الى

عبد الحسين الركابي.. الخطاط الذي خلد اسمه بين دفتي مصحف النجف

عام 1962م ، وفي مدينة النجف الأشرف، أبصر النور الخطاط عبد الحسين الركابي ولد ونشأ في بيئة النجف العلمية والأدبية؛ ممّا أثرت في صقل موهبته وارتباطه الروحي بالخط العربي بوصفها رسالة دينية قبل أن تكون فنية ، وكرّس سنوات طويلة من عمره لخط المصاحف فضلا عن الآيات القرآنية على جدران العتبات المقدسة وأضرحتها المشرّفة ، حتى اشتهر بلقب خطاط العتبتين المقدستين (الحسينية والعباسية)؛ إلى أن كتب الله له أن يحظى بشرف خط مصحف النجف الأشرف الذي أزيح الستار عنه في يوم الأربعاء 29 نيسان (أبريل) 2026م (الموافق 11 ذي القعدة 1447هـ).





  • اقتباس

أثنى السيد أحمد الصافي على الخطاط العراقي عبد الحسين الركابي ؛ وذلك خلال حفل إزاحة الستار عن المصحف (الذي أقيم في 29 نيسان 2026م) ، واصفاً جهوده بـ "المباركة" والمتميزة في صياغة هذا المنجز القرآني ، إذ تضمّن حديثه مجموعة إشادات أبرزها :

- بيّن أن الخطاط الركابي قد وضع اسمه في منجز قرآني مبارك حظي بمباركة المرجعية الدينية العليا.

- أشار إلى أن كتابة المصحف بخط اليد كانت ثمرة جهود مضنية دامت أعوام، إذ كان الخطاط يقضي ساعات طويلة يومياً (تصل أحياناً إلى 15 ساعة) لضمان الدقة والجمالية الفنية.

- إن اختيار الركابي جاء بعد مسابقة وطنية أثبت فيها كفاءته العالية، وإن ما خطته يداه يمثل واجهة فنية تليق بهوية النجف الأشرف العلمية.




  • أبرز محطاته

تخرّج في معهد الفنون الجميلة ببغداد، وتتلمذ على يد كبار الخطاطين العراقيين الذين منحوه إجازات في فنون الخط العربي المتنوعة ، وعمل لسنوات طويلة بوصفه خطاطاً محترفاً متخصصاً في خط المصاحف، ويُعد اليوم المرجع الفني الأول في العتبة العباسية المقدسة لكل ما يتعلق بالخط العربي والزخرفة الإسلامية.

ويعمل حالياً خطاطاً في مركز طبع وتفسير وعلوم القرآن الكريم التابع للعتبة العباسية المقدسة ، ويُشرف على وحدة الخط العربي في العتبة، ويتولى مسؤولية مراجعة وتصميم (الكتائب) القرآنية والفنية التي تُنفذ في مشاريع الإعمار ، واستطاع الركابي خلال مسيرته أن يحول مهنته من مجرد وظيفة إلى "رسالة"؛ إذ يرى أن خط القرآن هو أسمى درجات العبادة الفنية.

له بصمة فنية واضحة في تزيين جدران وقباب العتبات المقدسة في العراق، إذ تُعد أعماله (كتائب) (لوحات خطية طويلة) تمزج بين القداسة والجمال.



  • أبرز أعماله


شارك في خط كثير من النصوص القرآنية والأحاديث الشريفة التي تزين الأروقة الداخلية والصحن الحسيني الشريف، التي تكون بخط الثلث الجلي الرصين.

وبصفته خطاطاً معتمداً في العتبة، أشرف وخط كثيراً من اللوحات و(الكتائب) التي تعلو المداخل الرئيسة (الأبواب الخارجية) وصحن أبي الفضل العباس (عليه السلام ).

له إسهامات فنية في تخليد نصوص في داخل الحرم العلوي المطهر، إذ يُعرف عنه النفس الطويل في كتابة النصوص الكبيرة والمعقدة.

وقبل إنجازه لمصحف النجف الأشرف، كانت له إسهامات ومشاركات في لجان فنية وخطية لمشاريع قرآنية أطلقتها العتبة الحسينية المقدسة.

وتقتني العتبات والمتاحف الدينية كثيراً من لوحاته التي فازت في مهرجانات دولية (مثل مهرجان ربيع الشهادة ومهرجان الغدير)، التي تتناول مدائح أهل البيت (عليهم السلام).

وتتميز أعماله في المراقد المقدسة بأنها مقاومة للظروف الجوية؛ حيث تُخط أولاً ثم تُنفذ بتقنيات "الكاشي الكربلائي" أو "المينا" أو "الحفر على الرخام" مع الحفاظ على روح الحرف الذي رسمه بيده.



