وحين تهتز منظومة القيم، وتتراجع ثقافة الحوار، وتتزاحم المؤثرات الفكرية والاجتماعية القادمة من كل اتجاه، تصبح الأسرة أول من يدفع الثمن، لأنّها الحاضنة الأولى للإنسان، والفضاء الذي تتشكل فيه شخصيته وقيمه ورؤيته للحياة.
في مثل هذا الواقع، لا تبدو الحاجة ملحة إلى حلول آنية أو معالجات ظرفية بقدر ما تبدو الحاجة إلى مشاريع وعي طويلة الأمد، تعيد بناء المفاهيم من جذورها، وتؤسّس لعلاقات أسرية قائمة على الفهم والمسؤولية والتكامل.
ومن هنا تكتسب المبادرات التربوية والثقافية التي تستهدف المرأة والأسرة أهمية استثنائية، لأنّها لا تعالج النتائج فحسب، بل تتجه إلى الأسباب التي تقف خلف كثير من المشكلات الاجتماعية المعاصرة.
ضمن هذا السياق جاء ملتقى الكوثر الثالث الذي نظمته شعبة فاطمة بنت أسد (عليها السلام) للدراسات القرآنية التابعة لمكتب المتولّي الشرعي للشؤون النسوية في العتبة العباسية المقدسة، تحت شعار: «الكوثر.. بالقرآن تُبنى السكينة».
وهو شعار لا يختصر عنوان فعالية ثقافية فحسب، بل يلخص فلسفة متكاملة تنطلق من قناعة مفادها أنّ الاستقرار الأسري لا يُصنع بالصدفة، ولا يتحقق بالنوايا الحسنة وحدها، وإنّما يحتاج إلى وعي ومعرفة وإعداد نفسي وفكري يسبق الدخول إلى الحياة الزوجية.
ولعل أكثر ما يميز هذه التجربة أنها لا تتعامل مع الزواج بوصفه مناسبة اجتماعية أو محطة شخصية عابرة، بل تنظر إليه بوصفه مشروع بناء إنساني يحتاج إلى تأهيل وتثقيف واستعداد. فالكثير من الأزمات الأسرية لا تبدأ بعد الزواج، وإنما تبدأ قبل ذلك، حين يُبنى الاختيار على معايير سطحية، أو حين تغيب المعرفة بطبيعة العلاقة الزوجية ومسؤولياتها ومتطلباتها النفسية والفكرية.
ومن هنا جاءت أهمية الطروحات التي قدمها الملتقى، ولا سيما تلك التي ناقشت مفهوم اختيار شريك الحياة.
فالسؤال الذي طُرح في أحد المشاهد الحوارية: «شريك العمر أم شريك الفكر؟» يتجاوز كونه عنوانًا لفقرة حوارية، ليصبح سؤالًا جوهريًا في زمن طغت فيه الاعتبارات الشكلية على كثير من القرارات المصيرية.
إذ إنّ استقرار الأسرة لا تصنعه التفاصيل الثانوية، بل تصنعه منظومة مشتركة من القيم والرؤية والتفاهم والاحترام المتبادل.
لقد حاول الملتقى أن يعيد ترتيب الأولويات في أذهان المشاركات، وأن يلفت الانتباه إلى أنّ النجاح في الحياة الزوجية لا يرتبط فقط بتوافر الرغبة في الزواج، بل بامتلاك القدرة على الاختيار الواعي، وفهم طبيعة الشريك، والتمييز بين ما هو جوهري وما هو هامشي في بناء العلاقة الأسرية.
ولم يكن القرآن الكريم حاضرًا في الملتقى بوصفه مادة للتلاوة أو الحفظ فحسب، بل بوصفه منهجًا للحياة.
فالورش التفاعلية والمسابقات الفكرية والقرآنية سعت إلى ربط النص القرآني بواقع الأسرة وتحدياتها، وإلى تقديم المفاهيم القرآنية باعتبارها أدوات عملية تساعد على بناء التوازن النفسي والاجتماعي داخل البيت المسلم.
وهذه نقطة جوهرية كثيرًا ما تغيب عن بعض البرامج التثقيفية التي تكتفي بتقديم المعرفة النظرية من دون أن تحوّلها إلى سلوك يومي أو رؤية حياتية.
ولعل ما يمنح هذه المبادرات عمقًا إضافيًّا أنّها لا تأتي بمعزل عن مشروع ثقافي وتربوي متكامل تتبناه العتبة العباسية المقدسة في مجال العمل النسوي.
فملتقى الكوثر ليس فعالية منفصلة عن سياقها، بل حلقة ضمن سلسلة من الملتقيات والبرامج التي تسعى إلى تعزيز الوعي الديني والثقافي والتربوي لدى النساء والفتيات، انطلاقًا من إيمان راسخ بأنّ المرأة ليست متلقية للوعي فحسب، بل شريكة في صناعته.
وهنا تتجلى الرؤية التي يؤكد عليها المتولّي الشرعي للعتبة العباسية المقدسة، سماحة العلّامة السيد أحمد الصافي، في أكثر من مناسبة، حين يضع المرأة في قلب المشروع الإصلاحي والتربوي، بوصفها المحور الأهم في بناء الأجيال وصناعة الوعي المجتمعي. فالمجتمعات لا تُبنى بالمؤسسات وحدها، بل تُبنى بالأمهات والمعلمات والمربيات اللواتي يصنعن الإنسان منذ سنواته الأولى.
إنّ أهمية ملتقى الكوثر لا تكمن في عدد المشاركات أو تنوع فقراته، على الرغم من أهمية ذلك، بل في الرسالة التي يحملها.
فالمجتمع الذي يريد مستقبلًا أكثر استقرارًا لا بد أن يستثمر في الوعي قبل أن يستثمر في أي شيء آخر. والأسرة التي تُبنى على المعرفة والاحترام والتفاهم تكون أكثر قدرة على مواجهة الضغوط والتحديات، وأكثر قدرة على تربية أجيال متوازنة نفسيًّا وفكريًّا وأخلاقيًّا.
وفي عالم تتسارع فيه التحولات الاجتماعية وتتزاحم فيه المؤثرات الثقافية، تبدو العودة إلى القرآن الكريم وسيرة أهل البيت (عليهم السلام) حاجة حضارية قبل أن تكون خيارًا ثقافيًّا. فهذه العودة لا تعني الانغلاق على الماضي، بل تعني استلهام القيم القادرة على معالجة مشكلات الحاضر وبناء المستقبل.
لهذا يمكن النظر إلى ملتقى الكوثر بوصفه أكثر من نشاط موسمي أو فعالية توعوية عابرة؛ إنّه محاولة جادّة لإعادة ترميم مفهوم الأسرة من الداخل، وإعادة الاعتبار للوعي بوصفه حجر الأساس في بناء الحياة الزوجية.
وحين تُبنى الأسرة على المعرفة، وتُصان بالقيم، ويُستضاء طريقها بالقرآن، فإن المجتمع كله يصبح أكثر قدرة على التماسك والاستقرار ومواجهة تحديات الزمن.
- الكاتب علي الغزالي
