الى

حين ينهض العراق بحرفِ الوحي ويكتب اسمه في التاريخ، يكون… مصحف النجف

في لحظةٍ يتعانق فيها التاريخ بالحرف، ويستعيد فيها العراقُ صوتَه القرآنيّ الأصيل، أُزيح الستار عن مصحف النجف الأشرف؛ لا بوصفه مجرّدِ إصدارٍ طباعيّ، بل حدثًا حضاريًّا يعيد رسم العلاقة بين الأرض التي احتضنت العلم، والكلمة التي نزلت نورًا على القلوب.

فلم يكن هذا المصحف وليدَ لحظةٍ عابرة، بل ثمرةَ جهدٍ علميّ دقيقٍ وعملٍ جماعيّ امتدّ لسنوات، شاركت فيه عقولٌ خبيرةٌ وأيادٍ أمينة، حتى خرج في صورةٍ تليق بجلال النصّ القرآنيّ وبهاء معانيه. وقد احتضنت أرض النجف الأشرف هذا المنجز، لتؤكّد مرّةً أخرى أنّها ليست مدينةً للفقه فحسب، بل حاضرةٌ للقرآن وموطنٌ لعلومه، ومركز إشعاعٍ روحيٍّ ومعرفيٍّ في العالم الإسلامي .

إنّ قيمة (مصحف النجف الأشرف) لا تنحصر في كونه إصدارًا طباعياً جديدًا، بل تتجلّى في رمزيّته العميقة؛ إذ يُقدَّم بوصفه أوّل مصحف يُخطّ ويُطبع في العراق بطبعةٍ متكاملةٍ تحمل هويّته العلميّة والطباعيّة، في خطوةٍ تُعيد للعراق موقعه الطبيعيّ ضمن خارطة طباعة المصاحف في العالم الإسلامي، بعد أن ظلّ هذا المجال لعقودٍ محصورًا في مراكز أخرى. فهو إعلانٌ صامتٌ بأنّ العراق، الذي حفظ القرآن في الصدور منذ القرون الأولى، قد آن له أن يخطه ويطبعه بأيديه، ويُهديه إلى العالم بصيغته الخاصّة.

وقد أُنجزت طباعة هذا المصحف في دار الكفيل للطباعة والنشر التابعة للعتبة العباسية المقدسة، على وفق أحدث المعايير الفنية، وبأحجامٍ مختلفة تلائم الاستعمالات المتعددة، في دلالةٍ على عنايةٍ تقنيةٍ لا تقلّ عن العناية العلمية التي سبقته. ولم يكن هذا العمل بمنأى عن الرعاية الدينية، إذ نال مباركة المرجعية الدينية العليا، بما يمنحه بعدًا توثيقيًا وروحيًا يُرسّخ الثقة به ويجعله امتدادًا أمينًا للمصحف المتداول بين المسلمين، بلا زيادةٍ ولا نقصان.

وإذا كان تاريخ طباعة المصحف في العالم الإسلامي قد شهد محطاتٍ بارزةً في مدنٍ مختلفة، فإنّ (مصحف النجف الأشرف) يأتي ليضيف إلى هذا التاريخ صفحةً عراقيةً خالصة، تُكتب بحبر الوفاء للقرآن، وتُخطّ بروح النجف التي ما زالت تُنجب العلم وتحتضن القداسة.

إنّه ليس كتابًا يُقرأ فحسب، بل شاهدُ نهضةٍ، وعلامةُ استعادةٍ، ورسالةُ هوية؛ يقول للعالم: هنا العراق، وهنا النجف، حيثُ يُكتب القرآن مرّةً أخرى… لا على الورق وحده، بل في سجلّ الحضارة.

د. جاسم محسن السلطاني

تعليقات القراء
لايوجد تعليقات لعرضها
إضافة تعليق
الإسم:
الدولة:
البريد الإلكتروني:
إضافة تعليق ..: