الغدير ـ الجزء الخامس ::: 361 ـ 370
(361)
فشرعنا إلى عمر ، بحسب آل عمر أن يحاسب منهم رجل واحد ويسئل عن أمر أمة محمد ، لقد جهدت نفسي وحرمت أهلي ، وإن نجوت كفافا لا وزر ولا أجر إني لسعيد ، وانظر فإن استخلفت ؟ فقد استخلف من هو خير مني ، وإن أترك ؟ فقد ترك من هو خير مني ، ولن يضيع الله دينه. فخرجوا ثم راحوا فقالوا : يا أمير المؤمنين ! لو عهدت عهدا ؟ فقال : قد كنت أجمعت بعد مقالتي لكم أن أنظر فأولي رجلا أمركم هو أحراكم أن يحملكم على الحق ـ وأشار إلى علي ـ ورهقتني غشية فرأيت رجلا دخل جنة قد غرسها فجعل يقطف كل غضة ويانعة فيضمه إليه ويصيره تحته ، فعلمت أن الله غالب أمره ، ومتوف عمر ، فما أريد أن أتحملها حيا وميتا ، عليكم هؤلاء الرهط. الحديث.
    وذكره ابن عبد ربه في العقد الفريد 2 : 256.
    ليتني أدري وقومي كيف تطلب الصحابة من عمر الاستخلاف وتصفح عن تلكم النصوص الجمة ؟ وكيف يخالفها عمر ويرى أبا عبيدة وسالما أهلا للخلافة ويتمنى حياتهما ؟ ثم يجعلها شورى ؟ ثم كيف يرى الحديثين في فضل الرجلين حجة لاستخلافهما ولم ير ما ورد في الكتاب والسنة من ألوف المناقب في علي عليه السلام عذرا عند ربه إن سئل عن استخلافه ؟ وكيف لم يجد من نطق القرآن بعصمته ، ونزلت فيه آية التطهير ، وعده الكتاب نفس النبي الأقدس أهلا للاستخلاف ؟ وما باله لم يستخلف عبد الله بن عمر لجهله بمسألة واحدة ؟ وكان أكثر علما من أبيه ، ولم يكن عمر يرى الخليفة إلا خازنا وقاسما غير مفتقر إلى أي علم كما صح عنه في خطبة له من قوله :
    أيها الناس ! من أراد أن يسأل عن القرآن فليأت أبي بن كعب. ومن أراد أن يسأل عن الفرائض ؟ فليأت زيد بن ثابت. ومن أراد أن يسأل عن الفقه ؟ فليأت معاذ بن جبل. ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني ، فإن الله جعلني خازنا وقاسما (1).
    11 ـ وما عن ابن عمر إنه قال لعمر : إن الناس يتحدثون إنك غير مستخلف ولو كان لك راعي إبل أو راعي غنم ثم جاء وترك رعيته رأيت أن قد فرط ، ورعية الناس أشد من رعية الإبل والغنم ، ماذا تقول لله عز وجل إذا لقيته ولم تستخلف على عباده ؟ قال : فأصابه كآبة ثم نكس رأسه طويلا ثم رفع رأسه وقال : إن الله تعالى حافظ الدين وأي
1 ـ يأتي الكلام حول هذه الخطبة وصحتها في الجزء السادس.

(362)
ذلك أفعل فقد سن لي. إن لم استخلف ؟ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستخلف ، وإن أستخلف ؟ فقد استخلف أبو بكر.
    قال عبد الله : فعرفت إنه غير مستخلف.
    أخرجه أبو نعيم في ( الحلية ) 1 ص 44 ، وابن السمان في ( الموافقة ) كما في ( الرياض النضرة ) 2 ص 74 ، م ـ وأخرجه مسلم في الصحيح عن إسحاق بن إبراهيم وغيره عن عبد الرزاق ، والبخاري من وجه آخر عن معمر كما في ( سنن البيهقي 8 : 149 ، وفي لفظة : قلت له : إني سمعت الناس يقولون مقالة فآليت أن أقولها لك : زعموا أنك غير مستخلف وقد علمت أنه لو كان لك راعي غنم فجاءك وقد ترك رعايته رأيت أن قد ضيع فرعاية الناس أشد.
    قال : فوافقه قولي فأطرق مليا ثم رفع رأسه فقال : إن الله يحفظ دينه وإن لا أستخلف ؟ فإن رسول الله لم يستخلف وإن استخلف ؟ فإن أبا بكر قد استخلف. الحديث. وبهذا اللفظ ذكره ابن الجوزي في سيرة عمر ص 190 ].
    12 ـ وما أخرجه أبو زرعة في كتاب ( العلل ) عن ابن عمر قال : لما طعن عمر قلت : يا أمير المؤمنين لو اجتهدت بنفسك وأمرت عليهم رجلا ؟ قال : اقعدوني.
    قال عبد الله فتمنيت لو أن بيني وبينه عرض المدينة فرقا منه حين قال : أقعدوني.
    ثم قال : والذي نفسي بيده لأردنها إلى الذي دفعها إلي أول مرة.
    الرياض النضرة 2 : 74.
    13 ـ وما روى ابن قتيبة في ( الإمامة والسياسة ) ص 22 من أن عمر لما أحس بالموت قال لابنه عبد الله : اذهب إلى عائشة واقرئها مني السلام واستأذنها أن أقبر في بيتها مع رسول الله ومع أبي بكر فأتاها عبد الله فأعلمها فقالت : نعم وكرامة ، ثم قالت : يا بني أبلغ عمر سلامي وقل له : لا تدع أمة محمد بلا راع ، استخلف عليهم ولا تدعهم بعدك هملا ، فإني أخشى عليهم الفتنة.
    فأتى عبد الله فأعلمه فقال : ومن تأمرني أن أستخلف لو أدركت أبا عبيدة بن الجراح باقيا ، استخلفته ووليته فإذا قدمت على ربي فسألني وقال لي : من وليت على أمة محمد ؟ قلت : أي رب ! سمعت عبدك ونبيك يقول : لكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة ابن الجراح.
    ولو أدركت معاذ بن جبل استخلفته ؟ فإذا قدمت على ربي فسألني : من وليت على أمة محمد ؟ قلت : أي رب ! سمعت عبدك ونبيك يقول : إن معاذ بن جبل يأتي بين يدي العلماء يوم القيامة ، ولو أدركت خالد بن وليد ؟ لوليته فإذا قدمت على ربي فسألني : من وليت على أمة محمد ؟ قلت :


(363)
أي رب ! سمعت عبدك ونبيك يقول : خالد بن وليد سيف من سيوف الله سله على المشركين. ولكني سأستخلف النفر الذي توفي رسول الله وهو عنهم راض. الحديث. وذكر في أعلام النساء 2 : 876.
    قال الأميني : ليت عمر بن الخطاب كان على ذكر مما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله في علي أمير المؤمنين ولو حديثا واحدا مما أخرجه عنه الحفاظ فكان يستخلفه ويراه عذرا عند ربه حينما سأله عمن ولاه أمة محمد ، ولعله كان يكفيه ذكر ما أجمعت الأمة الإسلامية عليه من قوله صلى الله عليه وآله وسلم : إني مخلف فيكم الثقلين ـ أو تارك فيكم خليفتين ـ إن تمسكتم بهما لن تضلوا أبدا : كتاب الله وعترتي أهل بيتي لن يفترقا حتى يردا على الحوض. وعلي سيد العترة.
    م ـ أليس عمر هو راوي ما جاء في الصحاح والمسانيد من طريقه في علي عليه السلام من قوله صلى الله عليه وآله : علي مني بمنزلة هارون من موسى ، إلا أنه لا نبي بعدي ؟.
    وقوله صلى الله عليه وآله يوم خيبر : لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله ؟.
    وقوله صلى الله عليه وآله وسلم يوم غدير خم : من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ؟.
    وقوله صلى الله عليه وآله : ما اكتسب مكتسب مثل فضل علي ، يهدي صاحبه إلى الهدى ، ويرد عن الردى ؟.
    وقوله صلى الله عليه وآله : لو أن السماوات السبع والأرضين السبع وضعت في كفة ووضع إيمان علي في كفة لرجح إيمان علي ؟ (1).
    ألم تكن آي المباهلة والتطهير والولاية إلى أمثالها الكثير الطيب النازل في الثناء على سيد العترة تساوي عند عمر تلكم الموضوعات المختلقة في أولئك الذين تمنى حياتهم ؟! والخطب الفظيع أن عمر كان يرى مثل سالم بن معقل ـ أحد الموالي مولى بني حذيفة وكان من عجم الفرس ـ أهلا للخلافة وصاحبها الوحيد ، ويتمنى حياته لما طعن بقوله :
1 ـ هذه الأحاديث جاءت كلها من طريق عمر بن الخطاب كما يأتي تفصيله.

(364)
لو كان سالم حيا ما جعلتها شورى.
     (1) هلا عزيز على رسول الله صلى الله عليه وآله أن لا يعادل صنوه أمير المؤمنين حتى الموالي والعبيد من أمته بعد تلكم النصوص الواردة فيه كتابا وسنة ؟ ألم يكن عمر نفسه محتجا يوم السقيفة على الأنصار بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : الأئمة من قريش ؟ فلماذا نسيه ؟ وكيف يرى لمولى بني حذيفة قسطا من الخلافة ؟ ألم يكن عمر هو الذي ألح على أبي بكر في خالد بن الوليد أن يعزله ويرجمه و يقتله ؟ لما قتل مالك بن نويرة ، ونزى على حليلته ، وقتل أصحابه المسلمين ، وفرق شمله ، وأباد قومه ، ونهب أمواله ، أنسي قوله لأبي بكر : إن في سيف خالد رهقا ؟ أم قوله فيه : عدو الله عدا على امرئ مسلم فقتله ثم نزا على امرأته ؟ أم قوله لخالد : قتلت امرءا مسلما ثم نزوت على امرأته ، والله لأرجمنك بأحجارك ؟.
    نعم : السياسة الشاذة عن مناهج الصلاح تتحف صاحبها كل حين لسانا ومنطقا يختصان به ، وهذه الخواطر والآراء والأماني واللهجة الملهوجة هي نتاج السياسة المحضة تضاد نداء كتاب الله ونداء الصادع الكريم ، وهي التي جرت الشقاء والشقاق على أمة محمد صلى الله عليه وآله حتى اليوم ].
    14 ـ وما أخرجه البلاذري في ( أنساب الأشراف ) 5 : 16 عن ابن عباس قال. قال عمر : لا أدري ما أصنع بأمة محمد ـ وذلك قبل أن يطعن ـ فقلت : ولم تهتم وأنت تجد من تستخلفه عليهم ؟ قال : أصاحبكم يعني عليا ؟ قلت : نعم هو أهل لها في قرابته برسول الله وصهره وسابقته وبلائه. فقال عمر : إن فيه بطالة وفكاهة. قلت : فأين أنت عن طلحة ؟ قال : فأين الزهو والنخوة ؟ قلت : عبد الرحمن بن عوف ؟ قال : هو رجل صالح على ضعف. قلت : فسعد ؟ قال : ذاك صاحب مقنت وقتال لا يقوم بقرية لو حمل أمرها. قلت : فالزبير ؟ قال : لقيس مؤمن الرضى كافر الغضب شحيح ، إن هذا الأمر لا يصلح إلا لقوي في غير عنف ، رفيق في غير ضعف ، جواد في غير سرف ، قلت : فأين أنت عن عثمان ؟ قال : لو وليها لحمل بني أبي معيط على رقاب الناس ولو فعلها لقتلوه.
1 ـ طبقات ابن سعد 3 : 248 ، التمهيد للباقلاني 204 ، الاستيعاب 2 : 561 ، طرح التثريب 1 : 49.

(365)
    15 ـ وما صح عن علي أمير المؤمنين من أنه خطب يوم الجمل فقال : أما بعد : فإن هذه الأمارة لم يعهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها عهدا يتبع أثره ، ولكن رأيناها تلقاء أنفسنا ، استخلف أبو بكر فأقام واستقام ، ثم استخلف عمر فأقام واستقام ، ثم ضرب الدهر بجرانه ، أخرجه الحاكم في ( المستدرك ) 3 ص 104 ، وابن كثير في تاريخه 5 ص 250 ، وابن حجر في ( الصواعق ) نقلا عن أحمد.
    16 ـ وما صح عن أبي وائل قال : قيل لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه : ألا تستخلف علينا ؟ قال : ما استخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستخلف ، ولكن إن يرد الله بالناس خيرا فسيجمعهم بعدي على خيرهم كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم.
    أخرجه الحاكم في ( المستدرك ) 3 ص 79 وصححه هو والذهبي ، وأخرجه البيهقي في سننه 8 : 149 ، وابن كثير في تاريخه 5 : 251 وقال : إسناد جيد ، وذكره ابن حجر في ( الصواعق ) ص 27 عن البزار وقال : رجاله رجال الصحيح.
    17 ـ وما أخرجه أحمد عن عبد الله بن سبع في حديث قالوا لعلي : إن كنت علمت ذلك ـ يعني القتل ـ ؟ فاستخلف إذا.
    قال : لا ، أكلكم إلى ما وكلكم رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) وأخرجه البيهقي بلفظ : أترككم كما ترككم رسول الله.
    يه 6 ص 219.
    وبهذا اللفظ ذكره ابن حجر في ( الصواعق ) ص 27 وقال : أخرجه جمع كالبزار بسند حسن ، والإمام أحمد وغيرهما بسند قوي كما قال ؟ الذهبي.
    18 ـ وما صح عن عائشة قالت : لو كان رسول الله مستخلفا لاستخلف أبا بكر وعمر.
    أخرجه مسلم في صحيحه كما في ( الرياض ) 1 : 26 ، والحاكم في ( المستدرك ) 3 : 78.
    19 ـ وما ورد في احتجاج أم سلمة على عائشة من قولها : كنت أنا وأنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر له وكان علي يتعاهد نعلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيخصفهما ويتعاهد أثوابه فيغسلها فنقبت له نعل فأخذها يومئذ يخصفها وقعد في ظل شجرة وجاء أبوك و معه عمر فاستأذنا عليه فقمنا إلى الحجاب ودخلا يحادثانه فيما أرادا ثم قالا : يا رسول الله إنا لا ندري قدر ما تصحبنا فلو أعلمتنا من يستخلف علينا ليكون لنا بعدك مفزعا ؟ فقال لهما : أما إني قد أرى مكانه ولو فعلت لتفرقتم عنه كما تفرقت بنو إسرائيل عن هارون
1 ـ الرياض النضرة 1 ص 159 ، و ج 2 ص 245.

(366)
بن عمران. فسكتا ثم خرجا فلما خرجنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت له وكنت أجرأ عليه منا : من كنت يا رسول الله مستخلفا عليهم ؟ فقال : خاصف النعل. فنزلنا فلم نر أحدا إلا عليا فقلت : يا رسول الله : ما أرى إلا عليا. فقال : هو ذاك. فقالت عائشة : نعم أذكر ذلك. أعلام النساء 2 ص 789.
    20 ـ وما روي من خطبة لعايشة خطبتها بالبصرة : أيها الناس ! والله ما بلغ ذنب عثمان أن يستحل دمه ، ولقد قتل مظلوما ، غضبنا لكم من السوط والعصا ولا نغضب لعثمان من القتل ؟ وإن من الرأي أن تنظروا إلى قتلة عثمان فيقتلوا به ، ثم يرد هذا الأمر شورى على ما جعله عمر بن الخطاب. فمن قائل يقول : صدقت. وآخر يقول : كذبت.
    فلم يبرح الناس يقولون ذلك حتى ضرب بعضهم وجوه بعض ـ قال الأميني : كضرب. هذه الأحاديث بعضها وجوه بعض ـ أعلام النساء 2 ص 796.
    21 ـ وما عن حذيفة رضي الله عنه قال : قالوا : يا رسول الله ! لو استخلفت علينا ؟ قال : إن أستخلف عليكم خليفة فتعصوه ينزل بكم العذاب. قالوا : لو استخلفت علينا أبا بكر ؟ قال إن أستخلفه عليكم ؟ جدوه قويا في أمر الله ضعيفا في جسده.
    قالوا : لو استخلفت علينا عمر ؟ قال : إن أستخلفه عليكم تجدوه قويا أمينا لا تأخذه في الله لومة لائم.
    قالوا : لو استخلفت علينا عليا ؟ قال : إنكم لا تفعلوا وإن تفعلوا تجدوه هاديا مهديا يسلك بكم الطريق المستقيم.
    أخرجه الحاكم في ( المستدرك ) 3 ص 70 ، وأبو نعيم في ( حلية الأولياء ) 1 ص 64 وليس فيه استخلاف أبي بكر وعمر ومنه يظهر تحريف يد الأمانة الحديث.
    م 22 ـ وما روي عن ابن عباس قال : قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله ! استخلف علينا بعدك رجلا نعرفه وننهى إليه أمرنا ، فإنا لا ندري ما يكون بعدك.
    فقال : إن استعملت عليكم رجلا فأمركم بطاعة الله فعصيتموه كان معصيته معصيتي ومعصيتي معصية الله عز وجل ، وإن أمركم بمعصية الله فأطعتموه كانت لكم الحجة علي يوم القيامة ، ولكن أكلكم إلى الله عز وجل.
    أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه 13 : 160 ].
    23 ـ ثم إن صحت تلكم النصوص وكانت الخلافة عهدا من الله سبحانه وجاء به جبريل وارتجت دونه السماوات ، وهتفت به الملائكة ، وصدع به النبي الكريم ، وأبى الله ورسوله والمؤمنون إلا أبا بكر فما المبرر له مما صح عنه في صحيح البخاري


(367)
في باب فضل أبي بكر من قوله يوم السقيفة مخاطبا الحضور : فبايعوا عمر بن الخطاب أو أبا عبيدة الجراح ؟ وفي تاريخ الطبري 3 ص 209 : قال أبو بكر : هذا عمر وهذا أبو عبيدة فأيهما شئتم فبايعوا.
    وفي ص 201 ، ومسند أحمد 1 ص 56 : إني قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فأيهما شئتم : عمر أو أبا عبيدة.
    وفي الإمامة والسياسة 1 ص 7 : إنما أدعوكم إلى أبي عبيدة أو عمر وكلاهما قد رضيت لكم ولهذا الأمر وكلاهما له أهل.
    وفي ص 10 قال : إني ناصح لكم في أحد الرجلين : أبي عبيدة بن الجراح أو عمر ، فبايعوا من شئتم منهما.
    قال الأميني : بخ بخ.
    حسب النبي الأعظم مجدا وشرفا ، والاسلام عزا و منعة ، والمسلمين فخرا وكرامة استخلاف مثل أبي عبيدة الجراح ولم يكن إلا حفارا مكيا يحفر القبور بالمدينة ، وكان فيها حفاران (1) ليس إلا وهما : أبو عبيدة وأبو طلحة.
    فما أسعد حظ هذه الأمة أن يكون في حفاري قبورها من يشغل منصة النبي صلى الله عليه وآله بعده ، ويسد ذلك الفراغ ، ويكون هو مرجع العالم في أمر الدين والدنيا ، وأي وازع أبا عبيدة من أن يكون خليفة لائتمانه ؟ بعدما كاد معاوية بن أبي سفيان أن يكون نبيا و يبعث لائتمانه وعلمه كما مر في ص 308.
    غير أني لست أدري ما كانت الحالة يوم ذاك في السماوات عند إيهاب أبي بكر الخلافة الإسلامية لأبي عبيدة ؟! وهي كانت ترتج والملائكة تهتف والله يأبى إلا أبا بكر مهما سئلها النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام وقد أنزله منزلة نفسه نصا من الله العزيز.
    نعم : كان حقا على السماوات أن يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا.
    24 ـ وما الذي جوز لأبي بكر قوله لعمر بعد قوله له : ـ أبسط يدك يا أبا بكر فلأبايعك ـ : بل أنت يا عمر فأنت أقوى لها مني ؟ وكان كل واحد منهما يريد صاحبه
1 ـ الطبقات الكبرى لابن سعد ص 815 ـ 819 ، سيرة ابن هشام 4 : 343 ، تاريخ الطبري 3 : 204. الامتاع للمقريزي ص 548 ، تاريخ ابن كثير 5 : 266 ، 268 ، السيرة الحلبية 3 : 393.

(368)
يفتح يده يضرب عليها ، ففتح عمر يد أبي بكر وقال : إن لك قوتي مع قوتك (1).
    25 ـ وكيف كان يرى أبو بكر الأمر للمهاجرين ويجعل للأنصار الوزارة ويقول : منا الأمراء ومنكم الوزراء ؟ تاريخ الطبري 3 : 199 ، 208 ، الرياض : 1622 ، 163.
    26 ـ وما الذي سوغ لأبي بكر قوله : إني وليت هذا الأمر وأنا له كاره ، والله لوددت أن بعضكم كفانيه ؟ صفة الصفوة 1 : 99.
    كيف كان يكره أمرا جعله الله له ، وجاء به جبريل ، وأخبر به النبي الطاهر ؟ ثم كيف كان يود أن يكفيه غيره ؟ وقد حيل بين النبي وبين أمله مهما سأله الله لعلي ، ولم يجعل الله لمشيئة نبيه في الأمر قيمة ، وأبى إلا أبا بكر.
    27 ـ وما المسوغ لأبي بكر في استقالته الخلافة من الناس وقوله مرة بعد أخرى : أقيلوني أقيلوني لست بخيركم (2) ؟ وقوله : لا حاجة لي في بيعتكم أقيلوني بيعتي (3) فكيف كان يرى للناس في إقالته اختيارا ، ولرده ما شاء الله وعهده لنبيه مساغا ؟.
    28 ـ وما كان وجه احتجابه عن الناس ثلاثا يشرف عليهم كل يوم يقول : أقلتكم بيعتي فبايعوا من شئتم ؟ (4) أو يخير الناس سبعة أيام ؟ كيف كان يرى لنفسه خيارا في حل عقد بيعته عن رقاب الناس وإقالتهم وقد أبى الله والمؤمنون إلا إياه ؟ ثم كيف يكل أمر الأمة إلى مشيئتها وقد ردت مشيئة النبي صلى الله عليه وآله في ذلك ؟ ووقع في السماوات ما وقع يوم أعرب صلى الله عليه وآله عن أمنيته.
    29 ـ وما كان عذره في قوله من خطبة له : أيها الناس ؟ هذا علي بن أبي طالب لا بيعة لي في عنقه وهو بالخيار من أمره ، ألا وأنتم بالخيار جميعا في بيعتكم ، فإن رأيتم لها غيري فأنا أول من يبايعكم ؟ السيرة الحلبية 3 : 389.
    لعل الحرية في الرأي حول البيعة حدثت بعد ما وقع دونها ما وقع في السماوات والأرض.
    م ـ بعد ما هرول عمر بين يدي أبي بكر ونبر حتى أزبد شدقاه. بعد ما قيل لحباب بن المنذر البدوي مخالف تلك البيعة : إذن يقتلك الله. بعد ما حطم أنف الحباب وضرب
1 ـ تاريخ الطبري 3 : 199 ، السيرة الحلبية 3 : 386 ، الصواعق ص 7.
2 ـ الصواعق المحرقة ص 30.
3 ـ الإمامة والسياسة 1 ص 14.
4 ـ الإمامة والسياسة 1 ص 16 ، الرياض النضرة 1 ص 175.


(369)
يده. بعد ما نودي على سعد أمير الخزرج : اقتلوه قتله الله إنه منافق. بعد ما أخذ قيس بن سعد لحية عمر قائلا : والله لو حصصت منه شعرة ما رجعت وفي فيك واضحة. بعد ما قال الزبير وقد سل سيفه : لا أغمده حتى يبايع علي. بعد ما قال عمر : عليكم الكلب ـ يعني الزبير ـ فأخذ السيف من يده وضرب به على الحجر. بعد ما دافعوا مقدادا في صدره. بعد التهاجم على دار النبوة ، وكشف بيت فاطمة ، وإخراج من كان فيه للبيعة عنوة. بعد ما أقبل عمر بقبس من نار إلى دار فاطمة. بعد ما قال عمر : لتخرجن إلى البيعة أو لأحرقنها على من فيها. بعد ما خرجت بضعة المصطفى عن خدرها وهي تبكي و تنادي بأعلى صوتها : يا أبت يا رسول الله ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة بعد ما قادوا عليا عليه السلام إلى البيعة كما يقاد الجمل المخشوش. بعد ما قيل له : بايع وإلا تقتل. بعد ما لاذ بقبر أخيه المصطفى صلى الله عليه وآله باكيا قائلا : يا بن أم إن القوم استضعفوني و كادوا يقتلونني. بعد ، بعد ، إلى مائة بعد (1) ].
    ولعل تلك الشدة في إباءة الله وملائكته والمؤمنين خلافة أي أحد إلا أبا بكر كانت مكذوبة على الله وعلى رسوله والمؤمنين ، أو كانت صحيحة غير أنها مقيدة بإرادة أبي بكر نفسه ومشيئته.
    لاها الله كانت مكذوبة ليس إلا.
    30 ـ وما المجوز لعمر قوله لأبي عبيدة الجراح لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله : أبسط يدك فلأبايعك فأنت أمين هذه الأمة على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال أبو عبيدة لعمر : ما رأيت لك فهة (2) مثلها منذ أسلمت ، أتبايعني وفيكم الصديق وثاني اثنين ؟ مسند أحمد 1 ص 35 ، طبقات ابن سعد 3 ص 128 ، نهاية ابن الأثير 3 ص 247 ، صفة الصفوة 1 : 97 ، السيرة الحلبية 3 : 386 ، الصواعق 7.
    فما الذي دعاه إلى ذلك الخلاف الفاحش على تلكم النصوص ؟ وما كان ذلك الاستبداد بالرأي تجاه النص المؤكد من الله العزيز ؟ نعم : وكم له من نظير.
    31 ـ وكيف كان عمر يرى الأمر شورى بين المسلمين ويقول : من بايع أميرا من غير مشورة المسلمين فلا بيعة له ولا بيعة للذي بايعه تغرة أن يقتلا ؟
1 ـ تأتي مصادر هذه الجمل كلها في الجزء السابع.
2 ـ الفهة : العى ، الغفلة ، والسقطة.


(370)
مسند أحمد 1 : 56 ، تاريخ ابن كثير 5 : 246.
    م 32 ـ وأخرج مسلم في صحيحه في كتاب الفرايض 2 ص 3 ، وأحمد في مسنده ج 1 ص 48 عن عمر أنه قام خطيبا فقال : إني رأيت رؤيا كأن ديكا نقرني نقرتين ، ولا أرى ذلك إلا لحضور أجلي وإن ناسا يأمرونني أن أستخلف وإن الله عز وجل لم يكن ليضيع خلافته ودينه ولا الذي بعث به نبيه صلى الله عليه وسلم فإن عجل بي أمر فالخلافة شورى في هؤلاء الرهط الستة. الحديث.
    وأخرجه البيهقي في سننه 8 ص 150 فقال : أخرجه مسلم في الصحيح من حديث ابن أبي عروبة وغيره. وحكاه عن مسلم الحافظ ابن الديبع في تيسير الوصول 2 : 49 ].
    33 ـ وما الذي أباح لعمر أو لغيره من الصحابة قولهم في خلافة أبي بكر : إنها كانت فلتة وقى الله شرها (1).
    أو : فلتة كفلتات الجاهلية (2) فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه ؟ (3).
    كيف تسمى تلك الخلافة فلتة بعد ؟ لكم البشارات والانباءات المتواصلة طيلة حياة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله ، وبعد إعلامه أصحابه بها مرة بعد أخرى إلى أن لفظ نفسه الأخير ؟ و كان صلى الله عليه وآله وسلم ـ بنص من تلكم الروايات ـ لم ير فيها حاجة إلى وصية بكتاب ، ولم يترقب فيها خلاف أي أحد على أبي بكر ، وكيف يرى فيها الشر والحالة هذه ؟ والصحابة كلهم عدول ، وأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر ، وأبى الله أن يختلف عليه كما مر حديثه.
    م 34 ـ وما الذي سوغ لعمر عرضه على عبد الرحمن بن عوف أن يستخلفه و يجعله ولي عهده ، فقال عبد الرحمن : أتشير علي بذلك إذا استشرتك ؟ فقال : لا والله.
    فقال عبد الرحمن : إذا لا أرضى أن أكون خليفة بعدك.
    الفتوحات الإسلامية 2 ص 427 ].
    35 ـ وما بال الأنصار بأسرها قد تخلفت عن البيعة (4) واجتمعت على خلاف ما في
1 ـ صحيح البخاري في باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت في الجزء الأخير ، ج 10 ص 44 ، مسند أحمد 1 ص 55 ، تاريخ الطبري 3 : 200 ، أنساب البلاذري 5 ص 15 ، سيرة ابن هشام 4 ص 338 ، تيسير الوصول 2 ص 42 ، 44 ، كامل ابن الأثير 2 : 135 ، نهاية ابن الأثير 3 : 238 الرياض النضرة 1 : 161 ، تاريخ ابن كثير 5 : 246 ، السيرة الحلبية 3 : 388 ، 392 ، الصواعق المحرقة 5 و 8 وقال : سند صحيح ، تمام المتون للصفدي ص 137 ، تاج العروس 1 ص 568.
2 ـ تاريخ الطبري 3 : 210.
3 ـ الصواعق المحرقة ص 21.
4 ـ مسند أحمد 1 ص 55.
الغدير ـ الجزء الخامس ::: فهرس