الى

عاشوراء في أفريقيا: من الذكرى إلى مشروع حياة

في أفريقيا، لم تعد عاشوراء مجرد مناسبة دينية موسمية تُستعاد كل عام، بل تحولت إلى حالة اجتماعية وفكرية تتجدد داخل سياقات ثقافية ولغوية متعددة، حيث تتداخل الذاكرة الدينية مع الواقع اليومي للناس، فتغدو كربلاء معنى حيًا يعاد إنتاجه في الشوارع والمجالس واللغات المحلية.

هذا التحول لم يكن تلقائيًا، بل ارتبط بمسار طويل من التفاعل التاريخي، ثم تطور لاحقًا عبر جهود مؤسسية كان في مقدمتها الدور الذي تضطلع به العتبة العباسية المقدسة في بناء حضور متكامل يجمع بين التبليغ والخدمة الإنسانية.

تتجلى ملامح هذا الحضور في تنوع المشهد العاشورائي داخل القارة؛ ففي شرق أفريقيا امتزجت الشعائر بالامتدادات الثقافية للجاليات المحلية، بينما في غرب القارة اكتسبت عاشوراء طابعًا جماهيريًا واسعًا ارتبط بخطاب إصلاحي واجتماعي، كما في نيجيريا والنيجر، حيث برزت شخصيات دعوية أسهمت في تحويل المنبر الحسيني إلى مساحة لطرح قضايا العدالة والكرامة.

وفي السنغال وغرب أفريقيا، تداخلت المناسبة مع العادات المحلية لتأخذ شكلًا اجتماعيًا يعزز التكافل، فيما استقرت في وسط وشرق أفريقيا ضمن أطر مؤسساتية تهتم بالتعليم والأنشطة الدينية والخدمية.

برزت جهود العتبة العباسية المقدسة كعامل بنيوي في دعم هذا الامتداد، عبر مشاريع تبليغية وإنسانية متكاملة لم تقتصر على نشر الخطاب الديني، بل شملت بناء بيئات مساعدة لقيام هذا الخطاب واستمراره.

فقد أسهمت مشاريع المياه والإغاثة، وفي مقدمتها مبادرة “ساقي العطاشى”، في توفير أساسيات الحياة في مناطق نائية، ما أتاح استقرارًا اجتماعيًا ضروريًا لتشكل المجالس الحسينية واستمرارها.

كما عملت العتبة على تطوير البنية التبليغية عبر إعداد المبلغين المحليين، ودعم المراكز الدينية والثقافية، وربط الخطاب الحسيني باللغات المحلية مثل الهوسا والسواحيلية والولوف، وهو ما أسهم في “توطين” كربلاء داخل الوعي الأفريقي، وتحويلها من خطاب وافد إلى قيمة إنسانية مفهومة وملموسة في الحياة اليومية.

ومع هذا التداخل بين الخدمة والتبليغ، لم تعد المجالس العاشورائية مجرد طقس موسمي، بل أصبحت بنية اجتماعية ممتدة تتشكل داخلها شبكات من الخطباء والرواديد والمراكز الثقافية، ما جعل من عاشوراء تجربة حية تعيد صياغة العلاقة بين الإنسان وقيم العدالة والحرية.

وفي المحصلة، يتضح أن حضور العتبة العباسية المقدسة في أفريقيا لم يكن مجرد نشاط ديني، بل مشروعًا متكاملًا أسهم في تحويل عاشوراء من ذكرى تُستعاد إلى ممارسة حياة تُعاش، قائمة على بناء الإنسان قبل بناء الخطاب، وعلى ترسيخ المعنى قبل تكرار الشعيرة.



الكاتب حيدر الساعدي
تعليقات القراء
لايوجد تعليقات لعرضها
إضافة تعليق
الإسم:
الدولة:
البريد الإلكتروني:
إضافة تعليق ..: