وكتب في أسفل الكتاب : | طال البلاء ومــا يرجـى لــه آس | |
| بعد الإله سوى رفق ابـن عبــاس | |
| قولا له قول مـن يرضـى بحظوته (5) | |
| لا تنس حظك إن الخاســر الناسي | |
| يا ابن الذي زمزم سقيا الحجيج لــه | |
| أعظم بذلك مــن فخر على الناس | |
| كل لصــاحبـــه قرن يســاوره | |
| أسد العرين أســود بين أخياس (6) |
| لو قيس بينهم في العـــرب لا عتدلوا | |
| العجز بالعجز ثــــم الراس بالـراس | |
| انظر فدى لك نفسي قبـل قاصمـــة | |
| للظهر ليــس لهـــا راق ولا آسى | |
| إن العراق وأهل الشـــام لن يجـدوا | |
| طعم الحياة مـــع المستغلق القاســي | |
| بسر وأصحاب بســـر والذين هــم | |
| داء العراق رجـــال أهــل وسواس | |
| قوم عراة مــن الخيــرات كلهــم | |
| فما يساوي بــه أصحـابــه كاسي | |
| إني أرى الخير في سلــم الشآم لكـم | |
| والله يعلم ، مـــا بالسلم مــن باس | |
| فيها التقى وأمــور ليـس يجهلــها | |
| إلا الجهول ومــا النوكى كأكيــاس |
قال : فلما فرغ من شعره عرضه على معاوية فقال معاوية : « لا أرى كتابك على رقة شعرك » . فلما قرأ ابن عباس الكتاب أتى به عليا فأقرأه شعره فضحك وقال : « قاتل الله ابن العاص ، ما أغراه بك يا ابن العباس ، أجبه وليرد عليه شعره الفضل بن العباس ، فإنه شاعر » . فكتب ابن عباس إلى عمرو :
« أما بعد فإني لا أعلم رجلا من العرب أقل حياء منك ، إنه مال بك معاوية إلى الهوى ، وبعته دينك بالثمن اليسير ، ثم خبطت بالناس في عشوة
ثم دعا [ أخاه ] الفضل بن العباس فقال له : يا ابن أم ، أجب عمرا . فقال الفضل :
ثم عرض الشعر والكتاب على علي فقال : « لا أراه يجيبك بشيء بعدها إن كان يعقل ، ولعله يعود فتعود عليه » . فلما انتهى الكتاب إلى عمرو أتى به معاوية فقال : « أنت دعوتني إلى هذا ، ما كان أغناني وإياك عن بني عبد المطلب » . فقال : « إن قلب ابن عباس وقلب علي قلب واحد ، كلاهما ولد عبد المطلب ، وإن كان قد خشن فلقد لان ، وإن كان قد تعظم أو عظم صاحبه فلقد قارب وجنح إلى السلم » . وإن معاوية كان يكاتب ابن عباس وكان يجيبه بقول لين ، وذلك قبل أن يعظم الحرب ، فلما قتل أهل الشام قال معاوية : « إن ابن عباس رجل من قريش ، وأنا كاتب إليه في عداوة بني هاشم لنا ، وأخوفه عواقب هذه الحرب لعله يكف عنا » . فكتب إليه : « أما بعد فإنكم يا معشر بني هاشم لستم إلى أحد أسرع بالمساءة منكم إلى أنصار عثمان بن عفان ، حتى إنكم قتلتم طلحة والزبير لطلبهما دمه ، واستعظامهما ما نيل منه ، فإن يكن ذلك لسلطان بني أمية فقد وليها عدي وتيم ، [ فلم تنافسوهم ] وأظهرتم لهم الطاعة . وقد وقع من الأمر ما قد ترى ، وأكلت هذه الحروب بعضها من بعض حتى استوينا فيها ، فما أطمعكم فينا أطمعنا فيكم ، وما آيسكم منا آيسنا منكم . وقد رجونا غير الذي كان ، وخشينا دون ما وقع ، ولستم بملاقينا اليوم بأحد من حد أمس ، ولا غدا بأحد من حد اليوم ، وقد قنعنا بما كان في أيدينا من ملك الشام فاقنعوا بما في أيديكم من ملك العراق ، وأبقوا على قريش ؛ فإنما بقى من رجالها ستة ، رجلان بالشام ، ورجلان بالعراق ، ورجلان بالحجاز . فأما اللذان بالشام فأنا وعمرو ، وأما اللذان بالعراق فأنت وعلي ، وأما اللذان بالحجاز فسعد وابن عمر ، واثنان من الستة ناصبان لك ،
فلما انتهى الكتاب إلى ابن عباس أسخطه ثم قال : حتى متى يخطب [ ابن هند ] إلى عقلي ، وحتى متى أجمجم على ما في نفسي ؟ ! فكتب إليه :
« أما بعد [ فقد أتاني كتابك وقرأته ] ، فأما ما ذكرت من سرعتنا [ إليك ] بالمساءة في أنصار ابن عفان ، وكراهيتنا لسلطان بني أمية ، فلعمري لقد أدركت في عثمان حاجتك حين استنصرك فلم تنصره ، حتى صرت إلى ما صرت إليه ، وبيني وبينك في ذلك ابن عمك وأخو عثمان الوليد بن عقبة (1) . وأما طلحة والزبير [ فإنهما أجلبا عليه ، وضيقا خناقه ، ثم خرجا ] ينقضان البيعة ويطلبان الملك (2) ، فقاتلناهما على النكث وقاتلناك على البغي . وأما قولك إنه لم يبق من قريش غير ستة ، فما أكثر رجالها وأحسن بقيتها ، [ و ] قد قاتلك من خيارها من قاتلك ، لم يخذلنا إلا من خذلك .
وأما إغراؤك إيانا بعدي وتيم فأبو بكر وعمر خير من عثمان ، كما أن عثمان خير منك : وقد بقي لك منا يوم ينسيك (3) ما قبله ويخاف ما بعده (4) . وأما قولك إنه لو بايع الناس لي لاستقامت لي (5) ، فقد بايع الناس عليا وهو خير مني فلم يستقيموا له . وإنما الخلافة لمن كانت له في المشورة . وما أنت يا معاوية والخلافة وأنت طليق وابن طليق ، [ والخلافة للمهاجرين الأولين ، وليس الطلقاء منها في شيء . والسلام ] » .
فلما انتهى الكتاب إلى معاوية قال : هذا عملي بنفسي . لا والله لا أكتب إليه كتابا سنة [ كاملة ] . وقال معاوية في ذلك :
فلما قرأ ابن عباس الشعر قال : « لن أشتمك بعدها » .
وقال الفضل بن عباس :
فعرض شعره على علي فقال : « أنت أشعر قريش » . فضرب بها الناس إلى معاوية .
وذكروا أنه اجتمع عند معاوية تلك الليلة عتبة بن أبي سفيان والوليد ابن عقبة ، ومروان بن الحكم ، وعبد الله بن عامر ، وابن طلحة الطلحات ، فقال عتبة : إن أمرنا وأمر علي لعجب ، ليس منا إلا موتور محاج . أما أنا فقتل جدي ، واشترك في دم عمومتي يوم بدر . وأما أنت يا وليد فقتل أباك يوم الجمل ، وأيتم إخوتك . وأما أنت يا مروان فكما قال الأول (2) :
قال معاوية : هذا الإقرار فأين الغير (4) ؟ قال مروان : أي غير تريد ؟ قال : أريد أن يشجر بالرماح . فقال : والله إنك لهازل ، ولقد ثقلنا عليك . فقال الوليد بن عقبة في ذلك :
فغضب عمرو وقال : إن كان الوليد صادقا فليلق عليا ، أو ليقف حيث يسمع صوته .
وقال عمرو :
آخر الجزء السادس ويتلوه في السابع : « ثم إنهم التقوا بصفين واقتتلوا أشد القتال حتى كادوا أن يتفانوا » : والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وسلم تسليما يا إله العالمين آمين رب العالمين .
وجدت في الجزء العاشر من نسخة عبد الوهاب بخطه : « سمع جميعه من الشيخ أبي الحسين المبارك بن عبد الجبار ، الأجل السيد الأوحد الإمام قاضي القضاة أبو الحسن علي بن محمد الدامغاني وابناه القاضيان [ أبو عبد الله محمد (1) ] وأبو الحسين أحمد ، وأبو عبد الله محمد بن القاضي أبي الفتح بن البيضاوي ، والشريف أبو الفضل محمد بن علي بن أبي يعلى الحسيني ، وأبو منصور محمد بن محمد بن [ قرمي ، بقراءة (2) ] عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد بن الحسن الأنماطي . وذلك في شعبان سنة أربع وتسعين وأربعمائة » .
رواية أبي محمد سليمان بن الربيع بن هشام النهدي الخزاز
رواية أبي الحسن علي بن محمد بن محمد بن عقبة بن الوليد
رواية أبي الحسن محمد بن ثابت بن عبد الله بن محمد بن ثابت
رواية أبي يعلى أحمد بن عبد الواحد بن محمد بن جعفر الحريري
رواية أبي الحسين المبارك بن عبد الجبار بن أحمد الصيرفي
رواية الشيخ الحافظ أبي البركات عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد بن الحسن الأنماطي
سماع مظفر بن علي بن محمد بن زيد بن ثابت المعروف بابن المنجم ـ غفر الله له
أخبرنا الشيخ الثقة شيخ الإسلام أبو البركات عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد بن الحسن الأنماطي قال : أخبرنا الشيخ أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار بن أحمد الصيرفي بقراءتي عليه قال : أخبرنا أبو يعلى أحمد بن عبد الواحد بن محمد بن جعفر قال : أبو الحسن محمد بن ثابت بن عبد الله بن محمد بن ثابت الصيرفي قال : أبو الحسن علي بن محمد بن عقبة قال : أبو محمد سليمان بن الربيع بن هشام النهدي الخزاز قال : أبو الفضل نصر بن مزاحم :
ثم إنهم التقوا بصفين ، واقتتلوا أشد القتال حتى كادوا أن يتفانوا ، ثم إن عمرو بن العاص مر بالحارث بن نصر الجشمي وكان عدوا لعمرو ، وكان عمرو قلما يجلس مجلسا إلا ذكر فيه الحرب (1) . فقال الحارث في ذلك :
فلما سمع عمرو شعره قال : والله لو علمت أني أموت ألف موتة لبارزت عليا في أول ما ألقاه ، فلما بارزه طعنه علي فصرعه ، واتقاه عمرو بعورته ، فانصرف علي عنه .
وقال علي حين بدت له عورة عمرو فصرف وجهه عنه :
ثم إن معاوية عقد لرجال من مضر ، منهم بسر بن أرطاة ، وعبيد الله بن عمر ، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد ، ومحمد وعتبة أبنا أبي سفيان ، قصد بذلك إكرامهم ورفع منازلهم ، وذلك في الوقعات الأولى من صفين ، فغم ذلك رجالا من أهل اليمن ، وأرادوا ألا يتأمر عليهم أحد إلا منهم ، فقام رجل من كندة يقال له عبد الله بن الحارث السكوني ، فقال : يا معاوية ، إني قلت شيئا فاسمعه ، وضعه مني على النصيحة . فقال : هات . قال :
فكبا له معاوية ، ونظر إلى وجوه أهل اليمن فقال : أعن رضاكم قال هذا ما قال : فقال القوم : لا مرحبا بما قال : الأمر إليك فاصنع ما أحببت (3) . قال معاوية : إنما خلطت بكم ثقاتي وثقاتكم (4) ، ومن كان لي فهو لكم ومن كان لكم فهو لي . فرضى القوم وسكتوا ، فلما بلغ أهل الكوفة مقالة عبد الله بن الحارث لمعاوية فيمن عقد له من رءوس أهل الشام قام [ الأعور ] الشنى إلى علي فقال : يا أمير المؤمنين ، إنا لا نقول لك كما قال أصحاب أهل الشام لمعاوية ، ولكنا نقول : زاد الله في هداك وسرورك (5) ، نظرت بنور الله فقدمت رجالا ، وأخرت رجالا ، فعليك أن تقول وعلينا أن نفعل ، أنت الإمام ، فإن هلكت فهذان من بعدك ـ يعني حسنا وحسينا ـ وقد قلت شيئا فاسمعه . قال : هات . فقال :
فلم يبق أحد من الناس به طرق (4) أوله ميسرة إلا أهدي للشنى أو أتحفه .
قال [ نصر : وحدثنا عمر بن سعد قال ] : ولما تعاظمت الأمور على معاوية [ قبل قتل عبيد الله بن عمر بن الخطاب ] دعا عمرو بن العاص ، وبسر بن أرطاة وعبيد الله بن عمر بن الخطاب ، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد ، فقال لهم : إنه قد غمني رجال من أصحاب علي ، منهم سعيد بن قيس في همدان والأشتر في قومه ، والمرقال وعدي بن حاتم وقيس بن سعد في الأنصار ، وقد وقتكم
فطعن في أعراض الخيل مليا . ثم إن همدان تنادت بشعارها ، وأقحم سعيد بن قيس فرسه على معاوية واشتد القتال ، وحجز بينهم الليل ، فذكرت همدان أن معاوية فاتها ركضا . وقال سعيد بن قيس في ذلك :
فانصرف معاوية ولم يعمل شيئا . وإن عمرو بن العاص غدا في اليوم الثاني
فطعن في أعراض الخيل مزبدا ، فحمل هاشم وهو يقول :
فطاعن عمرا حتى رجع (3) ، واشتد القتال وانصرف الفريقان [ بعد شدة القتال ] ، ولم يسر معاوية ذلك .
وإن بسر بن أرطاة غدا في اليوم الثالث في حماة الخيل فلقى قيس ابن سعد في كماة الأنصار ، فاشتدت الحرب بينهما ، وبرز قيس كأنه فنيق مقرم ، وهو يقول :
وطاعن خيل بسر (1) ، وبرز له بسر بعد ملى (2) ، وهو يقول :
ويطعن بسر قيسا فيضربه قيس بالسيف فرده على عقبيه ، ورجع القوم جميعا ولقيس الفضل .
وإن عبيد الله بن عمر تقدم في اليوم الرابع ولم يترك فارسا مذكورا ، وجمع من استطاع ، فقال له معاوية : إنك تلقى أفاعي أهل العراق (5) فارفق واتئد . فلقيه الأشتر أمام الخيل مزبدا ـ وكان الأشتر إذا أراد القتال أزبد ـ وهو يقول :
وشد على الخيل خيل الشام فردها (7) ، فاستحيا عبيد الله فبرز أمام الخيل وكان فارسا [ شجاعا ] وهو يقول :
![]() |
![]() |