ومن هذا المنطلق، يكتسب المؤتمر العلمي الدولي الثالث عشر لفكر الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)، الذي ترعاه العتبتان المقدستان الحسينية والعباسية، أهمية تتجاوز كونه فعالية سنوية؛ ليعكس مشروعا معرفيا متواصلا يسعى إلى ترسيخ الدراسات المتخصصة في تراث أهل البيت (عليهم السلام) وربطها بقضايا الإنسان والمجتمع.
ويأتي انعقاد المؤتمر هذا العام تحت عنوان (سيرة الإمام الحسن المجتبى -عليه السلام- مقاربات نقدية وقراءات بينية معاصرة)، ليؤكد توجها واضحا نحو توظيف المناهج الأكاديمية الحديثة في دراسة شخصية الإمام (عليه السلام) وفكره، بما يفتح المجال أمام قراءات أكثر عمقا وموضوعية، بعيدا عن الاقتصار على السرد التأريخي أو المعالجة التقليدية.
لماذا يتجدد المؤتمر؟
ينطلق المؤتمر من حقيقة إدراك أن الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) ما يزال من أكثر الشخصيات الإسلامية تعرضا للاختزال أو القراءة المجتزأة، ولا سيما فيما يتعلق بصلحه مع معاوية، وإدارته للمرحلة السياسية التي أعقبت استشهاد أمير المؤمنين (عليه السلام) ؛ لذلك فإن إعادة دراسة سيرته (عليه السلام) على وفق مناهج البحث الحديثة أصبحت ضرورة علمية، وليست مجرد اهتمام تأريخي، فضلا عن كون المؤتمر يعكس استمرار وجود رؤية استراتيجية لدى العتبتين المقدستين تقوم على تحويل تراث أهل البيت (عليهم السلام) إلى مشروع بحثي دائم، يرفد الجامعات والمراكز العلمية بالدراسات المحكمة، ويسهم في بناء معرفة رصينة تستند إلى التحقيق العلمي بدلا من التكرار أو النقل.
وتزداد أهمية هذه الرؤية في ظل ما يشهده العالم من تحديات فكرية وثقافية، إذ لم يمثل استحضار الشخصيات التأريخية غاية رئيسة فيه، وإنما وسيلة لاستخلاص المبادئ والقيم التي يمكن أن تقدم حلولا لقضايا الإنسان المعاصر، كإدارة الأزمات، وتعزيز السلم المجتمعي، وترسيخ الحوار، وحماية وحدة المجتمع.
كيف يحقق المؤتمر أهدافه؟
لم يعتمد المؤتمر على الطرح النظري وحده، بل استند إلى منظومة علمية متكاملة تبدأ بالإعلان عن محاور بحثية دقيقة، ويظهر ذلك في استقبال المؤتمر (68) بحثا، وقبول (44) منها بعد إخضاعها للتحكيم العلمي، وهو ما يعكس دقة في تطبيق معايير الرصانة العلمية، قبل قبولها للعرض أو النشر.
وهذه الآلية تؤكد أن قيمة المؤتمر لا تكمن في عدد المشاركين، بل في جودة الإنتاج العلمي الذي يقدم، فضلا عن كون مشاركة الباحثين من العراق وإيران ومصر ولبنان واليمن والمغرب وبريطانيا وليبيا تعكس اتساع دائرة الاهتمام بفكر الإمام الحسن (عليه السلام)، وتحول المؤتمر إلى منصة للحوار العلمي العابر للحدود، بما يتيح تبادل المناهج والرؤى، ويمنح الدراسات المتعلقة بأهل البيت (عليهم السلام) بعدا دوليا.
وفي الوقت نفسه، فإن تعدد الجهات المنظمة التي تشتمل على رعاية العتبتين المقدستين الحسينية والعباسية للمؤتمر، وتنظيمه بوساطة مركز الشيخ الطوسي للدراسات والتحقيق التابع للهيأة العليا لإحياء التراث، بالتعاون مع الهيأة العليا لمشروع الحلة مدينة الإمام الحسن (عليه السلام)، وكلية التربية للعلوم الإنسانية في جامعة بابل، وجمعية العميد العلمية والفكرية، وجامعتي الكفيل والعميد، ومركز العميد الدولي للبحوث والدراسات، ومركز الكفيل للترجمة ؛ يكشف هذا التعدد عن نجاح المؤتمر في بناء شراكات مؤسسية تجعل من البحث العلمي جهدا جماعيا، لا نشاطا منفردا، وهو ما يعزز استدامة المشروع وتطوره عامًا بعد آخر.
البحوث... قراءة معاصرة لتراث الإمام الحسن (عليه السلام)
لعل أبرز ما يلفت الانتباه في الدورة الثالثة عشرة للمؤتمر، هو طبيعة الموضوعات التي تناولتها البحوث العلمية، إذ كشفت عن انتقال واضح من الاقتصار على دراسة الوقائع التأريخية إلى مقاربة فكر الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) بوصفه منظومة معرفية تمتلك القدرة على تفسير الواقع والإسهام في معالجة تحدياته، فتنوع العناوين والمناهج البحثية لم يكن مجرد تنوع أكاديمي، بل عكس رؤية علمية تسعى إلى إعادة تقديم شخصية الإمام (عليه السلام) عن طريق أسئلة العصر وأدوات البحث الحديثة.
فقد اتجه جانب من الدراسات إلى إعادة قراءة صلح الإمام الحسن (عليه السلام مع معاوية، ليس بوصفه حدثا تأريخيا انتهى بانتهاء ظرفه، وإنما بوصفه خيارا استراتيجيا أسهم في حفظ كيان الأمة، وترسيخ مبادئ التعايش والسلم الأهلي، وإرساء أسس العلاقة بين السلطة والمجتمع على وفق رؤية قرآنية وحقوقية.
وفي جانب متصل؛ سعت بعض الأبحاث إلى تحليل خطاب الإمام (عليه السلام) وأدعيته ورواياته للكشف عن أبعادها المعرفية والإنسانية والنفسية، بما يؤكد أن تراثه يتجاوز الإطار الوعظي ليشكل مشروعا متكاملا لبناء الإنسان.
ولم تغفل الجلسات البحثية عن أهمية مراجعة القراءات التأريخية والاستشراقية التي تناولت سيرة الإمام الحسن (عليه السلام)، إذ قدمت دراسات نقدية ركزت في تفكيك الروايات المشوهة، وإعادة بناء الصورة التأريخية استنادا إلى المصادر الإسلامية الموثوقة والمناهج الأكاديمية الرصينة، ويعكس هذا التوجه حرص المؤتمر على الانتقال من الدفاع عن التراث إلى إنتاج معرفة نقدية قادرة على محاورة المدارس الفكرية المختلفة.
ويكشف هذا التنوع في الموضوعات أن المؤتمر لا ينظر إلى الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) بوصفه شخصية تأريخية فحسب، بل باعتباره مصدرا حيا لإنتاج المعرفة، ومنطلقا لبناء رؤى علمية تتفاعل مع قضايا الإنسان المعاصر، ومن هنا، تبدو البحوث المشاركة جزءا من مشروع معرفي أوسع، يهدف إلى توسيع آفاق الدراسات المتعلقة بالإمام الحسن (عليه السلام)، وربطها بمختلف حقول العلوم الإنسانية والاجتماعية.
شراكة مثمرة
من أبرز ما يميز المؤتمر أنه يقدم نموذجا عمليا للتكامل بين المؤسسة الدينية والمؤسسة الأكاديمية، فالعتبتان المقدستان الحسينية والعباسية توفران الرعاية والدعم والرؤية للمؤتمر، فيما تسهم الجامعات والمراكز البحثية بالخبرة العلمية والتحكيم الأكاديمي، لينتج عن ذلك مشروعا بحثيا يحافظ على أصالته الدينية، وفي الوقت نفسه يلتزم بالمعايير العلمية الحديثة.
وإن انعقاد فعاليات المؤتمر الذي استمر ليومين متتاليين، في مجمع الإمام المرتضى (عليه السلام) بالنجف الأشرف في يومه الأول، وإقامة فعاليات اليوم الثاني منه على قاعة الشهيد السيد محمد باقر الصدر بجامعة بابل، يحمل دلالة مهمة، تتمثل في توسيع دائرة الحضور العلمي، وربط الجامعات العراقية بالمشروعات البحثية الكبرى، بما يعزز حضور الدراسات الإسلامية في داخل البيئة الأكاديمية.
رعاية مباشرة للباحثين وتعزيز لمسار البحث العلمي
لم يقتصر الأمر للسعي على تنظيم المؤتمر وإدارته فحسب بل امتد إلى العناية، بالباحثين أنفسهم، بوصفهم الركيزة الأساسية لاستمرار هذا المشروع العلمي ، فقد استقبل المتولي الشرعي للعتبة العباسية المقدسة، سماحة العلامة السيد أحمد الصافي، الباحثين المشاركين في المؤتمر، في خطوة تعكس اهتمام العتبة المقدسة بالباحث بوصفه شريكا أساسيا في مشروع إحياء التراث وإنتاج المعرفة.
وقد استمع سماحته إلى انطباعات الباحثين حول مشاركتهم في المؤتمر، وقدم لهم جملة من التوجيهات التي أكدت أهمية استمرار البحث العلمي الرصين، ومواصلة الإسهام في المؤتمرات والدراسات المتخصصة التي تُعنى بتراث أهل البيت (عليهم السلام)، بما يرسخ حضوره في الساحة الأكاديمية ويعزز قراءته بمنهجية علمية معاصرة.
ويكتسب هذا اللقاء أهمية خاصة؛ لأنه يمثل رؤية العتبة العباسية التي يمكن تحديدها بأن نجاح المؤتمرات العلمية لا يقتصر على تنظيمها أو عدد البحوث المشاركة فيها، وإنما يمتد إلى رعاية الباحثين، وتشجيعهم على مواصلة العطاء العلمي، وتحويل المؤتمرات إلى منصات لإنتاج المعرفة وبناء شبكات بحثية تسهم في تطوير الدراسات الإسلامية والإنسانية، ولا سيما ما يرتبط بفكر الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام).
من فعالية سنوية إلى مشروع معرفي مستدام
ما يميز المؤتمر العلمي الدولي لفكر الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) أنه لم يكن مجرد مناسبة سنوية لإلقاء الكلمات وعرض البحوث، بل أصبح جزءا من مشروع معرفي متكامل تسعى عن طريقه العتبتان المقدستان إلى إعادة بناء الوعي بتأريخ أهل البيت (عليهم السلام) على وفق منهج علمي رصين؛ فكل دورة جديدة تضيف رصيدا بحثيا جديدا، وتفتح آفاقا أوسع للحوار الأكاديمي، وتؤكد أن الاستثمار الحقيقي في التراث لا يكون بحفظه فحسب، بل بإعادة قراءته وتوظيفه في معالجة تحديات الحاضر وصناعة وعي المستقبل.
relatedinner
ومع كل دورة جديدة، يؤكد المؤتمر أنه لا يزيد رقما إلى سجل المؤتمرات العلمية، بل يرسخ لبنة جديدة في مشروع معرفي طويل الأمد، عنوانه إعادة قراءة تراث أهل البيت (عليهم السلام) بعين الباحث لا الراوي، وبمنهج المستقبل لا بمنطق الماضي.
وإذا حافظ هذا المشروع على زخمه العلمي، وواصل تطوير أدواته البحثية والانفتاح على المدارس الأكاديمية المختلفة؛ فإنه لن يكون مجرد مؤتمر سنوي، بل مرجعا علميا متجددا يسهم في تشكيل الوعي الإسلامي المعاصر، ويؤكد أن فكر الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) ما يزال يمتلك القدرة على إلهام الحاضر وصناعة المستقبل.
















