لم تعد المسألة مجرّد تنظيم شعائر دينية تستقطب أعداداً هائلة من الزائرين، بل غدت معركة صامتة ضدّ الإجهاد وضربات الشمس التي تترصّد بالحشود المتدفّقة في ساعات الذروة.
وحين تتجاوز درجات الحرارة مستوياتها المرتفعة، وتلتقي الكثافة البشرية الهائلة بعامل الوقت في مساحة محدودة، تصبح إدارة الحشود علماً دقيقاً لا يحتمل الخطأ.
من هنا، لم تترك العتبة العبّاسية المقدّسة سلامة الزائرين للمصادفة، بل اعتمدت منظومة خدمية وهندسية متكاملة استندت إلى معايير دقيقة وخطط استباقية، عزّزتها مفارز طبية جوّالة شقّت زحام الأزقّة والممرّات المكتظّة.
وبين ممرّات الرذاذ الذكي التي خفّضت وطأة الحرّ بما يصل إلى عشر درجات مئوية، وملايين اللترات من المياه الباردة التي تدفّقت كشرايين حياة في جسد المدينة القديمة، برزت بنية تحتية متخصّصة صُمّمت لحماية الأرواح وتأمين انسيابية حركة الزائرين، ولا سيّما خلال (ركضة طويريج) المليونية التي تمثّل ذروة الزخم البشري في يوم عاشوراء.
خوارزميات الحشود.. وخرائط النجاة
خلف المشهد المهيب لملايين الزائرين الذين يتدفّقون نحو العتبتين المقدّستين، تعمل منظومة معقّدة من التقنيات الحديثة والجهود الميدانية لضبط حركة الحشود ومنع حالات الاختناق أو التدافع.
فإدارة هذا الزخم البشري الاستثنائي لا تعتمد على الخبرة الميدانية وحدها، بل تستند إلى منظومة إلكترونية وبشرية متكاملة تقوم على المراقبة اللحظية والتحكّم بالتدفّقات البشرية على وفق أسس هندسية دقيقة.
وتبدأ هذه المنظومة من غرفة العمليات المركزية التي تمثّل العقل الرقمي للخطة التنظيمية، إذ تتابع حركة الزائرين عبر أكثر من 2000 كاميرا ذكية موزّعة في الصحن الشريف والحائر المبارك ومنطقة ما بين الحرمين الشريفين.
ولا تقتصر مهمة هذه الكاميرات على الرصد البصري، بل تعتمد تقنيات تحليل الكثافة البشرية التي تقيس حجم التجمّعات على نحوٍ مستمر، وتُطلق إنذارات أوتوماتيكية عند وصول الكثافة إلى 4 أشخاص في المتر المربّع الواحد، ما يتيح توجيه الفرق الميدانية فوراً لإعادة توزيع الحشود أو تغيير مسارات الحركة قبل تشكّل أي نقطة اختناق.
وعلى الأرض، تُطبّق العتبة العبّاسية المقدّسة مبدأ (الاتجاه الواحد) في إدارة حركة الزائرين، عبر تخصيص أبواب محدّدة للدخول فقط، مثل باب القبلة وباب بغداد، وأخرى للخروج فقط، مثل باب العلقمي وباب الإمام علي الهادي (عليه السلام).
ويمنع هذا الفصل الجغرافي حدوث التقاء مباشر بين تيارات الحشود المتعاكسة، الأمر الذي يقلّل على نحوٍ كبير من احتمالات التصادم والتدافع.
ولتعزيز السيطرة على التدفّق البشري، جرى نشر أكثر من 500 حاجز متحرّك في المحاور الرئيسة ومناطق الزخم، لتشكيل مسارات تنظيمية لولبية ومتموّجة تعمل على امتصاص الضغط البشري وتقليل سرعة التدفّقات المفاجئة، بما يحافظ على انسيابية الحركة ويمنع تشكّل موجات الازدحام الخطرة.
أما خلال ذروة عزاء (ركضة طويريج)، التي تُعدّ أكثر مراحل الزيارة حساسية من الناحية التنظيمية، فقد خُصّصت إجراءات استثنائية لضمان سلامة المشاركين.
وشملت هذه الإجراءات فرش مداخل العتبة ومخارجها بالسجاد الأحمر المغطّى بطبقة من الرمل والتراب على مساحة تتجاوز 10 آلاف متر مربّع، بهدف تقليل احتمالات الانزلاق أثناء الجري الجماعي الكثيف.
كما جرى فتح جميع الأبواب الافقية للعتبة العبّاسية المقدّسة وتوسعة ممرّات السير المؤدّية إلى الصحن الشريف، لتصل سعة بعض الممرّات إلى أكثر من 11 متراً عرضاً لكل باب، بما يسمح باستيعاب التدفّق المليوني السريع الذي يمرّ خلال ثوانٍ معدودة من دون تعطيل أو اختناق.
قماش الساران.. مضلة لتخفيف أشعة الشمس
ضمن منظومة الإجراءات الهادفة إلى الحدّ من آثار الارتفاع الكبير في درجات الحرارة، نفّذ قسم الصيانة والإنشاءات الهندسية في العتبة العبّاسية المقدّسة حملةً واسعةً ؛ بنشر قماش الساران في محيط العتبة المقدسة والشوارع المؤدّية إليها.
وبلغت المساحات التي انجز فيها العمل نحو 37 ألف مترٍ مربّعٍ من الساران، وُزّعت على وفق معايير فنّية مدروسة لتوفير أكبر قدرٍ ممكنٍ من الظلّ على مسارات الزائرين والمعزّين.
وتواصل الملاكات الفنّية أعمال نشر قماش الساران في عددٍ من المواقع الحيوية، بهدف تقليل تأثير أشعّة الشمس المباشرة وتهيئة بيئة أكثر راحةً خلال الزيارات المليونية، ولا سيّما في أوقات الذروة التي تشهد كثافات بشرية عالية.
مراوح الرذاذ ومرشات المياه
في معركةٍ صامتةٍ ضدّ لهيب الصيف ودرجات الحرارة المرتفعة، سخّرت العتبة العبّاسية المقدّسة شبكةً متكاملةً من منظومات الرذاذ لتلطيف الأجواء وتأمين بيئة أكثر راحةً لملايين الزائرين في الشوارع ومحاور السير المؤدّية إلى مرقد ابي الفضل العباس (عليه السلام).
وتتصدّر منطقة ما بين الحرمين الشريفين هذه المنظومة الخدمية، عبر تشغيل أكثر من 20 خطاً رئيساً لمرشّات الرذاذ، تضمّ نحو 400 نوزل (بخاخ) تعمل بالتناوب على نشر رذاذٍ مائيّ دقيق يسهم في خفض درجة الحرارة المحيطة بمعدّل يصل إلى 10 درجات مئوية، ما يوفّر متنفّساً حيوياً للحشود خلال أوقات الذروة.
ولضمان استمرارية عمل المنظومة بكفاءة عالية، جُهّزت بأربع مضخّات ضغطٍ عالٍ متطوّرة، تبلغ طاقة الضخّ للواحدة منها 21 لتراً من الماء في الدقيقة، وتستمدّ احتياجاتها من خزّانات مخصّصة تبلغ سعتها 30 ألف لتر، بما يضمن استمرار تدفّق الرذاذ على مدار ساعات الزيارة.
وامتدّت شبكة التبريد إلى أهمّ محاور حركة الزائرين؛ إذ جرى نصب وتوزيع 20 مروحة رذاذ عملاقة على امتداد شارع العلقمي، إلى جانب 10 مراوح إضافية في الحائر الشريف الممتدّ من باب العلقمي إلى باب الإمام علي الهادي (عليه السلام)، فضلاً عن تعزيز منظومة المراوح في شارع باب قبلة مرقد أبي الفضل العباس (عليه السلام)، فضلا عن مدافع المياه والتي بلغ عددها الكلي 17 مدفع رذاذ، توزعت بواقع 8 مدافع في منطقة ما بين الحرمين، و9 مدافع مخصصة للصيانة الهندسية تسهم في تلطيف الأجواء والتقليل من درجات الحرارة العالية.
وبهذه الشبكة المتكاملة من المرشّات والمراوح العملاقة، تحوّلت المياه إلى خطّ دفاعٍ ميدانيّ فعّال في مواجهة الإجهاد الحراري، وأسهمت التقنيات الخدمية الحديثة في صناعة طوقٍ من البرودة حول الحشود المليونية، لتجعل من مسارات الزيارة فضاءاتٍ أكثر أمناً وراحةً رغم قسوة المناخ وازدحام المكان.
منظومة تبريد متكاملة لخدمة الزائرين
في قلب الزخم المليوني الذي تشهده العتبة العبّاسية المقدّسة خلال الزيارات الكبرى، تعمل منظومة التبريد المركزي بوصفها أحد أهم خطوط الحماية الخدمية التي تضمن استقرار البيئة الداخلية للحرم الشريف وسراديبه، وتحافظ على راحة الزائرين على الرغم من الارتفاع الكبير في درجات الحرارة والكثافات البشرية غير المسبوقة.
وقد بلغت الطاقة التشغيلية لمنظومة التبريد المركزية 5587 طن داخل الحرم والصحن الشريف والسراديب.
ولا تقتصر أهمية المنظومة على التبريد فحسب، بل تمتدّ إلى إدارة جودة الهواء داخل الفضاءات المغلقة؛ إذ تُدار جميع الأجهزة عبر نظام إدارة المباني الإلكتروني (BMS) الذي يتولّى مراقبة وتشغيل المنظومة لى نحوٍ آليٍ دقيقٍ، بما يضمن استقرار تدفّق الهواء النقي وتجديد الأوكسجين على نحو مستمر ، ويسهم في الحدّ من مخاطر الاختناق أو تراجع جودة الهواء مع تزايد أعداد الزائرين.
كما شملت جهود العتبة المقدسة تزويد سرداب صحن ام البنين (عليها السلام) بـ 315 طن من التبريد، فضلا عن نشر 70 مبردة في منطقة بين الحرمين الشريفين، بهدف خلق بيئة مناخية مستقرة، قادرة على استيعاب الزائرين، ضمن الخطة الخدمية للعتبة العبّاسية المقدّسة في مواسم الزيارات الكبرى.
بالأرقام.. إنتاج معامل الماء والثلج
تستند جهود انتاج المياه والثلج في العتبة العباسية المقدسة إلى قاعدة إنتاجية متكاملة تعمل على مدار الساعة لتأمين احتياجات الزائرين والمواكب الحسينية خلال الأيام العشر الأولى من شهر المحرم الحرام.
فقد سخّرت العتبة المقدسة مجموعة من المعامل المتخصصة لإنتاج المياه والثلج بطاقة عالية تواكب حجم الزخم البشري المتزايد.
في محور إنتاج الثلج، يواصل معمل ثلج سقاء 2 رفد المواكب الحسينية بنحو 3 آلاف قالب ثلج يومياً، فيما ينتج معملا الثلج البلوري العلقمي والفرات ما يقارب3 آلاف كيس يومياً من الثلج النقي المستخدم في تبريد المياه والعصائر والمشروبات المقدمة للزائرين. كما تبلغ الطاقة الإنتاجية لمعامل الثلج في مجمع أبي الفضل العباس (عليه السلام) نحو 96 طناً من الثلج يومياً، بما يضمن استمرارية التجهيز لمختلف مواقع الخدمة.
أما في جانب إنتاج المياه، فقد واصل معمل مياه الكفيل خلال الأيام العشرة الأولى من شهر المحرم الحرام إنتاج ما يصل إلى 100 ألف كارتون من مياه الشرب، فيما بلغت كميات المياه المعبأة المجهزة إلى قسم الشؤون الخدمية في العتبة المقدسة - فقط6 - ملايين كاسة ماء معبأة و1123 كارتوناً منها، في إطار دعم الخدمات المقدمة للزائرين والمعزين.
كما يشرف قسم المشاريع الهندسية داخل المدينة القديمة على إنتاج 100 ألف لتر يومياً من مياه الشرب، إلى جانب 86 ألف لتر يومياً من المياه متعددة الاستخدامات التي تُسخّر للأغراض الخدمية المختلفة، بما يسهم في تعزيز جاهزية المواكب الحسينية ومواقع الخدمة وتأمين متطلباتها الأساسية طوال أيام الزيارة.
وتم توزيع 7,000 منتج من منتجات الكفيل، فيما تُضخ يوميًا 40,000 لتر من مياه الشرب المبردة. كما جرى رفد المواكب والهيئات الحسينية بـ 2,000 قالب ثلج كبير يوميًا، إلى جانب 2,000 كيس من الثلج البلوري النقي. كذلك تم دعم قسم بين الحرمين الشريفين بموكب خدمي يضم 10,000 صندوق من مياه الشرب، فضلًا عن تخصيص 9,000 لتر يوميًا لأغراض الطبخ وإعداد الوجبات الغذائية.
وتعكس هذه الأرقام حجم البنية الإنتاجية التي تقف خلف مشروع السقاية والتبريد، والتي تشكل ركيزة أساسية في منظومة الخدمات المقدمة للزائرين، وتؤكد الاستعداد المبكر لتلبية الاحتياجات المتزايدة خلال مواسم الزيارات المليونية.
