الى

انتفاضات المحرّم وصفر بالعراق في قرن:الشعائر الصامتة في عقد التسعينات ومقاومة الذاكرة الدينية تحت سطوة جمهورية الخوف – ( 5)

امتدّت "حرب الشعائر الصامتة" في العراق في عقد التسعينات (1991–1999م / 1412–1420هـ) كأنها زمنٌ آخر يُكتب تحت رماد القمع، لا يُعلن حضوره بالصخب بل يتسرّب في التفاصيل الصغيرة للمدن والبيوت والقلوب.

لم تكن المواجهة موسماً يتكرر مع المحرم وصفر، بل صارت نبضاً يومياً خافتاً وعميقاً، يتشكل بين إرادةٍ شعبيةٍ لا تنطفئ، متمسكة بالشعيرة بوصفها ذاكرة وهوية وكرامة، وبين منظومة سلطة تحاول أن تُعيد صياغة الزمن نفسه، وأن تُحاصر الذاكرة الدينية في داخل حدود الخوف والرقابة.

وفي هذا الاشتباك غير المتكافئ، لم يكن الصراع مجرد خلاف على طقس أو شعيرة، بل كان معركة على معنى الوجود نفسه، شعبٌ يُصرّ على أن يتنفس عبر الحسينيات والمجالس، وسلطةٌ تسعى إلى أن تُطفئ هذا النفس أو تعيد تشكيله بالقسر.

وهكذا تحوّل الفضاء الديني إلى ساحة صراع صامت، تتقاطع فيها الخطى بين الإصرار على الإحياء ومحاولات الإخماد، حتى غدت الشعائر فعل مقاومة يتكرر في كل عام، كأنّه وعدٌ لا يُكسر بين الأرض وذاكرتها.



جغرافيا المنع والتحدي

في عقد التسعينات، لم تكن " حرب الشعائر الصامتة" حدثاً موحّداً، بل تشكّلت كشبكة من المواجهات اليومية المتفرقة، تختلف حدّتها من محافظة إلى أخرى بحسب الكثافة السكانية، وقربها من العتبات، وشدة القبضة الأمنية.

كانت الساحة الأكثر اشتعالاً واستمراراً.

في مدينة الصدر حاليًا (الثورة سابقاً) والشعلة، تحولت المجالس الحسينية إلى فعل مقاوم يومي، يُقام في الغالب بشكل سريع وسري فوق الأسطح أو في داخل الأزقة الضيقة.

كانت الأجهزة الأمنية تردّ بمداهمات ليلية واعتقالات جماعية، وصلت إلى إغلاق بيوت كاملة أو اعتقال المشاركين في المجالس حتى إذا كانوا من النساء أو كبار السن في بعض الحالات ، أما بغداد فكانت تمثل "جبهة الاستنزاف" بين الدولة والمجتمع.

في كربلاء المقدسة وتحديدا في مدينة ( طويريج) التي مثّلت قلب الصراع الرمزي، ولاسيما في مواسم المحرم ، إذ حاول السكان إحياء الشعائر على الرغم من الحصار الشديد على العتبات، فظهرت أساليب مثل العزاء السريع في البساتين أو المواكب الليلية الخاطفة.

وفي يوم العاشر تحديداً، كانت المدينة تتحول إلى مساحة توتر دائم بين محاولات الإحياء الشعبي وإجراءات المنع الأمني، مع انتشار مكثف لفدائيي صدام والأمن الخاص.

في النجف الأشرف والكوفة وعلى الرغم من الطابع الديني العميق، كانت السيطرة الأمنية أكثر انضباطاً وهدوءاً مقارنة بكربلاء وبغداد، لكن المجالس الحسينية بقيت قائمة بشكل محدود وسري في داخل بعض البيوت والحسينيات ، ولعبت المرجعية الدينية والبيئة الحوزية دوراً في إبقاء الشعائر في ضمن مساحة ممكنة من الاستمرار، على الرغم من التضييق والاعتقالات المتقطعة.

البصرة ، شهدت نمطاً مختلفاً من المواجهة، اتسم بالسرية والتكتم الشديد بسبب طبيعتها الأمنية والعسكرية.

