فأجابه الأشعث بن قيس :
وقال حوشب ذو ظليم (2) :
| يا أيها الفــارس ادن لا تـــرع | * | أنا أبو مر وهـــذا ذو كلـــع (3) |
| مسود بالشام ما شــاء صنـــع | * | أبلغ عني أشترا أخــا النخــع (4) |
| والأشعث الغيث إذا المـاء امتنع (5) | * | قد كثر الغدر لديكم لــو نفــع |
فأجابه الأشعث : | أبلغ عنــي حوشبــا وذا كلــع | * | وشرحبيـــل ذاك أهلك الطمــع (6) |
| قــوم جفـاة لا حيـــا ولا ورع | * | يقودهـــم ذاك الشقــي المبتدع |
| إني إذا القرن لقـــرن يختضـع | وأبرقوهــــا في عجاج قد سطع (7) |
وقال الأشتر أيضا فجال : | ها أنا ذا وقـــد يهولك الفـــزع | * | في حومة وســـط قرار قد شـرع |
| ثم تلاقي بطلا غيـــر جـــزع | * | سائل بنا طلحة وأصحاب البـــدع |
| وسل بنا ذات البعير المضطجــع (1) | * | كيف رأوا وقع الليوث في النقــع (2) |
| تلقى أمرأ كذاك ما فيــــه خلع | * | وخالف الحق بديـــــن وابتدع (3) |
نصر : عمر بن سعد ، عن رجل قد سماه (4) عن أبيه ، عن عمه محمد بن مخنف (5) قال : كنت مع أبي يومئذ وأنا ابن سبع عشرة سنة ، ولست في عطاء ( 6) ، فلما منع الناس الماء قال لي : لا تبرح . فلما رأيت الناس يذهبون نحو الماء لم أصبر ، فأخذت سيفي فقاتلت ، فإذا أنا بغلام مملوك لبعض أهل العراق ، ومعه قربة له ، فلما رأى أهل الشام قد أفرجوا عن الماء شد (7) فملأ قربته ثم أقبل بها ، وشد عليه رجل من أهل الشام (8) فضربه فصرعه ، ووقعت القربة منه ، وشددت على الشامي فضربته وصرعته ، وعدا أصحابه فاستنقذوه . قال : وسمعتهم يقولون : لا بأس عليك . ورجعت إلى المملوك فأجلسته (9) فإذا هو يكلمني وبه جرح رحيب (10) ، فلم يكن أسرع من أن
نصر ، عن يونس بن [ أبي (3) ] إسحاق السبيعي ، عن مهران مولى يزيد ابن هانئ السبيعي قال : والله إن مولاي ليقاتل على الماء ، وإن القربة لفي يدي ، فلما انكشف أهل الشام عن الماء شددت حتى أستقي ، وإني فيما بين ذلك لأرمي وأقاتل .
نصر ، عن عبد الله بن عبد الرحمن ، عن أبي عمرة (1) عن أبيه سليمان الحضرمي (2) ، قال : لما خرج علي من المدينة خرج معه أبو عمرة بن عمرو بن محصن (3) قال : فشهدنا مع علي الجمل ثم انصرفنا إلى الكوفة ، ثم سرنا إلى أهل الشام ، حتى إذا كان بيننا وبين صفين ليلة دخلني الشك فقلت : والله ما أدري علام أقاتل ؟ وما أدري ما أنا فيه . قال : واشتكى رجل منا بطنه من حوت أكله ، فظن أصحابه أنه طعين (4) فقالوا : نتخلف على هذا الرجل . فقلت : أنا أتخلف عليه . والله ما أقول ذلك إلا مما دخلني من الشك . فأصبح الرجل ليس به بأس ، وأصبحت قد ذهب عني ما كنت أجد ، ونفذت لي بصيرتي ، حتى إذا أدركنا أصحابنا ومضينا مع علي إذا أهل الشام قد سبقونا إلى الماء ، فلما أردناه منعونا ، فصلتنا لهم بالسيف فخلونا وإياه ، وأرسل أبو عمرة إلى أصحابه : قد والله جزناهم فهم يقاتلونا ، وهم في أيدينا ، ونحن دونه إليهم كما كان في أيديهم قبل أن نقاتلهم . فأرسل معاوية إلى أصحابه : لا تقاتلوهم وخلوا بينهم وبينه . فشربوا فقلنا لهم : قد كنا عرضنا عليكم هذا أول مرة فأبيتم حتى أعطانا الله وأنتم غير محمودين . قال : فانصرفوا عنا وانصرفنا عنهم ، ولقد رأيت روايانا ورواياهم بعد ، وخيلنا وخيلهم ترد ذلك الماء جميعا ، حتى ارتووا وارتوينا .
نصر : محمد بن عبيد الله ، عن الجرجاني ، أن عمرو بن العاص قال :
| أمـرتك أمـــرا فسخفتــــه | * | وخالفنــي ابـن أبـي سرحــه (2) |
| فأغمضت في الــرأي إغماضـة | * | ولم تر فـي الحــرب كالفسحـه |
| فكيف رأيت كبــاش العــراق | * | ألم ينطحوا جمعنــا نطـحـــه |
| أظن لهــا اليوم مــا بعدهــا | * | وميعاد مــا بيننــا صبـحــه |
| فإن ينطحونا غـــدا مثلهـــا | * | نكن (3) كالزبيــري أو طلحــه |
| وإن أخروهــــا لما بعدهــا | * | فقد قدموا الخبــط والنفحـــة (4) |
| وقد شرب القــوم مـاء الفرات | * | وقلـدك الأشتــر الفضحـــه |
قال : ومكث علي يومين لا يرسل إلى معاوية ولا يأتيه من قبل معاوية أحد ، وجاء عبيد الله بن عمر فدخل على علي في عسكره فقال : أنت قاتل الهرمزان ، وقد كان أبوك فرض له في الديوان وأدخله في الإسلام ؟ فقال له ابن عمر : الحمد لله الذي جعلك تطلبني بدم الهرمزان وأطلبك بدم عثمان بن عفان . فقال له علي : لا عليك ، سيجمعني وإياك الحرب غدا . ثم مكث علي يومين لا يرسل إلى معاوية ولا يرسل إليه معاوية (5) .
ثم إن عليا دعا بشير بن عمرو بن محصن الأنصاري (1) ، وسعيد بن قيس الهمداني ، وشبث بن ربعي التميمي فقال : ائتوا هذا الرجل فادعوه إلى الله عز وجل وإلى الطاعة والجماعة ، وإلى اتباع أمر الله تعالى . فقال له شبث : ألا نطمعه (2) في سلطان توليه إياه ومنزلة تكون به له أثرة عندك إن هو بايعك ؟ قال علي : ائتوه الآن فالقوه واحتجوا عليه وانظروا ما رأيه ـ وهذا في شهر ربيع الآخر ـ فأتوه فدخلوا عليه ، فحمد أبو عمرة بن محصن الله وأثنى عليه وقال : " يا معاوية ، إن الدنيا عنك زائلة ، وإنك راجع إلى الآخرة ، وإن الله عز وجل مجازيك بعملك ، ومحاسبك بما قدمت يداك ، وإني أنشدك بالله أن تفرق جماعة هذه الأمة ، وأن تسفك دماءها بينها " . فقطع معاوية عليه الكلام ، فقال : هلا أوصيت صاحبك ؟ فقال : سبحان الله ، إن صاحبي ليس مثلك ، إن صاحبي أحق البرية في هذا الأمر في الفضل والدين والسابقة والإسلام ، والقرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال معاوية : فتقول ماذا ؟ قال : أدعوك إلى تقوى ربك وإجابة ابن عمك إلى ما يدعوك إليه من الحق ، فإنه أسلم لك في دينك ، وخير لك في عاقبة أمرك . قال : ويطل دم عثمان ؟ لا والرحمن لا أفعل ذلك أبدا . قال : فذهب سعيد يتكلم ، فبدره شبث فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :
يا معاوية ، قد فهمت ما رددت على ابن محصن ، إنه لا يخفى علينا ما تقرب وما تطلب ، إنك لا تجد شيئا تستغوي به الناس وتستميل به أهواءهم وتستخلص به طاعتهم إلا أن قلت لهم قتل إمامكم مظلوما فهلموا نطلب بدمه ، فاستجاب لك سفهاء طغام رذال ؛ وقد علمنا أنك قد أبطأت عنه بالنصر ،
قال : فحمد الله معاوية وأثنى عليه ثم قال :
« أما بعد فإن أول (1) ما عرفت به سفهك وخفة حلمك ـ قطعك على هذا الحسيب الشريف سيد قومه منطقه ، ثم عتبت بعد فيما لا علم لك به . ولقد كذبت ولويت (2) أيها الأعرابي الجلف الجافي في كل ما وصفت وذكرت . انصرفوا من عندي فليس بيني وبينكم إلا السيف » . قال : وغضب فخرج القوم وشبث يقول : أفعلينا تهول بالسيف ، أما والله لنعجلنه إليك . فأتوا عليا عليه السلام فأخبروه بالذي كان من قوله ـ وذلك في شهر ربيع الآخر ـ قال : وخرج قراء أهل العراق وقراء أهل الشام ، فعسكروا ناحية صفين في ثلاثين ألفا ، وعسكر علي على الماء ، وعسكر معاوية فوق ذلك ، ومشت القراء فيما بين معاوية وعلي ، فيهم عبيدة السلماني (3) ، وعلقمة بن قيس النخعي ، وعبد الله بن عتبة ، وعامر بن عبد القيس ـ وقد كان في بعض تلك السواحل ـ قال : فانصرفوا من عسكر علي (4) فدخلوا على معاوية فقالوا :
قال : وخرج أبو أمامة الباهلي ، وأبو الدرداء ؛ فدخلا على معاوية وكانا معه ، فقالا : يا معاوية : علام تقاتل هذا الرجل ، فوالله لهو أقدم منك سلما (2) ، وأحق بهذا الأمر منك ، وأقرب من النبي صلى الله عليه وسلم ، فعلام تقاتله ؟ فقال : أقاتله على دم عثمان ، وأنه آوى قتلته ؛ فقولوا له فليقدنا من قتلته ، فأنا أول من بايعه من أهل الشام . فانطلقوا إلى علي فأخبروه بقول معاوية ، فقال : هم الذين ترون . فخرج عشرون ألفا أو أكثر مسر بلين في الحديد ، لا يرى منهم إلا الحدق ، فقالوا : كلنا قتله ، فإن شاءوا فليروموا ذلك منا . فرجع أبو أمامة ، وأبو الدرداء فلم يشهدا شيئا من القتال حتى إذا كان رجب وخشى معاوية أن يبايع القراء عليا على القتال أخذ في المكر ، وأخذ يحتال للقراء لكيما يحجموا عنه (3) ويكفوا حتى ينظروا . قال : وإن معاوية كتب في سهم : « من عبد الله الناصح ، فإني أخبركم أن معاوية يريد أن يفجر عليكم الفرات فيغرقكم . فخذوا حذركم » . ثم رمى معاوية بالسهم في عسكر علي عليه السلام ، فوقع السهم في يدي رجل من أهل الكوفة ، فقرأه ثم اقرأه صاحبه ، فلما قرأه وأقرأه الناس ـ أقرأه من أقبل وأدبر ـ قالوا : هذا أخر ناصح كتب إليكم يخبركم بما أراد معاوية . فلم يزل السهم يقرأ ويرتفع
وارتحل معاوية حتى نزل على معسكر علي الذي كان فيه ، فدعا على الأشتر ، فقال : ألم تغلبني على رائي (9) أنت والأشعث ؟ فدونكما . فقال الأشعث : أنا أكفيك يا أمير المؤمنين ، سأداوي ما أفسدت اليوم من ذلك . فجمع بني كندة ، وقال : يا معشر كندة ، لا تفضحوني اليوم ولا تخزوني ،
| ففداء لبنـــي سعـــد علــى | * | ما أصاب النـاس مــن خير وشـر (2) |
| ما أقلت قدمـــاي ، إنهــــم | * | نعم الساعون فـي الحي الشطـــر (3) |
| ولقد كنت عـليكـــم عاتبـــا | * | فعقبتم بذنـوب غيـــر مـــر (4) |
| كنت فيكـــم كالمغطى رأســه | * | فانجلى اليـــوم قناعي وخمــر |
| سادرا أحسب غيــي رشـــدا | * | فتناهيت وقـد صابــت بقـــر (5) |
فلما غلب علي علي الماء فطرد عنه أهل الشام بعث إلي معاوية : « إنا لا نكافيك بصنعك ، هم إلي الماء فنحن وأنتم فيه سواء » . فأخذ كل واحد منهما بالشريعة مما يليه ، وقال علي عليه السلام لأصحابه : أيها الناس ، إن الخطب أعظم من منع الماء . وقال معاوية : لله در عمرو ، ما عصيته في أمر قط إلا أخطأت الرأي فيه . قال : فمكث معاوية أياما لا يكلم عمرا ، ثم بعث إليه ، فقال : يا عمرو ، كان فلتة من رأي أعقبتني بخطائها (2) وأمت ما كان قبلها من الصواب ، أما والله لو تقايس [ صوابك (3) ] بخطائك لقل صوابك . فقال عمرو : قد كان كذا فرأيت احتجت إلى رأيك ، وما خطاؤك اليوم حين أعذرت إليك أمس ، وكذلك أنالك غدا إن عصيتني اليوم . فعطف عليه معاوية ، ورضي عنه ، وبات على مشق الحيل (4) حتى أصبح ، ثم غاداهم على القتال ، وعلى رايته يومئذ هاشم بن عتبة المرقال . قال : ومعه الحدل التي يقول فيها الأشتر :
| وضربا لهامــاتهــم بالسيــوف | * | وطعنا لهم بالقنـــا والاســــل |
| عرانين من مذحــج وسطهــــا | * | يخوضــون أغمارهــا بالهبــل (1) |
| ووائــل تسعــر نيرانهـــــا | * | ينادونهــــم أمرنــا قد كمــل |
| أبو حسن صــوت خيشومهــــا | * | بأسيافـــه كل حـــام بطــل (2) |
| على الحق فينـــا لــه منهـج | * | علي واضح القصـــد لا بالميــل |
قال : وبرز يومئذ عوف من أصحاب معاوية وهو يقول :
| إني أنا عوف أخـــو الحروب | * | عند هياج الحـــرب والكروب |
| صاحــب لا الوقاف والهيـوب (3) | * | عند اشتعال الحـــرب باللهيب |
| ولست بالناجي مـــن الخطوب | * | ومن رديني مــــارن الكعوب |
| إذ جئت تبغي نصــرة الكـذوب | * | ولست بالعــف ولا النجيـــب |
فبرز إليه علقمة بن عمرو ، من أصحاب علي ، وهو يقول :
| يا عجبــا للعجــب العجيـــب | * | قد كنــت يا عـوف أخا الحـروب |
| وليس فيها لــك مـــن نصيـب | * | إنك ، فاعلم ، ظـــاهر العيــوب |
| في طاعـــة كطاعة الصليـــب | * | في يوم بــــدر عصبة القليــب (4) |
| فدونك الطعنــة فــي المنخـوب (5) | * | قلبك ذو كفـــر مــن القلـوب |
فطعنه علقمة فقتله ، فقال علقمه في ذلك :
| يا عوف لو كنــت امــرأ حازما | * | لم تبــرز الدهــر إلى علقمــه |
| لاقيــت ليثــا أســـدا باسـلا | * | يأخذ بالأنفــــاس والغلصمـــه |
| لاقيته قرنــــا لــه سطـــوة | * | يفترس الأقـــران فــي الملحمـه |
| ما كان في نصـــر امرئ ظــالم | * | ما يـــدرك الجنـــة والمرحمـه |
| ما لابن صخــر حرمــة ترتجـى | * | لها ثــواب الله بــــل مندمــه |
| لاقيت مـــا لاقى غــداة الوغـى | * | من أدرك الأبطــال يا ابــن الأمه |
| ضيعت حـــق الله فـي نصــرة | * | للظالم المعــــروف بالمظلمــة |
| إن أبا سفيـــان مــن قبلـــه | * | لم يك مثـل العصبــة المسلمــه |
| لكنـــه نافــق فـي ديـــنه | * | من خشية القتل علــى المــرغمة |
| بعدا لصخــر مــع أشياعــه | * | في جاحـــم النار لدى المضرمه (1) |
فمكثوا على ذلك حتى كان ذو الحجة ، فجعل علي يأمر هذا الرجل الشريف فيخرج معه جماعة فيقاتل ، ويخرج إليه من أصحاب معاوية رجل معه آخر ، فيقتتلان في خيلها ورجلهما ثم ينصرفان ، وأخذوا يكرهون أن يتراجعوا بجميع الفيلق من العراق وأهل الشام ، مخافة الاستئصال والهلاك . وكان علي عليه السلام يخرج الأشتر مرة في خيله ، وحجر بن عدي مرة ، وشبث بن ربعي التميمي مرة ، ومرة خالد بن المعمر السدوسي ، ومرة زياد بن النضر الحارثي ، ومرة زياد بن جعفر الكندي ، ومرة سعد بن قيس الهمداني ، ومرة معقل بن قيس الرياحي ومرة قيس بن سعد بن عبادة . وكان أكثر القوم حروبا الأشتر .
وكان معاوية يخرج إليهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد المخزومي ،
نصر بن مزاحم ، عن عمر بن سعد ، عن عبد الله بن عاصم قال : حدثني رجل من قومي ، أن الأشتر خرج يوما فقاتل بصفين في رجال من القراء ، ورجال من فرسان العرب ، فاشتد قتالهم ، فخرج علينا رجل لقل والله ما رأيت رجلا قط هو أطول ولا أعظم منه ، فدعا إلى المبارزة فلم يخرج إليه إنسان ، وخرج إليه الأشتر فاختلفا ضربتين ، وضربه الأشتر فقتله . وايم الله لقد كنا أشفقنا عليه ، وسألناه ألا يخرج إليه . فلما قتله نادى مناد من أصحابه :
وجاء رجل من الأزد فقال : أقسم بالله لأقتلن قاتلك . فحمل على الأشتر [ وعطف عليه الأشتر (2) ] فضربه فإذا هو بين يدي فرسه ، وحمل أصحابه فاستنقذوه جريحا ، فقال أبو رقيقة السهمي (3) : « كان هذا نارا فصادفت إعصارا » .
فاقتتل الناس ذا الحجة كله ، فلما مضى ذو الحجة تداعى الناس أن يكف بعضهم عن بعض إلى أن ينقضي المحرم ، لعل الله أن يجري صلحا واجتماعا . فكف الناس بعضهم عن بعض .
نصر : عمر بن سعد ، عن أبي المجاهد ، عن المحل بن خليفة قال : لما توادع علي عليه السلام ومعاوية بصفين اختلفت الرسل فيما بينهما رجاء الصلح ، فأرسل علي بن أبي طالب إلى معاوية عدي بن حاتم ، وشبث بن ربعي ، ويزيد بن قيس ، وزياد بن خصفة ، فدخلوا على معاوية ، فحمد الله عدي بن حاتم وأثنى عليه ثم قال :
أما بعد فإنا أتيناك لندعوك إلى أمر يجمع الله به كلمتنا وأمتنا ، ويحقن الله به دماء المسلمين (1) ، وندعوك إلى أفضلها سابقة وأحسنها في الإسلام آثارا (2) ، وقد اجتمع له الناس (3) ، وقد أرشدهم الله بالذي رأوا فأتوا ، فلم يبق أحد غيرك وغير من معك ، فانته يا معاوية من قبل أن يصيبك الله وأصحابك بمثل يوم الجمل .
فقال له معاوية : كأنك إنما جئت متهددا ولم تأت مصلحا . هيهات يا عدي . كلا والله إني لابن حرب ، ما يقعقع لي بالشنان (4) . أما والله إنك لمن المجلبين علي ابن عفان ، وإنت لمن قتلته ، وإني لأرجو أن تكون ممن يقتله الله (5) . هيهات يا عدي ، قد حلبت بالساعد الأشد (6) .
وقال له شبث بن ربعي وزياد بن خصفة ـ وتنازعا كلاما واحدا (7) ـ :
وتكلم يزيد بن قيس الأرحبي فقال : إنا لم نأتك إلا لنبلغك ما بعثنا به إليك ، ولنؤدي عنك ما سمعنا منك ، لن ندع أن ننصح لك ، وأن نذكر ما ظننا أن لنا به عليك حجة ، أو أنه راجع بك إلى الألفة والجماعة . إن صاحبنا لمن قد عرفت وعرف المسلمون فضله ، ولا أظنه يخفى عليك : أن أهل الدين والفضل لن يعدلوك بعلي عليه السلام ، ولن يميلوا بينك وبينه (2) . فاتق الله يا معاوية ، ولا تخالف عليا ، فإنا والله ما رأينا رجلا قط أعمل بالتقوى ، ولا أزهد في الدنيا ، ولا أجمع لخصال الخير كلها منه .
فحمد الله معاوية وأثنى عليه وقال : أما بعد فإنكم دعوتم إلى الطاعة والجماعة . فأما الجماعة التي دعوتم إليها فنعما هي . وأما الطاعة لصاحبكم فإنا لا نراها . إن صاحبكم قتل خليفتنا ، وفرق جماعتنا ، وآوى ثأرنا وقتلتنا ، وصاحبكم يزعم أنه لم يقتله ، فنحن لا نرد ذلك عليه ، أرأيتم قتلة صاحبنا ؟ ألستم تعلمون أنهم أصحاب صاحبكم ؟ فليدفعهم إلينا فلنقتلهم به ونحن نجيبكم إلى الطاعة والجماعة .
فقال له شبث بن ربعي : أيسرك بالله يا معاوية أن أمكنت (3) من عمار ين ياسر فقتلته ؟ قال : وما يمنعني من ذلك ؟ والله لو أمكنني صاحبكم
![]() |
![]() |