وفي إطار دعم المواكب الحسينية المنتشرة داخل المدينة القديمة، يجري توزيع 7,000 صندوق يومياً من مياه الشرب المعبّأة من منتجات الكفيل، تشمل الكاسات والقناني المخصّصة للزائرين والمعزّين، فيما تُضخّ يومياً 40,000 لتر من مياه الشرب المبردة والنقيّة المنتجة بتقنية (RO) إلى حافظات ومناهل المياه المنتشرة داخل الصحن الشريف والحائر المبارك.
وترفد المواكب والهيئات الحسينية يومياً بـ 2,000 قالب ثلج كبير، إلى جانب 2,000 كيس من الثلج البلوري النقي.
كما رفد قسم بين الحرمين الشريفين موكبه الخدمي بـ 10 آلاف صندوق من مياه الشرب دعماً للمعزّين والزائرين، بما ينسجم مع حجم الزخم البشري المتزايد خلال الزيارة، في وقت يواصل فيه موكب العتبة العبّاسية المقدّسة عند باب قبلة مرقد أبي الفضل العباس (عليه السلام) تقديم خدماته اليومية ومنها مياه الشرب والمشروبات الباردة، لتأمين احتياجات الوافدين وتسهيل أدائهم لمراسم الزيارة، ولا سيّما في ظلّ الارتفاع الكبير بدرجات الحرارة.
ولم تقتصر الخدمات المقدمة على ذلك، بل شملت أيضاً توفير المياه الخدمية للمواكب الحسينية والتي تُستخدم في أعمال التنظيف وغسل الأواني، فضلاً عن تخصيص 9,000 لتر يومياً لأغراض الطبخ وإعداد الوجبات الغذائية.
الخدمات العلاجية والإسعافية
لم تعتمد الخطة الخدمية للعتبة العبّاسية المقدّسة على البنى التحتية ومنظومات التبريد وحدها، بل استندت إلى منظومة إسناد بشري وصحي واسعة شكّلت خطّ الدفاع الأول في حماية الزائرين والتعامل مع الحالات الطارئة وسط الزخم المليوني الذي تشهده مدينة كربلاء خلال أيام عاشوراء.
فعلى المستوى الصحي، أعدّ قسم الشؤون الطبية خطة متكاملة لتقديم الخدمات العلاجية والإسعافية، شملت تنظيم دورة متخصّصة في الإسعافات الأولية لأكثر من 100 متدرّب من الفرق التطوعية، بهدف رفع الجاهزية الميدانية وتعزيز سرعة الاستجابة للحالات الطارئة.
ومع بدء تنفيذ الخطة، نشر القسم 30 عجلة إسعاف و11 مفرزة طبية في المواقع الحيوية ومسارات حركة الزائرين، إلى جانب تخصيص أكثر من 75 سريراً طبياً لاستقبال الحالات المرضية والإصابات الطارئة، فضلاً عن إشراك 6,004 متطوّع من الملاكات الطبية والصحية لدعم الجهد العلاجي والإسعافي على مدار الساعة.
كما انتشرت المفارز الطبية الثابتة والجوّالة التابعة للعتبة العبّاسية المقدّسة في مختلف المحاور، وهي مزوّدة بـ«حقائب إسعافية حرارية» تحتوي على المستلزمات الضرورية للتعامل الفوري مع حالات هبوط الضغط والإجهاد الحراري وضربات الشمس، بما يضمن تقديم الرعاية الأولية في موقع الحدث دون تأخير، قبل نقل الحالات التي تتطلب تدخلاً أوسع إلى المراكز العلاجية.
ولأنّ الدقائق الأولى قد تحدد مسار الحالة بين الاستقرار والخطر، جرى دعم المنظومة بعجلات إسعاف صغيرة ووسائط كهربائية متحرّكة قادرة على اختراق الأزقّة الضيّقة للمدينة القديمة والوصول السريع إلى مواقع الازدحام، تمهيداً لنقل الحالات الحرجة إلى نقاط الإخلاء والعربات الإسعافية الخارجية.
ألف يدٍ تمتدّ لخدمة الزائرين
شكّل المتطوّعون أحد أبرز مرتكزات الخطة الخدمية للعتبة العبّاسية المقدّسة، إذ شارك أكثر من 1,000 متطوّع في إدارة الجهد الميداني ودعم الخدمات المقدّمة للزائرين.
وانتشرت هذه الطاقات البشرية على امتداد محاور الزيارة ومواقع الخدمة، لتؤدي أدواراً متعدّدة شملت إسناد الأقسام الخدمية، وتوزيع مياه الشرب، وإرشاد الحشود نحو المسارات المظلّلة ومناطق الاستراحة، فضلاً عن مراقبة حالات الإجهاد الحراري والإعياء بين الزائرين والتدخّل السريع ، لتقديم المساعدة الأولية وإحالة الحالات التي تتطلّب رعاية متخصّصة إلى المفارز الطبية المنتشرة في الميدان.
وبهذا الحضور الواسع، تحوّل المتطوّعون إلى شبكة دعمٍ بشرية متكاملة أسهمت في تعزيز انسيابية حركة الحشود ورفع مستوى الخدمات المقدّمة، لتجسّد روح التكافل والعطاء التي تميّز مواسم الزيارات المليونية.
ما وراء الأرقام.. طوق نجاةٍ لملايين الزائرين؟
لم تكن آلاف الأمتار من المظلّات، ولا مئات مراوح الرذاذ، ولا ملايين اللترات من المياه مجرّد خدماتٍ موسمية، بل جاءت ضمن رؤيةٍ متكاملة هدفها الاستراتيجي الأول حماية الأرواح وإدارة واحدة من أكبر التجمعات البشرية في العالم بأعلى مستويات السلامة الحرارية والتنظيمية.
ففي الجانب الصحي، سعت الخطة إلى الوقاية من الأزمات الحرارية الحادّة قبل وقوعها، عبر تقليل احتمالات الإصابة بضربات الشمس والإجهاد الحراري والجفاف، وهي المخاطر الأكثر تهديداً للحشود المليونية خلال فصل الصيف.
وقد أسهمت منظومات التبريد والرذاذ وتوفير المياه الباردة في الحدّ من الارتفاع المفاجئ في درجات حرارة أجساد الزائرين، وتقليل احتمالات الإغماء والحالات الطارئة المرتبطة بالإرهاق الحراري، الأمر الذي انعكس مباشرةً على تخفيف الضغط عن المفارز الطبية والمراكز العلاجية، ومنح الكوادر الصحية قدرة أكبر على التركيز على الحالات الحرجة.
أما خلال «ركضة طويريج»، التي تمثّل ذروة الكثافة البشرية وسرعة الحركة في يوم عاشوراء، فقد أدّت المنظومات الخدمية دوراً يتجاوز توفير الراحة إلى تأمين السلامة العامة للحشود.
فمع التدفّق البشري الهائل وما يرافقه من ارتفاع في الحرارة الناتجة عن التزاحم والحركة المستمرة، تحوّلت منظومات التبريد والرذاذ إلى مصدّات حرارية حقيقية أسهمت في منع الاختناق الحراري والمحافظة على قدرة الزائرين على مواصلة الحركة بأمان.
كما ساعدت المسارات المظلّلة والمبرّدة على الحفاظ على انسيابية حركة الحشود ومنع التوقّف المفاجئ أو التجمّع العشوائي بحثاً عن الظلّ أو الماء، وهو ما أسهم في تقليل مخاطر التدافع وحماية الفئات الأكثر عرضة للخطر، ولا سيّما كبار السن والأطفال.
وفي البعد الخدمي والعبادي، هدفت الخطة إلى توفير بيئة مستقرة تمكّن الزائر من أداء مراسم الزيارة والشعائر الدينية بأقلّ قدرٍ ممكن من المعاناة الجسدية الناتجة عن حرارة الطقس، بما يسمح له بالتركيز على الجانب الروحي للزيارة.
كما شكّلت منظومة السقاية والإمداد المائي ركيزةً أساسية في دعم آلاف المواكب الحسينية، عبر توفير المياه والثلج بصورة مستمرة، لضمان استمرار خدمات الإطعام والسقي والرعاية المقدّمة للزائرين دون انقطاع.
وبذلك، لم تكن هذه الجهود سلسلة إجراءات خدمية متفرّقة، بل منظومة متكاملة لإدارة المخاطر وحماية الإنسان، نجحت في تحويل التحدّي المناخي والزخم البشري الهائل إلى أنموذج متقدّم في التنظيم والسلامة والخدمة خلال واحدة من أكبر المناسبات الدينية في العالم.
























































