وكانت علامة أهل العراق بصفين الصوف الأبيض قد جعلوه في رؤوسهم وعلى أكتافهم . وشعارهم : « يا الله يا أحد يا صمد ، يا رب محمد ، يا رحمن يا رحيم » . وكان علامة أهل الشام خرقا صفرا (4) قد جعلوها علي روؤسهم وأكتافهم . وكان شعارهم « نحن عباد الله حقا حقا ، يا لثارات عثمان » . وكانت رايات أهل العراق سودا وحمرا ودكنا وبيضا ومعصفرة وموردة ، والألوية مضروبة دكن وسود . قال : فاجتلدوا بالسيوف وعمد الحديد . قال : فما تحاجزوا حتى حجز بيننا سواد الليل . قال : وما نرى رجلا منا ولا منهم موليا .
نصر : عمر ، حدثني صديق أبي ، عن الإفريقي بن أنعم قال : كانوا عربا يعرف بعضهم بعضا في الجاهلية ، وإنهم لحديثو عهد بها ، فالتقوا في الإسلام وفيهم بقايا تلك الحمية ، وعند بعضهم بصيرة الدين والإسلام ، فتصابروا (5) واستحيوا من الفرار حتى كادت الحرب تبيدهم ، وكانوا إذا تحاجزوا دخل هؤلاء
ثم سار مع ذي الكلاع حتى أتى عمرو بن العاص وهو عند معاوية وحوله الناس وعبد الله بن عمرو يحرض الناس على الحرب ، فلما وقفا على القوم قال ذو الكلاع لعمرو : يا أبا عبد الله ، هل لك في رجل ناصح لبيب شفيق يخبرك عن عمار بن ياسر لا يكذبك ؟ قال عمرو : ومن هو ؟ قال : ابن عمي هذا ، وهو من أهل الكوفة . فقال عمرو : إني لأرى عليك سيما أبي تراب . قال أبو نوح : على سيما محمد صلى الله عليه وأصحابه ، وعليك سيما أبي جهل وسيما فرعون . فقام أبو الأعور فسل سيفه ثم قال : لا أرى هذا الكذاب اللئيم يشاتمنا بين أظهرنا وعليه سيما أبي تراب . فقال ذو الكلاع : أقسم بالله لئن بسطت يدك إليه لأخطمن أنفك بالسيف . ابن عمي وجاري عقدت له بذمتي ، وجئت به إليكما ليخبركما عما تماريتم فيه . قال له عمرو بن العاص : اذكرك بالله يا أبا نوح إلا ما صدقتنا ، ولم تكذبنا (2) ، أفيكم عمار بن ياسر ؟ فقال له أبو نوح :
وسار أبو نوح ومعه شرحبيل بن ذي الكلاع حتى انتهيا إلى أصحابه فذهب أبو نوح إلى عمار فوجده قاعدا مع أصحاب له ، منهم ابنا بديل وهاشم ، والأشتر ، وجارية بن المثني ، وخالد بن المعمر ، وعبد الله بن حجل ، وعبد الله بن العباس . وقال أبو نوح : إنه دعاني ذو الكلاع وهو ذو رحم فقال : أخبرني عن عمار ابن ياسر ، أفيكم هو ؟ قلت : لم تسأل ؟ قال : أخبرني عمرو بن العاص في إمرة عمر بن الخطاب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه يقول : " يلتقي أهل الشام وأهل العراق وعمار في أهل الحق يقتله الفئة الباغية " . فقلت : إن عمارا فينا . فسألني (2) : أجاد هو على قتالنا ؟ فقلت : نعم والله ، أجد مني ، ولوددت
ثم قال أبو نوح لعمار ـ ونحن اثنا عشر رجلا ـ : فإنه يريد أن يلقاك . فقال عمار لأصحابه : اركبوا . فركبوا وساروا ثم بعثنا إليهم فارسا من عبد القيس يسمى عوف بن بشر ، فذهب حتى كان قريبا من القوم ، ثم نادى : أين عمرو ابن العاص ؟ قالوا (1) : هاهنا . فأخبره بمكان عمار وخيله . قال عمرو : قل له فليسر إلينا . قال عوف : إنه يخاف غدراتك . فقال له عمرو : ما أجرأك علي وأنت على هذه الحال ! فقال له عوف : جرأني عليك بصيرتي فيك وفي أصحابك ، فإن شئت نابذتك [ الآن ] على سواء ، وإن شئت التقيت أنت وخصماؤك ، وأنت كنت غادرا (2) . فقال له عمرو : ألا أبعث إليك بفارس يواقفك ؟ فقال له عوف : ما أنا بالمستوحش ، فابعث بأشقى أصحابك . قال عمرو : فأيكم يسير إليه ؟ فسار إليه أبو الأعور ، فلما تواقفا تعارفا فقال عوف لأبي الأعور : إني لأعرف الجسد وأنكر القلب ، إني لا أراك مؤمنا ، وإنك لمن أهل النار . فقال أبو الأعور : لقد أعطيت لسانا يكبك الله به على وجهك في نار جهنم . فقال عوف : كلا والله إني أتكلم أنا بالحق ، وتكلم أنت بالباطل ، وإني
فسار أبو الأعور في مائة فارس حتى إذا كان حيث كنا بالمرة الأولى (2) وقفوا وسار في عشرة بعمرو ، وسار عمار في اثني عشر فارسا حتى اختلفت أعناق الخيل : خيل عمرو وخيل عمار ، ورجع عوف بن بشر في خيله وفيها الأشعث بن قيس ، ونزل عمار والذين معه فاحتبوا بحمائل سيوفهم ، فتشهد عمرو بن العاص ، فقال له عمار بن ياسر : اسكت ( بعد هذا الكلام ليس عند ابن عقبة إلى موضع العلامة (3) ) فقد تركتها في حياة محمد صلى الله عليه وبعد موته ، ونحن أحق بها منك ، فإن شئت كانت خصومة فيدفع حقنا باطلك ، وإن (4) شئت كانت خطبة فنحن أعلم بفصل الخطاب منك ، وإن شئت أخبرتك بكلمة تفصل بيننا وبينك وتكفرك قبل القيام ، وتشهد بها على نفسك ،
وقال له عمرو . فما ترى في قتل عثمان ؟ قال : فتح لكم باب كل سوء . قال عمرو : فعلي قتله ؟ قال عمار : بل الله علي قتله وعلي معه . قال عمرو :
[ قال نصر : فحدثنا عمرو بن شمر قال ] : وخرج إلى القتال (4) ، وصفت الخيول بعضها لبعض ، وزحف الناس ، وعلى عمار درع [ بيضاء ] وهو يقول : أيها الناس ، الرواح إلى الجنة . فاقتتل الناس قتالا شديدا لم يسمع الناس بمثله ، وكثرت القتلى حتي إن كان الرجل ليشد طنب فسطاطه بيد الرجل أو برجله . فقال الأشعث : لقد رأيت أخبية فلسطين وأروقتهم وما منها خباء ولا رواق ولا بناء ولا فسطاط إلا مربوطا بيد رجل أو رجله . وجعل أبو سماك الأسدي يأخذ إداوة من ماء وشفرة حديد ، فإذا رأى رجلا جريحا وبه رمق أقعده فيقول : من أمير المؤمنين ؟ فإن قال علي غسل عنه الدم وسقاه من الماء ، وإن سكت وجأه بالسكين (5) حتى يموت [ ولا يسقيه ] . قال : فكان يسمى المخضخض .
( 5 ) في الأصل : « بسكين » وأثبت ما في ح .
