الى

مشروع التربية والتعليم في العتبة العبّاسية المقدّسة .

في الرؤية العامّة المُمهِّدة

إنّ المُطّلِعَ على رؤية العتبة العامّة، وتُرجمانها التطبيقيّ في مشاريعها المتعدِّدة المتباينة، سرعان ما تُبهِرُه وتُعجِبُه، فيصدح قائلاً: كم لهذه العتبة المقدّسة -العتبة العبّاسية- من وقائع، وكم لها من صنائع! وكم لها من بدائع وروائع! آمنت أوّلاً بأنّ الله تعالى جعل قبر أمير المؤمنين (عليه السلام)، وقبور ولده بقاعًا من بقاع الجنّة وعرصةً من عرصاتها، وأن الله جعل قلوب نجباء من خلقه وصفوة من عباده، تحنّ إليهم وتحتمل المذلّةَ والأذى، فيعمرون قبورهم ويكثرون زيارتها، تقرّبًا منهم إلى الله ومودّةً منهم لرسوله، وتؤمن بأنّ أولئك هم المخصوصون بشفاعة النبيّ (صلوات ربّي وسلامه عليه)، وهم الواردون حوضه وهم زوّاره غدًا في الجنة. وتؤمن أنّ من عمّر قبورهم وتعاهَدَها فكأنّما أعان سليمان بن داود على بناء بيت المَقدِس.
ومَن زار قبورهم عدَلَ ذلك عند الله ثوابَ سبعين حجّةً بعد حجّة الإسلام، وخرج من ذنوبه حتّى يرجع من زيارتهم كيوم وَلَدتهُ أمُّه.
تؤمن ­­­­­­­العتبةُ العبّاسية المقدّسة بكلّ ذلك، لأنّه متواترٌ صحيحٌ عن النبيّ وعن أمير المؤمنين (صلوات الله عليهما وآلهما)، وتؤمن أنّ وراء ذلك بشرى النعيم المُقِيم الذي لا زوالَ له ولا اضمحلال.
ولإيمانها الراسخ هذا، كانت مشاريع عمارة العتبة المقدّسة الفريدة، وكانت ضروبًا شتّى وفنونًا شتّى من خدمات الزائر الكريم وتلك أولى الصنائع، ثمّ عزمت بعد فراغها من العمران وخدمة الزائرين، إلى خدمة الدين والمذهب، وتلك صنائع يكلّ دونها العادّون، ولها شواهد ووقائع..
أوّلها ما كان في خدمة القرآن الكريم؛ فهو ممّا تعتزّ به، وتفاخر، وتنوّع الأساليب، وتلتمس الوسائل لعنايتها بالقرآن الكريم؛ فقد كانت خدمته في صميم رؤيتها ورسالتها وأهدافها.
فهو غذاء الرُّوح وكمالها الحقيقي، فضلاً عن كون تدبّر آيات القرآن الكريم، غاية نزوله، وقراءة القرآن، أفضل عبادةٍ كما رُوِي عن رسولنا الأكرم (صلّى الله عليه وآله)، وقراءته أيضًا جلاءٌ للقلوب، وحديثٌ مع المعبود جلّ اسمه؛ إذ رُوِي عنه (صلّى الله عليه وآله)، أنّه قال: ((إذا أحبّ أحدُكُم أنْ يُحدِّثَ ربّه فليقرأ القرآن))، هذا عن الاستجابة لأوامر الشريعة المقدّسة، أمّا عن الرغبة في ثوابها؛ ففيه ما يبذر الأمل في النفوس ويرضيها؛ فعنه (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال: (إنْ أردتم عيش السعداء وموت الشهداء والنجاة يوم الحشر والظلّ يوم الحرور والهدى يوم الضلالة فادرسوا القرآن، فإنَّه كلام الرحمن وحرز من الشَّيطان ورجحان في الميزان)، وأنّ (أهل القرآن في أعلى درجةٍ من الآدميّين ما خلا النبيّين والمرسلين.... ، فإنّ لهم من الله لَمكانًا).
وقد خصّصت مشاريع دينية وثقافية وفكرية لا نفادَ لعددِها، وشجّعت الابتكار واحتضنت المواهب وآمنت بعقول أهلها العراقيّين تحفيزًا وتعزيزًا وتشجيعًا لإدامة الابتكار.
ثم أنّ لها في خدمة الإنسان أنّى كان وحيث كان، روائع وبدائع لا نهاية لأمدها؛ فقد حرصت العتبةُ المقدّسة على تقديم خدماتها الأُخَر للمجتمع واستهدفت توفيرَ الأمنِ الغذائيّ وتعزيز الزراعة المستدامة، ودونك بدلَ المثالِ أمثلةً، فقد اخضرّت بمشاريعها صحراء، وأينعت ثمارًا ونخيلًا بطعوم وأصناف ما سمع بأسمائها إلّا آباؤنا الأوّلون، ودونكم –أخيرًا- الحزامَ الأخضر أيضًا، والقائمة تطول..
ولقد ضَمِنت صحّيًّا شريحةً كبيرة، مع ضمان تمتّع شريحةٍ أخرى بأنماط عيشٍ طيّبة وصحّية، وأحرزت تقدّمًا في زيادة فرص الحصول على المياه، وأسهمت في الحدّ من تنامي الأوبئة، وحفظت ما حفظت من موتٍ محتوم، ولولا غصّةٌ في الحلق من تذكّر الماضي القريب لاستعرضنا صنيعها في زمن الكورونا بل صنائعَها وما أكثرَها!
ومن قبلُ كان وباءُ داعش الذي كاد أن يقضمَ النسلَ والحرث، لولا نهج سيّدها سيّد النجفِ إمامنا السيد السيستاني (دام ظلّه)، الذي تتشرّف أنّها تستنّ بهديه، وتنهل من فيض ممثّله متولّيها الشرعيّ الذي يرسم لها الرؤية والرسالة والأهداف سماحة السيد أحمد الصافي (أدام الله خدمته وعزّه).
نعم؛ فإنّ قائمة الخدمات تطول، وإنّ وجوه الخدمة تتعدّد، ويبقى أوسم تلك الوجوه، هو التربية والتعليم؛ فلها في ميدان التعليم قصّةٌ تروى؛ ضمِنت فيها تعليمًا نوعيًا مميّزًا، مُنصِفًا، وعزّزت فرص التعليم لفئاتٍ محرومة مدى حياتها، كما أنّ لها في محو الأمّية باعًا محمودًا ... ولها في توفيرِ فرص تعليمِ المرأة وحقِّها فيه مجالٌ طيّب.

مشروع التربية والتعليم في العتبة العبّاسية المقدّسة

إنّ تطوّر الشعوب يُقاس بمدى تبنّيها لنظامٍ تربويّ مخصوصٍ ومحدّدٍ، ومدى رعايتها له ومدى مناغمته لروح العصر، لذلك أولت العتبةُ العبّاسيةُ المقدّسة أهمّيةً بالغةً لملفّ التربية والتعليم، وأعدّت له رؤيةً واضحة وأهدافًا محدّدة..
وإنّ ملفّ التربية والتعليم، أسوةً بغيره لم تنهضْ به العتبةُ المقدّسة إلّا بعد تفكيرٍ وطول تأمّل فيه، ومعاينة؛ فبعد أن قرأت المشهد التربويّ والتعليمي، أدركت أن عليها أن تسدّ ثغرة، وأن تصحّح مسارًا فيه؛ وبعد أن درست طبيعة المجتمع ومتطلّباته، انطلقت من قاعدةٍ متينة وبصيرةٍ نافذة ووعيٍ عميق بحاجاته وطبيعة أفراده وثقافتهم وهويّتهم الدينية، لتكتب ملفّها التربويّ والتعليم؛ ليواكب تحوّلات ذلك المجتمع، وطبيعته الاجتماعية والثقافية والدينية، وأن يناسب احتياجاته الآنية، ويستشرف مستقبله..
وكان من أوّل اشتراطاتها على المشروع التربويّ ومؤسّساته، هو أن يحدّثوا البرنامج المدرسيّ في إدارة المعرفة؛ إذ تنوّعت مصادر التعلّم والمعرفة من حولها ولم تَعُدْ وحدها المصدر المتاح لتلاميذها، وأن يدفعوا عجلة سيره العلميّ، وأن يقفوا بإزاء التحدّيات المعاصرة التي يزخّها التواصل الاجتماعيّ وغيره من مشتّتات التعليم، ومحبطات الهمم، ومرديات القيم.
وإذا كان المقرّر الدراسيّ الحاكم قيدًا يحول دون الحرّية المطلوبة للتعديل والتغيير؛ فقد التمسوا إلى ذلك سبيلًا بل سُبُلًا نحو تحقيق المطلوب عبر طريقة تدريسه، فضلًا عن إنشاء مجموعةٍ من البرامج الإثرائية التنموية والمعرفية والسلوكية التي سعى المشروع من خلالها إلى تيسير اكتساب المعرفة، للوصول إلى متعلّمٍ يتوق ليبلغ عتبة التميّز والتطوّر الشامل الواعي، والذي يعقل عن خالقه جلّ وعلا ما يسمع، ويتمثّل ذلك.
وإن على المشروع أن يُحكِم سيطرته على قيم المتعلّم وتوجّهاته، في ظلّ ما يحيط به من تحوّلاتٍ انحسر معها دورُ وليّ الأمر في التربية، أو تضاءل، أو كاد، مقتصرًا على ما تجود به المؤسّسة التعليمية والتربوية، وإنّ عليه أن يعيد لقيصر ما لقيصر، ويؤاصر بين الشركاء (الأسرة) و(المؤسّسة التعليمية التربوية) من جديد، إيمانًا منه بأنّه لا تربية يُمكن لها أن تكون من دون شراكةٍ حقيقية متينة بين ذينك الطرفين.
وما هي إلّا لحظة انطلاق، وزمن اختمار، وميدان تطبيقي، حتّى آمنَ المجتمع من حولنا بمشروعنا؛ ذلك الأمان القيمي والفكري والأخلاقي، فتزاحموا حول نبعه، على النحو الذي ما عاد بالمقدور أن نستوعب من المتقدّمين إلّا القليل القليل..
لقد خطت العتبةُ العبّاسية المقدّسة في دروب التربية والتعليم، خطواتٍ كانت فيه رائدة؛ إذ لم يكن للعتبات المقدّسة عهدٌ به، من قبل، ومع الريادة اتّصف بالفرادة والرصانة، وليست تلك غايةً لها إنّما أرادت أن تطرح نموذجًا مختلفًا يمثَّل للمتعلّمين نقطة ضوءٍ في مسيرة التعليم في المشهد المعاصر. وحتماً سيكون ثمّة هدف أظهر هو تحقيق رؤية العتبة للارتقاء بالمستوى التعليمي في المحافظة المقدّسة، انطلاقًا من شعور العتبة بمسؤوليتها تجاه بلدها، إذ سعت إلى إنشاء مؤسّساتٍ تعليمية متميّزة لخدمة المحافظة، من حيث النهوض بالواقع التعليمي والتربوي، ترسيخًا لحسّها التضامني مع أبناء المحافظة، ثمّ امتدّ ذلك ليشمل محافظاتٍ أُخَر.
من أجل ذلك استحدثت مؤسّسات تربوية من أجل إعداد جيلٍ منمّى تنميةً شاملة، يحمل تعاليم الدين الإسلامي الحنيف، وله معرفة كبيرة بالأحكام الشرعيّة وأصول الدين الحنيف.
بلحاظ أنّها استهدفت التربية أوّلاً، وحرصت على تعزيز القيم الإسلامية والأخلاقية، وتربية النشء تربيةً إسلاميةً شاملة، من خلال حثّه على الالتزام بضوابط الدين الإسلامي. كذلك حرصت على غرس قيم الانتماء لدى المتعلّمين، بكلّ معانيه، لا سيّما الانتماء للوطن، وجهدت في تعزيز الهوية الوطنية، عند المتعلّمين... فضلاً عن ذلك، فقد اجتهدت في تأمين بيئةٍ تعليمية محفّزة على التعليم والتعلّم باستخدام التقنيات الحديثة، وحرصت كلّ الحرص على تنمية قدرات المتعلّم وتزويده بالمهارات العملية والتعليمية.. وأخيرًا فإنّ ثمّة هدفًا مستقبليًّا، هو رفد مؤسّسات الوطن الحكومية والأهلية بمخرجاتٍ متسلّحة بالعلم والأخلاق معًا، تصنّف ضمن الكفاءة العراقية الرصينة، صاحبة الخبرة والمهارة.
ولأنّ مؤسّسات التربية والتعليم التابعة للعتبة المقدّسة، لا تعمل في المشهد لوحدها؛ فقد تعاملت مع تلك المؤسّسات على أنّهم شركاء حقيقيّون، وهي وإيّاهم في مركبٍ واحد في هذا البحر اللجّيّ، يعلو سماءها هدفٌ استراتيجي خاصّ نستهدف به تنمية المجتمع من خلال تحقيق الشراكة المجتمعية، عبر المساهمة بتأهيل المجتمعات المحيطة بمؤسّساتنا التربوية والتعليمية وتنميته.
ولا بدّ من أن نشدّد على أنّه لم يرد في الرؤية المرسومة لنا من الإدارة العُليا للعتبة العبّاسية المقدّسة، التخطيط لأن تكون مؤسّساتنا بديلاً عن المؤسّسات الحكومية، أبداً..
وهذا يعني أن على مشروع التربية والتعليم في العتبة مسؤوليةً أكبر، فنحن روّاد هذا الدرب، ونمشي فيه دون أن نحتذي خطواتٍ سابقة علينا، وننسج مشروعنا على غير مثال، وهذا بحدّ ذاته يشكّل تحدّياً لنا...
والتحدّي الآخر، هو أنّ الملفّ التربوي للمجموعة يشقّ طريقه في الوسط الكربلائيّ، بإزاء ملفّاتٍ أُخَر للعتبة سجّلت نجاحًا باهرًا، وهذا يحمّلنا مسؤولية الحفاظ على مكتسبات العتبة، وصيتها العطر، ورصيدها من النجاح، فإذا أردت أن تخطّط لمشروعٍ في العتبة فإنّ عليك أن تجعله رائدًا في بابه، وأن يكون ناجحًا ومميّزًا مثل سائر مشاريعها، نعم هناك عددّ طيّب من البرامج الريادية سواء التربوية أو التعليمية طُرِحت في السير التربوي والتعليمي، وأثبتت خلال تطبيقها على المتعلّمين في السنوات السابقة أنّها ريادية وحصرية وعلى النهج المرسوم للمجموعة، فإنّها بين الحين والآخر، تطرح برامج أُخَر، وتطوّر المعمول به، وتعدّل وتغيّر، وهذه علامة صحّة منهجية في سير المجموعة، وقد صُمّم بعضها من أجل استهداف الجوانب العقيدية وبعضها الجوانب التربوية والتنمية الروحية لدى المتعلّمين، وبعضها الجوانب التعليمية...
كلّ ذلك، أهّل ذلك المشروع لأن يكون في بابه (إضافة)، وأن يكون (فريدًا) و(متميّزًا)؛ وأنّ تميّزه سُجّل في تنمية المتعلّمين في المجالات العقلية، والأكاديمية، والنفسية، والبدنية، والانفعالية، والروحية، والاجتماعية، والثقافية، ومنحهم الثقة بالنفس؛ بحيث أصبحوا قادرين على التأثير في محيطهم، وأسّسوا نواةً صالحةً تسهم في تحقيق مجتمعٍ منتجٍ واعٍ متمثّل بالقيم الإنسانية النبيلة.
وكان من ثمار ذلك –أيضًا- أن أصبحت (مجموعة العميد التربوية) -وهي العنوان الأوّل في المشروع-، أوّل مؤسّسةٍ تربوية عراقية، وثاني مؤسّسةٍ تربوية عربية ترد ضمن (المدارس النموذجية العالمية على لائحة مؤسّسة سمارت العالمية)، وهي أكبر وأهمّ مؤسّسةٍ متخصّصة في تقنيات التعليم على مستوى العالم..
وإنّ كلّ ذلك، ما كان ليكون على هذا النحو، لولا أنّ العاملين فيه والقائمين عليه، وبعد أن اكتمل التنظير لديهم، راحوا يتمثّلونه، ويترجمونه، ويطبقونه..
على أن الحلقة الأهمّ في ذلك التمثّل بعد الهضم، هو المِلاكُ العامل..
على ذلك التمثَّل، وذلك التطبيق لن يكون قالبًا جامدًا ثابتًا.. إيمانًا من القسم بأن الأداء العامّ له لا سيّما التعليمي منه، إن لم يتقدّم، فإنّه يتقادم، وإنّه إن لم يكنْ له من التميّز سوى محافظته على ما حقّقه من نجاح، فإنّه مغبون إذ سيتساوی یومُه بأمسِه، فقد راح يستثمر العطلة الصيفية في إطلاق برامج تدريبية بهدف تطوير وتعزيز الأداء التربوي والتعليمي والإرشادي داخل مجموعة العميد التربوية..
كما يتمّ استهداف الملاكات التربوية والتعليمية والإرشادية من الملتحقين الجُدُد، بغية تعزيز القدرات، وتمكين الملاكات التربوية والتعليمية من المهارات العمليّة والمفاهيم الحديثة في ميدان التعليم، ورفع كفاءة الملاكات وتطوير الأداء داخل البيئة الصفية والمدرسة في مختلف المجالات التربوية والتعليمية والإرشادية والإدارية.
وأهمّ ما يُذكر في هذا السياق أن تلك الحلقات التدريبية في البرامج التدريبية يقدّمها ملاكُ القسم، ويقع الجزءُ الأكبر على السيد رئيس القسم، والسيّدَينِ مديرَيْ المجموعتَينِ، والمعاونَينِ التعليميَّينِ في المدارس، إلى جانب نخبةٍ من الأساتذة الأكفاء ذوي التخصّصات، ممّن يمتلكون خبرة ميدانية وأكاديمية في التدريب والتأهيل والتطوير وتنمية الكفاءات، على النحو الذي يوفَر منهجًا سلوكيًا وتعليميًا يُسهِم في الارتقاء بجودة التعليم.
بقي أن نقول: إذا كانت بعض مشاريع العتبة المقدّسة تحمل عنوانًا استثماريًّا، من أجل تعظيم موارد للإنفاق على المشاريع الخدمية وهي كثيرة، فإنّ أيّ حديثٍ يخصّ التربية ومشاريعها، لا يصدق عليه بحال من الأحوال وصف الاستثمار، في حال أخلص النية لعنوانه التربويّ، يمكن له في حدود أن يصل إلى حافات الاكتفاء الذاتي..
لكنّنا في مشروع التربية لمّا نصل بعد إلى تلك الحافات، بسبب توجّه المتولّي الشرعيّ للعتبة العبّاسية المقدّسة سماحة السيد أحمد الصافي (دام عزّه)، بالإنفاق على هذا الملفّ من أجل تحسين جودة التعلّم والتعليم، وجودة الأداء العام، ورفع كفاءة الملاك، وتهيئة البيئة الصفّية بلوازمها المتكاملة، وتطوير استراتيجيات التعلّم، وغير ذلك من نوافذ تستوجب إنفاقًا مضاعفًا عمّا تحصل عليه المجموعة من واردات، فضلاً عن كفالة الأيتام والمتعفّفين في ذات المدارس، وبأعدادٍ كبيرة، ناهيك عن حجم الإنفاق على البُنى التحتية وهي ماثلةٌ للعيان، وتشهد بذلك المستوى..
ولد المشروع بين يدي لجنةٍ، ثم ما لبث أن أصبح قِسمًا علميًّا، استقطب كفاءات العتبة، وزاد في العلم بسطة، أن ضَمَّ أساتذة مختصّين يشير إليهم المشهدُ الكربلائيّ بالبنان، وقد بدأ تدريجيًّا برياض الأطفال والمدارس الابتدائية والمتوسّطة والإعدادية، ومن ثمّ استكمل المشروع حلقاته بضمّ التعليم الجامعيّ إليه، وكان لا بُدّ في هذه الحال، من استحداث تشكيلٍ مهنيّ يناسب إطار التعليم الجامعيّ، وهو (هيأة التربية والتعليم العالي) التي استُحدِثَت كإحدى تشكيلات مجلس إدارة العتبة العبّاسية المقدّسة، كي ترعى وتُشرِفُ على ملفّ التعليم الجامعي، خصوصًا التربويّ فيه؛ لا سيّما بعد أن أرانا الزمنُ تصاعدًا مخيفًا في إفرازاتِ المشهدِ الجامعي، التي بدأت تهدّدُ منظومةَ القيمِ الأخلاقيةِ التي لها في نفوسِنا ما يُشبهُ القداسة..
ولأنّنا لا نملأ الفضاء نقدًا وتقريعًا وتجريحًا، بل دعونا القائمين على هذا الشأنِ، إلى أن يُحِدّوا من تسارُعِهِ المخيفِ فيضعوا المحدّداتِ الأخلاقيَّةَ والقيودَ الاجتماعيةَ التي تضبطُ جموحَهُ، وتُحِدُّ من إفرازاتِه التي لا يجمعُها والوسطَ الجامعيَّ أيُّ جامع، وذكّرناهم بما نشأنا عليه، وما انطوى عليه الواجب، كما ذكّرناهم بإجراء صنعَه المختصّون بالشأن الطبّي قديمًا، فهم حين رأوا ما أفرزه الميدانُ الطبّي من تطوّراتٍ؛ دعتْهم الحاجةُ إلى إيجادِ نُظُمٍ وقوانينَ وعلمٍ للأخلاق الطبّية بوصفه اعتراضًا على جموعِ التطوّرِ العلميّ الطبيّ الحديثِ، وشططِهِ العلميّ الذي اجتاح كرامةَ الانسانِ وأسهمَ في استباحةِ جسدِه.
وعلى هذا الأساس انوجدت جامعتا الكفيل والعميد من أجل تقديم نموذجٍ إيجابي يحتذی، فكانتا النموذجين، فمن شاء أن يتّخذ إليهِما أو إلى تقليدِهما سبيلًا فهما متاحان، ومن لم يُرِدْ فذلك من عنده وما على الرسول إلّا البلاغ المبين..
وما زلنا نرنو بعين الأمل وننتظر ذلك اليومَ الذي تأخذ فيه إدارةُ الجامعاتِ دورَها الرقابيَّ المهنيَّ والوظيفيَّ والأخلاقيَّ والتربويَّ والعلميَّ، للإعلان عن ضوابطَ وأنظمةٍ وتعليماتٍ تُقَنَّن وفقَ إجراءاتٍ منضبطةٍ ذات سلوكٍ تعبيريّ حقيقيّ، تضبطُ أخلاقيّات الحرمِ الجامعيّ، وتكبحُ جماحَ ما تسلّلَ إليه من عاداتٍ وتقاليدَ دخيلةٍ، للحيلولةِ دونَ انتهاكِ حرمةِ دورِ العلم، والمحافظةِ على كرامةِ طلّابِها؛ فالعلم والأخلاق صنوان لا یفترقان، ويبقى لجامعتَيْنا ولأخرياتٍ مثلِهِما فضلُ محاولةِ تصحيحِ المسار، وإيقادُ الضوءِ في نهایة النفق.
ومن الغايات الأُخَر توفير فرصٍ دراسية رصينة لأبنائنا ممّن يحصلون على معدّلات عالية جدًّا، ممّن لا تستوعبهم طاقات جامعاتنا الحكومية، فيطوون المسافات الشاسعة، ويتغرّبون عن أهليهم، ويدرسون بجامعات خارج البلاد لا تلبّي طموحهم بتعليم مهنيّ رصين، وتقذف بهم في بيئاتٍ لا يجمع بعضها ومجتمعنا أيُّ جامع، ولن يكونوا في أعمارهم الغضّة بمنأى عن التأثّر بها، ومنهم من يردّ بخُفّيْ حنين.
لأنّ الغالبية العظمى منهم لا طاقة له على السفر ولوازمه، وفئة منهم لا يحالفه الحظّ بالقبول هناك فيطوي ضلوعه على حسرة مزمنة تقضم كلّ أملٍ عنده، وفئة يقبلون ومن هذه الفئة من تحفّ به العناية فتقرّ به عيون وتسرّ نفوس، ومنهم من يكتسب علمًا ويفقد قِيَمًا، ومنهم من يردّ إلى البلاد ولا يعلم من بعد علمٍ شيئًا.
لقد عاينت العتبةُ العبّاسية المقدّسة المشهد كلّه، وتفاصيلَه وحركاتِه وسكناتِه، وطرحت البديل لبنيها، وفصّلت النموذج على مقاس الحلم، وقبل سنواتٍ زففنا إلى المشهد العراقيّ غرس تلك البذور التي أينعت وحان قطافها، والتي كنّا قد راهنّا سابقًا على أصالتها، وطيب منبتها، والفضاء الذي نَمَتْ تحت سمائه؛ فهو فضاء الطهر والقداسة، وسنباهي بها وهي حتمًا سوف تنفعُ العبادَ والبلادَ..
وفي السنوات الأخيرة انضمّ إلى الهيأة تشكيلٌ جديد جسّد رؤية سماحة السيد المتولّي الشرعيّ (دام عزّه) التطويريّة، وهو (أكاديمية التطوير الإداريّ)، زد على ذلك فإنّ ثمّة مؤسّسةً أخرى منضويةٌ تحت جناح قسم التربية والتعليم الذي تُشرِف عليه الهيأة، فضلاً عن الرياض والمدارس الابتدائية والمتوسّطة والإعدادية، وهي: مركزُ نتعلّم لنَحيا، ومركز الكفيل للتخاطب والمهارات قبل الأكاديمية، ومركز الساقي للإرشاد النفسي، ومعهد العميد للتعزيز التعليمي، وجمعيّة كشّافة الكفيل. ولدينا في الخطّة إن شاء الله تعالى استحداثُ مركزٍ للتأهيل التربوي، ومركز لتنمية المواهب، ومعرض العميد للمستلزمات الدراسية.
وإنّ لكلّ تشكيلٍ من هذه التشكيلات مسوّغات وجود، أثمرت عن قِصّة نجاحٍ تُروى في الفضاءات من حولنا، وأنّ لها مجالًا منفردًا، وتستهدف فئاتٍ، وتخدم شرائح..

الكاتب : الدكتور عباس رشيد الدده الموسوي
تعليقات القراء
لايوجد تعليقات لعرضها
إضافة تعليق
الإسم:
الدولة:
البريد الإلكتروني:
إضافة تعليق ..: