الى

من أبي الفضل العباس (عليه السلام) إلى كربلاء اليوم: السقاية شرفٌ هاشميّ متوارث

لم يكن الماء في الذاكرة الهاشمية مجرد مورد للحياة، بل تحول عبر القرون إلى رسالة إنسانية وأخلاقية ارتبطت بمعاني الكرم والإيثار وخدمة الناس، فمنذ تأسيس نظام السقاية والرفادة في مكة المكرمة لخدمة وفود الحجيج، نشأ تقليد اجتماعي راسخ جعل من إرواء العطاشى وإغاثة المحتاجين عنوانا للسيادة والشرف، حتى غدت السقاية واحدة من أبرز المآثر التي عُرف بها بنو هاشم في تأريخ العرب.

وتوارثت الأجيال الهاشمية هذه الأمانة جيلا بعد جيل، بدءا من هاشم بن عبد مناف مرورا بعبد المطلب وإحياء بئر زمزم ، وبعده بأبي طالب والعباس بن عبد المطلب، حتى وصلت إلى ملحمة كربلاء التي بلغت فيها السقاية ذروة معناها الإنساني والروحي، ففي طف كربلاء لم تكن السقاية مرتبطة بتوفير الماء فحسب، بل تحولت إلى رمز للتضحية والوفاء حينما حمل أبو الفضل العباس (عليه السلام) رايتها دفاعا عن عطاشى الطف، مسطرا واحدة من أعظم صور الإيثار في التأريخ الإسلامي.

واليوم، وبعد قرون متعددة على تلك الأحداث، تتجدد معاني السقاية في كربلاء المقدسة عبر الجهود الخدمية التي تبذلها العتبة العباسية المقدسة لخدمة ملايين الزائرين الوافدين لإحياء ذكرى عاشوراء وباقي الزيارات الكبرى التي تشهدها مدينة كربلاء المقدسة، وبين ماضي مكة وحاضر كربلاء تمتد خيوط هذا الإرث الهاشمي العريق، لتروي قصة رسالة بدأت عند حياض الماء حول الكعبة المشرفة، واستمرت على ضفاف الفرات، وماتزال حية في وجدان المؤمنين ومؤسسات الخدمة الحسينية حتى يومنا هذا.



بدايات الإرث.. هاشم بن عبد مناف يؤسس السقاية والرفادة

تبدأ حكاية السقاية بصورة فعلية من هاشم بن عبد مناف ؛ لكونه يحظى برؤية استراتيجية تجاوزت حدود قبيلته، ففي مواسم الحج، كانت الوفود تتدفق نحو مكة من كل فج عميق، مجهدة وعطشى، هنا ابتكر هاشم مفهوما جديدا في مكة يُعرف اليوم بالتكافل الاجتماعي إذ إنه كان يخطب في قريش مع بداية شهر ذي الحجة من كل عام، ويدعو إلى إكرام ضيوف الرحمن.

لم يكن هاشم بن عبد مناف مكتفيا بالوعظ؛ بل أسس نظام الرفادة (إطعام الحجاج) والسقاية (توفير الماء)، ونظرا لشح المياه في مكة حينها، كان يجمع الأموال من أثرياء قريش، ويصنع حياضا من الأدم (الجلد المدبوغ) تفرش في ساحة الكعبة، ويجلب لها الماء العذب على الإبل من آبار حفرها بنفسه في محيط مكة، مثل بئر (سجلة) وبئر (العجول).



السقاية الهاشمية.. أمانة متوارثة

بعد وفاة هاشم وانتقال منصب السقاية مؤقتا إلى أخيه المطلب، وبعده آل الأمر إلى عبد المطلب بن هاشم، الذي أخذت السقاية في عهده منعطفا تأريخيا غيّر وجه مكة للأبد، إذ إنه أعاد إحياء حفر بئر زمزم بعد أن طمرتها قبيلة جرهم قبل قرون من الزمن آنذاك، ومع وفاة عبد المطلب، انتقلت السقاية والرفادة إلى ابنه أبي طالب بن عبد المطلب والد الإمام علي (عليه السلام)، إذ إنه كان شريفا، مهابا، ومطاعا، لكنه كان قليل المال، حيث أنفق في العام الأول لتسنمه شرف السقاية من ماله الخاص على الحجاج حتى افتقر.

وفي العام التالي، اقترض من أخيه العباس بن عبد المطلب عشرة آلاف درهم للإنفاق على السقاية ؛ كون العباس ميسور الحال ؛ لعمله في التجارة .

وتكرر الدين في العام الذي بعده ، فلم يستطع أبو طالب السداد، وبموجب شرط يضمن بقاء المنصب في داخل البيت الهاشمي وعدم خروجه لبطون قريش الأخرى التي كانت متربصة لأخذه (كبني مخزوم وبني أمية)، تخلى أبو طالب عن السقاية لصالح أخيه العباس.



تثبيت الثابت.. السقاية يوم فتح مكة

بعد أن أفصح النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه واله) عن الرسالة التي أُمر بتبيانها إلى الناس، ووصولا إلى يوم فتح مكة، خطب (صلى الله عليه وآله) في الناس معلنا إلغاء كل مآثر الجاهلية والتفاخر بالأنساب، إلا أنه استثنى أمرين لحفظ الاستقرار وتكريم التأريخ: الحجابة والسقاية لبيت عمّه العباس تعظيما لهذا الإرث الكبير لبني هاشم.



من زمزم إلى الفرات.. قصة تحول السقاية إلى رمز للوفاء

تتعدى صفة السقاء في وجدان وأدبيات أتباع أهل البيت (عليهم السلام) حدود اللقب العابر، لتشكل امتدادا تأريخيا وثيقا يربط بين مآثر بني هاشم في مكة وبين ملحمة الطف بكربلاء المقدسة.

فحينما مُنح أبو الفضل العباس (عليه السلام) لقب ساقي عطاشى كربلاء، لم يكن وليد لحظته، بل كان استدعاء عميقا لإرث الأجداد هاشم وعبد المطلب وأبي طالب الذين أطعموا وسقوا زوار بيت الله الحرام بالمجان وبذلوا في سبيل ذلك الغالي والنفيس.

وفي قراءة مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) للتأريخ، ينظر إلى العباس بن علي (عليهما السلام) باعتباره الوارث الشرعي والروحي لـ (سقاية بني هاشم)، حيث تجسّدت فيه القيم الأخلاقية القائمة على البذل والتضحية وسد رمق العطاشى، ليتجاوز بذلك مفهوم السقاية في كربلاء بمجرد توفير الماء، ويتحول إلى عنوان للوفاء والإيثار.

على الجانب المقابل، تبرز المفارقة التأريخية الصادمة التي تعكس عمق الصراع القديم بين الخط الهاشمي والخط الأموي الذي حاول جاهدا في الجاهلية منازعة عبد المطلب على بئر زمزم ومنع المياه، عاد في عهد معاوية بن أبي سفيان لعنه الله للفعل المشين نفسه الذي يتلخص في منع جيش الإمام علي (عليه السلام) من الماء في حرب صفين بعد أن استولى الجيش الأموي على ضفاف نهر الفرات، وفي سنة 61 هجرية عاد نفس الخط الذي يتزعمه آنذاك يزيد بن معاوية لعنة الله عليهما ليمارس العقيدة الإقصائية نفسها عبر إصدار الأوامر الصارمة بقطع طريق الماء عن مخيم الإمام الحسين (عليه السلام) وعائلته وأطفاله.

هذا الحصار المائي يُصنف في وجدان مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) بوصفه انتهاكا أمويا صارخا وانتقاما متأخرا من الإرث الإنساني والروحي الذي أسسه الهاشميون في مكة.

وفي يوم الطف عندما اقتحم أبو الفضل العباس (عليه السلام) المشرعة الخاضعة لسيطرة الجيش الأموي، وملأ القربة بالماء، ثم رفض أن يشرب قطرة واحدة مواساة لعطش أخيه الحسين (عليه السلام) وأطفاله، كان يكتب الفصل الأخير والأسمى من فصول السقاية الهاشمية؛ الفصل الذي امتزج فيه ماء القربة بالدم، ليبقى لقب السقاء مأثرة هاشمية خالدة بدأت بسقاية الحجيج في ظلال الكعبة، وختمت بالتضحية بالنفس على ضفاف الفرات لحماية أطفال آل محمد (صلى الله عليه وآله).



العباس بن علي.. سيد الماء في كربلاء

يتعدى دور قمر بني هاشم العباس بن علي (عليهما السلام) في كربلاء كونه مجرد مقاتل شجاع، بل برز كقائد لعمليات الإغاثة المائية وكسر الحصار الشامل الذي فرضه جيش عبيد الله بن زياد بقيادة عمر بن سعد منذ اليوم السابع من شهر المحرم، وحين اشتد العطش في معسكر الإمام الحسين (عليه السلام) وبان الأثر الجلي على الأطفال والنساء، ندب الإمام الشهيد أخاه لتلك المهمة، مع ثلاثين فارسا وعشرين راجلا، وحملوا معهم عشرين قربة، فتقدمهم العباس (عليه السلام) وبطل الطف نافع بن هلال حتى وصلوا إلى شريعة نهر الفرات، وخاضوا معركة عنيفة ضد حامية النهر بقيادة عمرو بن الحجاج، حيث تمكن العباس (عليه السلام) بفروسيته الهاشمية الموروثة من تشتيت الحراس وتأمين الشريعة لرجاله حتى ملأوا القرب وعادوا بها سالمين إلى المخيم، ليُسجل التأريخ ذلك الكسر العسكري للحصار المائي الذي لقب على أثره العباس بن علي (عليهما السلام) بالـ السقاء كما تنقل بعض مصادر السير.



العاشر من شهر المحرم.. تجليات السقاية والتضحية الهاشمية

تجلت ذروة السقاية والتضحية الهاشمية في اليوم العاشر من المحرم، حين تصاعدت نداءات الأطفال العطش العطش، فاستأذن العباس أخاه الحسين (عليهما السلام) للقتال وإحضار الماء، فأمره الحسين (عليه السلام) أن يطلب الماء للأطفال أولا كحجة أخيرة على الجيش الأموي؛ وبعد عدم الاستجابة قرر العباس (عليه السلام) اقتحام المشرعة وحده في حملة أرعبت آلاف المقاتلين، وملك ماء الفرات بقوة سيفه، وفي تلك اللحظة الوجودية، غرف العباس غرفة من الماء ليشرب بعد أن فتّ العطش حشاه، لكنه تذكر عطش أخيه الحسين (عليه السلام) وعطش نساء وأطفال بيت النبوة، فنفض الماء من يده ملقيا إياه في النهر ؛ ليكون مصداقا للإيثار الهاشمي، متمثلا بأبياته الخالدة: (يا نفس من بعد الحسين هوني.. وبعده لا كنت أن تكوني، هذا الحسين وارد المنون.. وتشربين بارد المعين)، فملأ قربته وتوجه نحو المخيم، وتكالب عليه الجيش الأموي لمنعه من إيصال الماء، فقطعوا يمينه فحمل السيف بشماله، ثم قطعوا شماله فضم القربة بصدره ليوصل الماء للأطفال، حتى أصاب القربة سهم أراق ماءها، وضُرب على رأسه الشريف بعمود من حديد، ليسقط شهيداً بجوار المشرعة، مخلدا دور السقاية كأعظم ملحمة إنسانية في البذل والوفاء عرفتها البشرية وتأريخ مدرسة أتباع أهل البيت (عليهم السلام).



العتبة العباسية المقدسة تسقي الزائرين

في امتداد معاصر لهذه السلسلة التأريخية التي بدأت من حياض الماء عند الكعبة المشرفة، وبلغت ذروتها في ملحمة أبي الفضل العباس (عليه السلام) على ضفاف نهر الفرات، تتجسد اليوم معاني السقاية الهاشمية في الجهود التي تبذلها العتبة العباسية المقدسة لخدمة زائري الإمام الحسين (عليه السلام) في الأيام العشرة الأولى من شهر المحرم.

فمع توافد الملايين من المعزين إلى كربلاء المقدسة منذ اليوم الأول من شهر المحرم وصولا إلى العاشر منه، تستنفر العتبة المقدسة ملاكاتها الخدمية لتأمين مياه الشرب الباردة على مدار الساعة عبر منظومات متكاملة من مواقع التوزيع والبرادات ومحطات التصفية، فضلا عن نشر مفارز السقاية في محيط مرقد أبي الفضل العباس (عليه السلام) وعلى الطرق المؤدية إليه للتخفيف من معاناة الزائرين في ظل ارتفاع درجات الحرارة وكثافة الحشود.

ففي كربلاء المقدسة اليوم ماتزال السقاية حاضرة بوصفها رسالة خدمة وعطاء متواصلة، وهي امتداد رمزي لمآثر السقاية التي ارتبطت باسم أبي الفضل العباس (عليه السلام) ؛ لذلك هيأت العتبة المقدسة أكثر من 100 ألف صندوق من مياه الشرب لدعم مواقعها الخدمية والمواكب الحسينية المنتشرة في المدينة القديمة، فضلا عن رفد مخزونها بأكثر من 1100 كيس من الثلج البلوري استعدادا لتلبية الاحتياجات المتزايدة للزائرين.

وتتجسد هذه الجهود ميدانيا عبر توزيع آلاف صناديق المياه يوميا على المواكب الحسينية، وتشغيل منظومات متكاملة لتجهيز الزائرين بالمياه الباردة، إذ توفر العتبة العباسية المقدسة 40 ألف لتر من مياه (RO) المبردة إلى حافظات المياه المنتشرة في داخل صحن مرقد أبي الفضل العباس (عليه السلام) وفي محيطه، بما يضمن وصول المياه النقية والباردة إلى الزائرين على مدار الساعة.

و تشمل خطتها الخدمية تجهيز المواكب الحسينية بقرابة 2000 قالب ثلج و2000 كيس من الثلج البلوري يوميا، فضلا عن تزويدها بكميات كبيرة من المياه المخصصة للطبخ وغسل الأواني، بما يعزز قدرتها على تقديم خدماتها للمعزين والزائرين في أيام عاشوراء.

ومن جانبه، يسهم قسم بين الحرمين الشريفين في دعم هذه الجهود عبر تجهيز موكبه الخدمي بعشرة آلاف صندوق من مياه الشرب، فضلا عن تشغيل منظومات تحلية وتبريد متطورة تنتج نحو 64 ألف لتر يوميا من المياه المبردة والمحلاة، توزع عبر مناهل الشرب المنتشرة في منطقة بين الحرمين الشريفين، علما أن هذه الأرقام قد تزداد بالتزامن مع تزايد حشود الزائرين.



سقاية من نوعٍ آخر

لم تقتصر خدمات السقاية التي تضطلع بها العتبة العباسية المقدسة على خدمة الزائرين والوافدين إلى مدينة كربلاء المقدسة، بل امتدت لتتحول إلى مشروع إنساني وتنموي مستدام يهدف إلى معالجة أزمة شح المياه وتحسين الواقع الخدمي في كثير من المناطق في داخل محافظة كربلاء المقدسة وخارجها.

وفي هذا الاتجاه أنشأت العتبة العباسية المقدسة (41) محطة مجانية لتحلية المياه تعمل بتقنية التناضح العكسي (RO)، حيث تبلغ الطاقة الإنتاجية الإجمالية لهذه المحطات نحو (180) ألف لتر في الساعة، يفيد منها أكثر من (640) ألف مواطن، مع اعتماد مواصفات صحية عالمية وأنظمة رقابة رقمية متطورة لمتابعة جودة المياه وضمان سلامتها.

وتتوزع محطات التحلية على محاور رئيسة؛ إذ تنتشر في داخل مدينة كربلاء وأحيائها السكنية مثل حي الغدير والملحق وقضاء الحر ومنطقة البوبيات والقرى الزراعية المحيطة بها، فيما خُصص عدد منها لخدمة طرق الزائرين الرئيسة، ولا سيما محاور (النجف – كربلاء) و(بابل – كربلاء) و(بغداد – كربلاء)؛ لتأمين المياه الصالحة للشرب للملايين من الزائرين في مواسم الزيارات المليونية، فضلاً عن خدمة السكان المحليين على مدار العام.

وشملت المشاريع المائية مناطق تعاني من شح الموارد المائية والتصحر في كربلاء، إذ أنشئت محطات متخصصة في الرزازة والمناطق الغربية المحاذية لها، فضلاً عن منطقة أبو زرنت والأحياء المجاورة، حيث جُهزت بمحطة إنتاجية تصل إلى (72) ألف لتر يومياً، إلى جانب محطة الفيادة الاستراتيجية الواقعة على طريق (يا حسين) الرابط بين كربلاء والنجف الأشرف لخدمة التجمعات السكانية والمواكب المنتشرة في تلك المناطق.

و أسهمت العتبة المقدسة في تعزيز البنى التحتية المائية في كربلاء، وأبرزها تطوير مجمع الدويهية وإنشاء مجمع الساقي المائي بطاقة إنتاجية تبلغ (500) متر مكعب في الساعة، بما يحقق استقراراً مائياً للمناطق الحيوية ويعزز شبكات الإسالة الرسمية في المحافظة.

وامتدت هذه الجهود إلى القطاع التعليمي، حيث أُنشئت محطات حديثة في داخل جامعة كربلاء بطاقة إنتاجية تبلغ (3000) لتر في الساعة، فضلاً عن منظومات متكاملة في جامعة العميد ومجموعة مدارس العميد التعليمية، بهدف توفير مياه نقية وآمنة للطلبة والملاكات التدريسية.

لم تتوقف مبادرات السقاية للعتبة المقدسة عند حدود محافظة كربلاء، بل امتدت إلى محافظات عراقية أخرى تواجه تحديات مائية كبيرة، إذ نفذت العتبة العباسية المقدسة محطات مجانية لتحلية المياه في محافظة البصرة، ولا سيما في المناطق المتضررة من الملوحة العالية مثل قضاء أبي الخصيب، و أنشأت في مدينة سامراء بمحافظة صلاح الدين محطة لتنقية وتعبئة مياه الـ(RO) لخدمة الأهالي والزائرين الوافدين إلى مرقد الإمامين العسكريين (عليهما السلام).



" ساقي العطاشى" في القارّة السمراء

امتدّ جودُ المولى أبي الفضل العباس (عليه السلام) إلى خارج العراق ليشمل مناطق الجفاف في القارّة الإفريقية، حيث تبنّت العتبة العباسية المقدسة مشروع "يا ساقي عطاشى كربلاء"، وهو مبادرة إنسانية وخدمية دولية أُطلقت عبر مركز الدراسات الإفريقية التابع لقسم الشؤون الفكرية والثقافية ؛ يهدف المشروع إلى مواجهة أزمة شحّ المياه الحادّة، وتأمين مياه الشرب الصالحة مجاناً في القرى والبلدات النائية والأشدّ فقراً في داخل القارة السمراء، مستلهماً اسمه ودلالته الإنسانية من لقب قمر بني هاشم أبي الفضل العباس (عليه السلام) "ساقي عطاشى كربلاء"

ويأتي هذا المشروع من ضمن خطة استراتيجية شاملة تغطي أكثر من 13 دولة إفريقية تعاني من الجفاف، من أبرزها: نيجيريا، تنزانيا، غينيا، ساحل العاج، غانا، الكاميرون، السنغال، مالي، والنيجر، إلى جانب مناطق أخرى من العمق الإفريقي

وإلى منتصف عام 2026م، تم حفر وافتتاح أكثر من 65 بئراً ارتوازياً موزعة في عمق القارة الإفريقية، حيث وثّقت العتبة العباسية المقدسة مؤخراً افتتاح البئر رقم 63 في غينيا، والبئر رقم 64 في ساحل العاج، مع استمرار العمل للتوسّع في مناطق جديدة, ويوفّر المشروع مياه شرب نظيفة وآمنة لعشرات الآلاف من السكان والعوائل المتعففة في القرى النائية والبعيدة

ويجسّد هذا المشروع امتداداً عملياً لرسالة العتبات المقدسة في العراق، التي تؤكد أن مبادئ نهضة الإمام الحسين وعطاء أبي الفضل العباس (عليهما السلام) تمثّل رسالة إنسانية عالمية لإغاثة الملهوف وسدّ حاجة المحتاجين أينما كانوا

و يسهم المشروع في نشر قيم التكاتف والتسامح، عن طريق ما يقدّمه الميدانيون في تلك الدول من دعم مائي، إلى جانب برامج ثقافية وتعليمية موجّهة لأبناء الجاليات والمجتمعات الإفريقية.



خلاصة القول

بين سقاية الحجيج في مكة وسقاية العطاشى في كربلاء، تمتد صفحة فريدة من التأريخ الهاشمي عنوانها العطاء وخدمة الإنسان، فالماء الذي كان وسيلة لإكرام ضيوف بيت الله الحرام تحول في الطف إلى رمز للوفاء والتضحية، حين ارتقى أبو الفضل العباس (عليه السلام) شهيدا وهو يحمل آخر أمل لوصول الماء إلى مخيم الحسين (عليه السلام).

وعلى الرغم من مرور القرون، لم تنطفئ هذه الرسالة، بل بقيت حاضرة في وجدان أتباع أهل البيت (عليهم السلام)، تتجدد في كل عام عبر مواكب الخدمة ومشاريع السقاية لملايين الزائرين في كربلاء المقدسة، وهكذا لم تعد السقاية مجرد موروث تأريخي، بل تحولت إلى ثقافة راسخة ومنهج عملي يجسد قيم الإيثار والبذل التي أرساها بنو هاشم عبر الأجيال.

وفي الوقت الذي تتواصل فيه جهود العتبة العباسية المقدسة على أكثر من صعيد ولا سيما في خدمة الزائرين في موسم عاشوراء، تبقى السقاية شاهدا حيا على أن أعظم إرث لا يقاس بما يُورث من مال أو سلطان، بل بما يَترك من قيم ومبادئ قادرة على البقاء والتجدد، ومن هنا تستمد سقاية اليوم معناها من سقاية الأمس، لتبقى قصة الماء في التأريخ الهاشمي قصة وفاء لا تنضب، ورسالة إنسانية تتجاوز حدود الزمان والمكان.
تعليقات القراء
لايوجد تعليقات لعرضها
إضافة تعليق
الإسم:
الدولة:
البريد الإلكتروني:
إضافة تعليق ..: