أهل مصركم | * | ليالي ذم النــاس كلـهم الوفـدا |
| سواه لقطع الحبل عن أهل مصره | * | فأمسوا جمـيعا آكلـين بن رغـدا |
| وإعظامه الصاع الصغير وحذفه | * | من الـدرهم الوافي يجوز له النقدا |
| وكــان لسعد رأيه أمس عصمة | * | فلم يخط لا الإصدار فيهم ولا الوردا |
| وفي هذه الأخرى له مخض زبدة | * | سيخرجها عفوا فلا تعجلوا الزبدا |
| ولا تبطئوا عنه وعيشوا برأيـه | * | ولا تجعلوا مما يقول لكم بــدا |
| أليس خطيب القوم في كل وفدة | * | وأقربهم قربا وأبـعدهم بعــدا |
| وإن عليا خير حـاف وناعـل | * | فلا تمنعوه اليـوم جهدا ولا جدا |
| يحارب من لا يحرجون بحربه | * | ومن لا يساوي دينه كله ردا (1) |
| ومن نزلت فيــه ثلاثون آية | * | تسمية فيها مؤمنا مخلصا فردا |
| سوى موجبات جئن فيه وغيرها | * | بها أوجب الله الـولاية والودا |
فلما انتهى كتاب الأحنف وشعر معاوية بن صعصعة إلى بني سعد ساروا بجماعتهم حتى نزلوا الكوفة ، فعزت بالكوفة وكثرت ، ثم قدمت عليهم ربيعة ـ ولهم حديث ـ وابتدأ خروج جرير إلى معاوية .
نصر : عمر بن سعد ، عن نمير بن وعلة ، عن عامر الشعبي ، أن عليا عليه السلام حين قدم من البصرة نزع جريرا همدان ، فجاء حتى نزل الكوفة ، فأراد علي أن يبعث إلى معاوية رسولا فقال له جرير : ابعثني إلى معاوية ، فإنه لم يزل لي مستنصحا وودا (2) ، فآتيه (3) فأدعوه على أن يسلم لك هذا الأمر ، ويجامعك على الحق ، على أن يكون أميرا من أمرائك ، وعاملا من عمالك ، ما عمل بطاعة الله ، واتبع ما في كتاب الله ، وأدعو أهل الشام إلى طاعتك
فانطلق جرير حتى أتى الشام ونزل بمعاوية ، فدخل عليه فحمد الله وأثنى عليه وقال : « أما بعد يا معاوية فإنه قد اجتمع لابن عمك أهل الحرمين وأهل المصرين (4) وأهل الحجاز ، وأهل اليمن ، وأهل مصر ، وأهل العروض وعمان ، وأهل البحرين واليمامة ، فلم يبق إلا أهل هذه الحصون التي أنت فيها ، لو سال عليها سيل من أوديته غرقها . وقد أتيتك أدعوك إلى ما يرشدك ويهديك إلى مبايعة هذا الرجل » .
ودفع إليه كتاب علي بن أبي طالب ، وفيه :
بسم الله الرحمن الرحيم .
أما بعد فإن بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشام (1) ؛ لأنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان علي ما بويعوا عليه ، فلم يكن للشاهد أن يختار ، ولا للغائب أن يرد . وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار ، فإذا اجتمعوا على رجل فسموه إماما (2) كان ذلك لله رضا ، فإن خرج من أمرهم خارج بطعن أو رغبة ردوه إلى ما خرج منه ، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين ، وولاه (3) الله ما تولى ويصليه جهنم وساءت مصيرا . وإن طلحة والزبير بايعاني ثم نقضا بيعتي ، وكان نقضهما كردهما ، فجاهدتهما . على ذلك حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون . فادخل فيما دخل فيه المسلمون ، فإن أحب الأمور إلى فيك العافية ، إلا أن تتعرض للبلاء . فإن تعرضت له قاتلتك واستعنت الله (4) عليك . وقد أكثرت في قتلة عثمان فادخل فيما دخل فيه المسلمون ، ثم حاكم القوم إلى أحملك وإياهم على كتاب الله . فأما تلك التي تريدها فخدعة الصبي عن اللبن . ولعمري لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ قريش من دم عثمان . واعلم أنك من الطلقاء (5) الذين لا تحل لهم الخلافة ، ولا تعرض فيهم الشورى . وقد أرسلت إليك
فلما قرأ الكتاب قام جرير فقال :
الحمد لله المحمود بالعوائد (2) ، المأمول منه الزوائد ، المرتجى منه الثواب المستعان على النوائب . أحمده وأستعينه في الأمور التي تخير دونها الألباب ، وتضمحل عندها الأسباب (3) . وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، كل شئ هالك إلا وجهه ، له الحكم وإليه ترجعون . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أرسله بعد الفترة ، وبعد الرسل الماضية (4) والقرون الخالية (5) ، والأبدان البالية ، والجبلة الطاغية ، فبلغ الرسالة ، ونصح الأمة ، وأدى الحق الذي استودعه الله وأمره بأدائه إلى أمته . صلى الله عليه وسلم من مبتعث ومنتجب (6) .
ثم قال : أيها الناس ، إن أمر عثمان قد أعيا من شهده ، فما ظنكم بمن غاب عنه . وإن الناس بايعوا عليا غير واتر ولا موتور ، وكان طلحة والزبير ممن بايعه ثم نكثا بيعته على غير حدث . ألا وإن هذا الدين لا يحتمل الفتن
![]() |
![]() |