المجالس كانت تُقام في أطراف الأحياء القديمة مثل المشراق والجمهورية، وتكون بشكل متحرك وسريع.

كانت عمليات الاعتقال واسعة، لكن من دون ظهور إعلامي، مع تركيز أمني على منع أي تجمع كبير قد يتحول إلى احتجاج.

محافظات الفرات الأوسط (الديوانية، السماوة، الرميثة، الحلة) برزت هنا البنية العشائرية بقوة، حيث مثلت الحاضنة الرئيسة لإحياء الشعائر.

في الرميثة تحديداً، كانت المجالس العشائرية والدينية تتداخل ؛ مما جعل السيطرة عليها أكثر صعوبة ؛ فكثير من المواكب كانت تتحرك بين القرى أو في داخل الأزقة الريفية لتفادي الرصد الأمني، ؛ مما خلق حالة مقاومة مرنة يصعب احتواؤها بالكامل.

ذي قار (الناصرية) ، شهدت حضوراً شعبياً واسعاً في الأحياء الدينية، مع مجالس تقام في السر أو بشكل مباغت.

كانت الاستجابة الأمنية سريعة، لكن حجم المشاركة الشعبي جعل من الصعب إخمادها تماماً، فبقيت الشعائر تتجدد في كل عام على الرغم من الاعتقالات.

واسط (الكوت) ، اتسمت الحالة فيها بالمد والجزر؛ مجالس محدودة تتعرض للاقتحام، لكن من دون قدرة على القضاء الكامل عليها.

كانت المحافظة أقرب إلى حالة "الاحتواء الأمني" المستمر أكثر من الانفجار أو السكون التام.

في ديالى ظهرت تجمعات صغيرة ومتقطعة، في الأحياء الشعبية أو القرى، مع اعتماد كبير على السرية والاختفاء السريع ، كان القمع فعالاً نسبياً في تقليل حجم التجمعات لكنه لم يمنع استمرارها.

المثنى (السماوة) ، سجلت نشاطاً أقل مقارنة بالفرات الأوسط، لكنه لم ينقطع ، المجالس كانت تُقام في ضمن دوائر ضيقة جداً، مع مراقبة أمنية مشددة حدّت من توسعها.

ميسان (العمارة) ، شهدت حضوراً شعبياً محدوداً لكنه مستمر، ولاسيما في الأحياء الفقيرة، حيث كانت المجالس تُقام بشكل سريع ومتنقل، مع اعتقالات متفرقة.

بصورة عامة، يمكن القول إن " حرب الشعائر الصامتة" لم تُخمدها ؛ بل أعادت تشكيلها: من مجالس علنية إلى طقوس مقاومة سرّية، ومن فضاء مفتوح إلى شبكة متنقلة من الإحياء الديني ؛ ممّا جعلها استمراراً يومياً لصراع غير متكافئ بين المجتمع والدولة طوال عقد التسعينات.



سقوط الحاجز

بعد القمع العنيف الذي أنهى الانتفاضة الشعبانية عام 1991م، فرض النظام آنذاك طوقاً أمنياً مشدداً على العتبات المقدسة، وحوّل موسم المحرم إلى حالة استنفار أمني قصوى، أشبه بـ"إنذار ج"يسبق أي تجمع ديني أو شعائري.

في ظل هذا التضييق، ابتكر الشباب أساليب مقاومة ذات طابع مرن وسري، فظهرت ما عُرف بـ"المنابر السيّارة" و"عزاء الأسطح"، حيث تُقام المجالس الحسينية بشكل خاطف فوق أسطح البيوت المتلاصقة، ثم تُنهي بسرعة قبل وصول القوات الأمنية، أو تُنقل إلى البساتين الكثيفة في طويريج، مستفيدة من طبيعة المكان لإخفاء النشاط وإدامة الشعائر على الرغم من الملاحقة.

وردّاً على هذا الحراك، لجأ النظام إلى أساليب مضادة مثيرة للجدل، أبرزها ما سُمّي بـ"الأعراس الجماعية الحكومية"، إذ كانت تُسيّر سيارات تابعة للحزب تبث الأغاني في نهار يوم العاشر من المحرم، في محاولة لكسر أجواء الحزن وإظهار السيطرة الرمزية على الفضاء العام.

إلا أن هذه الإجراءات أدت إلى تصاعد التوتر، وانفجار مواجهات متفرقة، شملت رشق المواكب الحكومية بالحجارة وقنابل المولوتوف، لتدخل المدن في حالة احتكاك مباشر بين السلطة والحراك الشعبي، في مشهدٍ يعكس عمق الصراع على الفضاء الديني والرمزي في تلك المرحلة.



السلطة بمواجهة الشعائر

اعتمدت السلطة في تلك المرحلة على أدوات قمع أمنية شديدة، حيث مُنحت قوات فدائيي صدام وأجهزة الأمن الخاصة صلاحيات واسعة للتعامل مع أي نشاط يُشتبه بطابعه الديني أو الاحتجاجي.

وشملت الإجراءات مداهمات ليلية متكررة للمنازل، فضلا عن استهداف أماكن التجمعات الدينية غير الرسمية.

و طالت عمليات القمع الحسينيات وبعض البيوت التي كانت تُقام فيها المجالس أو تُحضَّر فيها وجبات “طعام الثواب” مثل الهريسة والقيمة، إذ كان يُنظر إليها كعلامات على نشاط شعائري غير مرخّص ؛ ممّا أدى إلى هدم أو إغلاق كثير منها.

أما على مستوى الأرقام والضحايا، فتشير بعض التقديرات إلى أن الاعتقالات في موسم المحرم كانت تصل سنوياً إلى ما بين 3,000 و5,000 حالة اعتقال ولاسيما في أيام ذروة إقامة الشعائر ، ومن ضمن حملات أمنية دورية استهدفت المشاركين في الشعائر أو المنظمين لها.

وفي ما يتعلق بالخسائر البشرية، فقد سقط مئات من الشباب في تلك المرحلة، في ظل غياب التغطية الإعلامية الرسمية آنذاك.

وتُذكر في ضمن هذا السياق حالات فردية مثل الشهيد الشيخ علي العياشي من كربلاء، الذي اعتُقل وأُعدم على خلفية نشاطه المرتبط بإقامة المجالس الحسينية.

و تتحدث بعض الروايات عن أعداد كبيرة من أبناء مدينة الصدر (الثورة سابقاً) ومنطقة الشعلة، الذين أُعدموا أو قضوا تحت التعذيب في سجن الرضوانية، وتم تسجيل بعضهم في دوائر الطب العدلي كمجهولي الهوية، في ظل ظروف أمنية شديدة القسوة آنذاك.

relatedinner



خلاصة القول

على امتداد قرنٍ كامل، لم تكن انتفاضات المحرّم وصفر في العراق أحداثاً عابرة في سجلّ التأريخ، بل كانت سيرةً متواصلة من الرفض والصبر والتحدّي، تتجدد كلما أطلّ موسم الحزن الحسيني، وكأن الزمن يعيد فتح صفحاتٍ لا تُطوى.

من المحرّم 1935م حيث تشكّلت البدايات الأولى للمواجهة مع الدولة المركزية، إلى انتفاضة صفر الخالدة عام 1977م التي كسرت صمت الطريق نحو كربلاء، مروراً بثورة الدم المظلوم في المحرّم 1980م وما رافقها من تصعيد دموي مع السلطة البعثية، وصولاً إلى “حرب الشعائر الصامتة” في عقد التسعينات، ظلّ الفضاء الحسيني مساحةً تتقاطع فيها الذاكرة الدينية مع الفعل الاجتماعي، وتتشابك فيها الشعائر مع أشكال متعددة من الصمود الشعبي.

لم تكن تلك الانتفاضات مجرد ردود فعل آنية، بل كانت تعبيراً متراكماً عن حضورٍ وجداني عميق يتجدد مع كل موسم أحزان، حيث يتحول الحزن إلى هوية، والطقس إلى موقف، والذكرى إلى فعل مقاومة رمزية أو مباشرة، تتغير أدواته لكن يظل جوهره واحداً.
تعليقات القراء
لايوجد تعليقات لعرضها
إضافة تعليق
الإسم:
الدولة:
البريد الإلكتروني:
إضافة تعليق ..: