الى

مصحف النجف الأشرف… حين يخط العراق القرآن بيده لأوَّل مرة

في لحظةٍ تختلط فيها القداسة بالمسؤولية، وتلتقي فيها الذاكرة بالحاضر، أزيح الستار عن الطبعة الأولى من مصحف النجف الأشرف، في احتفاليةٍ احتضنها المجمّع العلوي في محافظة النجف، لتكون هذه الخطوة إعلانًا جديدًا عن استمرار رسالةٍ لم تنقطع منذ قرون.

هذا الحدث لم يكن مجرّد مناسبةٍ احتفالية، بل تجلٍ حيّ لدور النجف الأشرف بوصفها حاضرةً للعلم والقرآن، إذ جاء إصدار هذا المصحف ليحمل اسم المدينة التي ارتبط تاريخها ارتباطًا وثيقًا بكتاب الله، وكأنّه امتدادٌ طبيعيّ لتلك السلسلة المباركة التي بدأت من أهل البيت (عليهم السلام)، ومرّت عَبرَ القرّاء والعلماء، حتى وصلت إلى يومنا هذا.

ويكتسب هذا الإنجاز فرادته من كونه يمثّل سابقةً تاريخية، إذ يُعدّ مصحف النجف الأشرف أوّل مصحفٍ يُخطّ ويُطبع داخل العراق، في خطوةٍ غير مسبوقة في سجلّ طباعة المصاحف في العالم الإسلامي، ليعلن بذلك دخول العراق ميدان كتابة المصحف وإنتاجه بهويته الخاصة، بعد أن ظلّ طويلًا متلقيًا لهذا الإرث العظيم.

وأُقيم الحفل برعاية اللجنة العليا المشرفة على خطّ وطباعة المصحف الشريف، وبالتعاون مع العتبة العباسية المقدسة، تيمّنًا بذكرى ولادة الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام)، وسط حضورٍ لافتٍ لشخصياتٍ دينية ورسمية وأكاديمية، تقدّمهم المتولي الشرعي للعتبة العباسية المقدسة سماحة العلّامة السيد أحمد الصافي، إلى جانب نخبة من العلماء والفضلاء.

ولعلّ ما يمنح هذا المشروع بُعدًا استثنائيًّا، هو نيله مباركة المرجعية الدينية العليا، المتمثلة بسماحة آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني، في دلالةٍ واضحة على العناية الكبيرة التي أحاطت بمراحله، والاهتمام البالغ الذي رافق إنجازه ليخرج بالصورة التي تليق بمكانته.

إنّ إصدار مصحف النجف الأشرف لا يمكن قراءته بوصفه عملًا طباعيًّا فحسب، بل هو فعلُ وفاءٍ لرسالةٍ قرآنيّةٍ عريقة، وتجديدٌ للعهد الذي تحمله الحوزة العلمية في النجف، إذ لم تزل هذه المدينة منارةً للعلوم الدينية، ومركزًا لإشعاع الفكر الإسلامي، ومهدًا لحفظ النص القرآني وصيانته.

وقد اضطلعت دار الكفيل للطباعة والنشر والتوزيع، التابعة للعتبة العباسية المقدسة بمهمة طباعة هذا المصحف، في عملٍ يجمع بين الدقة الفنية والالتزام العلمي، فيما تشرف بكتابته الخطاط العراقي الأستاذ عبد الحسين الركابي، ليخرج النصّ القرآني بحلّةٍ تليق بجلاله، وتعكس روح الفن الإسلامي الأصيل.

ومن بين تفاصيل هذا المشروع، تتجلّى روح العمل الجماعي الذي شاركت فيه لجانٌ متخصصة من فنيين وإعلاميين وإداريين، عملوا جميعًا تحت إشرافٍ مباشر، ليكون هذا المصحف ثمرة جهدٍ متكامل، يجمع بين الإخلاص والدقة والوعي بأهمية المسؤولية.

إنّ مصحف النجف الأشرف، وهو يرى النور اليوم، لا يكتفي بأن يكون نسخةً جديدة من كتاب الله، بل يتحوّل إلى رمزٍ لاستمرارية الدور، وتجسيدٍ حيّ لوفاء النجف لرسالتها، تلك الرسالة التي لم تكن يومًا حبيسة الزمن، بل ظلّت ممتدةً عَبرَ الأجيال، تحفظ النص، وتبني الوعي، وتؤكد أنّ القرآن سيبقى حاضرًا، ما بقيت هناك قلوبٌ تؤمن به وتحمله.

وهكذا، تكتب النجف الأشرف فصلًا جديدًا في تاريخها القرآني، لا بالحبر وحده، بل بالإيمان الذي لا ينقطع، والعهد الذي لا يُنقض.



  • الكاتب م.م مرتضى ناظم
تعليقات القراء
لايوجد تعليقات لعرضها
إضافة تعليق
الإسم:
الدولة:
البريد الإلكتروني:
إضافة تعليق ..: