استندت العتبة العباسية المقدسة على هذا الإرث التاريخي الطويل في وضع النجف الأشرف - وهي عاصمة القرآن الكريم الأولى- ضمن المدن التي تصدر مصحفًا باسمها، هذا المصحف يختزل قرونًا من العلم الديني والتراث الحوزوي في صورة الكتاب الكريم، فيما تأتي مباركة المرجع الديني الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله الوارف) لتأكد أهمية هوية النجف الأشرف القرآنية ومكانتها الدينية في العالم الإسلامي.
استطاعت العتبة العباسية المقدسة أن ترسم معالم جديدة لطباعة القرآن الكريم في العراق، إذ أكّدت على أن يكون كل جزء من هذا المصحف الشريف عراقيًّا، فالخطاط والمزخرف والطباعة والإشراف كان عراقيًّا خالصًا وهذا ما يؤكّد عليه المتولّي الشرعي للعتبة العباسية المقدسة سماحة العلّامة السيد أحمد الصافي دومًا، ففي أكثر من محفل يؤكّد سماحته أنّ العقول العراقية ليست قاصرة والأيدي العاملة تستطيع إنجاز الكثير إذا توفّرت لها المستلزمات والدعم وهذا ما حدث مع مصحف النجف الأشرف، إذ وفّرت العتبة العباسية المقدسة كل ما يحتاجه المشروع.
إن اهتمام العتبة العباسية المقدسة بقضية القرآن الكريم لم يكن وليد قرار إداري في وقت متأخر، إنما ناتج عن تراكم قرارات وخطط نُفِّذت على أرض الواقع منذ سنوات شملت الجميع من تلاميذ المدارس حتى كبار السن عَبرَ برامج متعدّدة نُفِّذت بعد استحداث قسم خاص يعنى بالقرآن الكريم وعلومه وطباعته وتفسيره ونشر ثقافته، وهو المجمَع العلمي للقرآن الكريم، الذي أخذ على عاتقه إقامة الدورات الصيفية لتلاميذ المدارس والمحافل القرآنية في منازل المؤمنين، فضلًا عن إقامة المسابقات والفعاليات الثقافية المختلفة التي تُعنى بالقرآن الكريم وعلومه.
أكملت العتبة العباسية المقدسة فصول اهتمامها بكتاب الله العزيز عَبرَ طباعة مصحف النجف الأشرف الذي عبّر عن قدرة العراقيين الفنية على إنتاج مصحف يوازي إن لم يسبق المصاحف الأخرى في خطّه ونقوشه وجودة طباعته ليعكس مدى الإصرار على خدمة كتاب الله ونشره بين أيادي المؤمنين، إذ اهتمّت العتبة المقدسة بأدقّ التفاصيل حتى وزن الورق الذي طُبعت عليه آيات المصحف الكريمات، هذا الاهتمام الذي نتج على هدف يسعى القائمون على العتبة العباسية المقدسة الوصول إليه وهو أن يكون هذا المصحف الشريف في مقدمة المصاحف المطبوعة لأنّه باسم مدينة لا يمكن إلّا أنّ تكون هي أولى المدن لأنّها تضمّ بين أديمها جسد القرآن الناطق علي بن أبي طالب (عليه السلام).
- الكاتب خالد الثرواني
