عند الإبحار في أسفار التاريخ، والخوض فيما يتعلّق بتاريخ الطبعات المباركة للقرآن الكريم، سنجد أنّ أغلب المصادر تشير إلى محاولات تعود إلى أزمنة بعيدة، لكن الغريب أنّها في بلدان ليست ذات طابع إسلامي، ولعلّ أقدمها ما طُبع في مدينة البندقية على يد (باغانينو باغانيني) في عامي 1537–1538م، إذ يُعتقد أنّ تلك الطبعة أُنجزت لتُصدَّر إلى الدولة العثمانية التي كانت تربطها بالبندقية علاقات تجارية واسعة.
وفي المقابل، توضّح التسجيلات التاريخية أنّ جميع النسخ قد فُقدت، ويرافق فقدانها شيء من الغموض، ولم يُعثر إلّا على نسخة واحدة عام 1987 في دير يقع بجزيرة سان ميكيلي في البندقية، غير أنّ هذه النسخة في جوهرها، لم تكن منسجمة مع المعايير الخطية الإسلامية، ويُقال إنّها كانت مليئة بالأخطاء، تلتها لاحقًا محاولات لمستشرقين لم تكن أكثر جودة مما سبقها.
في حين تبيّن بعض المصادر أنّ جامعة برمنغهام قد حصلت على أقدم مخطوطة قرآنيّة وهي غير مطبوعة، بل مكتوبة على قطع من الجلد، وربما تعود إلى سنة 568 هـ، أي بعد استشهاد رسول الله (صلى الله عليه وآله).
تكشف لنا هذه المراجعة التاريخية المختصرة عن قدر من الإرباك فيما يتصل بدورنا كمسلمين في الإمساك بزمام الأمور حين يتعلّق الأمر بهويتنا الدينية، كما تضعنا أمام حجم كبير من المسؤولية في صون الثقل الأعظم، المتمثل في كتاب الله، وذلك عن طريق إصدار طبعات تضمن إتاحة النص الإلهي على أوسع نطاق، خاليًا من الأخطاء، ومزينًا برونق جمالي يليق بعظيم قدره، وفي هذا السياق وعلى الرغم من أنّ بعض الدول العربية والإسلامية قد تبنّت فكرة طباعة المصحف، فكانت طبعة القاهرة عام 1924 من أوائل هذه المحاولات، تلتها تجارب أخرى كمصحف المدينة المنورة وغيرها في بلدان مختلفة، فإنّ الحاجة ما تزال قائمة إلى مزيد من الطبعات، على أن يكون انطلاقها من مراكز لها ثقلها الديني.
وفي خضم هذا المسار، كان لا بدّ للعراق، بما يحمله من عمق تاريخي وثقل حضاري، أن يقدّم تجربته الخاصّة، فجاء "مصحف النجف الأشرف" مشروعًا أرادت له العتبة العباسية المقدسة أن يرى النور، فهيّأت له أسباب النجاح كلّها، فحين نقرأ تفاصيل هذا المشروع، ندرك أنّ المسألة لم تكن استعجالًا أو رغبة عابرة في إعلان إنجاز، بل كانت سنوات من العمل، ولجانًا علمية، وتدقيقًا متواصلًا، ومنافسة بين الخطاطين، حتى وقع الاختيار على الخطّاط العراقي الأستاذ عبد الحسين الركابي، لتُوكل إليه هذه المهمّة الاستثنائية، فترسم أنامله الإطار البصري للنصّ القرآني، كل ذلك يوحي بمحاولة جادة لترسيخ هوية لها أرضها وامتداداتها المشبعة بالمعرفة والعلوم.
وهنا تكمن حساسية التجربة؛ فالمصحف ليس كتابًا عاديًّا، بل نص شمولي ودستور إلهي يمثل البوصلة في تحديد اتجاهات المرء، لذلك كان لزومًا أن يُبنى المشروع على دقة علمية صارمة، وأن يحظى بمباركة المرجعية الدينية العليا المتمثلة بسماحة السيد علي السيستاني (دام ظلّه) وكأنّ الرسالة الأهم ليست: (هذا مصحف النجف الأشرف) ، بل: (هذا هو القرآن كما هو، بلا زيادة ولا نقصان)، فهو مصحف المسلمين كلّهم، لكن هذه الطبعة ترتبط بمدينة تضرب جذورها في عمق التاريخ، مدينة لها خصوصيتها؛ فهي مركز الحوزة العلمية، ومنطلق إشعاعها الفكري، وامتداد لنهج أهل البيت (عليهم السلام)، وقد يكفي لو أنّنا قُلنا إنّها حاضنة أمير المؤمنين علي (عليه السلام).
وفي أبعاد أخرى، فإنّ إزاحة الستار عن مصحف النجف الأشرف تمثّل خطوة حقيقية نحو الدخول إلى مجال لطالما كان حكرًا على تجارب أخرى في العالم الإسلامي، وفي ذلك استعادة للقدرة؛ القدرة على أن يكون العراق مُنتِجًا، وفي طيّات الأمر معنىً سياديّ وثقافيّ بالغ الأهمية.
* الكاتب عبد الله باسم
