بحوث في الفقه المعاصر ـ الجزء الثاني ::: 171 ـ 180
(171)
    نجاح الثورة الإسلامية وتحويل البنوك من كونها ربوية الى بنوك بعيدة عن الربا.

2 ـ الوساطة في الإجارة والضمان
     وإذا انتهينا الى أن البنك يتمكّن من أن يحصل على نسبة من الربح في عقد المضاربة بين المودعين والمستثمرين على أساس أنّه وسيط بينهما لإجراء المضاربة والاشراف عليها ، فهل له حقّ في أن يكون وسيطاً في عقد اجارة أو وسيطاً في عقد ضمان كمية من المال لآخر ويأخذ نسبة من المال على هذه الوساطة ؟
     الجواب : أمّا بالنسبة للوساطة في الاجارة فلا إشكال في جوازها وأخذ نسبته من كميّة الايجار بعنوان الأجر على عمل إذا قام البنك في هذه الوساطة التي تستتبع عملا للتقريب بين الملاّك والمستأجرين ، وهذا هو ما يقوم به الوسطاء والسماسرة بين المتبايعين وأصحاب الملك والمستأجرين ، ولا مانع من أن تكون هذه الاُجرة نسبةً من الكمية المعينة في متن العقد; لأنّها معلومة وتملك في نفس إنشاء الإيجار.
     وأمّا بالنسبة للوساطة في الضمان : فإن كان معناها قيام البنك باجراء عدّة عمليات لتوثيق الضمان الذي يقوم به فرد لآخر أو يقوم به هو لآخر وجعله من الناحية القانونية صحيحاً ونافذاً فلا بأس بأخذ الاُجرة أو الجعالة على هذه الوساطة التي استتبعت عملا. وإن كان معنى الوساطة في الضمان هو أن يقوم البنك بضمان ما في ذمّة فرد آخر بحيث ينتقل المال من ذمّة الفرد الآخر الى ذمّة البنك أو بمعنى أن تضم ذمة البنك الى ذمة المدين أو بمعنى أن يتعهد البنك بالتسديد إلى الدائن عند تعذر تسديد الثمن إليه من قبل المدين فإن هذه العملية عبارة عن إقراض المضمون والدفع إلى المضمون له إمّا مطلقاً أو في حالة عدم الدفع ، وهذا العمل من البنك ليست له ماليةً غير مالية نفس المال المعطى إلى المضمون له أو المتعهد به ، وهذا المال المعطى أو المتعهد به هو مضمون على المضمون عنه ، فلا يتمكن الضامن


(172)
    أن يأخذ أجراً على هذا الفعل الذي هو إنشاء الضمان ، لأنّ هذا ليس عملا ( يمكن أن تكون في مقابله اُجرة أو جعل ) عرفاً وارتكازاً لأن العرف والارتكاز العقلائي يقول بأن الأجر أو الجعل إنّما يكون على عمل يستحقّ أجراً أو جعلا ، كالحلاقة والخياطة والتجارة ... ، أمّا هنا فإنّ هذا العمل مجرد انشاء عقد الضمان بحكم الارتكاز العقلائي ليس له أجر بحيث يصح جعل الاُجرة أو الجعالة في مقابله (1).
     نعم ، هناك مالية لنفس المال المضمون ، وهذا المال المضمون يجب دفعه إلى البنك إذا قام هو بعملية الضمان ( ضمان الغرامة ) وحينئذ لا يستحق شيئاً زائداً على هذا المال الذي ضمنه ودفعه إلى المضمون له بحجة أنّه قام بعملية الضمان.

3 ـ المزارعة
     إنّ من أدوات البنوك الإسلامية المربحة والنافعة للمجتمع الإسلامي : عقد المزارعة التي شرّعها الإسلام كأسلوب لتنظيم شركة معيّنة بين صاحب الأرض والزارع يتعهد بموجبه الزارع بزرع الأرض ويقاسم صاحب الأرض الناتج الذي يسفر عنه العمل ويحدد نصيب كل منهما بنسبة مئويّة من مجموع الناتج ، ونحن بدورنا نحث البنوك والشركات الإسلامية إلى دخول هذا المجال الاستثماري إمّا بتهيئة الأرض واحيائها ودفعها إلى الزارع بعقد المزارعة ، وإمّا باستلام الأرض المحياة ومباشرة مزارعتها بعهدة البنك الذي يستأجر من يقوم بالعملية الى نهايتها باشراف من البنك أو شعبة منه ، وندين البنوك الإسلامية التي تتوقف اعمالها على مزاولة النقد أخذاً وعطاءً وتطالب بادوات شرعية لها بحيث تحصل على الربح من دون مباشرة عمل استثماري حقيقي للمال ينتفع به العامل والمجتمع وصاحب المال ،
     (1) نعم ، إذا صاحبَ هذا الإنشاء عمل يقوم به الضامن ( كذهاب إلى البنك وحضور في مكان معين مدة من الزمن وسلوك طريق وأمثال هذه الأمور ) فيتمكن أن يأخذ أجراً على العمل المصاحب لإنشاء الضمان.
(173)
    فإن الإسلام كنظام للحياة شرّع للنقد مجالا استثمارياً محدّداً وشرع للعمل مع المال مجالا آخر ، كما شرع للعمل لوحده مجاله الاستثماري ، كما شرّع لأدوات الانتاج مجالها في دخول الاستثمار ، فكيف نطالب الإسلام كمنظم للحياة البشرية بايجاد أدوات ربحية تنتج من مزاولة النقد فقط ، وننسى جوانب الإسلام التي شرعها لتنظيم حياة المجتمع والفرد ؟!
     نعود إلى شركة المزارعة ، فقد قال الشيخ الطوسي ( قدس سره ) في كتاب الخلاف : «لا يجوز أن يعطي ـ صاحب الأرض ـ الأرض غيره ببعض ما يخرج منها ، بأن يكون منه الأرض والبذر ومن المتقبّل ( العامل ) القيام بها بالزراعة والسقي ومراعاتها » (1).
     وقال ابن قدامة يقول : « ظاهر المذهب أن المزارعة إنّما تقع إذا كان البذر من رب الأرض والعمل من العامل ، نصّ عليه أحمد في رواية جماعة ، واختاره عامّة الأصحاب ، وهو مذهب ابن سيرين والشافعي واسحاق » (2).
     ومن هذين النصين لفقيهين من فقهاء الإسلام يفهم أنَّ من غير المشروع إنجاز عقد المزارعة بمجرّد تقديم صاحب الأرض لأرضه وتكليف العامل بالعمل والبذر معاً ، لأنّ مساهمة صاحب الأرض بالبذر اُخذت شرطاً أساسياً لتحقّق المزارعة في النص السابق.
     ولم تعدم النصوص من من تأييد هذين النصين ، فقد ورد في صحيحة الحسن
     (1) الخلاف : ج1 ، ص705 ، وهناك قول آخر في المزارعة ، يجوّزها أيضاً في صورة كون الأرض فقط من أحدهما والعمل والبذر والعوامل من الآخر كما هو مروي عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) حينماعامل أهل خيبر ( الزرع والنخل ) فلم ينقل في النصوص أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قدم لهم بذراً ، وكذا تظهر هذه الصورة من النصوص التي سنذكرها فيما بعد ، راجع الوسائل : ج13 ، ب8 من المزارعة والمساقاة ، الأحاديث ، وأكثرها صحيحة السند.
     (2) المغني : ج5 ، ص348.

(174)
    بن محبوب عن ابراهيم الكرخي قال : « قلت للصادق ( عليه السلام ) : اُشارك العلج ( المشرك ) فيكون من عندي الأرض والبذر والبقر ويكون على العلج القيام والسقي ( السعي ) والعمل في الزرع حتى يصير حنطة أو شعيراً ، وتكون القسمة ، فيأخذ السلطان حقّه ويبقى ما بقي على أنّ للعلج منه الثلث ولي الباقي ، قال : لا بأس بذلك ، قلت : فلي عليه أن يردّ عليّ ممّا أخرجت الأرض البذر ويقسّم ما بقي ؟ قال : إنّما شاركته على أنّ البذر من عندك وعليه السقي والقيام » (1).
     وبعد أن عرفنا مشروعية المزارعة وشرطها الأساسي نأتي إلى البحث عن عملية إمكان أن يُزارع المزارع غيره بحصّة أعلى من الحصة التي كانت عليه لمالك الأرض ، فهل بالإمكان ذلك ؟
     نقول : نعم ، لقد وردت النصوص الشرعية في جواز هذه العملية ، منها : رواية الحلبي قال : « قلت للصادق ( عليه السلام ) أتقبّل الأرض بالثلث أو الربع ، فأقبلها بالنصف ؟ قال ( عليه السلام ) : لا بأس. قلت : فاتقبلها بألف درهم ، واقبلها بالفين ؟ قال : لا يجوز. قلت : لِمَ. قال : لأنّ هذا مضمون وذاك غير مضمون » (2).
     وهذا النصّ يبيّن أنّ العامل في المزارعة يجوز له أن يعطي الأرض لعامل آخر يباشر زراعتها على أن يدفع له أقل من النسبة التي يستحقّها بمزارعته مع مالك الأرض ، وحينئذ يحتفظ العامل الأول بالفرق بين النسبتين بخلاف الاجارة ، فإنّ هذا العمل لا يجوز إلاّ أن يعمل عملا في العين المستأجرة وإن كان أرضاً بحيث تكون الزيادة في مقابل عمله.
     وهذا الفرق بين العمليتين قد علّله النص بقوله : « إنّ هذا مضمون وذاك غير مضمون » بمعنى أن الاُجرة في عقد الإجارة مضمونة لصاحب الأرض ، فإن أراد المستأجر أن يؤجرها بأكثر ممّا استأجرها فقد ضمنت له الأجرة أيضاً بنفس العقد
     (1) وسائل الشعية : ج13 ، ب10 من المزارعة ، ح1.
     (2) وسائل الشيعة : ج13 ، ب21 من الاجارة ، ح1.

(175)
    وحصل على الفارق بين الاُجرتين بنفس العقدين من دون عمل يبرر هذه الزيادة في الشريعة الإسلامية ، وهي لا تقرّ كسباً مضموناً بدون عمل.
     أمّا في المزارعة فإنّ العامل ومالك الأرض لا يملك الحصّة بنفس العقد ، فإذا أراد العامل أن يزارع الأرض لعامل آخر فهو أيضاً لا يملك الحصة التي اتّفق عليها مع المزارع الثاني ، وما دام لا يملك حصته حين العقد فلا ضرورة في وجود عمل يسبق العقد الثاني.
     وعلى هذا الذي تقدم يتمكن البنك الإسلامي أن يقدّم أرضاً محياة مع بذر الى عدّة عمال بحصة من الحاصل ، وكذا يتمكن أن يدخل في عملية المزارعة على أن يكون العمل منه ، فيتكفل به ويشرف عليه ويرعاه ويحصل على النسبة ويستأجر عمالا للقيام بالعمل ، فإنّ في هذا العمل نفعاً عاماً حيث يستفيد العامل بحصوله على الاجرة ويستفيد المجتمع من الزرع الذي إذا كثر حصل الرخاء للجميع كما يستفيد صاحب الأرض الذي قدّم البذر. كما يمكن للبنك أن يكون هو مع مجموعة من العمال هم طرف في المزارعة لتكون الحصة لهم يقسمونها حسب رأيهم ، وبهذا يتخلّص البنك من احتمال خسارته نقداً بالاضافة الى عمله ( اشرافه على عملية المزارعة ورعايته لها وتوجيهها ) بواسطة وكلائه أو عماله.

4 ـ المساقاة
     وهو عقد يشبه المزارعة إذ هو اتفاق بين طرفين أحدهما يكون منه البستان وما يحتاج اليه ممّا يرجع الى تحسين الثمر كالتسميد ، ويكون من الآخر ممارسة العمل الذي يؤتي بالثمار بنسبة معلومة فيها. وقد دلّ على هذا العقد جملة من النصوص منها صحيحة الحلبي قال : « اخبرني الإمام الصادق ( عليه السلام ) أنَّ أباه ( عليه السلام )
    حدثه أنَّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أعطى خيبر بالنصف أرضها ونخلها » وغيرها من


(176)
    الروايات الصحيحة.
     وهذه أداة من أدوات البنك الإسلامي والشركات الإسلامية التي تريد الابتعاد عن الربا والاهتمام بالاستثمار الشرعي للمال الذي يخدم الأمة الإسلامية ، فهي عملية اشتراك العمل المباشر من العامل مع العمل المخزون على شكل بستان فيه شجر ونخل للوصول الى ربح مشروع ينتفع به كل من العامل وصاحب العمل المختزن والمجتمع الإسلامي الذي ينشد الرفاه في ظل النظام الإسلامي ، وهنا البنك أو الشركة تتمكن أن تكون هي صاحبة البستان فتساقي العمال على حصة من الحاصل ، كما تتمكن أن تهيء العمال اللذين يكون البنك مشرفاً عليهم ومرشداً لهم وعاملا معهم على أن يكون البستان من غيرهم.
     ونحن إذ نشجع البنوك على دخول هذه الاستثمارات التي تنفع المجتمع وتحرك عجلة الاقتصاد في نفع العمال وتوفير ما يلزم من رفاه للجميع ، ندين الوقوف على عمليات شرعية صورية لا يكون الطرفان لهما قصد حقيقي لما يجري على الورق من بيع أو شراء أو مشاركة أو مبادلة ، بل القصد الحقيقي لهم هو أخذ مال ( ورق نقدي ) ودفع أكثر منه ، فإنَّ في هذه العمليات الصورية ـ كما يجري في بيع المرابحة لدى البنك ـ يكشف الوجه الحقيقي لأصحاب البنوك من الحصول على ربح لعملائهم من دون نظر الى حصول الرفاه للمجتمع الذي هو بحاجة الى اشراك العمل في توفير ما يحتاجه المجتمع ليسد حاجة الأمة وتعتمد الأمة على نفسها في ذلك بدلا من الاعتماد على الاستيراد في أكثر ما يحتاج إليه من الفواكه والخضر والحبوبات.

5 ـ إعادة التأجير لمالك العين المستأجرة أو لغيره وإجارة خدمات الأشخاص وإعادة تأجيرها
     ممّا لا اشكال فيه بين الفقهاء جواز أن يستأجر أحدٌ أحد أدوات الانتاج أو


(177)
    الاعيان التي فيها نفع للمستأجر من غيره ، يستخدمها فيما فيه نفع له ، وقد جوّز أكثر الفقهاء استئجار الأرض بأجرة معيّنة من صاحبها الذي يملكها أو له حقّ فيها ، خلافاً لبعض الصحابة ومن تبعهم الذين انكروا جواز اجارة الأرض.
     كما يجوز أن نستأجر عاملا للبناء أو للخياطة أو للبيع ... فإذا أنجز الأجير مهمته وجب على من استأجره دفع الأجرة المحددة له ، وهذا واضح.
     ولكن إذا ملك المستأجر منفعة الآلة أو منفعة الأرض أو الدار أو منفعة عمل العامل ، فهل يتمكن أن يؤجر هذه المنفعة للمالك أو غيره ؟
     الجواب : إنَّ ايجار الآلة أو الدار أو الأرض أو العمل يتصور على انحاء :
     1 ـ الايجار بنفس الأجرة السابقة.
     2 ـ الايجار بأنقص من الأجرة السابقة.
     3 ـ الايجار بأزيد من الأجرة السابقة مع عمل للمستأجر الأول في الآلة ( كإصلاحها ) أو الدار ( كترميمها ) أو الأرض بحرثها أو تسميدها ، أو عمل المستأجر الأول في الثوب بتفصيله مثلا.
     4 ـ الايجار بأزيد من الأجرة السابقة بدون أي عمل في العين المستأجرة.
     وقد ذهب جمع من كبار الفقهاء الى منع الصورة الرابعة فقط وتجويز الصور الاُخرى ، لأنَّ الصورة الرابعة لا تبرر حصول المستأجر الأول على الزيادة التي حصل عليها من الفرق بين الاجارتين ، وقد ثبت في الشريعة الإسلامية أنَّ الكسب المضمون لا يقوم إلاّ على أساس انفاق عمل خلال المشروع سواءٌ كان عملا مباشراً أو مخزوناً كالآلة التي هي عبارة عن عمل مخزون يتفتت خلال الاستعمال ، وكالدار والأرض اللّتان هما أيضاً عمل مختزن لعمل سابق من احياء الأرض أو بناء الدار. والغاء الكسب المضمون الذي لا يقوم على أساس انفاق عمل في المشروع.
     أمّا الصورة الاُولى والثانية فليس فيها كسبٌ حتى يبرر ويحتاج الى عمل في
    مقابله ، وقد ذهب الى هذا قول ـ كما قلنا ـ جماعة من الفقهاء كالسيد المرتضى


(178)
    والحلبي والصدوق وابن البرّاج والشيخ المفيد والشيخ الطوسي (1).
     والأساس في هذه القاعدة تمدّه نصوص شرعية : منها :
     1 ـ صحيحة سليمان بن خالد عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال : « إني لاكره أن استأجر الرحى وحدها ثم اُواجرها بأكثر ممّا استأجرتها إلاّ أن اُحدث فيها حدثاً أو اُغرم فيها غرماً » (2) وقد روي موثّقاً عن أبي بصير.
     2 ـ حديث الحلبي قال : « قلت للإمام الصادق ( عليه السلام ) أتقبل الأرض بالثلث أو الربع ، فأقبلها بالنصف قال : لا بأس. قلت : فأتقبلها بألف درهم وأقبلها بألفين ؟ قال : لا يجوز. قلت : لِمَ ؟ قال : لأنّ هذا مضمون وذاك غير مضمون » (3).
     فهذا النصّ فرّق بين صورتي المزارعة والاجارة ، ففي المزارعة تكون الحصة غير مضمونة عند عقد المزارعة للمالك.
     أمّا في الاجارة ، فعندما يستأجر الأرض فالعامل يضمن القيمة للمالك ، والمستأجر الثاني يضمن القيمة للمستأجر الأول في نفس عقد الاجارة ، وهذا الفرق المضمون لابدّ أن يسبقه عمل يبرره.
     أمّا المزارع الثاني إذا كان يعطي نسبة أكبر من نسبة المزارع الأول لصاحب الأرض ، فهو فرق غير مضمون بنفس عقد المزارعة ، فلا يجب أن يسبقه عمل من المزارع الأول للثاني يبرر هذا الكسب غير المضمون.
     3 ـ موثّق اسحاق بن عمار عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) إنَّه قال : « إذا تقبّلتَ أرضاً بذهب أو فضة فلا تقبلها بأكثر من ذلك ، وإن تقبلتها بالنصف والثلث ، فلك أن تقبلها بأكثر ممّا تقبلتها به ، لأنّ الذهب والفضة مضمونان » (4).
     (1) المبسوط للطوسي : ج3 ، ص226.
     (2) وسائل الشيعة : ج13 ، ب20 من احكام الاجارة ، ح1 ، و ب22 من احكام الاجارة ، ح5.
     (3) المصدر السابق : ج13 ، ب21 من أحكام الاجارة ، ح1.
     (4) وسائل الشيعة : ج13 ، ب21 من احكام الاجارة ، ح2.

(179)
    ومثلها موثّقة أبي بصير عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) (1).
     4 ـ صحيحة الحلبي عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال : « في الرجل يستأجر الدار ثم يؤاجرها بأكثر ممّا استأجرها به ؟ قال ( عليه السلام ) : لا يصلح ذلك إلاّ أن يحدث فيها شيئاً » (2).
     5 ـ حسنة اسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه ( الإمام الباقر ( عليه السلام ) ) « كان يقول : لا بأس أن يستأر الرجل الدار أو الأرض أو السفينة ثم يؤاجرها بأكثر ممّا استأجرها به إذا أصلح فيها شيئاً » (3).
     6 ـ موثّقة سماعة قال : « سألته ( أي الإمام ( عليه السلام ) لأنَّ سماعة لا يسأل من غير الإمام ( عليه السلام ) لجلالة قدره وعلوّ منزلته ) عن رجل اشترى مرعى يرعى فيه بخمسين درهماً أو أقل أو أكثر ، فأراد أن يدخل معه ، مَنْ يرعى معه قبل أن يدخله منهم الثمن ؟ قال : فليدخل من شاء ببعض ما اعطى ، وإن أدخل معه بتسعة واربعين وكانت غنمه بدرهم فلا بأس وإن هو رعى فيه قبل أن يدخله بشهر أو شهرين أو أكثر من ذلك بعد أن يبيّن لهم فلا بأس ، وليس له أن يبيعه بخمسين درهماً ويرعى معهم ، ولا بأكثر من خمسين درهماً ولا يرعى معهم ، إلاّ أن يكون قد عمل في المرعى عملا ، حفر بئراً أو شقَّ نهراً ، تعنّى فيه برضا أصحاب المرعى ، فلا بأس ببيعه بأكثر ممّا اشتراه لأنّه قد عمل فيه عملا ، فبذلك يصلح له » (4).
     والظاهر أنَّ المراد بالشراء والبيع هنا الاجارة كما فهمه الكليني ( رحمه الله ) بقرينة
     (1) المصدر السابق : ب21 من احكام الاجارة ، ح6.
     (2) المصدر السابق : ب22 ، ح4.
     (3) المصدر السابق : ح2.
     (4) وسائل الشيعة : ب22 ، ح6.

(180)
    قوله « إلاّ أن يكون قد عمل في المرعى ... برضا أصحاب المرعى » ، وهذا يدل
    على أنَّ للمرعى أصحابه ، فيكون المقصود من البيع هو بيع المنفعة.
     وهذا الموقف الذي رأيناه عند علماء الإمامية تبعاً للنصوص الشرعية ، قد أخذ به الاحناف أيضاً فقد نقل الجزيري عن الفقهاء الاحناف أن الشخص إذا استأجر داراً أو دكاناً بمبلغ معين كجنيه في الشهر فلا يحلّ له أن يؤجرها لغيره بزيادة (1) وذكر السرخسي الحنفي في مبسوطه عن الشعبي في رجل استأجر بيتاً وآجره بأكثر ممّا استأجره به انه لا بأس بذلك إذا كان يفتح بابه ويغلقه ويخرج متاعه فلا بأس بالفضل. وعلَّق السرخسي على ذلك بقوله : بيّن انه إنّما يجوز له أن يستفضل إذا كان يعمل فيه عملا نحو فتح الباب وإخراج المتاع فيكون الفضل له بإزاء عمله وهذا فضل اختلف فيه السلف ... وكان إبراهيم يكره الفضل إلاّ أن يزيد فيه شيئاً فإنّ زاد فيه شيئاً طاب له الفضل وأخذنا بقول إبراهيم (2).
     7 ـ صحيحة محمد بن مسلم عن ( الإمام الباقر أو الصادق ( عليهما السلام ) ) انه : « سأل عن الرجل يتقبل العمل فلا يعمل به ، ويدفعه الى آخر فيربح فيه ؟ قال ( عليه السلام ) : لا ، إلاّ أن يكون قد عمل شيئاً » (3).
     8 ـ صحيحة محمد بن مسلم عن الإمام ( الباقر أو الصادق ( عليهما السلام ) ) قال : «سألته عن الرجل الخياط يتقبل العمل فيقطعه ويعطيه من يخيطه ويستفضل ؟ قال الإمام ( عليه السلام ) : لا بأس قد عمل فيه » (4).
     9 ـ وفي حديث على الصائغ قال قلت للإمام الصادق ( عليه السلام ) : « أتقبل العمل ثم اقبله من غلمان يعملون معي بالثلثين ؟ فأجاب الإمام ( عليه السلام ) : إنَّ ذلك لا يصلح إلاّ
     (1) الفقه على المذاهب الأربعة : ج3 ، ص117.
     (2) المبسوط ، للسرخسي : ج15 ، ص78.
     (3) وسائل الشيعة 13 : ب23 من الاجارة ح1.
     (4) المصدر السابق : ب23 من الاجارة ، ح5.


بحوث في الفقه المعاصر ـ الجزء الثاني ::: فهرس