بحوث في الملل والنحل ـ جلد الثالث ::: 191 ـ 200
(191)
    12 ـ وقال الدكتور حسن إبراهيم حسن: « فقد نسبت المعتزلة عقائدها إلى عليّ ابن أبي طالب ، و قلّما نجد كتاباً من كتبهم و على الأخصّ كتب المت ـ أخّرين منهم إلاّادّعوا ف ـ يه أنّهُ ليس ثمّة مؤسّس لمذهب الاع ـ تزال و علم الك ـ لام غير الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ » (1).
    13 ـ يقول محقّق كتاب شرح الاُصول الخمسة: « ويؤكّد المعتزلة أنّهم تلقّوا هذه الاُصول عن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ ويذكرون سندهم في ذلك و نحن نثبت فيما يلي هذاالسند ـ كما على أوّل ورقة من شرح الاُصول (2) ـ تعليق الفرزاذي.
    يقول:أخذهذه الاُصول من الفقيه الإمام الأوحد نجم الدين أحمد بن أبي الحسين الكني ، وهو عنالفقيه الإمام الأجلّ محمّد بن أحمد الفرزاذي ، وهو عن عمّه الشيخ السعيد البارع إسماعيل بن عليّ الفرزاذي ، وهو عن محمّد بن مزدك ، وهو عن أبي محمّد بن متّويه ، وهو عن الشيخ أبي رشيد النيسابوري ، وهو عن قاضي القضاة عماد الدين عبد الجبار بن أحمد ـ رحمه الله ـ وهو عن الشيخ المرشد أبي عبدالله البصري ، و هو عن الشيخ أبي علي ابن خلاّد ، و هو عن الشيخ أبي هاشم و هو عن أبيه الشيخ أبي علي الجبائي وهو عن أبي يعقوب الشحام ، وهو عن عثمان الطّويل ، وهو عن الشيخ أبي الهذيل ، وهو عن واصل ابن عطاء ، وهو عن أبي هاشم (3)محمّد بن الحنفية ، وهو عن أبيه أمير المؤمنين عليّ ( عليه السلام ) وهو عن خير الأوّلين والآخرين و خاتم النبيّين محمد المصطفى ـ صلوات اللّهعليهـ وهو عن جبرئيل ( عليه السلام ) وهو عن الله تعالى وليس لأحد من أرباب المذاهب مثل هذا الإس (4)ناد. أفبعد هذه التصريحات يبقى شكّ في أنّ المعتزلة في اُصولهم عالة لعلوم أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ).
    1 ـ تاريخ الاسلام: ج 2 ، ص 156 ، الطبعة السابعة.
    2 ـ النسخة المخطوطة.
    3 ـ وفي العبارة سقط والصحيح: « عبدالله بن محمد عن أبيه ».
    4 ـ مقدمة شرح الاُصول الخمسة ص 24.


(192)
    وسيوافيك التصريح من القاضي عبد الجبّار أنّ اُصول الاعتزال ترجع إلى أصلين : التوحيد والعدل ، وأمّا الاُصول الثّلاثة فهي داخلة تحت الأصلين وقد عرفت أنّ المعتزلة أخذت الأصلين من أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ).
    14 ـ وقال أبو سعيد بن نشوان الحميري ( ت573 ) إنّ لمذهب المعتزلة أسانيد تتصل بالنبي صلَّى الله عليه و آله و سلَّم و ليس لأحد من فرق الاُمة مثلهم ، و لا يمكن لحضومهم دفعه و ذلك ان مذهبهم مستند إلى واصل بن عطاء و ان واصلا يستند إلى محمد بن علي بن أبي طالب و هو ابن الحنفيه ، و إلى ابنه أبي هاشم عبد الله بن محمد بن علي و ان محمد يسند إلى ابنه علي بن أبي طالب ـ رضى الله عنهـ و إن علياً يسند إلى النبي صلَّى الله عليه و آله و سلَّم (1).
    15 ـ و قال بن المرتضى: و سند مذهبهم أصح أسانيد أهل القبلة إذ يتصل إلى واصل و عمرو... عن عبد الله بن محمد عن أبيه محمد بن علي بن الحنفيه عن أبيه علي ( عليه السلام ) عنه صلَّى الله عليه و آله و سلَّم و ما ينطق عن الهوى (2).
( كَلاّ إِنَّهَا تَذْكِرَةً * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَه )

    1 ـ الحور العين: 206.
    2 ـ البحر الزخار 1 : 44.


(193)
الفصل الثالث
الشيعة والمعتزلة أيّتهما أصل للآخر
    إنّ بعض المتسرِّعين من الكتّاب المتأخّرين كأحمد أمين المصريّ ومن حذا حذوه ، يصرّون على أنّ الشيعة أخذت منهجها الفكري في الاُصول والعقائد من المعتزلة ، لما رأوا من وحدة العقيدة في القول بالتوحيد والعدل ، وإنكار الرؤية و إثبات الحسن والقبح العقليين ، وقدرة العبد و اختياره في أفعاله إلى غير ذلك من المبادئ المشتركة بين الطّائفتين.

نظريّة أحمد أمين و مناقشتها
    يقول أحمد أمين : « ولقد قرأت كتاب الياقوت لأبي إسحاق إبراهيم من قدماء متكلّمي الشيعة الإماميّة ، فكنت كأنّي أقرأ كتاباً من كتب اُصول المعتزلة إلاّ في مسائل معدودة كالفصل الأخير في الإمامة ولكن أيّهما أخذ من الآخر؟
    أمّا بعض الشيعة فيزعم أنّ المعتزلة أخذوا عنهم ، وأنّ واصل بن عطاء تتلمذ على جعفراً الصّادق ( عليه السلام ) وإنّي اُرجّح أنّ الشيعة أخذوا من المعتزلة تعاليمهم ، ونشوء مذهب الاعتزال يدلّ على ذلك ».
    استدلّ أحمد أمين على ما يرتئيه بأنّ زيد بن عليّ زعيم الفرقة الشيعيّة الزيديّة تتلمذ لواصل بن عطاء.
    وكان جعفر الصادق ( عليه السلام ) يتّصل بعمّه زيد. ويقول أبو الفرج في « مقاتل


(194)
الطالبيّين » : « كان جعفر بن محمّد يمسك لزيد بن عليّ بالركاب ، ويسوي ثيابه على السرج » فإذا صحّ ما ذكره الشهرستاني و غيره من تتلمذ زيد لواصل ، فلا يعقل كثيراً أنيتتلمذ واصل لجعفر ، وكثير من المعتزلة كان يتشيّع ، فالظّاهر أنّه عن طريق هؤلاء تسرّبت اُصول المعتزلة إلى الشيعة » (1).
    يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره الكاتب المصري اجتهاد في مقابل تنصيص أئمّة المعتزلة أنفسهم بأنّهم أخذوا اُصولهم من أبي هاشم ابن محمّد الحنفيّة ، وأخذ هو عن أبيه محمّد ، وهو أخذ من عليّ بن أبي طالب ومع هذا التنصيص من نفس المعتزلة فما معنى هذا الاجتهاد؟
    ترى ابن المرتضى يعدّ عليّاً من الطبقة الاُولى للمعتزلة ، كما يعدّ الحسنين اللّذين اشتهر منهما القول بالتوحيد والعدل من الطبقة الثانية. وهكذا يذكر عدّة من علماء أهل البيت كالنفس الزكيّة وغيره من الطّبقة الثالثة. وقد نقل في كتابه هذا كلمات أئمّة أهل البيت وعلمائهم في الاُصول والعقائد (2).
    ومع هذا كيف يصحّ أن تكون الشيعة عالة على المعتزلة؟!
    ونظير ذلك ما ذكره القاضي عبد الجبّار المعتزلي في « فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة » (3).
    أفبعد هذا التنصيص منهم يصحّ الاجتهاد في مقابل النصّ ؟!
    وأمّا ما استند إليه أحمد أمين ، فالحقّ أنّه لم يثبت أوّلاً تتلمذ واصل للإمام الصادق ( عليه السلام ) حتّى يثبت قوله: إنّ الصادق كان يمسك الركاب لتلميذ واصل وهو زيد ، ولميدّع أحد من المحقّقين تتلمذه للصّادق. كما أنّه لم يثبت تتلمذ زيد بن عليّ لواصل.
    1 ـ ضحى الاسلام: ج 3 ، ص 267 ـ 268 ، الطبعة الثالثة.
    2 ـ المنية والأمل: ص 7 ـ 10.
    3 ـ فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة: ص 214.


(195)
    ومن سبر تأريخ أئمّة أهل البيت و ذرّيتهم الطيّبة وقف على أنّهم لم يدقّوا باب أحد من الناس ، بل تلقّوا ما تلقّوه عن نفس الأئمّة ، على أنّ زيد بن عليّ قد صلب عام 121 وله من العمر في ذلك الوقت 42. فيكون من مواليد عام 79 أو 80 ، وكان واصل من مواليد عام 80 ، فمن البعيد أن يكون وليد البيت العلويّ تلميذاً لمن هو أصغر منه سنّاً أو مثله ، وقد عدّه الرجاليون من أصحاب أبيه عليّ السجاد ( عليه السلام ) ( م 94 ) وأخيه الإمام الباقر ( عليه السلام ) ( م 114 ) والإمام الصادق ( عليه السلام ) الّذي استشهد زيد في حياته.
نظريّة بعض المستشرقين و مناقشتها
    وهناك رجال آخرون قد وقعوا في نفس هذه الشبهة ، وأرسلوها إرسال المسلّمات ، إمّا مجرّدة عن الدّليل أو مقرونة بتلفيقات غير منتجة. فمن الطائفة الاُولى المستشرق « آدم متز » يقول:
     « لم يكن للشيعة حتّى ذلك الوقت ( عام 334 ) مذهب كلامي خاصّ بهم ، فاقتبسوا عن المعتزلة اُصول الكلام و أساليبه... حتّى إنّ ابن بابويه أكبر علماء الشيعة في القرن الرابع الهجري اتّبع في كتابه « العلل » طريقة علماء المعتزلة الّذين كانوا يبحثون عن علل كلّ شيء ـ إلى أن قال ـ : إنّ الشيعة من حيث العقيدة و المذهب هم ورثة المعتزلة » (1).
    يلاحظ عليه أوّلاً : أنّ ما ذكره يعرب عن قلّة اطّلاع المستشرق على الثّقافة الشيعية ، وعدم تعرّفه على المتكلمين البارزين فيهم قبل السنة المذكورة. ويكفي في ذلك مراجعة كتاب « تأسيس الشيعة الكرام لعلوم الإسلام » للسيد حسن الصدر ص 353 ـ 402. لقد كان للشيعة متكلّمون بارعون في الجدل و المناظرة في أبواب العقائد في القرون الثلاثة الاُول. وها نحن نأتي بأسماء نماذج من أبرع متكلّمي الشيعة في
    1 ـ الحضارة الاسلاميّة في القرن الرابع الهجري لآدم متز: ج 1 ص 102.

(196)
القرن الثاني ، ونترك البحث عن غيرهم من السابقين واللاحقين إلى محلّه.
1 ـ عيسى بن روضة
    يعرّفه النجاشي بقوله: « عيسى بن روضة حاجب المنصور كان متكلّماً جيّد الكلام ، وله كتاب في الإمامة وقد وصفه أحمد بن أبي طاهر في كتاب بغداد ، وذكر أنّه رأى الكتاب ، وقال بعض أصحابنا رحمهم الله: إنّه رأى هذا الكتاب. وقرأت في بعض الكتب أنّ المنصور لما كان بالحيرة تسمّع على عيسى بن روضة وكان مولاه وهو يتكلّم في الإمامة فاُعجب به واستجاد كلامه » (1).
2 ـ علي بن إسماعيل بن ميثم التمّار البغداديّ
    يقول ابن النديم: « أوّل من تكلّم في مذهب الإمامة: علي بن إسماعيل بن ميثم التمّار ، وميثم من جلّة أصحاب عليّ ( عليه السلام ) ولعليّ من الكتب كتاب الإمامة وكتاب الاستحقاق » (2).
    وقال النجاشي: « عليّ بن إسماعيل...كوفيّ سكن البصرة ، وكان من وجوه المتكلّمين من أصحابنا ، كلّم أبا الهذيل والنظام ، له مجالس و كتب منها كتاب الإمامة...وكتاب مجالس هشام بن الحكم » (3).
3 ـ أبو جعفر محمّد بن عليّ بن النعمان الملقّب بمؤمن الطاق
    قال النجاشي: « وأمّا منزلته في العلم وحسن الخاطر فأشهر ،...وله كتاب إفعل لا تفعل...كتاب كبير حسن...وله كتاب الاحتجاج في إمامة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وكتاب كلامه على الخوارج وكتاب مجالسه مع أبي حنيفة و المرجئة....الخ » (4).
    1 ـ فهرست النجاشي: رقم الترجمة 796.
    2 ـ فهرست ابن النديم: الفن الثاني من المقالة الخامسة ص 223.
    3 ـ فهرست النجاشي: رقم الترجمة 661.
    4 ـ فهرست النجاشي: رقم الترجمة 886.


(197)
    وقال ابن النديم: « كان حسن الاعتقاد والهدى حاذقاً في صناعة الكلام ، سريع الحاضر والجواب ، وله مع أبي حنيفة مناظرات. ثمّ ذكر مناظرته مع أبي حنيفة في المتعة و الرجعة » (1).
4 ـ هشام بن الحكم
    يقول ابن النديم: « هو من جلّة أصحاب أبي عبدالله جعفر بن محمّد الصادق ـ عليهما السلام ـ وهو من متكلّمي الشيعة الإماميّة و بطائنهم وهو الّذي فتق الكلام في الإمامة ، وهذّب المذهب ، وسهّل طريق الحجاج فيه ، وكان حاذقاً بصناعة الكلام حاضر الجواب. وكان أوّلاً من أصحاب الجهم بن صفوان ، ثمّ انتقل إلى القول بالإمامة بالدّلائل والنظر » (2).
    يقول أحمد أمين: « أمّا هشام بن الحكم فيظهر أنّه أكبر شخصيّة شيعيّة في علم الكلام... جدلاً ، قويّ الحجّة ، ناظر المعتزلة و ناظروه ، ونقلت له في كتب الأدب مناظرات كثيرة متفرّقة تدلّ على حضور بديهته وقوة حجّته قد ناظر أبا الهذيل العلاّف المعتزلي » (3).
    أفبعد هذه الشخصيات البارزة (4) في علم الكلام يصحّ قول هذا المستشرق الحاقد إنّه لم يكن للشيعة مذهب كلامي خاصّ بهم؟
    وثانياً : إنّ الاستدلال على تأثّر الشيعة بالمعتزلة بتأليف الشيخ الصدوق « علل الشرائع » على غرار كتب المعتزلة الّذين يبحثون عن علل كلّ شيء ، يكشف عن أنّ المستشرق لم يرجع إلى نفس الكتاب رجوعاً دقيقاً ، فإنّ الكتاب فسّر علل الشرائع والأحكام ، بالأحاديث المرويّة عن النّبيّ والوصيّ والأئمّة من بعدهما ( عليهم السلام ) وليس
    1 ـ فهرست ابن النديم: الفن الثاني من المقالة الخامسة ، ص 264.
    2 ـ نفس المصدر.
    3 ـ ضحى الاسلام: ج 3 ص 268.
    4 ـ هذا قليل من كثير وقدجئنا بأسماء لفيف من متكلمي الشيعة في القرون الثلاثة في رسالتنا « الشيعة و علم الكلام عبر القرون الأربعة ».


(198)
    الكتاب تفسيراً للأحكام من نفس المؤلّف حتّى يقال إنّه ألّفه على غرار كتب المعتزلة.
    وثالثاً : إنّ المناظرات الّتي دارت بين الشيعة و المعتزلة من عصر الإمام الباقر ( عليه السلام ) إلى العصر الّذي ارتمت فيه المعتزلة في أحضان آل بويه أدلّ دليل على أنّ النظام الفكري للشيعة لا يتّفق مع المعتزلة من لدن تكوّن المذهبين ، ومن أراد الوقوف على تلك المساجلات فعليه الرجوع إلى المصادر (1).
    وهذا محمّد بن عبدالرحمان بن قبة ( المتوفّى قبل سنة 317 ) له كتاب الردّ على الجبّائي. ونقل النّجاشي عن أبي الحسين السوسنجردي ، أنّه قال: « مضيت إلى أبي القاسم البلخي إلى بلخ بعد زيارتي الرضا ( عليه السلام ) بطوس فسلّمت عليه وكان عارفاً بي و معي كتاب أبي جعفر ابن قبة في الإمامة المعروف بالانصاف فوقف عليه و نقضه بـ « المسترشد في الإمامة » فعدت إلى الريّ فدفعت الكتاب إلى ابن قبة فنقضه بـ « المستثبت في الإمامة » فحملته إلى أبي القاسم فنقضه بـ « نقض المستثبت » فعدت إلى الري فوجدت أبا جعفر قد مات ـ رحمه الله ـ » (2).
    وهذا الحسن بن موسى النوبختي من أكابر متكلّمي الشيعة له ردود على المعتزلة:
    1 ـ الردّ على الجبّائي 2 ـ الرد على أبي الهذيل العلاّف في أنّ نعيم الجنّة منقطع 3 ـ النقض على أبي الهذيل في المعرفة 4 ـ النقض على جعفر بن حرب 5 ـ الردّ على أصحاب المنزلة بين المنزلتين (3).
    وقد قام الشيخ المفيد ( ت 336 ـ م 413 ) بنقض كثير من كتب المعتزلة ، فله الكتب التالية و كلّها ردود عليهم.
    1 ـ الردّ على الجاحظ العثمانية 2 ـ نقض المروانيّة له أيضاً 3 ـ نقض فضيلة المعتزلة له أيضاً 4 ـ النقض على ابن عبّاد في الإمامة 5 ـ النقض على عليّ بن عيسى
    1 ـ لاحظ: الفصول المختارة من العيون والمحاسن ، للشيخ المفيد ( م 413 ) وكنز الفوائد ، للعلامة الكراجكي ( م / 449 ) ومناظرات هشام ومؤمن الطاق وغيرهم الواردة في بحار الأنوار.
    2 ـ رجال النجاشي: رقم 1023.
    3 ـ رجال النجاشي: رقم 146.


(199)
    الرماني 6 ـ النقض على أبي عبدالله البصري في المتعة 7 ـ نقض الخمس عشرة مسألة للبلخي 8 ـ نقض الإمامة على جعفر بن حرب 9 ـ الكلام على الجبائي في المعدوم 10 ـ نقض كتاب الأصمّ في الإمامة 11 ـ كتاب الردّ على الجبّائي في التفسير 12 ـ عمد مختصرة على المعتزلة في الوعيد. إلى غير ذلك من كتبه حول الإمامة الّتي أكثر ردودها على ما ألّفته المعتزلة في هذا المجال (1).
    كما أنّ تلميذه السيّد المرتضى ( ت 355 ـ م 436 ) نقض بعض كتب المعتزلة ، فألّف الشافي ردّاً على الجزء العشرين من كتاب المغني للقاضي عبد الجبّار ( م 415 ) (2).
    كلّ ذلك يعرّف موقف الطّائفتين في المسائل الكلاميّة و أنّهما و إن اجتمعتا في مسائل ، اختلفتا في مسائل كثيّرة أخرى.

نظرية مؤلف كتاب « المعتزلة » و مناقشتها
    إنّ هنا وجوهاً اُخر لفّقها مؤلف كتاب « المعتزلة » تبعاً لأحمد أمين ربّما يستظهر منها عيلولة الشيعة في العقائد على المعتزلة و إليك تحليلها:
    1 ـ إنّ المقدّسي نظر في كتب الفاطميّين الشيعة فى شمال أفريقيا فوجد أنّهم يوافقون المعتزلة في أكثر الاُصول (3).
    يلاحظ عليه: أنّه وجد الشيعة في بلاد العجم يقولون بالتوحيد والعدل كما تقول به المعتزلة ، وهو لا يدلّ على أنّ الشيعة أخذتهما من المعتزلة لو لم نقل بالعكس.
    نعم ، إنّ المعتزلة بعد النكبة وطرق النّكسة في حياتهم لجأوا الى اُمراء آل بويه في أوائل القرن الرابع لما وجدوا فيهم من سعة الصدر ، واستعادوا في ظلّ حكمهم شيئاً من القوّة والسيطرة ، ولعلّنا نتحدّث عنه في محلّه ، ولم تكن تلك الالفة موجودة قبل النّكبة. كيف ومن قرأ تأريخ المعتزلة يقف على أنّهم كانوا خصماء الشيعة في العصور السابقة ،
    1 ـ رجال النجاشي: رقم 1067.
    2 ـ المصدر نفسه: رقم 708.
    3 ـ يأتي سائر الوجوه ص 216 فانتظر.


(200)
    فكانت الطّائفتان تتصارعان صراع الأقران و ربّما يقتتلان قتال موت وحياة ، فكيف يمكن أنّ تكون الشّيعة عالة على المعتزلة في عقائدهم. فمن نسب ذلك إلى الشيعة فقد جهل تأريخ علم الكلام. فأين مبادئ الشيعة من مبادئ الاعتزال؟ فهما و إنّ كانا يشتركان في التوحيد والعدل ونفى الرؤية و التجسيم و القول بالتحسين و التقبيح العقليّين ، ولكن يفترق
    أنّ في كثير من الاُصول و تكفي في ذلك المراجعة لكتاب « أوائل المقالات » (1) للشيخ المفيد ، فقد عنون فيه بعض الفوارق الموجودة بين عقيدة الشيعة وسائر الفرق و منهم المعتزلة.

الفوارق الفكرية بين الشيعة والمعتزلة
    إنّ بين المنهجين الكلاميين مشتركات ومعترقات ، وقد تعرفت على قسم من المشتركات ، فها نحن نلمح إلى الفوارق بينهما ، الّتي جعلهما منهجين كلاميين مختلفين لكّل ميزة وخصوصيّة ، وإليك رؤوسها على وجهه الإجمال:

1 ـ عينية الصفات مع الذات :
    اتفقت الطاتئفتان على أنّ صفاته الذاتية ليست زائدة على الذات ، بمعنى أنّ تكون هناك ذات ، وصقة وراءها ، كما في المكنات فإنّ الإنسان له ذات وله علم وقدرة ، هذا ممّا اتّفقتا عليه ، ولكنّهما اختلفتا في تفسير ذلك ، فالعيشة الإميّة ذهبت إلى أنّ الوجود في مقام الواجب بالغ من الكمال على حدّ يعد نفس العلم والضابطة الكلية حتى في مقام الواجب بل الموصوف هناك لأجلّ الكمال المفرط نفس الصفة ، ولا مانع من كون العلم في درجة ، قائماً بالذات ، وفي اُخرى نفس الذات ، وما هذا إلاَ لأنَ زيادة الوصف على الذات توجب حاجتها إلى شيء وراءها ، وهو ينافي وجوب
    1 ـ اوائل المقالات: ص 8 ـ 16.
بحوث في الملل والنحل ـ جلد الثالث ::: فهرس