نصر ، عن عمرو بن شمر عن جابر قال : سمعت الشعبي يقول : قال الأحنف ابن قيس : والله إني لإلى جانب عمار بن ياسر ، بيني وبينه رجل من بني الشعيراء (1) ، فتقدمنا حتى إذا دنونا من هاشم بن عتبة قال له عمار : احمل فداك أبي وأمي . ونظر عمار إلي رقة في الميمنة فقال له هاشم : رحمك الله يا عمار ، إنك رجل تأخذك خفة في الحرب ، وإني إنما أزحف باللواء زحفا ، وأرجوا أن أنال بذلك حاجتي ، وإني إن خففت لم آمن الهلكة . وقد كان قال معاوية لعمرو : ويحك ، إن اللواء اليوم مع هاشم بن عتبة ، وقد كان من قبل يرقل به إرقالا ، وإنه إن زحف به اليوم زحفا إنه لليوم الأطول لأهل الشام ، وإن زحف في عنق من أصحابه إني لأطمع أن تقتطع . فلم يزل به عمار حتى حمل ، فبصر به معاوية فوجه إليه حماة أصحابه ومن يزن بالبأس (2) [ والنجدة ] منهم في ناحيته ، وكان في ذلك الجمع عبد الله بن عمرو بن العاص ومعه [ يومئذ ] سيفان قد تقلد واحدا وهو يضرب بالآخر ، وأطافت به خيل علي ، فقال عمرو : يا الله ، يا رحمن ، ابني ابني . قال : ويقول معاوية : صبرا صبرا فإنه لا بأس عليه قال عمرو : ولو كان يزيد بن معاوية إذا لصبرت ! ولم يزل حماة أهل الشام يذبون عنه (3) حتي نجا هاربا على فرسه ومن معه ، وأصيب هاشم في المعركة .
قال [ نصر : وحدثنا عمر بن سعد قال : وفي هذا اليوم قتل عمار بن ياسر رضي الله عنه أصيب في المعركة ] ، و [ قد كان ] قال عمار حين نظر إلى راية عمرو بن العاص : والله إن هذه الراية قاتلتها ثلاث عركات وما هذه بأرشدهن ! ثم قال عمار :
ثم استسقى وقد اشتد ظمؤه ، فأتته امرأة طويلة اليدين والله ما أدري أعس معها أم إداوة فيها ضياح من لبن (2) ، فقال حين شرب : « الجنة تحت الأسنة
والله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا أنا على الحق وهم على الباطل » . ثم حمل وحمل عليه ابن جون السكوني (3) ، وأبو العادية الفزاري . فأما أبو العادية فطعنه ، وأما ابن جون (4) فإنه احتز رأسه .
وقد كان ذو الكلاع يسمع عمرو بن العاص يقول : قال رسول الله صلى الله عليه لعمار بن ياسر : « تقتلك الفئة الباغية ، وآخر شربة تشربها ضياح من لبن » فقال ذو الكلاع لعمرو : ويحك ما هذا ؟ قال عمرو : إنه سيرجع إلينا [ ويفارق أبا تراب ] . وذلك قبل أن يصاب عمار . فأصيب عمار مع علي ، وأصيب ذو الكلاع مع معاوية ، فقال عمرو : والله يا معاوية ما أدري بقتل أيهما أنا أشد فرحا . والله لو بقى ذو الكلاع حتى يقتل عمار لمال بعامة قومه إلى علي ، ولأفسد علينا جندنا (5) . قال : فكان لا يزال رجل يجئ فيقول لمعاوية وعمرو : أنا قتلت عمارا . فيقول
فقال له عمرو : صدقت ، أنت صاحبه (3) ، أما والله ما ظفرت يداك ولكن أسخطت ربك .
نصر ، عن عمرو بن شمر قال : حدثني إسماعيل السدي ، عن عبد خير الهمداني قال : نظرت إلى عمار بن ياسر يوما من أيام صفين رمى رمية فأغمى عليه ولم يصل الظهر ، و [ لا ] العصر ، و [ لا ] المغرب ، ولا العشاء ، ولا الفجر ثم أفاق فقضاهن جميعا ، يبدأ بأول شئ فاته ، ثم بالتي تليها (4 ) .
نصر ، عن عمرو بن شمر ، عن السدي ، عن ابن حريث (5) قال : أقبل غلام لعمار بن ياسر ، اسمه راشد ، يحمل شربة من لبن ، فقال عمار : إني سمعت خليلي رسول الله صلى الله عليه [ يقول ] : " إن آخر زادك من الدنيا شربة لبن " .
نصر ، عن عمرو بن شمر ، عن السدي عن يعقوب بن الأوسط قال : احتج رجلان بصفين في سلب عمار بن ياسر ، وفي قتله ، فأتيا عبد الله بن عمرو بن العاص فقال لهما : ويحكما ، اخرجا عني فإن رسول الله صلى الله عليه قال ـ [ و ] ولعت قريش بعمار (6) ـ : « ما لهم ولعمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى
نصر عن عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن أبي الزبير قال : أتى حذيفة بن اليمان رهط من جهينة فقالوا : يا أبا عبد الله ، إن رسول الله صلى الله عليه استجار من أن تصطلم أمته (1) فأجير من ذلك ، واستجار من أن يذوق بعضها بأس بعض فمنع من ذلك . قال حذيفة : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه يقول : « إن ابن سمية لم يخير بين أمرين قط إلا اختار أرشدهما ـ يعني عمارا فالزموا ـ سمته » .
وفي حديث عمرو بن شمر قال : حمل عمار بن ياسر [ ذلك ] اليوم وهو يقول :
| كلا ورب البيت لا أبــرح أجي | * | حتى أموت أو أرى مــا أشتهي |
| أنا مع الحق أحامي عــن علي (2) | * | صهر النبي ذي الأمانـات الوفي |
| نقتل أعـداه وينصــرنا العلي (3) | * | ونقطع الهـــام بحـد المشرفي |
| والله ينصرنا على مـن يبتغي (4) | * | ظلما علينا جــاهدا مـا يأتلي |
قال : فضربوا أهل الشام حتى اضطروهم إلى الفرار (5) .
قال : ومشى عبد الله بن سويد [ الحميري ] سيد جرش إلى ذي الكلاع فقال له : لم جمعت بين الرجلين ؟ قال : لحديث سمعته من عمرو ، وذكر أنه سمعه من رسول الله صلى الله عليه وهو يقول لعمار بن ياسر : « يقتلك الفئة
وقال العنسي :
| والراقصات بركب عامديــن لــه | * | إن الذي جاء من عمـــرو لمأثـور (3) |
| قد كنت أسمـع والأنبــاء شائعــة | * | هذا الحديث فقلــت الكـذب والزور |
| حتى تلقيته عــن أهـــل عيبتـه | * | فاليوم أرجع والمغـــرور مغـرور |
| واليوم أبرأ مــن عمــرو وشيعته | * | ومن معاوية المحــدو بــه العيـر |
| لا لا أقاتل عمـارا علــى طمــع | * | بعد الرواية حتــى ينفـــخ الصور |
| تركت عمــرا وأشياعــا لـه نكدا | * | إني بتركهم يـا صـــاح معــذور (4) |
| يا ذا الكلاع فدع لـي معشرا كفـروا | * | أو لا فدينك عيـن فيــه تعزيــر (5) |
فلما سمع معاوية بهذا القول بعث إلى عمرو فقال : أفسدت على أهل الشام ، أكل ما سمعت من رسول الله تقوله ؟ فقال عمرو : قلتها ولست والله أعلم الغيب ولا أدري أن صفين تكون . قلتها وعمار يومئذ لك ولي ، وقد رويت أنت فيه مثل الذي رويت فيه ، فاسأل أهل الشام . فغضب معاوية وتنمر لعمرو ، ومنعه خيره ، فقال عمرو : لا خير لي في جوار معاوية إن تجلت هذه الحرب عنا . وكان عمرو حمي الأنف ، فقال في ذلك :
| تعاتبني أن قلت شيئــا سمعتــه | * | وقد قلت لو أنصفتنــي مثلـه قبلي |
| أنعلك فيما قلــت نعــل ثبيتــة | * | وتزلق بي في مثــل مـا قلته نعلي |
| وما كان لي علـم بصفيـن أنهــا | * | تكون وعمار يحـــث على قتلـي |
| فلو كان لي بالغيب علــم كتمتهـا | * | وكابدت أقوامــا مراجلهــم تغلي |
| أبي الله الا أن صــدرك واغـر | * | على بلا ذنب جنيــت ولا ذحــل |
| سوى أنني ، والراقصـات عشيـة ، | * | بنصرك مدخول الهوى ذاهل العقـل |
| فلا وضعت عندي حصـان قناعها | * | ولا حملت وجناء ذعلبــة رحلــي |
| ولا زلت أدعي فـي لؤي بـن غالب | * | قليلا غنــائي لا أمــر ولا أحلـي |
![]() |
![]() |