الى

كيف تُدير العتبة العباسية أكبر تدفق بشري خاطف في العالم؟

ركضة طويريج.. حين تركض الملايين نحو نداءٍ عمره أربعة عشر قرناً

تتجلّى ركضة طويريج بوصفها واحدةً من أعظم تجليات الحضور الحسيني في العالم، حتى غدت أكبر تجمعٍ عزائيٍّ يموج به يوم العاشر من شهر محرم الحرام، حيث لا يعود الحزن فكرةً ساكنة، بل يتحول إلى حركةٍ بشرية جارفة تتجه نحو مرقد الإمام الحسين (عليه السلام) في مشهدٍ يتجاوز الوصف ويقترب من الأسطورة الحية.

في ساعاتٍ قليلة، تنفلت الجموع من سكونها لتصبح نهراً من البشر، تتدفق فيه الملايين كأنها موجٌ واحد، يختلط فيه الإيمان بالدمعة، والولاء بالخطوة، والذاكرة بالجسد. هناك، لا يُقاس الزمن بالدقائق، بل بعمق الشوق إلى كربلاء، حيث كل قلبٍ يركض قبل القدم، وكل دمعةٍ تسبق الخطى.

يمشي الناس حفاةً كأن الأرض لا تُراد إلا كما هي، بلا حواجز بين الجسد والمصاب، وكأنهم يستعيدون ألم التاريخ بقدميهم، ويكتبون على تراب كربلاء معنى المواساة في أبسط صورها وأعمقها في آنٍ واحد. رجالٌ ونساء، شيوخٌ وشباب، من كل لونٍ ولسان، يتساوون في لحظةٍ واحدة، تتلاشى فيها المسافات الاجتماعية لتبقى مسافة واحدة فقط: المسافة إلى الحسين (عليه السلام).

ومع انطلاق الركضة، تتوحّد الأصوات كما تتوحّد الخطوات؛ تتكسّر حدود اللغة أمام نداءٍ واحدٍ يتردّد كنبضٍ لا ينقطع: «لبيك يا حسين». نداءٌ لا يُقال فحسب، بل يُعاش، كأنه عهدٌ يُجدد مع كل خطوة، ومع كل دمعةٍ تسقط على طريق الطف.

ولعلّ سرّ هذه الملحمة لا يكمن في حجمها المليوني فحسب، بل في قدرتها على تحويل الحزن الفردي إلى بحرٍ من الوجدان الجمعي، إذ يصبح كل مشارك مرآةً لآخر، وكل دمعة امتداداً لدمعةٍ سبقتها منذ أربعة عشر قرناً. هناك، لا يعود الحزن ملكاً لشخص، بل يصير وطناً مشتركاً من الألم النبيل والوفاء الذي لا يبهت.

وهكذا، تبقى ركضة طويريج أكثر من شعيرة؛ إنها نبضٌ سنويٌّ يعيد كربلاء إلى الحياة في قلوب الملايين، ومشهدٌ تتقاطع فيه الأرض مع السماء على إيقاع اسمٍ واحد لا ينطفئ: الحسين (عليه السلام).



يدركون الفتح بنداء «لبيك يا حسين»

لم تولد ركضة طويريج بقرارٍ تنظيمي أو دعوةٍ رسمية، بل وُلدت من لحظةٍ وجدانية صادقة انفجرت فيها المشاعر الحسينية حتى تحولت إلى حركةٍ جماعية خالدة.

فمنذ أكثر من قرن، لم تكن تلك الخطوات المتسارعة سوى ترجمةٍ عملية لنداء الولاء الذي استقر في القلوب قبل أن تنطق به الألسن: «لبيك يا حسين» .

وتعود البدايات التاريخية لهذه الشعيرة إلى سنة 1303هـ، الموافق تقريباً لعام 1885م، حين كانت مدينة (طويريج)، المعروفة اليوم بقضاء الهندية، تعيش أجواء عاشوراء بكل ما تحمله من حزنٍ واستذكارٍ لمأساة كربلاء.

وفي بيت أسرة آل القزويني، الذي عُرف باحتضانه للمجالس الحسينية وإحياء الشعائر الدينية، كانت الجموع تتوافد في اليوم العاشر من شهر محرم للاستماع إلى قراءة المقتل الحسيني واستحضار تفاصيل الفاجعة التي هزّت ضمير التاريخ.

وفي ذلك اليوم، كان السيد صالح القزويني يقرأ وقائع المأساة أمام حشود المعزين ، ومع وصول القراءة إلى الساعات الأخيرة من نهضة الإمام الحسين (عليه السلام)، ارتفعت أصوات البكاء والعويل، وبلغ التأثر مداه حتى بدا وكأن الحاضرين يعيشون الحدث لحظةً بلحظة، لا روايةً تُتلى من صفحات التاريخ.

كانت القلوب تخفق بحرارة الفقد، والدموع تنهمر بلا انقطاع، فيما أخذت المشاعر الجماعية تتصاعد بصورةٍ عفوية لا يمكن احتواؤها.

عند تلك اللحظة الاستثنائية، عبّر المعزون عن رغبتهم في تحويل الحزن إلى موقفٍ عملي، فطلبوا من السيد صالح القزويني أن يتقدمهم نحو مرقد الإمام الحسين (عليه السلام) لتقديم العزاء بصورةٍ تجسد الاندفاع لنصرته لو كانوا حاضرين يوم الطف.

لم يكن الأمر مخططاً له مسبقاً، بل جاء استجابةً فطرية لعاطفةٍ جياشة تجاوزت حدود المجلس وجدرانه.

استجاب السيد القزويني لذلك النداء الشعبي، فامتطى فرسه وانطلق باتجاه كربلاء، فيما اندفعت خلفه الحشود مهرولة وهي تردد هتافات الحزن والولاء.

كان المشهد أشبه بإعلانٍ رمزي عن الالتحاق المتأخر بركب الحسين؛ رجالٌ يركضون بقلوبٍ متلهفة، ودموعٍ حارّة، وأصواتٍ تتعالى بالندبة والعزاء، وكأنهم يسابقون الزمن للوصول إلى ساحة الطف قبل وقوع الفاجعة.

ومنذ تلك اللحظة، تحولت المبادرة العفوية إلى تقليدٍ شعائري راسخ، تتناقله الأجيال جيلاً بعد جيل، حتى غدت ركضة طويريج واحدةً من أكبر التجمعات الدينية في العالم.

ولم تعد مجرد مسيرٍ سريع نحو المرقد الحسيني، بل أصبحت تجسيداً حياً لمعاني النصرة والوفاء، واستحضاراً عملياً لنداء «هل من ناصرٍ ينصرني»، الذي ما زال يجد صداه في ضمائر الملايين.

إن سرّ بقاء هذه الشعيرة لا يكمن في بعدها التاريخي فحسب، بل في قدرتها على إعادة إنتاج المشهد الوجداني نفسه كل عام؛ فالمشاركون لا يرون أنفسهم مجرد زائرين أو معزين، بل يستشعرون أنهم جزءٌ من موقفٍ أخلاقي متجدد، يعلنون من خلاله أن قضية الحسين (عليه السلام) لم تُطوَ صفحاتها بانتهاء معركة كربلاء، بل بقيت حيةً في وجدان الأمة، تستنهض الضمائر وتستدعي الوفاء جيلاً بعد جيل.

ولهذا، حين تتعالى أصوات الملايين مرددةً «لبيك يا حسين»، لا يكون النداء مجرد شعارٍ يُهتف به، بل عهداً متجدداً بالانتماء إلى قيم الحق والعدل والكرامة التي استشهد من أجلها الإمام الحسين (عليه السلام)، وإعلاناً بأن الفتح الحقيقي يبدأ من استجابة القلب قبل اندفاع القدم، ومن صدق الولاء قبل سرعة الوصول.



دلالاتٌ تسبق خطى المهرولين

لا تمثّل ركضة طويريج مجرد حركة جماعية نحو مرقد الإمام الحسين (عليه السلام)، بل تختزن في عمقها منظومة واسعة من الدلالات الروحية والرمزية والاجتماعية التي تفسّر سرّ استمراريتها واتساعها عاماً بعد آخر.

ففي بعدها الرمزي، تجسّد الركضة استجابةً وجدانية لنداء الاستغاثة الحسيني الخالد: «أما من ناصرٍ ينصرنا؟».

وكأنّ الملايين يطوون المسافات والأزمنة معاً، ملبّين النداء الذي ما زال يتردد في ضمير الإنسانية، في مشهدٍ يستحضر النصرة المتأخرة بصدقٍ لا يخبو.

أما في بعدها النفسي، فإن الهرولة السريعة، وحسر الرؤوس، وحفاء الأقدام، تعكس حالةً من الذهول والصدمة الروحية؛ أشبه بمن يهبّ مذعوراً عند سماع نبأ فاجعةٍ أصابت أعزّ الناس إليه.

وفي خضم هذا المشهد المهيب، يندمج المشاركون في حالةٍ من الانصهار الوجداني الجماعي، فتتلاشى الفوارق الفردية أمام سطوة الحزن المشترك، ويعلو صوت البكاء على كل صوت.

وفي بعدها الاجتماعي، تمثّل الركضة صورةً نادرة للمساواة الإنسانية؛ إذ يركض الجميع، من مسؤولين وعلماء وأكاديميين وعمال، حفاة الأقدام ومتقاربين في الهيئة والمظهر.

هناك تتوارى الألقاب والمناصب والامتيازات، ليذوب الجميع في هويةٍ واحدة عنوانها الخدمة والعزاء والولاء.

كما تحمل الركضة دلالةً واضحة على التحدي والصمود في مواجهة محاولات القمع السياسي التي تعرّضت لها عبر مراحل مختلفة من التاريخ، ولا سيما خلال العهد البعثي.

فقد تحوّل الإصرار على إقامتها،على الرغم مما كان يرافقها من عقوباتٍ قاسية وتهديداتٍ بالاعتقال أو الإعدام، إلى رمزٍ لانتصار الهوية العقائدية على إرادة القمع والاستبداد.

ومن زاويةٍ أخرى، تكشف الركضة عن مستوى استثنائي من الانضباط والتنظيم الذاتي؛ فهي تُعدّ واحدةً من أكبر ظواهر إدارة الحشود البشرية في زمنٍ قصير جداً.

فخلال ساعات معدودة، تتدفق الملايين عبر ممرات وأبواب محدودة، من دون تخطيطٍ مركزي مباشر للمشاركين، مدفوعةً بانضباطٍ روحي وأخلاقي فريد أسهم في الحدّ من الحوادث مقارنةً بضخامة هذا التجمع المليوني.

وهكذا تبقى ركضة طويريج ظاهرةً تتجاوز حدود الطقس الشعائري، لتغدو تعبيراً حيّاً عن الذاكرة الجمعية، والولاء العقائدي، والتلاحم الإنساني الذي يجد في الحسين (عليه السلام) نقطة التقاءٍ لا تنطفئ.



من قنطرة السلام إلى ضريح الوفاء

مع انقضاء صلاة الظهرين في اليوم العاشر من محرم الحرام، وفي التوقيت الذي يرمز إلى اللحظات الأخيرة من حياة الإمام الحسين (عليه السلام) في أرض كربلاء، تبدأ ركضة طويريج فصلاً جديداً من فصول المواساة الحسينية التي تتجدد كل عام.

وتنطلق الحشود المليونية من منطقة قنطرة السلام، الواقعة شرق مدينة كربلاء المقدسة، لتبدأ رحلةً قصيرة في المسافة، لكنها عميقة في معناها ودلالاتها.

فهناك، تتجمع الجموع وقد امتزجت الدموع بالهتافات، واستعدت القلوب قبل الأقدام للاندفاع نحو قبلة العزاء ومهوى أفئدة المحبين.

ومع لحظة الانطلاق، يتحول المكان إلى موجٍ بشري متدفق، يهرول المشاركون حفاة الأقدام في مشهدٍ مهيب يستحضر حرارة الفاجعة وعظمة المصاب.

تتسارع الخطى وكأنها تحاول اختزال أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمن، للوصول إلى كربلاء قبل أن تقع المأساة، أو للمشاركة في نصرةٍ تأخرت أجساد أصحابها وبقيت أرواحها حاضرة.

وتتجه الجموع أولاً نحو مرقد الإمام الحسين (عليه السلام)، حيث تتجدد معاني العهد والولاء، ثم تواصل مسيرها عبر ساحة ما بين الحرمين الشريفين، ذلك الفضاء الذي يغدو في عاشوراء نهراً متدفقاً من المحبة والإخلاص، قبل أن تختتم الركضة عند مرقد أخيه أبي الفضل العباس (عليه السلام)، حامل لواء النهضة الحسينية ورمز الوفاء والفداء.

وخلال هذه المسيرة المهيبة، ترتفع أصوات الملايين بنداءاتٍ حفظتها الذاكرة الحسينية جيلاً بعد جيل، فتتعالى صيحات: «لبيك يا حسين»، و«يا لثارات الحسين»، في مشهدٍ يهزّ الوجدان ويختصر فلسفة الركضة بأكملها.

فهذه الهتافات ليست مجرد كلمات تُردَّد، بل هي إعلانٌ متجدد عن الحضور المعنوي في ساحة الطف، واستجابةٌ وجدانية لنداء الإمام الحسين (عليه السلام): «ألا هل من ناصرٍ ينصرنا؟».

وهكذا تتحول ركضة طويريج إلى لوحةٍ إنسانية وروحية فريدة، تتوحد فيها الملايين تحت راية الحسين، وتلتقي فيها الدموع بالخطوات، والذكرى بالفعل، والعزاء بالعهد المتجدد على نصرة قيم الحق والكرامة التي استشهد من أجلها سيد الشهداء (عليه السلام).



ركضة طويريج في مواجهة المنع

منذ انطلاق ركضة طويريج أواخر القرن التاسع عشر، واجهت هذه الشعيرة الحسينية محطات متعددة من التضييق والرقابة، إلا أنها استطاعت الحفاظ على حضورها في الوجدان الشعبي، لتتحول مع الزمن إلى واحدة من أبرز الشعائر الدينية في العالم الإسلامي.

وخلال العهد العثماني، كانت الشعائر الحسينية تخضع في بعض المراحل لرقابة السلطات المحلية تبعاً للظروف السياسية والأمنية السائدة آنذاك، لكنّ المصادر التاريخية لا تشير إلى قرار شامل أو مستمر يقضي بمنع ركضة طويريج على وجه التحديد.

وقد استمرت المجالس الحسينية ومظاهر العزاء في كربلاء والمدن المجاورة مع تعرضها أحياناً لموجات من التضييق الإداري أو التقييد المؤقت.

أما خلال فترة الاحتلال البريطاني للعراق (1917–1932)، فقد بقيت الشعائر الحسينية حاضرة في المشهد الاجتماعي والديني، رغم الحساسية التي كانت تبديها السلطات تجاه التجمعات الجماهيرية الكبرى، ولا سيما في الفترات التي شهدت توترات سياسية أو حركات احتجاجية.

وفي العهد الملكي (1921–1958)، استمرت ركضة طويريج وسائر الشعائر الحسينية بإقامتها بصورة علنية، مع تسجيل بعض القيود الإدارية المتفرقة المرتبطة بالوضع الأمني أو بتنظيم الحشود، لكنها لم تصل إلى مستوى المنع الشامل.

أما مرحلة الحكم البعثي فتمثل الحقبة الأشد قسوة في تاريخ الركضة ، فمنذ أواخر سبعينيات القرن العشرين بدأت السلطات بتقييد الشعائر الحسينية ومراقبتها بصورة متزايدة، ووضعت خططاً أمنية وإعلامية للحد من المشاركة فيها.

وتشير وثائق رسمية إلى إجراءات اتخذت خلال الثمانينيات لمنع أو إضعاف ركضة طويريج، شملت الملاحقات الأمنية والاعتقالات والضغوط على المنظمين والمشاركين.

وفي عام 1991م، وبعد أحداث الانتفاضة الشعبانية، صدر قرار بمنع الركضة بصورة كاملة، واستمر الحظر حتى سقوط النظام عام 2003م.

وخلال تلك السنوات كان كثيراً من المؤمنين يحيون الشعيرة بصورة محدودة أو سرية، معرضين أنفسهم لخطر الاعتقال والعقوبات القاسية.

كما تكشف وثائق أمنية عن صدور أحكام بالسجن بحق مشاركين في الركضة خلال أواخر الثمانينيات، فضلاً عن حملات واسعة لملاحقة القائمين عليها.

وبعد عام 2003م عادت ركضة طويريج إلى العلن بقوة غير مسبوقة، وتحولت إلى تظاهرة مليونية عالمية يشارك فيها الملايين من داخل العراق وخارجه، مؤكدةً قدرة الشعائر الحسينية على البقاء والتجدد رغم عقود التضييق والمنع.

وعرض المتولي الشرعي للعتبة العباسية المقدسة ووكيل المرجعية الدينية العليا، سماحة العلامة السيد أحمد الصافي، خلال كلمته الرسمية في مراسم استبدال راية قبة مرقد أبي الفضل العباس (عليه السلام) إيذاناً ببدء شهر محرم الحرام في الأول من محرم عام 1446 هـ - 2024 م ، وثائق رسمية سرية تعود إلى العهد السابق تكشف حجم الملاحقة والقمع الذي تعرض له المشاركون في ركضة طويريج وممارسو الشعائر الحسينية.

وثيقة صادرة عن مديرية أمن كربلاء تعود لعام 1410هـ، تتضمن أحكاماً صادرة من "محكمة الثورة" البائدة بالحبس لمدة 5 سنوات ومصادرة الأموال المنقولة وغير المنقولة بحق مواطنين؛ بتهمة "ممارسة اللطم والمشاركة في ركضة عزاء طويريج" في زيارة عاشوراء عام 1989م.

ووثيقة إعدام (1988م) بحق أحد المواطنين في أواخر عام 1987م، وكانت التهمة الموجهة إليه هي اشتراكه في ركضة طويريج يوم العاشر من المحرم.

وأكد السيد الصافي من خلال عرض هذه المستندات أن الجهود السلطوية السابقة كانت تهدف إلى تجفيف منابع هذه العقيدة، لكن الإصرار الشعبي حافظ على بقاء هذه الشعائر المليونية.



ساعاتٌ تسبق الهرولة

قبل ساعات من انطلاق ركضة طويريج في ظهر اليوم العاشر من محرم الحرام، تتحول مدينة كربلاء المقدسة إلى ورشة عمل متكاملة تعمل على مدار الساعة، تقودها الأمانة العامة للعتبة العباسية المقدسة عبر خطة استراتيجية واسعة النطاق، هدفها إدارة واحد من أعقد وأكبر التدفقات البشرية الخاطفة في العالم، والذي يشهد اندفاع ملايين المعزين خلال فترة زمنية قصيرة نحو مرقدي الإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس (عليهما السلام).

وتستند الخطة إلى منظومة أمنية وخدمية وطبية وإلكترونية متكاملة، تُنفذ بالتنسيق المباشر مع قيادة عمليات كربلاء، وقيادة شرطة المحافظة، والعتبة الحسينية المقدسة، وطبابة الحشد الشعبي، والدوائر الصحية والخدمية الساندة، لضمان انسيابية الحركة وسلامة الزائرين منذ لحظة انطلاق الركضة وحتى انتهائها.



ثلاثة أطواق لحماية الملايين

تعتمد الخطة الأمنية على تقسيم المدينة القديمة ومحيط العتبتين المقدستين إلى ثلاثة أحزمة أمنية متعاقبة؛ يبدأ الحزام الأول عند المداخل الخارجية لمدينة كربلاء، فيما يتمركز الحزام الثاني عند السيطرات المؤدية إلى مركز المدينة، أما الحزام الثالث فيحيط مباشرة بالعتبتين المقدستين والصحنين الشريفين.

ويهدف هذا الانتشار الأمني المتدرج إلى إجراء عمليات التفتيش والتدقيق اللازمة للحشود المليونية، مع المحافظة على انسيابية الحركة ومنع حدوث الاختناقات أو التوقفات المفاجئة.

كما تُعطى أهمية استثنائية لمنطقة قنطرة السلام، نقطة انطلاق الركضة، حيث تُخصص قوات أمنية وخدمية لتأمين الطريق الممتد لمسافة تقارب ثلاثة كيلومترات، مع منع تقاطعه مع حركة العجلات الخدمية والإسعافية لضمان بقاء المسار مفتوحاً أمام الراكضين.

وفي إطار الأمن الوقائي، تنتشر أعداد كبيرة من العناصر الأمنية بملابس مدنية داخل الحشود لرصد أي تحركات مشبوهة أو حالات قد تؤدي إلى إثارة الذعر والتدافع، فيما تتوزع مفارز راجلة مزودة بأجهزة اتصال لاسلكية حديثة على امتداد مسار الركضة للتدخل الفوري عند الحاجة.



إدارة الحشود بالخبرة والتقنية

يستنفر قسم حفظ النظام في العتبة العباسية المقدسة جميع ملاكاته، مدعوماً بآلاف المتطوعين المدربين على إدارة الحشود والأزمات، إذ يجري توزيعهم على شكل حواجز بشرية مرنة تعمل على توجيه حركة الزائرين وتنظيم تدفقهم ومنع التكدس في النقاط الحرجة.

كما تُدار حركة الملايين من خلال غرفة سيطرة مركزية متطورة ترتبط بمنظومة مراقبة إلكترونية واسعة تضم قرابة ألفي كاميرا ثابتة ومتحركة موزعة في المدينة القديمة ومحيط العتبتين المقدستين.

وتشمل المنظومة كاميرات متخصصة بعدّ الزائرين، وتقنيات التعرف على الوجوه، وكاميرات حرارية مدعومة بأنظمة الذكاء الاصطناعي، بما يتيح رصد أي حالة اختناق أو توقف غير طبيعي للحشود ومعالجتها فوراً عبر التوجيهات الميدانية المباشرة.

وفي الوقت نفسه، تُهيأ ممرات ومخارج طوارئ خاصة لا يستخدمها المشاركون في الركضة، لتبقى مخصصة لحركة سيارات الإسعاف وفرق الإنقاذ والإخلاء الطبي السريع.

كما تُفرض إجراءات أمنية مشددة على المجال الجوي للمدينة، تتضمن حظر تحليق الطائرات المسيّرة غير المصرح بها ونشر منظومات متخصصة لحماية الأجواء المحيطة بالحرمين الشريفين.



هندسة دقيقة لمسارات الدخول والخروج

ولضمان انسيابية حركة الملايين داخل الصحن الشريف، تُخصص العتبة العباسية أربعة أبواب للدخول فقط، هي: باب الإمام الحسن (عليه السلام)، وباب الإمام الحسين (عليه السلام)، وباب صاحب الزمان (عجل الله فرجه الشريف)، وباب الإمام موسى الكاظم (عليه السلام).

في المقابل، تُخصص خمسة أبواب للخروج فقط، هي: باب القبلة، وباب الإمام علي (عليه السلام)، وباب العلقمي، وباب الإمام علي الهادي (عليه السلام)، وباب الإمام محمد الجواد (عليه السلام)، وذلك لمنع التقاطع بين حركة الداخلين والخارجين وتقليل احتمالات التدافع.

كما يعمل قسم بين الحرمين الشريفين على فرش أكثر من عشرة آلاف متر مربع من السجاد الأحمر المبطن في الساحات والممرات الرئيسة ، لتوفير أرضية مناسبة لركض المعزين حفاة الأقدام.

فيما يتولى قسم رعاية الصحن الشريف فرش كميات كبيرة من الرمال النظيفة عند المداخل والمخارج لتشكيل منحدرات آمنة تساعد على انسيابية الحركة وتحد من الانزلاق وارتفاع حرارة الأرض.



جاهزية طبية على امتداد المسار

ونظراً للجهد البدني الكبير الذي يبذله المشاركون، تستنفر العتبة العباسية المقدسة وطبابة الحشد الشعبي ودوائر الصحة عشرات المفارز الطبية داخل الصحن الشريف وخارجه.

كما ينتشر المسعفون بين الحشود وهم يحملون حقائب الإسعافات الأولية والنقالات المتحركة للتعامل السريع مع حالات الإغماء والإجهاد أو الإصابات الطارئة، ونقلها مباشرة إلى المفارز الطبية أو إلى مركز السيد جعفر الحلي للخدمات الطبية أو مستشفى الكفيل التخصصي.

وتدعم هذه الجهود أكثر من ثلاثين عجلة إسعاف مجهزة بأحدث الأجهزة الطبية ومستلزمات الإنعاش والأوكسجين، فضلاً عن عجلات الإسناد التابعة لوزارة الصحة، إضافة إلى عشرات المسعفين المتطوعين المشاركين في مشروع فتية الكفيل الوطني.



عطاءٌ لا يتوقف

ولا تقتصر الاستعدادات على الجوانب الأمنية والطبية، بل تمتد إلى منظومة خدمية واسعة تعمل على تلبية احتياجات الملايين من الزائرين.

فمحطات تنقية المياه التابعة للعتبة العباسية المقدسة تضخ ملايين اللترات من المياه المبردة للشرب، بالتزامن مع تشغيل منظومات الرذاذ العملاقة ومراوح التبريد لترطيب الأجواء والتخفيف من آثار الحرارة على الراكضين.

كما يواصل مضيف العتبة العباسية المقدسة عمله على مدار الساعة، مقدماً ما بين مائة ألف إلى مائة وخمسين ألف وجبة طعام يومياً خلال أيام عاشوراء، تتوزع عبر منافذ متعددة لمنع الازدحام.

وتُفتتح منافذ إطعام إضافية في الشوارع الرئيسة المؤدية إلى الحرم الشريف، فيما يشرف قسم الشعائر والمواكب الحسينية على تنظيم ودعم أكثر من ألفي موكب خدمي داخل مدينة كربلاء وتجهيزها بالمياه والمواد الغذائية اللازمة.

كما تعمل أفران ومخابز العتبة بطاقتها القصوى لإنتاج أكثر من ثمانين ألف قرص من الخبز والصمون يومياً، لتلبية احتياجات المضيف والمواكب الخدمية المنتشرة على امتداد مسارات الزائرين.

وهكذا تتحول الساعات التي تسبق ركضة طويريج إلى واحدة من أعقد عمليات إدارة الحشود والخدمات في العالم،إذ تتكامل الجهود الأمنية والطبية والخدمية والتقنية في مشهدٍ استثنائي، هدفه تأمين سلامة الملايين وتمكينهم من إحياء هذه الشعيرة الخالدة بانسيابية وأمان، في لوحة تنظيمية وإنسانية فريدة تتكرر كل عام في كربلاء المقدسة.



الإعلام يسابق خطى المعزّين

في الوقت الذي تتدفق فيه الملايين نحو مرقدي الإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس (عليهما السلام)، تنطلق عدسات الإعلام وكاميراته لتسابق خطى المعزّين، ناقلةً إلى العالم واحدةً من أكبر وأعظم مشاهد العزاء الجماهيري في العصر الحديث.

فإعلام العتبة العباسية المقدسة لا يكتفي برصد الحدث، بل يتحول إلى عينٍ احترافية ونافذةٍ عالمية تنقل نبض ركضة طويريج وصداها المليوني لحظةً بلحظة، مستفيداً من أحدث التقنيات الرقمية والفضائية الحديثة.

وقد تجاوز دور الإعلام حدود التغطية الإخبارية التقليدية، ليؤسس منظومة إعلامية متكاملة تجمع بين التوثيق والبث والدعم اللوجستي والإسناد الفني للمؤسسات الإعلامية المحلية والعربية والدولية.

فالهدف لم يعد نقل صورة الحدث فحسب، بل تقديم رواية متكاملة تشرح أبعاده الإنسانية والعقائدية والحضارية، وتعرّف العالم بأحد أكبر التجمعات الدينية السلمية في العالم.

وفي قلب هذه المنظومة، يتولى مركز الكفيل للإنتاج الفني مهمة البث الفضائي المباشر للركضة، عبر توفير إشارات بث مجانية ومفتوحة وبدون شعارات تعريفية (Logo)، وبدقات بث عالية الجودة (HD) وتقنيات فائقة الوضوح (4K)، بما يتيح لأكثر من خمسين قناة فضائية محلية وعالمية نقل مراسم الركضة مباشرةً إلى ملايين المشاهدين داخل العراق وخارجه، دون أي عوائق تقنية أو مالية.

كما يوفّر إعلام العتبة العباسية دعماً ميدانياً واسعاً لمئات الصحفيين والمصورين، عبر إصدار البطاقات التعريفية والتسهيلات الأمنية اللازمة، وتوفير الدعم اللوجستي لأكثر من ثلاثمائة إلى أربعمائة إعلامي ومصور محلي وأجنبي.

وتُهيّأ لهم منصات تصوير مرتفعة ومؤمنة بعناية في مواقع استراتيجية مطلة على مسار الركضة والأبواب الرئيسة للعتبتين المقدستين، بما يضمن الحصول على أفضل اللقطات البصرية دون التأثير في انسيابية حركة الحشود أو سلامة المشاركين.

ولا يقتصر الحضور الإعلامي على البث الفضائي فحسب، بل تمتد التغطية عبر شبكة الكفيل العالمية والمنصات الرقمية الرسمية التابعة للعتبة العباسية المقدسة، التي تنقل الحدث مباشرةً إلى مختلف أنحاء العالم بسبع لغات عالمية هي: العربية، والإنجليزية، والفارسية، والأوردية، والتركية، والفرنسية، والسواحيلية.

وبذلك تتحول كربلاء في يوم عاشوراء إلى مركز إعلامي عالمي يخاطب شعوباً وثقافات متعددة بلغاتها الخاصة، ويقرّبها من معاني هذه الشعيرة ودلالاتها الروحية والإنسانية.

كما يضطلع الإعلام بدورٍ توثيقي بالغ الأهمية، من خلال أرشفة المشاهد التاريخية للركضة عاماً بعد عام، وإنتاج التقارير والأفلام الوثائقية والمواد الصحفية والتحليلية التي تسلط الضوء على أبعادها العقائدية والاجتماعية والتنظيمية.

وبهذا الجهد المتواصل لا تُحفظ الذاكرة البصرية للحدث فحسب، بل تُقدَّم للأجيال القادمة مادة معرفية توثق واحدةً من أبرز الظواهر الدينية والشعبية في العالم الإسلامي.

وتتواصل هذه الجهود المكثفة بإشرافٍ ميداني مباشر من المتولي الشرعي للعتبة العباسية المقدسة، سماحة العلامة السيد أحمد الصافي، الذي يتابع تفاصيل الخطة الإعلامية والخدمية والأمنية منذ اللحظات الأولى لانطلاق الركضة من قنطرة السلام وحتى مغادرة آخر معزٍّ للصحن الشريف، في صورةٍ تعكس حجم العناية المبذولة لضمان نجاح هذه المناسبة الكبرى وسلامة المشاركين فيها.

وهكذا، لا يكون الإعلام في ركضة طويريج مجرد ناقلٍ للحدث، بل شريكاً في صناعته وتوثيقه وإيصاله إلى العالم، ليجعل من كل صورةٍ ورسالةٍ وبثٍ مباشر جسراً يربط بين كربلاء وملايين القلوب التي تتابع هذا المشهد الإيماني الفريد عبر القارات المختلفة.
تعليقات القراء
لايوجد تعليقات لعرضها
إضافة تعليق
الإسم:
الدولة:
البريد الإلكتروني:
إضافة تعليق ..: