فعدت إلى مقعدي فأصبت خير الدنيا .
وكان على إذا اراد القتال هلل وكبر ثم قال :
وأقبل عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ، ومعه لواء معاوية الأعظم ، وهو يقول :
فاستقبله جارية بن قدامة السعدي وهو يقول :
واطعنا مليا ، ومضى عبد الرحمن وانصرف جارية ، وعبد الرحمن لا يأتي على شيء إلا أهمده ، وهو يقول :
فغم ذلك عليا ، وأقبل عمرو بن العاص في خيل من بعده فقال : أقحم يا ابن سيف الله فإنه الظفر ! وأقبل الناس على الأشتر فقالوا : يوم من أيامك الأول ، وقد بلغ لواء معاوية حيث ترى . فأخذ الأشتر لواءه ثم حمل وهو يقول :
فضارب القوم حتى ردهم على أعقابهم ، فرجعت خيل عمرو .
وقال النجاشي في ذلك :
وذكروا أنه لما رد لواء معاوية ورجعت خيل عمرو اشرأب (4)لعلي همام بن قبيصة ، وكان من أشتم الناس لعلي ، وكان معه لواء هوازن ، فقصد لمذحج وهو يقول :
فقال عدي بن حاتم لصاحب لوائه : ادن مني . فأخذه وحمل وهو يقول :
فضربه وسلب لواءه ، فقال ابن حطان وهو شامت به :
ثم حمل خزيمة بن ثابت وهو يقول :
فقتل . ثم خرج خالد بن خالد الأنصاري وهو يقول :
فطعن ساعة ثم رجع . ثم حمل جندب بن زهير وهو يقول :
وأقبل الأشتر يضرب بسيفه وهو يقول :
قال : وذكروا أن عمرو بن العاص لما رأى الشر استقبل ، فقال له معاوية : ائت ببني أبيك فقاتل بهم ، فإنه إن يك عند أحد خير فعندهم . فأتى جماعة أهل اليمن فقال : أنتم اليوم الناس وغدا لكم الشان ، هذا يوم له ما بعده من الأمر ، حملوا معي على هذا الجمع . قالوا : نعم . فحملوا وحمل عمرو وهو يقول :
فرد على عمرو :
فقال عمرو بن الحمق : دعوني والرجل ، فإن القوم قومي . فقال ابن بديل : دع الجمع يلقى بعضهم بعضا . فأبي عليه ، وحمل وهو يقول :
ثم طعن في صدره فقتله ، وولت الخيل ، وزال (2)القوم عن مراكزهم . ثم إن حوشبا ذا ظليم ، وهو يومئذ سيد أهل اليمن ، أقبل في جمعه وصاحب لوائه يقول :
فحمل عليه سليمان (6)بن صرد الخزاعي وهو يقول :
فطعنه وقتله ، واستدار القوم ، وقتل حوشب وابن بديل ، وصبر بعضهم لبعض ، وفرح أهل الشام بمقتل هاشم .
وقال جريش السكوني مع علي : | معاوي مــا أفـلت إلا بجـــرعة | |
| من الموت رعبا تحسب الشمس كوكبا | |
| نجوت وقد أدميـــت بالسوط بطنه | |
| أزوما علـــى فأس اللجام مشذبــا (1) | |
| فلا تكفرنه واعلمـــن أن مثلهــا | |
| إلى جنبها ما دارك الجـرى أو كبــا (2) | |
| فإن تفخروا بابنــي بديــل وهاشم | |
| فنحن قتلنا ذا الكـــلاع وحوشبـــا | |
| وإنهما ممن قتلتم علــى الهـــدى | |
| ثواء فكفوا القــول ننسى التحوبــا (3) |
واختلط أمرهم حتى ترك أهل الرايات مراكزهم ، وأقحم أهل الشام من آخر النهار ، وتفرق الناس عن على ، فأتى ربيعة [ ليلا فكان (4)فيهم ، وأقبل عدي ابن حاتم يطلب عليا في موضعه الذي تركه فيه فلم يجده ، فطاف يطلبه ] ، فأصابه في مصاف ربيعة فقال : « يا أمير المؤمنين : أما إذ كنت حيا فالأمر أمم (5)، ما مشيت إليك إلا على قتيل ، وما أبقت هذه الوقعة لنا ولهم عميدا ، فقاتل حتى يفتح الله عليك ؛ فإن في القوم بقية بعد » . وأقبل الأشعث يلهث جزعا ، فلما رأى عليا هلل وكبر وقال : يا أمير المؤمنين خيل كخيل ، ورجال كرجال ، ولنا الفضل [ عليهم ] إلى ساعتنا هذه ، فعد إلى مقامك الذي كنت [ فيه ] ، فإن الناس إنما يظنونك حيث تركوك » . وأرسل سعيد بن قيس [ الهمداني إلى علي عليه السلام ] : « إنا مشتغلون (6)بأمرنا [ مع القوم ] وفينا فضل ، فإن أردت أن نمد أحدا أمددناه » .
وأقبل علي على ربيعة فقال : « أنتم درعي ورمحي » ـ [ قال : فربيعة تفخر بهذا الكلام إلى اليوم ] ـ فقال عدي بن حاتم : « يا أمير المؤمنين ، إن قوما أنست [ بهم ] وكنت فيهم في هذه الجولة ، لعظيم حقهم علينا .
وركب علي عليه السلام فرسه الذي كان لرسول الله ، وكان يقال له « المرتجز » ، [ فركبه ] ثم تقدم (1)[ أمام الصفوف ثم قال : بل البغلة بل البغلة . فقدمت له ] بغلة رسول الله صلي الله عليه « الشهباء » ، فركبها ثم تعصب بعمامة رسول الله السوداء ثم نادي : أيها الناس ، من يشر نفسه لله يربح . هذا يوم له ما بعده . إن عدوكم قد مسه القرح كما مسكم (2).
فانتدب له ما بين عشرة آلاف (3)إلى اثنى عشر ألفا [ قد ] وضعوا سيوفهم على عواتقهم ، وتقدمهم علي منقطعا على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول :
وتبعه ابن عدي بن حاتم بلوائه وهو يقول :
وتقدم الأشتر وهو يقول :
وحمل الناس حملة واحدة فلم يبق لأهل الشام صف إلا انتقض ، وأهمدوا ما أتوا عليه (2)حتى أفضى الأمر إلى مضرب معاوية (3)، وعلي يضربهم بسيفه ويقول :
فدعا معاوية بفرسه لينجو عليه ، فلما وضع رجله في الركاب تمثل بأبيات عمرو بن الإطنابة
(4):
وقال : « يا ابن العاص ، اليوم صبر ، وغدا فخر » . صدقت ، إنا وما نحن
فثثى معاوية رجله من الركاب ونزل واستصرخ بعك والأشعريين ، فوقفوا دونه (5)وجالدوا عنه ، حتى كره كل من الفريقين صاحبه وتحاجز الناس . قال الشني في ذلك :
ثم إن معاوية لما أسرع أهل العراق في أهل الشام قال : " هذا يوم تمحيص . إن القوم قد أسرع فيهم كما أسرع فيكم . اصبروا يومكم هذا وخلاكم ذم " . وحضض علي أصحابه ، فقام إليه الأصبغ بن نباتة التميمي فقال : يا أمير المؤمنين إنك جعلتني على شرطة الخميس ، وقدمتني في الثقة دون الناس ، وإنك اليوم لا تفقد لي صبرا ولا نصرا . وأما أهل الشام فقد هدهم ما أصبنا منهم ، ونحن ففينا (2)بعض البقية ، فاطلب بنا أمرك وأذن لي في التقدم . فقال له علي : " تقدم باسم الله " . وأقبل الأحنف بن قيس السعدي فقال : يا أهل العراق ، والله لا تصيبون هذا الأمر أذل عنقا منه اليوم ، قد كشف القوم عنكم قناع الحياء وما يقاتلون على دين ، وما يصبرون إلا حياء (3)، فتقدموا . فقالوا : إنا إن تقدمنا اليوم فقد تقدمنا أمس فما تقول يا أمير المؤمنين ؟ قال : « تقدموا في موضع التقدم ، وتأخروا في موضع التأخر . تقدموا من قبل أن يتقدموا إليكم » .
وحمل أهل العراق وتلقاهم أهل الشام فاجتلدوا ، وحمل عمرو بن العاص معلما وهو يقول :
فاعترضه علي وهو يقول :
ثم طعنه فصرعه واتقاه عمرو برجله ، فبدت عورته ، فصرف علي وجهه عنه وارتث ، فقال القوم : أفلت الرجل يا أمير المؤمنين . قال : وهل تدرون من هو ؟ قالوا : لا قال : فإنه عمرو بن العاص تلقاني بعورته فصرفت وجهي عنه .
ورجع عمرو إلى معاوية فقال له : ما صنعت يا عمرو ؟ قال : لقيني علي فصرعني . قال : احمد الله وعورتك ، أما والله أن لو عرفته ما أقحمت عليه . وقال معاوية في ذلك :
قال : وتقدم جندب بن زهير برايته وراية قومه وهو يقول : والله لا أنتهى حتى أخضبها ! فخضبها مرارا إذ اعترضه رجل من أهل الشام فطعنه ، فمشى إلى صاحبه في الرمح حتى ضربه بالسيف فقتله .
ثم إن معاوية دعا أخاه عتبة بن أبي سفيان فقال : الق الأشعث بن قيس ، فإنه إن رضي رضيت العامة . وكان عتبة لا يطاق لسانه (3). فخرج عتبة فنادى الأشعث بن قيس ، فقال الناس : يا أبا محمد ، هذا الرجل يدعوك . فقال الأشعث : كما يكون الرجل فسلوه من هو . فقال : أنا عتبة بن أبي سفيان . فقال الأشعث بن قيس : غلام مترف ولا بد من لقائه . [ فخرج إليه ] فقال : ما عندك يا عتبة ؟ فقال : أيها الرجل ، إن معاوية لو كان لاقيا رجلا غير علي للقيك ، إنك رأس أهل العراق ، وسيد أهل اليمن ، وقد سلف من عثمان إليك ما سلف من الصهر والعمل ، ولست كأصحابك . أما الأشتر فقتل عثمان ، وأما عدي فحرض عليه ، وأما سعيد فقلد عليا ديته (4)، وأما شريح وزحر ابن قيس فلا يعرفان غير الهوى ، وإنك حاميت عن أهل العراق تكرما ، ثم حاربت أهل الشام حمية ، وقد بلغنا والله منك وبلغت منا ما أردت ،
فتكلم الأشعث فقال : يا عتبة ، أما قولك إن معاوية لا يلقى إلا عليا فإن لقيني والله لما عظم عني ولا صغرت عنه ، فإن أحب أن أجمع بينه وبين علي فعلت . وأما قولك إني رأس أهل العراق وسيد أهل اليمن فإن الرأس المتبع والسيد المطاع هو علي بن أبي طالب عليه السلام . وأما ما سلف من عثمان إلى فوالله ما زادني صهره شرفا ، ولا عمله عزا . وأما عيبك أصحابي فإن هذا لا يقربك مني ولا يباعدني عنهم . وأما محاماتي عن أهل العراق فمن نزل بيتا حماه . وأما البقية فلستم بأحوج إليها منا ، وسنرى رأينا فيها إن شاء الله .
فلما بلغ معاوية كلام الأشعث قال : « يا عتبة ، لا تلقه بعدها ، فإن الرجل عظيم عند نفسه ، وإن كان قد جنح للسلم » . وشاع في أهل العراق ما قاله عتبة للأشعث وما رده الأشعث عليه :
وقال النجاشي يمدحه :
قال : وإن معاوية لما يئس من جهة الأشعث قال لعمرو بن العاص : إن رأس الناس بعد علي هو عبد الله بن عباس ، فلو ألقيت إليك كتابا لعلك ترققه به (6)؛ فإنه إن قال شيئا لم يخرج علي منه ، وقد أكلتنا الحرب ولا أرانا نصل [ إلى ] العراق إلا بهلاك أهل الشام . قال له عمرو : إن ابن عباس لا يخدع ، ولو طمعت فيه [ ل ] طمعت في علي . فقال معاوية : على ذلك ، فاكتب إليه .
فكتب إليه عمرو : « أما بعد فإن الذي نحن وأنتم فيه ليس بأول أمر (7)
![]() |
![]() |