بحوث في الفقه المعاصر ـ الجزء الثاني ::: 181 ـ 190
(181)
    بأن تعالج معهم فيه ، قال : قلت فإنّي اُذيبه لهم فقال : وذلك عمل فلا بأس » (1).
     ومن هذه الروايات المتقدّمة ، فإن النتيجة التي نستفيدها هنا هي : يجوز للبنك الإسلامي أو للشركة أو لأي فرد أن يستأجر أرضاً أو أداةً أو معملا أو خدمات اشخاص ، ويؤجرها بأكثر مما استأجرها بشرط أن يعمل عملا في الأرض أو الأداة أو المعمل ، أو يعمل عملا مع عمل الآخرين ، وحينئذ يكون الكسب في مقابل ما عمله من عمل.
     وبهذا ينفتح الباب أمام الاستثمار فتؤجّر الطائرات والقطارات والسفن وما الى ذلك ويعمل فيها عملا يجوّز للمستأجرين تأجيرها بأكثر من الاجارة الاُولى ويكون الفرق بين الاجارتين في مقابل العمل الذي بذل فيها. ولا يُفرق بين هذا وبين تأجير خدمات الأشخاص وإعادة تأجيرها ، فإنه لا يجوز بزيادة إذا لم يكن معهم عمل اضافي يبرّر أخذ الربح ، وعلى هذا فيمكن أن تستأجر الشركة خدمات اشخاص ثم تؤجرها لشركة اُخرى بزيادة على الأجر الأول بشرط أن تعمل الشركة معهم بواسطة اعضائها ووكلائها ، فيكون الربح في مقابل هذه الخدمة من قبل الشركة.

6 ـ شراء عين من شخص بشرط استئجاره لها
     لقد استشكل بعض علماء المسلمين في صورة شراء عين نسيئة بشرط بيعها نقداً بأقل من الثمن الأولي للبائع بعد ذلك ، أو بيع عين نقداً بشرط شرائها نسيئة للبائع بأكثر ممّا باعها عليه ، وكذا استشكلوا في صورة ما إذا كان من نيّتهما ذلك وان لم يذكروا ذلك كشرط في متن العقد ، إذ يكون شرطاً ارتكازياً. وهذا الاشكال قد
     (1) المصدر السابق : ب23 من الاجارة ، ح7.
(182)
    يكون هو الحيلة للوصول الى ربا النسيئة كما عن الإمام مالك وأحمد ، وقد يكون نتيجة النص الخاص الوارد في صحيحة علي بن جعفر عن الإمام موسى بن جعفر ( عليه السلام ) حيث قال علي بن جعفر : « سألته ( أي الإمام موسى بن جعفر ) عن رجل باع ثوباً بعشرة دراهم الى أجل ، ثم اشتراه بخمسة دراهم بنقد أيحل ؟ قال ( عليه السلام ) : إذا لم يشترط ورضيا فلا بأس » (1). ومعناها وجود البأس في البيع الأول إذا اشترطا.
     أمّا هنا فنريد أن نتكلم عن شراء عين من شخص بشرط استئجاره لها ، فهل يوجد منع عن هذه المعاملة ؟
     الجواب : انَّ مقتضى البيع الذي يحصل بين البائع والمشتري هو ملكية المشتري لمنافع العين ، وملكية البائع للثمن ، ولكن المشتري هنا يشترط في تمليك الثمن للبائع أن يستأجر العين التي ملكها المشتري بالشراء الأول ، فهذا الشرط هو عبارة عن تقييد البائع ، بالتزامه استئجار العين ، كما لو شرطت عليه في عقد آخر أن يستأجر عيناً بثمن معين ، فهو شرط صحيح لم يخالف كتاباً ولا سُنَّة فيشمله الحديث الصحيح « المسلمون عند شروطهم ».
     وقد يستشكل في صحة هذا البيع بشرط الاستئجار ، بلزوم الدور وذلك حيث يقال : إنَّ صحة البيع الأول متوقفة على استئجار الدار من قبل البائع ، واستئجار الدار متوقف على صحة البيع الأول ، فتوقف صحة البيع الأول على
     (1) وسائل الشيعة : ج12 ، ب5 من أحكام العقد ، ح6 ، وهذه الصحيحة لها سندان أحدهما صحيح لأنّ الرواية رواها علي بن جعفر في كتابه عن اخيه موسى بن جعفر ( عليه السلام ) وبما أن الرواية في كتاب الوسائل وسند صاحب الوسائل الى كتاب علي بن جعفر صحيح باعتبار أنَّ صاحب الوسائل وإن لم يكن له طريق مباشر الى كتاب علي بن جعفر ولكن للشيخ الطوسي طريق معتبر إليه وصاحب الوسائل له طريق معتبر إلى الشيخ الطوسي وبضم هذا الى ذاك يثبت طريق معتبر لصاحب الوسائل الى كتاب علي بن جعفر فتكون الرواية صحيحة.
(183)
    صحة البيع الأول.
     وقد ينقض على هذا الاشكال :
     أولا : في مثل ما إذا اشترط البائع ايجار الدار على شخص ثالث فهو شرط صحيح مع أن شبهة الدور موجودة.
     وثانياً : إذا باع الدار بألف بشرط أن توقف الدار على البائع وأولاده وقفاً خاصاً.
     وثالثاً : اذا باع شخص داره على آخر نسيئة بشرط أن يرهنه عند البائع على الثمن ، فالشروط هنا صحيحة بلا اشكال مع أنَّ شبهة الدور واردة فيها ، بل هذه النقوص آتية في كل شرط.
     وحلّ الاشكال : هو أنَّ الشرط الذي يؤدّي إلى الدور المستحيل هو الشرط الفلسفي الذي هو من أجزاء العلة التامة ، أمّا الشرط هنا فهو شرط معاملي ، وهذا الشرط المعاملي إن كان بمعنى التعليق في العقد على أمر مجهول التحقّق في المستقبل أو معلوم ، فهو باطل كما عن المشهور من عدم امكان الانشاء التعليقي ، وإنّ كان بمعنى الالتزام في ضمن العقد ـ كما هو الصحيح لغة وعرفاً ـ فهو صحيح ، لأنّ الالتزام موجود حين العقد من قبل المشروط عليه ، وبما أن كلامنا هو ( اشتراط التزام ايجار العين في البيع الأول ) فيكون البيع صحيحاً ويجب على المشروط عليه ايجار العين بحيث لو لم يؤجرهَا يكون قد فعل حراماً وبرّر للمشتري فسخ البيع. وبعبارة اُخرى : أنَّ صحة البيع ليست موقوفة على الوفاء بالشرط ، بل يصح البيع حتى مع عدم الوفاء وإنما يترتب على عدم الوفاء بالشرط ثبوت الخيار لافساد البيع.

صيانة العين المستأجرة :
     إذا صحَّ ايجار العين أو حمل المتاع الى مكان معين ، فهل يصح لمالك العين أن يشترط على المستأجر صيانة العين من العيوب أو النقص الذي يحصل حين


(184)
    استعمالها أو حملها ؟ وبعبارة اُخرى هل يجوز أن يضمن الأجير على حمل المتاع أو المستفيد من العين ما يحصل من تلف في العين على أساس ضمان الغرامة ؟
     الجواب : لقد ذهب المشهور الى عدم صحة شرط الضمان على المستأجر والأجير ولعلّ أهم دليل على ذلك هو أنّ شرط الضمان على المستأجر هو من الشرط المخالف للسنة القائلة بعدم ضمان الأجير والمستأجر ، ففي صحيحة محمد بن قيس عن الإمام الباقر ( عليه السلام ) قال : « قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في حديث : ولا يغرم الرجل إذا استأجر الدابة ما لم يكرهها أو يبغها غائلة » (1).
     وصحيحة الحلبي : « قال سألت الإمام الصادق ( عليه السلام ) عن رجل تكارى دابة الى مكان معلوم فنفقت الدابة ؟ فقال : إنّ كان جاز الشرط فهو ضامن لأنَّه لم يستوثق منها » (2) ، وغيرها من الروايات.
     وواضح من هذه الروايات : أنَّ الضمان إنّما يكون على المتعدي أو المفرّط ، وفي غير هاتين الصورتين لا ضمان ، فيكون اشتراط الضمان خلاف السُنّة ، وقد يستدل ـ أيضاً ـ على أنَّ اشتراط الضمان على الأجير مخالف للكتاب والسُنَّة بروايات عدم الضمان على الأجير ، فقد روى خالد بن الحجاج قال : « سألت الإمام الصادق ( عليه السلام ) عن الملاّح أحمله الطعام ثم أقبضه منه فينقص ؟ قال ( عليه السلام ) : إنّ كان مأموناً فلا تُضْمِنه » (3).
     والتحقيق : أنَّ ظاهر هذه الروايات التي ترفع الضمان على المستأجر أو الأمين إنّما ترفعه في صورة عدم اشتراط الضمان ، فهي تريد أن ترفع القاعدة المركوزة عند العقلاء ، وهي قاعدة : « على اليد ما أخذت حتى تؤدّي » الموجبة للضمان ، فتقول هذه
    الروايات : إن الأمين إذا ائتمنته على شيء فلا تنطبق قاعدة اليد الارتكازية في
     (1) وسائل الشيعة : ج13 ، ب23 من احكام الاجارة ، ح1.
     (2) وسائل الشيعة : ج13 ، ب23 من احكام الاجارة ، ح2.
     (3) المصدر السابق : ب30 من أحكام الاجارة ، ح3.

(185)
    صورة التلف ، وكذا المستأجر العامل أو المستأجر للعين ، ولذا لو قلنا بالضمان في هذه الصورة كان خلافاً للروايات ولكن ما نريد أن نتكلم عنه هو شيءٌ آخر. ويمكن توضيحه ببيانين :
     أ ـ إن صاحب العين لا يشترط على المستأجر الضمان واشتغال ذمته ، كي يقال : إن الأمين لا يضمن ، وإنّما يشترط عليه تحمل الخسارة ، ودفع ما يساوي قيمة المقدار التالف. فيقول له هكذا : عند تلف شيء من العين يساوي مئة دينار فاللازم عليك دفع المقدار المذكور من دون أن تكون ذمتك مشغولة به. فالشرط شرط للفعل وليس شرطاً للنتيجة ، فان صاحب العين يشترط تسديد قيمة التالف وما يعادله ، وهذا شرط للفعل وبمثابة الأمر التكليفي ، ولا يشترط الضمان واشتغال الذمّة الذي هو شرط للنتيجة وحكم وضعي.
     ب ـ إنَّ أدلة نفي الضمان عن المستأجر ناظرة الى نفي الضمان في حالات عدم اشتراط الضمان ، وإنَّ عقد الإجارة لو خلي ونفسه فهو لا يقتضي الضمان ، وهذا لا ينافي تحقّق الضمان من خلال الاشتراط.
     وكلمة اُخرى أنَّ انطباق عنوان الأمين على المستأجر إنما جاء بلحاظ إذن صاحب العين للمستأجر في التصرف فيها ووضع اليد عليها ، فيكون عنوان الأمين منتزعاً من الإذن في التصرف ، وحينئذ إذا كان الإذن في التصرف مقيّداً بالضمان ، فمعنى ذلك أن المستأجر أمين يقبل قوله فيما يدعيه ويصدّق ولكن يضمن إذا حصل تلف سماوي بدون تعدي ولا تفريط حسب الشرط الذي قيّد وضع اليد على المال على أن يكون على وجه الضمان ، وحينئذ يرجع المعنى الارتكازي القائل على اليد ما أخذت حتى تؤدي.
     ونحن لا نرى تنافياً بين أن يكون الأجير أو المستأجر مأموناً وبين تضمينه بالشرط في صورة حصول التلف السماوي ، لأدلة نفوذ الشرط ، كصحيحة : « المسلمون عند شروطهم ».


(186)
    ولكن قد يقال : إنَّ ادلّة نفوذ الشرط غير صالحة لمشروعية الضمان على الأجير الحامل للمتاع أو المستأجر للسلعة ، بل إنَّها تقول إنَّ : « المسلمون عند شروطهم » إنّما يُلزم بالنتائج المشروعة ، وحينئذ نحتاج أولا الى اثبات مشروعية ضمان الأجير للمال الخارجي ، فإذا ثبت ذلك صحّ تضمينه بصحيحة « المسلمون عند شروطهم ».
     والجواب : توجد روايات تدل على صحة شرط الضمان على الأجير ، وهي بنفسها تكون دليلا على صحة شرط الضمان بلا حاجة الى روايات « المسلمون عند شروطهم » ومن هذه الروايات :
     1 ـ الروايات الدالة على صحة شرط الضمان على المستعير الأمين ، وإذا صح هذا فلا فرق بينه وبين شرط الضمان على المستأجِر الأمين ، ففي صحيحة الحلبي عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) في حديث قال : « إذا هلكت العارية عند المستعير لم يضمنه إلاّ أن يكون اشترط عليه » (1).
     وفي حديث أبان عن سلمة عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) عن أبيه ( عليه السلام ) قال : « جاء رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) الى صفوان بن اُمية ، فسأله سلاحاً ثمانين درعاً ، فقال له صفوان : عاريةً مضمونةً أو غصباً ؟ فقال له رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : بل عارية مضمونة » (2).
     2 ـ صحيحة يعقوب بن شعيب قال : « سألت الإمام الصادق ( عليه السلام ) عن الرجل يبيع للقوم بالأجر وعليه ضمان مالهم ؟ قال ( عليه السلام ) : إنّما أكره ذلك من أجل أني أخشى أن يغرموه أكثر ممّا يصيب عليهم ، فإذا طابت نفسه فلا بأس » (3).
     وهذه الرواية تنظر الى عمل الدلال الذي يبيع كتب الغير مثلا ويضمن لهم
     (1) وسائل الشيعة : ج13 ، ب1 من كتاب العارية ، ح1.
     (2) وسائل الشيعة : ج13 ، ب1 من كتاب العارية ، ح5.
     (3) نفس المصدر السابق : ب29 من الاجارة ح15.

(187)
    هذه الكتب في صورة التلف ، وقد أقرّه الإمام ( عليه السلام ) على هذا الضمان إذا طابت نفسه.
     3 ـ رواية موسى بن بكر عن العبد الصالح ( الإمام موسى بن جعفر ( عليه السلام ) ) قال : « سألته عن رجل استأجر ملاّحاً وحمّله طعاماً في سفينته واشترط عليه إن نقص فعليه ؟ قال ( عليه السلام ) : إن نقص فعليه » (1).
     والنتيجة المتوخّاة من هذا هو صحة أن يؤجر البنك أو الشركة أدواته وسلعه وما تحت يده من عقار بشرط صيانة العين ، وبذلك يطمئن الى أنّ العين مصانة وقد حصل على ربح منها.

7 ـ التأمين على الديون
     إنّ من وظائف البنك اعطاء تسهيلات للعملاء ، ومن هذه التسهيلات القروض التي يقدّمها البنك لعملائه ، وهذه القروض ـ حسب الاحصاءات الاقتصادية ـ سوف يبقى بعضها بدون وفاء ، لذا فإنَّ البنوك الربوية تبرّر أخذ الفائدة كتعويض عن هذه « الديون الميتة » كما تبرر أخذ الفائدة بالنفقات التي تستهلكها البنوك من اُجور الموظفين إضافةً إلى الربح الخالص لرأس المال.
     وهنا نريد أن نتساءل عن امكانية أن يتخلص البنك الإسلامي من مشكلة « الديون الميتة » بالتأمين على الأموال التي تقترض منه في السنة ـ مثلا ـ المقدَّرة بحدٍّ معين. وكذا نتساءل عن امكانية أن يأخذ البنك أجراً على نفقاته التي يبذلها في سبيل انجاز ديون العملاء.
     أمّا بالنسبة للربح الخالص لرأس المال فهو الربا المحرم الذي لا يمكن التساؤل عن جوازه.
     الجواب : هو امكانية أن يؤمِّن البنك على هذه الديون التي يدفعها الى
     (1) المصدر السابق : ب27 من الاجارة ، ح1.
(188)
    عملائه خلال عام ـ مثلا ـ بكلفة محددة ، وهذه القروض قد تكون محددة بحدٍّ معين ، وقد تكون محددة بين سطح أعلى أو سطح ادنى ، ولا تضرّ هذه الجهالة في التأمين على هذه القروض ما لم يؤدِّ إلى الخطر ، وقد سبق منّا تحقيق أن التأمين على خطر الموت عقد مستقل يشمله أوفوا بالعقود.
     وبالجملة : فإنَّ أنواع التأمين ـ كالتأمين على الحياة ، وعلى المال ، وعلى الحريق ، وعلى الغرق ، وعلى السيارة ، وعلى الطائرة ، وعلى السفينة ، وما شاكل هذه الاُمور التي لا يختلف فيها الحكم الشرعي ـ كلّها جائزة لأنَّ التأمين هو اتفاق بين الشركة وبين المؤمَّن له ( سواء كان شخصاً أو أشخاص ، حقيقي أو اعتباري ) على أن يدفع المؤمَّن له مبلغاً معيناً من المال شهرياً لقاء قيام المؤمِّن بتدارك الخسارة التي تحدث في المؤمَّن عليه على تقدير حدوثها.
     وبما أن هذا الاتفاق يشتمل على أركان العقد الأربعة التي هي :
     1 ـ الإيجاب من المؤمَّن له.
     2 ـ القبول من المؤمِّن.
     3 ـ المؤمَّن عليه ( الحياة ، الأموال ، الديون ، الحوادث وغيرها ).
     4 ـ قسط التأمين الشهري.
     فيمكن تنزيله ـ كما قلنا سابقاً في بحث بطاقات الائتمان ـ منزلة الهبة المعوضة ، لأنَّ المؤمَّن له يهب مبلغاً من المال في كل قسط إلى المؤمِّن ويشترط عليه ضمن العقد أنَّه يقوم بتدارك الخسارة الناجمة عند حدوث حادثة معينة نصّ عليها في الاتفاق ، وعلى هذا يجب على المؤمِّن الوفاء بهذا الشرط ، ولا مانع أن تكون الهبة المشروطة في النتيجة مجانيةً إذا لم يحصل الشرط ، وإذا حصل الشرط فهي هبة معوضة ، كما إذا قال انسان لآخر : أهبُك هذا المال بشرط إن وصلت إلى المدينة المنوّرة ، فتزور النبي ( صلى الله عليه وآله ) نيابة عني. وهذا معناه أنَّ الموهوب له إن وصل إلى المدينة ولم يكن هناك مانع في طريقه فيجب عليه أن يزور للواهب ، فتكون الهبة معوضة ،


(189)
    وإن حصل مانع من الوصول إلى المدينة المنورة فتكون الهبة مجانية. وليس من الصحيح القول بأنّ الهبة المعوضة هي بيع فلابدّ فيها من شروطه ، إذ الهبة المعوضة عقد مستقل.
     كما يمكن أن يكون هذا العقد عقداً مستقلا عقلائياً فيشمله ( أوفوا بالعقود ). لأنَّه لا يخرج عن كونه التزاماً في مقابل التزام.
     وأمّا من ناحية الشك في حرمة هذا العمل فتجري اصالة الإباحة ( عدم الحرمة ).
     وطبعاً إنّما يقدم البنك على أن يؤمِّن على قروضه التي يقرضها لعملائه فيما إذا رأى أن عملية الاقراض بالنسبة له مهمّة وضرورية ، كما أن تحصيل الدين منهم كذلك. والتأمين على الديون أقل كلفة من تلف بعض الديون وبقائها بدون تسديد.
     ما يمكن للبنك أن يطلب من عملائه الذين يرغبون في الاقتراض منه أن يؤمِّنوا على هذه القروض عند شركة التأمين ، ويكون طلب البنك من عميله هذا بمثابة كفيل معين لسداد القرض في صورة تخلف المقترض ، وهنا يكون المؤمَّن المقترِض هو الذي يدفع اُجور التأمين لمصلحة البنك ، وبهذا تكون اجرة التأمين من المقترض لشركة التأمين رأساً أو تدفع إلى البنك ليوصلها الى شركة التأمين كوكيل عن المقترض ، وبهذا لا يكون البنك قد اشترط على المقترض مالا لنفسه غير المال المقترض ، وتخلّص من مشكلة الديون الميتة ، فلا يحتاج الى أخذ الربا كما يفعل البنك الربوي في مقابل تلك الديون.
     وقد يُستشكل في هذه العملية لشمول نص الرواية القائلة : « كل قرض جرّ نفعاً فهو ربا » لما نحن فيه لأنَّ هذا القرض مع شرط التأمين على الدين لمصلحة البنك يكون قد جرّ نفعاً لشركة التأمين فهو ربا.
     والجواب : أنَّ النص القائل « كل قرض جرّ نفعاً فهو ربا » ينظر إلى النفع


(190)
    الذي يحصل عليه من نفس عملية الاقراض للمقرض أو لشخص آخر ، أو يحصل من عملية تأجيل القرض ، أمّا ما نحن فيه فعقد التأمين الذي يطلبه البنك لمصلحته هو الذي نفع الشركة ، فهذا النفع للشركة لم يحصل من عملية الاقراض ، وإنّما حصل من عقد التأمين الذي هو ضمان معاملي وعقدي تقوم به الشركة وتتعهد بوفاء المقترض للمقرِض مباشرة أو بوفائها للقرض في حالة عدم وفاء المقترض ، وليس هذا شرطاً ربوياً لأنّ مرجعه إلى الاستيثاق في وفاء الدين ، كما أنَّه ليس أجراً على إنشاء الضمان والدفع في حالة معينة ، بل إنّ الشركة تتعهد بأنّها تقوم بعمليات معينة لأجل أن يفي المقترض بالتزامه ، من قبيل ملاحقته ومطالبته والضغط عليه أو ترغيبه ونصحه وإرشاده الى حسن الوفاء بالعهد والقرض وما الى ذلك من اُمور تؤدّي في النهاية الى تسديد القرض ، وأمّا عملية إنشاء الضمان والتعهد بالمال فهو عمل لا يقابل بالمال; لأنّه لا يبذل في مقابله أجر ، وإنّما الأجر يكون على قيام الشركة بعمليات معينة لتسديد القرض من قبل صاحبه. وإذا تعذر علينا قبول هذه التكييفات للتأمين على الديون فيتمكن البنك للتأمين على ديونه من أخذ ضامن معتبر على السداد في الوقت المحدد ـ بواسطة الشيك الموقّع من قبل الضامن ـ إن لم يقم المدين بالتسديد ، كما يمكن للبنك أن يأخذ أكثر من ضامن لهذا الأمر. كما أن الكمبيالات التي يشتريها الضامن أو المقترض لأجل أن يوقّع عليها الضامن ـ بمعنى تعهده بالسداد إن لم يسدد المدين ـ هي عبارة عن نفس عقد التأمين الذي يحصل فيه المؤمِّن على ربح بواسطة عقد التأمين ، فإن لم نستشكل في النفع الحاصل لبائع الكمبيالة لأجل توثيق الدين فكذلك ينبغي أن لا نستشكل في عقد التأمين الذي فيه نفع للمؤمِّن والذي كان لأجل توثيق الدين.
     ثم إنّ من نافلة القول التأكيد على أن البنك يتمكن أن يأخذ أجراً على نفقات إنجاز الديون إلى العملاء لأنَّ هذا الانجاز للديون فيه جملة من العمليات التي تستوجب كتابةً وعملا محترماً يقابل بأجر.

بحوث في الفقه المعاصر ـ الجزء الثاني ::: فهرس