فأجاب معاوية :
| أالآن لما ألقت الحـرب بركهــا | * | وقام بنا الأمر الجليــل على رجل |
| غمزت قناتي بعـد ستين حجـة | * | تباعا كأنـي لا أمـر ولا أحلــي (1) |
| أتيت بأمر فيه للشــام فتنــة | * | وفي دون ما أظهرته زلـة النعـل |
| فقلت لك القول الذي ليس ضائرا | * | ولو ضر لم يضررك حملك لي ثقلي |
| فعاتبتني في كل يــوم وليلــة | * | كأن الذي أبليك ليس كمــا أبلـى (2) |
| فيا قبح الله العتــاب وأهلـــه | * | ألم تر ما أصبحت فيه مـن الشغل |
| فدع ذا ولكن هل لك اليــوم حيلة | * | ترد بها قومــا مراجلهـــم تغلي |
| دعاهم علي فاستجابــوا لدعـوة | * | أحب إليهم من ثرى المال والأهـل |
| إذا قلت هابوا حومة الموت أرقلوا | * | إلى الموت إرقال الهلوك إلى الفحل |
فلما أتى عمرا شعر معاوية أتاه فأعتبه وصار أمرهما واحدا .
ثم إن عليا دعا في هذا اليوم هاشم بن عتبة ومعه لواؤه ، وكان أعور ، فقال له : يا هاشم ، حتى متى تأكل الخبز وتشرب الماء ؟ فقال هاشم : لأجهدن على ألا
وحمل صاحب لواء ذي الكلاع ـ وهو رجل من عذرة ـ وهاشم حاسر وهو يقول :
فاختلفا طعنتين ، فطعنه هاشم فقتله ، وكثرت القتلى ، وحمل ذو الكلاع فاجتلد الناس ، فقتلا جميعا (1) وأخذ ابن هاشم اللواء وهو يقول :
نصر : حدثنا عمرو بن شمر قال : لما انقضى أمر صفين وسلم الأمر الحسن عليه السلام إلى معاوية [ و ] وفدت عليه الوفود ، أشخص عبد الله بن هاشم إليه أسيرا ، فلما أدخل عليه مثل بين يديه وعنده عمرو بن العاص فقال : « يا أمير المؤمنين ، هذا المختال (2) ابن المرقال ، فدونك الضب المضب (3) ، المغتر (4) المفتون ، فإن العصا من العصية ، وإنما تلد الحية حية ، وجزاء السيئة سيئة مثلها » . فقال له ابن هاشم : ما أنا بأول رجل خذله قومه ، وأدركه يومه (5) . فقال معاوية : تلك ضغائن صفين وما جنى عليك أبوك . فقال عمرو : أمكني منه فأشخب أو داجه على أثباحه . فقال له ابن هاشم : فهلا كانت هذه الشجاعة منك يابن العاص أيام صفين حين ندعوك إلى النزال ، وقد ابتلت أقدام الرجال ، من نقيع الجريال ، وقد تضايقت بك المسالك ، وأشرفت فيها على المهالك . وأيم الله لو لا مكانك منه لنشبت لك مني خافية أرميك من خلالها
فبلغ ذلك ابن هاشم وهو في محبسه فكتب إلى معاوية :
| معاوي إن المرء عمـرا أبت لــه | * | ضغينة صــدر ودهـا غير سالم (2) |
| يرى لك قتلى يا ابن حــرب وإنما | * | يرى ما يرى عمر وملـوك الأعاجم |
| على أنهم لا يقتلون أسيـــرهـم | * | إذا كان منهم منعـــة للمسالــم |
| وقد كان منا يوم صفيــن نفــرة | * | عليك جناها هاشم وابـــن هاشم |
| قضى الله فيها ما قضى ثمت انقضى | * | وما ما مضى إلا كأضغاث حالــم |
| هي الوقعة العظمى التـي تعرفونها | * | وكل على ما قد مضى غير نــادم |
| فإن تعف عني تعف عن ذي قرابة | * | وإن تر قتلى تستحـــل محارمي |
( 1 ) الأشافي : جمع إشفى ، وهو مخصف الإسكاف . وفي الأصل : « الأثافي » بالثاء ، صوابه في ح ( 2 : 276 ) .
( 2 ) في الأصل : « غشها غير سالم » وأثبت ما في ح .
آخر الجزء الخامس يتلوه الجزء السادس : « نصر عمرو بن شمر ، عن السدي ، عن عبد خير الهمداني » . وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله والحمد لله رب العالمين ، ونعوذ بالله من الزيادة والنقصان .
وجدت في الجزء الثامن من نسخة عبد الوهاب بخطه : « سمع جميعه من الشيخ أبي الحسين المبارك بن عبد الجبار ، الأجل السيد الأوحد الإمام قاضي القضاة أبو الحسن علي بن محمد الدامغاني وابناه القاضيان أبو عبد الله محمد وأبو الحسين أحمد ، وأبو عبد الله محمد بن القاضي أبي الفتح بن البيضاوي ، والشريف أبو الفضل محمد بن علي بن أبي يعلى الحسيني ، وأبو منصور محمد بن محمد بن قرمي ، بقراءة عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد بن الحسن الأنماطي . وذلك في شعبان سنة أربع وتسعين وأربعمائة » .
رواية أبي محمد سليمان بن الربيع بن هشام النهدي الخزاز
رواية أبي الحسن علي بن محمد بن محمد بن عقبة بن الوليد
رواية أبي الحسن محمد بن ثابت بن عبد الله بن محمد بن ثابت
رواية أبي يعلى أحمد بن عبد الواحد بن محمد بن جعفر الحريري
رواية أبي الحسين المبارك بن عبد الجبار بن أحمد الصيرفي
رواية الشيخ الحافظ أبي البركات عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد بن الحسن الأنماطي
سماع مظفر بن علي بن محمد بن زيد بن ثابت المعروف بابن المنجم ـ غفر الله له
أخبرنا الشيخ الثقة شيخ الإسلام أبو البركات عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد بن الحسن الأنماطي ، قال : أخبرنا الشيخ أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار ابن أحمد الصيرفي بقراءتي عليه ، قال أبو يعلى أحمد بن عبد الواحد بن محمد ابن جعفر : قال أبو الحسن محمد بن ثابت بن عبد الله بن محمد بن ثابت الصيرفي : قال أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن محمد بن عقبة : قال أبو محمد سليمان بن الربيع بن هشام النهدي الخزاز : قال أبو الفضل نصر بن مزاحم .
عمرو بن شمر ، عن السدي عن عبد الخير الهمداني قال : قال هاشم بن عتبة : أيها الناس ، إني رجل ضخم ، فلا يهولنكم مسقطي إن أنا سقطت ، فإنه لا يفرغ مني أقل من نحر جزور حتى يفرغ الجزار من جزرها . ثم حمل فصرع ، فمر عليه رجل وهو صريع بين القتلى فقال له : اقرأ [ علي ] أمير المؤمنين السلام ورحمة الله ، وقل له : أنشدك بالله إلا أصبحت وقد ربطت مقاود خيلك بأرجل القتلى ، فإن الدبرة تصبح غدا (1) لمن غلب على القتلى . فأخبر الرجل عليا بذلك ، فسار علي في بعض الليل حتى جعل القتلى خلف ظهره ، وكانت الدبرة له عليهم .
نصر ، عن عمرو بن شمر ، عن رجل (2) ، عن أبي سلمة ، أن هاشم بن
ثم شد فلا ينثني يضرب بسيفه ، ثم [ جعل ] يلعن [ عليا ] ويشتمه ويسهب في ذمه (3) ، فقال له هاشم بن عتبة : « إن هذا الكلام بعده الخصام ، وإن هذا القتال بعده الحساب . فاتق الله فإنك راجع إلى ربك فسائلك عن هذا الموقف وما أردت به (4) » . قال : فإني أقاتلكم لأن صاحبكم لا يصلي كما ذكر لي ، وأنكم لا تصلون ، وأقاتلكم أن صاحبكم قتل خليفتنا وأنتم وازرتموه على قتله . فقال له هاشم : « وما أنت وابن عفان ؟ إنما قتله أصحاب محمد وقراء الناس ، حين أحدث أحداثا وخالف حكم الكتاب ،
حتى قتل تسعة نفر أو عشرة ، وحمل عليه الحارث بن المنذر التنوخي فطعنه فسقط ، وبعث إليه علي : أن قدم لواءك . فقال للرسول : انظر إلي بطني . فإذا هو قد انشق . فأخذ الراية رجل من بكر بن وائل ، ورفع هاشم رأسه فإذا هو بعبيد الله بن عمر بن الخطاب قتيلا إلى جانبه ، فحبا (2) حتى دنا منه ،
ولما قتل هاشم جزع الناس عليه جزعا شديدا ، وأصيب معه عصابة من أسلم من القراء ، فمر عليهم على وهم قتلى حول أصحابه الذين قتلوا معه فقال :
ثم قال عبد الله بن هاشم وأخذ الراية فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : « يأيها الناس ، إن هاشما كان عبدا من عباد الله الذين قدر أرزاقهم ، وكتب آثارهم ، وأحصى أعمالهم ، وقضى آجالهم ؛ فدعاه ربه الذي لا يعصى فأجابه ، وسلم الأمر لله وجاهد في طاعة ابن عم رسول الله ، وأول من آمن به ، وأفقههم في دين الله ، المخالف لأعداء الله المستحلين ما حرم الله ، الذين عملوا في البلاد بالجور والفساد ، واستحوذ عليهم الشيطان فزين لهم الإثم والعدوان . فحق عليكم جهاد من خالف سنة رسول الله ، وعطل حدود الله ، وخالف أولياء الله . فجودوا
وقالت امرأة من أهل الشام :
وقال رجل من بني عذرة :
وقال عبد الله بن أبي معقل بن نهيك بن يساف الأنصاري . قال : وفي حديث عمرو بن شمر : قال النجاشي يبكي أبا عمرة بن عمرو بن محصن (1) وقتل بصفين :
| إذا الخيل جالت ، بينها قصـد القنا | * | يثرن عجاجا ساطعـــا متنصبا |
| لقد فجع الأنصار طـــرا بسيـد | * | أخي ثقة في الصالحين مجــربا |
| فيارب خير قـد أفـدت وجفنــة | * | ملأت وقرن قــد تـركت مخيبا (1) |
| ويا رب خصم قـد رددت بغيظـه | * | فآب ذليلا بعــد مـا كان مغضبا |
| وراية مجد قــد حمـلـت وغزوة | * | شهدت إذا النكـس الجبـان تهيبا |
| حووطا على جل العشيرة مـاجـدا | * | ولم يك في الأنصار نكسـا مؤنبـا (2) |
| طويل عمود المجد رحبـا فنــاؤه | * | خصيبا إذا ما رائد الحــي أجدبا (3) |
| عظيم رماد النار لم يــك فاحشـا | * | ولا فشلا يوم القتــال مغلبـــا |
| وكنت ربيعا ينفع النــاس سيبـه | * | وسيفا جرازا باتك الحد مقضبــا |
| فمن يك مسرورا بقتل ابن محصن | * | فعاش شقيا ثم مــات معذبـــا |
| وغودر منكبا لفيـــه ووجهــه | * | يعالج رمحا ذا سنــان وثعلبــا |
| فإن تقتلوا الحر الكريم ابن محصـن | * | فنحن قتلنا ذا الكـلاع وحوشبــا |
| وإن تقتلوا ابني بديــل وهاشمـا | * | فنحن تركنا منكم القــرن أعضبا |
| ونحن تركنا حميرا في صفوفكــم | * | لدى الموت صرعى كالنخيل مشذبا |
| وأفلتنا تحت الأسنــة مرثـــد | * | وكان قديما في الفـرار مجربــا |
| ونحن تركنا عند مختلـف القنــا | * | أخاكم عبيد الله لحمــا ملحبــا |
| بصفين لما ارفض عنه صفوفكـم | * | ووجه ابن عتاب تركناه ملغبــا (4) |
نصر : وكان ابن محصن من أعلام أصحاب علي عليه السلام ، قتل في المعركة ، وجزع علي عليه السلام لقتله .
قال : وفي قتل هاشم بن عتبة يقول أبو الطفيل عامر بن واثلة ، وهو من الصحابة ، وقيل إنه آخر من بقي من صحب رسول الله صلى الله عليه ، وشهد مع علي عليه السلام صفين ، وكان من مخلصي الشيعة (3) :
نصر : والحوبة القرابة ، يقال لي في بني فلان حوبة أي قربي .
نصر ، عن عمرو بن شمر بإسناده قال : قال رجل يومئذ لعدي بن حاتم ـ وكان من جلة (6) أصحاب علي عليه السلام ـ : يا أبا طريف ، ألم أسمعك
وبعث علي خيلا ليحبسوا عن معاوية مادة ، فعبث معاوية الضحاك ابن قيس الفهري في خيل إلى تلك الخيل فأزالوها ، وجاءت عيون علي فأخبرته بما قد كان ، فقال علي لأصحابه : فما ترون فيما هاهنا ؟ فقال بعضهم : نرى كذا . وقال بعضهم : نرى كذا . فلما رأى ذلك الاختلاف أمرهم بالغدو إلى القوم ، فغاداهم إلى القتال قتال صفين ، فانهزم أهل الشام وقد غلب أهل العراق على قتلى أهل حمص ، وغلب أهل الشام على قتلى أهل العالية ، وانهزم عتبة بن أبي سفيان عشرين فرسخا عن موضع المعركة حتى أتى الشام . فقال النجاشي من قصيدة أولها :
وقال كعب بن جعيل ، [ وهو شاعر أهل الشام ، بعد رفع المصاحف يذكر أيام صفين ويخرض معاوية ] :
| تركتم عبيد الله بالقـاع مسنــدا | * | يمج نجيعا والعــروق نـوازف |
| ألا إنما تبكي العيــون لفــارس | * | بصفين أجلت خيلــه وهو واقف |
| ينوء وتعلوه شآبيــب مــن دم | * | كما لاح في جيب القميص اللفائف |
| يحللن عنـه زر درع حصينــة | * | ويبدين عنـــه بعدهـن معارف (1) |
| تبدل من أسماء أسيـاف وائــل | * | وكان فتى لو أخطأتــه المتالـف (2) |
| الا إن شر الناس في الناس كلهـم | * | بنو أسد ، إني لمــا قلت عارف |
| وفرت تميم سعدهــا وربابهــا | * | وخالفت الجعراء فيمــن يخالف (3) |
فرد عليه أبو جهمة الأسدي فقال :
وقال أبو جهمة الأسدي :
وقال عتبة يهجو كعب بن جعيل مجيبا له (2) :
وقال كعب مجيبا له :
ثم إن عليا أمر مناديه فنادى في الناس : أن اخرجوا إلى مصافكم . فخرج الناس إلى مصافهم ، واقتتل الناس ، وأقبل أبو الأعور السلمي يقال :
وأقبل عبد الرحمن بن خالد وهو يقول :
نصر : ثم كانت بين الفريقين الواقعة المعروفة ب « وقعة الخميس » ، حدثنا
نصر : وقد قيل إن عليا لم يجرح قط .
وقتل في هذا اليوم خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين (5) ، وقتل من أهل
![]() |
![]() |