  • أهم ما يميزه عن غيره

يتبع المدرسة العراقية الرصينة، ويُعرف بدقته المتناهية في مراعاة القواعد الكلاسيكية للخط العربي، مع قدرة فائقة على توزيع الكتلة والفراغ في داخل الصفحة القرآنية بما يريح عين القارئ.

تمتد جذور الخطاط الركابي إلى مدرسة "قبلة الخطاطين" يأقوت المستعصمي، التي نشأت في بغداد خلال القرن السابع الهجري (القرن الثالث عشر الميلادي)، وبرزت أكثر بعد سقوط بغداد في عام 1258م (656هـ) على يد المغول، وتحديداً تحت قيادة هولاكو خان، حفيد جنكيز خان، إذ تولى المستعصمي أمانة مكتبة المدرسة المستنصرية، وهناك تخرّج على يديه "الأساتيذ الستة" الذين نشروا طريقته في العالم الإسلامي ، في حينها وضعت القواعد الذهبية لخط النسخ من حيث نسب الحروف ورشاقتها وكانت على يد ( أرغون الكاملي ، عبد الله الصيرفي ، يحيى الصوفي ، مبارك شاه بن قطب ،أحمد السهروردي ، نصر الله الطبيب ) ويذكر أيضا من بين الستة (مبارك شاه السيوفي)بدلاً من الأخير ؛ وبسبب هؤلاء الأساتيذ تحولت مدرسة يأقوت من مجرد أسلوب شخصي إلى منهج عالمي، حيث انتقل كل واحد منهم ليعلم الخط في حاضرة إسلامية مختلفة.

كما وتمتاز مدرسة الركابي بأنها تجعل "المقروئية" هي الأولوية؛ فالحروف في مصحف النجف واضحة جداً، والمسافات بين الكلمات مدروسة بدقة تمنع تداخل الحروف (مثل السين والصاد)، مما يسهل المهمة على القارئ العادي.

وعلى الرغم من التزام الركابي بقواعد الخط العربي العالمية، لكنه أضفى "الروح العراقية" في توزيع الكلمات ونهايات السطور، وهو أسلوب يميل إلى القوة والمتانة في رسم الحرف (السَّمك والرشاقة).

واعتمدت المدرسة التي ينتمي إليها على فكرة أن "الخط هو الأساس والزخرفة هي الإطار"؛ لذا نجد أن خطه يفرض هيبته في وسط الصفحة دون أن تطغى عليه الزخارف المذهبة المحيطة به.

ويُصنف الخبراء عمل الركابي في هذا المصحف بأنه أعاد "هيبة الخط اليدوي" في زمن الطباعة الرقمية، محققاً توازناً نادراً بين القواعد الصارمة والجمال الفني.



  • أهم ماميز عمله في مصحف النجف

اعتمد الركابي خط النسخ الواضح والرصين، وهو الخط الأكثر تداولاً وسهولة للقراءة في المصاحف الشريفة ، واستغرق العمل سنوات من الكتابة اليدوية المتواصلة، إذ كان الركابي يخطّ الصفحات ويتم عرضها فوراً على لجان التدقيق لضمان مطابقتها التامة للرسم العثماني ، وتميز خطه في هذا المصحف بالدقة العالية في موازين الحروف وتناسق المسافات بين الأسطر، مما يوفر راحة بصرية كبيرة للقارئ.



  • إشادات

حظي مصحف النجف الأشرف بإشادات واسعة النطاق من مختلف الأوساط الدينية والعلمية والاجتماعية عند إزاحة الستار عنه في 29 أبريل 2026.

بارك سماحة آية الله العظمى السيد علي السيستاني الطبعة الأولى من المصحف بعد اطلاعه عليها، ووصفها بأنها "نسخة مباركة" حُفظت من الزيادة والنقصان، داعياً بالتوفيق للقائمين على إنجازه.

ووصفت الأوساط العلمية في النجف الأشرف صدور المصحف باسم المدينة "ترسيخاً لمكانتها بوصفها مركزاً عالمياً للعلوم القرآنية".

فيما أكدت اللجنة العليا المشرفة أن هذا المصحف يمثل "شهادة تأريخية حية" على دقة ومطابقة المصحف العراقي لما يقرؤه المسلمون في جميع أنحاء العالم.

و نال المصحف إعجاباً واسعاً من الشخصيات الأكاديمية والرسمية التي حضرت الحفل ، إذ عُدّ بأنه "تجربة فريدة" تجمع بين أصالة الخط العراقي اليدوي وأحدث تقنيات الطباعة العالمية.

وشهدت منصات التواصل الاجتماعي ومحافل العتبة العباسية المقدسة تفاعلاً كبيراً من الجمهور، الذين عبروا عن فخرهم بهذا المنجز الذي وصفوه بـ "مفخرة وطنية".
تعليقات القراء
لايوجد تعليقات لعرضها
إضافة تعليق
الإسم:
الدولة:
البريد الإلكتروني:
إضافة تعليق ..: