[ ثم قعد ] ، فقال معاوية : انظر وننظر ، واستطلع رأي أهل الشام .
فلما فرغ جرير من خطبته أمر معاوية (5) مناديا فنادى : الصلاة جامعة . فلما اجتمع الناس صعد المنبر ثم قال :
الحمد لله الذي جعل الدعائم للإسلام أركانا ، والشرائع للإيمان برهانا ، يتوقد قبسه (6) في الأرض المقدسة التي جعلها الله محل الأنبياء والصالحين من عباده ، فأحلها أهل الشام (7) ، ورضيهم لها ورضيها لهم ، لما سبق من مكنون علمه من طاعتهم ومناصحتهم خلفاءه والقوام بأمره ، والذابين عن دينه
فقام أهل الشام بأجمعهم فأجابوا إلى الطلب بدم عثمان (6) ، وبايعوه على ذلك ، وأوثقوا له على أن يبذلوا أنفسهم وأموالهم أو يدركوا بثأره ، أو يفني الله أرواحهم (7) . فلما أمسى معاوية وكان قد اغتم بما هو فيه ، قال نصر :
| تطاول ليلى واعترتني وسـاوسي | * | لات أتى بـالـترهات البسابس (1) |
| أتانا جريــر والحوادث جمــة | * | بتلك التي فيها اجتداع المعاطس (2) |
| أكابده والســيف بــيني وبينه | * | ولســت لأثواب الدني بلابس (3) |
| إن الشــام أعطـت طاعة يمنية | * | تواصـفها أشياخها فـي المجـالس |
| فإن يجمعوا أصدم عليا بجبهة (4) | * | تفت علـيه كـل رطب ويابــس |
| وإنــي لأرجو خير ما نال نائل | * | وما أنا مــن ملك العــراق بآيس |
| وإلا يـكونوا عند ظني بنصرهم | * | وإن يخــلفوا ظني كف عابس (5) |
نصر ، عن عمر بن سعد ومحمد بن عبيد الله قالا : كتب معاوية إلى عمرو وهو بالبيع (1) من فلسطين : « أما بعد فإنه كان من أمر علي وطلحة والزبير ما قد بلغك . وقد سقط إلينا مروان بن الحكم في رافضة أهل البصرة (2) ، وقدم علينا جرير بن عبد الله في بيعة علي ، وقد حبست نفسي عليك حتى تأتيني . أقبل أذاكرك أمرا (3) » . قال : فلما قرئ الكتاب على عمرو استشار ابنيه عبد الله ومحمدا فقال : ابني ، ما تريان ؟ فقال عبد الله : أرى أن نبي الله صلى الله عليه وآله قبض وهو عنك راض ، والخليفتان من بعده ، وقتل عثمان وأنت عنه غائب . فقر في منزلك فلست مجعولا خليفة ، ولا تريد أن تكون (4) حاشية لمعاوية على دنيا قليلة ، أوشك أن تهلك فتشقى فيها (5) . وقال محمد : أرى أنك شيخ قريش وصاحب أمرها ، وإن تصرم هذا الأمر وأنت فيه خامل (6) تصاغر أمرك ، فالحق بجماعة أهل الشام فكن يدا من أياديها ، واطلب بدم عثمان ، فإنك قد استنمت فيه إلى بني أمية (7) . فقال عمرو : أما أنت
| تطاول ليلى للهموم الطـوارق | * | وخول التي تجلو وجوه العواتق (2) |
| وإن ابن هند سائلي أن أزوره | * | وتلك التي فيها بنــات البوائق (3) |
| أتاه جرير من عــلى بخطة | * | مرت عليه العيش ذات مضــائق |
| فإن نال مني ما يؤمـل رده | * | وإن لم ينله ذل ذل المــطابق (4) |
| فوالله ما أدري وما كنت هكذا | * | أكون ، ومهما قادني فهو سابقي (5) |
| أخادعه إن الـخداع دنــية | * | أم اعطـيه من نفسي نصيحة وامق |
| أو اقعد في بيتي وفي ذاك راحة | * | لشيخ يخـاف الموت في كل شارق |
| وقد قال عـبد الله قولا تعلقت | * | به النفس إن لم يعتلقني عوائقي (6) |
| وخــالفه فيه أخوه محمــد | * | وإني لصلب العود عند الحقائق (7) |
| يا قاتـــل الله وردانـــا وقدحـته | * | أبدى لعمرك ما في النـفس وردان (5) |
| لما تعرضــت الدنيا عرضــت لها | * | بحرص نفسي وفي الأطباع إدهان (6) |
| نفس تعف وأخرى الحرص يغلبها ؟ (7) | * | والمرء يـــأكل تبـنا وهو غرثـان |
| أمـــا علي فدين ليس يــشـركه | * | دنيـــا وذاك له دنيــــا وسلطان |
| فاخترت من طمعي دنيا عــلى بصر | * | وما معـي بــالذي أختار برهــان |
| إنـي لأعــرف ما فيهــا وأبصره | * | وفي أيضا لمــا أهــواه ألــوان |
| لـكن نفسي تـحب العيش في شرف | * | وليس يرضــى بذل العيش إنسـان |
| أمر لعمـر أبيكم غيـر مــشـتبـه | * | والمرء يعطس والــوســن وسنان |
فسار حتى قدم إلى معاوية وعرف حاجة معاوية إليه ، فباعد [ ه من نفسه ] وكايد كل واحد منهما صاحبه ، فلما دخل عليه قال : يا أبا عبد الله ، طرقتنا في ليلتنا هذه ثلاثة أخبار ليس منها ورد ولا صدر . قال : وما ذاك ؟ قال : ذاك أن محمد بن أبي حذيفة قد كسر سجن مصر فخرج هو وأصحابه ، وهو من آفات هذا الدين . ومنها أن قيصر زحف بجماعة الروم إلى ليتغلب على الشام . ومنها أن عليا نزل الكوفة متهيئا للمسير إلينا . قال : ليس كل ما ذكرت عظيما . أما ابن أبي حذيفة فما يتعاظمك من رجل خرج في أشباهه أن تبعث إليه خيلا تقتله أو تأتيك به ، وإن فاتك لا يضرك . وأما قيصر فأهد له من وصفاء الروم ووصائفها ، وآنية الذهب والفضة ، وسله الموادعة ، فإنه إليها سريع . وأما على فلا والله يا معاوية ما تسوي (1) العرب بينك وبينه في شيء من الأشياء ، وإن له في الحرب لحظا (2) ما هو لأحد من قريش ، وإنه لصاحب ما هو فيه إلا أن تظلمه .
نصر : عمر بن سعد بإسناده قال : قال معاوية لعمرو : يا أبا عبد الله ، إني أدعوك إلى جهاد هذا الرجل الذي عصى ربه وقتل الخليفة (3) ، وأظهر الفتنة ، وفرق الجماعة ، وقطع الرحم . قال عمرو : إلى من ؟ قال : إلى جهاد علي ، قال : فقال عمرو : والله يا معاوية ما أنت وعلي بعكمي بعير (4) ، مالك هجرته
قال نصر : وفي حديث غير عمر قال : قال له معاوية : يا أبا عبد الله ، إني أكره أن يتحدث العرب عنك أنك إنما دخلت في هذا الأمر لغرض الدنيا . قال : دعني عنك . قال معاوية : إني لو شئت أن أمنيك وأخدعك لفعلت . قال عمرو : لالعمر الله ، ما مثلي يخدع ، لأنا أكيس من ذلك . قال له معاوية : ادن مني برأسك أسارك . قال : فدنا منه عمرو يساره ، فعض معاوية أذنه وقال : هذه خدعة ، هل ترى في بيتك أحدا غيري وغيرك ؟ (2)
ثم رجع إلى حديث عمر (3) ، قال : فأنشأ عمرو يقول (4) :
| مــعاوي لا أعطيك ديني ولم أنل | * | بذلك دنيا (1) فانظرن كيف تصنع |
| فــان تعطني مصرا فأربح بصفقة | * | أخذت بها شيخا يضـر وينــفع |
| وما الدين والدنـيا ســواء وإنني | * | لآخذ ما تـعـطــي ورأسي مقنع |
| ولكني أغضـى الجــفون وإنني | * | لأخدع نفـسي والمخــادع يخدع |
| وأعطيك أمـرا فيه للمــلك قوة | * | وإني به إن زلت النعل أضرع (2) |
| وتمنعني مصرا وليست برغبة (3) | * | وإني بـذا المــمنوع قدما لمولع |
قال : أبا عبد الله ، ألم تعلم أن مصرا مثل العراق ؟ قال : بلى ، ولكنها إنما تكون لي إذا كانت لك ، وإنما تكون لك إذا غلبت عليا على العراق وقد كان أهلها بعثوا بطاعتهم إلى علي . قال : فدخل عتبة بن أبي سفيان فقال : أما ترضى أن نشتري عمرا بمصر إن هي صفت لك . فليتك لا تغلب على الشام . فقال معاوية : يا عتبة ، بت عندنا الليلة . قال : فلما جن على عتبة الليل رفع صوته ليسمع معاوية ، وقال :
| إنما أنت خروف مــاثل (1) | * | بين ضــرعين وصوف لم يجز |
| أعط عـمرا إن عمــرا تارك | * | دينه اليـوم لــدنيا لم تحز (2) |
| يا لــك الخـير فخذ من دره | * | شخبــه الأولـى وأبعد ما غرز |
| واسحب الذيل وبادر فوقها (3) | * | وانتهــزها إن عمــرا ينتهز |
| أعطه مصــرا وزده مثلهــا | * | إنما مصـر لمــن عز وبــز |
| واترك الحرص عليها ضــلة | * | واشبب النـار لمقرور يكز (4) |
| إن مـصـــرا لعلى أو لـنا | * | يغلب اليوم عليها من عجز (5) |
فلما سمع معاوية قول عتبة أرسل إلى عمرو وأعطاها إياه . قال : فقال له عمرو : ولي الله عليك بذلك شاهد ؟ قال له معاوية : نعم لك الله على بذلك ، لئن فتح الله علينا الكوفة . قال عمرو : ( والله على ما نقول وكيل ) . قال : فخرج عمرو ومن عنده فقال له ابناه : ما صنعت ؟ قال : أعطانا مصر [ طعمة ] . قالا : وما مصر في ملك العرب ؟ قال : لا أشبع الله بطونكما إن لم يشبعكما مصر . قال : فأعطاها إياه ، وكتب له كتابا ، وكتب معاوية : « على أن لا ينقض شرط طاعة » ، وكتب عمرو : « على ألا تنقض طاعة شرطا (6) » . وكايد كل
وكان مع عمرو ابن عم له فتي شاب ، وكان داهيا حليما (2) ، فلما جاء عمرو بالكتاب مسرورا عجب الفتي وقال : ألا تخبرني يا عمرو بأي رأي تعيش في قريش ؟ أعطيت دينك ومنيت دنيا غيرك . أترى أهل مصر ـ وهم قتلة عثمان ـ يدفعونها إلى معاوية وعلي حي ؟ وتراها إن صارت إلى معاوية لا يأخذها بالحرف الذي قدمه في الكتاب ؟ فقال عمرو : يا ابن الأخ ، إن الأمر لله دون علي ومعاوية . فقال الفتى في ذلك شعرا :
| ألا يا هند أخت بني زياد | * | دهى عمرو بداهية البلاد (3) |
| رمى عمرو بأعور عبشمي | * | بعيد القعر مخشى الكياد (4) |
| له خدع يحار العقل فـيها | * | مزخرفة صـوائد للــفؤاد |
| فشرط فـي الكتاب عليه حرفا | * | يناديـه بــخدعته المنـادي |
| وأثبت مثـــله عمرو عليه | * | كـلا المـرأين حية بطن واد |
| ألا يا عمرو ما أحرزت مصرا | * | وما ملــت الغداة إلى الرشاد |
| وبعت الدين بــالدنيا خسارا | * | فـأنت بــذاك من شر العباد |
| فلو كنت الغـداة أخذت مصرا | * | ولكـــن دونها خرط القتاد |
| وفدت إلى مـعاوية بن حرب | * | فكـــنت بها كوافد قوم عاد |
| وأعطيت الذي أعـطيت منه | * | بطرس فيه نضح من مــداد |
| ألم تعرف أبـا حســن عليا | * | وما نالت يداه من الأعــادي |
| عدلت به معـاوية بن حرب | * | فيا بعد البياض من الســواد |
| ويا بعد الأصـابع من سهيل | * | ويا بعد الصلاح من الفــساد |
| أتأمن أن تراه عــلى خدب | * | يحث الخيل بالأسل الحداد (1) |
| ينـادي بالنزال وأنـت منه | * | بعيد فانظرن من ذا تــعادي |
فقال عمرو : يا ابن أخي ، لو كنت مع علي وسعني بيتي ، ولكني الآن مع معاوية (2) . فقال له الفتى : إنك إن لم ترد معاوية لم يردك ، ولكنك تريد دنياه و [ هو ] يريد دينك . وبلغ معاوية قول الفتى فطلبه فهرب فلحق بعلي فحدثه بأمر عمرو ومعاوية . قال : فسر ذلك عليا وقر به . قال : وغضب مروان وقال : ما بالي لا أشتري كما اشترى عمرو ؟ قال : فقال له معاوية : إنما تبتاع الرجال لك . قال : فلما بلغ عليا ما صنعه معاوية وعمرو قال :
| يا عجبا لقد سمعـــت منـكرا | * | كذبـا علـى الله يشـيب الشــعرا |
| يسترق السمع ويغــشى البصرا | * | ما كــان يرضــى أحمد لو خبرا |
| أن يقرنوا وصيـــه والأبتـرا | * | شاني الرسول واللعين الأخزرا (1) |
| كلاهمــا فـي جنـده قد عسكرا | * | قد باع هــذا دينـه فأفجرا (2) |
| من ذا بدنيـا بيعــه قـد خسرا | * | بملك مصر أن أصاب الظفرا (3) |
| إني إذا الموت دنــا وحضــرا | * | شمرت ثوبي ودعوت قـنبرا (4) |
| قـدم لوائي لا تـؤخـر حــذرا | * | لن يدفع الحذار ما قد قــدرا (5) |
| لما رأيت المـــوت موتا أحمرا | * | عبأت همــدان وعبوا حــميـرا |
| حي يمان يعظمـون الخطـــرا | * | قرن إذا نــاطح قرنا كـــسرا |
| قل لابن حرب لا تدب الخمرا (6) | * | أرود قــليلا أبد مـنك الضـجرا |
| لا تحسبني يا ابن حرب غمرا (7) | * | وسل بنا بـدرا مـعـا وخيــبرا |
| كانت قريش يوم بدر جزرا (1) | * | إذ وردوا الأمر فذموا الصدرا |
| لو أن عندي يابـن حرب جعفرا | * | أو حمزة القرم الهمام الأزهرا |
نصر : محمد بن عبيد الله ، عن الجرجاني قال : لما بات عمرو عند معاوية وأصبح أعطاه مصر طعمة له ، وكتب له بها كتابا وقال : ما ترى ؟ قال : أمض الرأي الأول . فبعث مالك بن هبيرة الكندي في طلب [ محمد ] بن أبي حذيفة فأدركه فقتله ، وبعث إلى قيصر بالهدايا فوادعه . ثم قال : ما ترى في علي ؟ قال : أرى فيه خيرا ، أتاك في هذه البيعة خير أهل العراق ، ومن عند خير الناس في أنفس الناس ، ودعواك أهل الشام إلى رد هذه البيعة خطر شديد ، ورأس أهل الشام شرحبيل بن السمط الكندي ، وهو عدو لجرير المرسل إليك ، فأرسل إليه ووطن له ثقاتك فليفشوا في الناس أن عليا قتل عثمان ، وليكونوا أهل الرضا عند شرحبيل ؛ فإنها كلمة جامعة لك أهل الشام على ما تحب ، وإن تعلقت بقلب شرحبيل لم تخرج منه بشيء أبدا (2) .
فكتب إلى شرحبيل : « إن جرير بن عبد الله قدم علينا من عند علي ابن أبي طالب بأمر فظيع ، فاقدم » . ودعا معاوية يزيد بن أسد ، وبسر بن أرطاة ، وعمرو بن سفيان ، ومخارق بن الحارث الزبيدي ، وحمزة بن مالك ، وحابس بن سعد الطائي ـ وهؤلاء رءوس قحطان واليمن ، وكانوا ثقات معاوية وخاصته ـ وبني عم شرحبيل بن السمط ، فأمرهم أن يلقوه ويخبروه أن عليا قتل عثمان . فلما قدم كتاب معاوية على شرحبيل وهو بحمص استشار أهل
| يا شرح يا ابـن السمط إنك بالغ | * | بود علي ما تـريد من الأمر (5) |
| ويا شرح إن الشام شامك ما بها | * | سواك فدع قــول المظل من فهر |
| فإن ابن حرب ناصب لك خدعة | * | تكون علينا مثل راغية البكر (6) |
![]() |
![]() |