ومن هذا الجانب، تحرص العتبة العباسية المقدسة عبر مسابقة (مراقي المجتبى (للقصيدة العمودية على بناء مشروع ثقافي متكامل، يجعل من الكلمة الشعرية أداة لاستحضار شخصية الإمام الحسن (عليه السلام)، بوصفها نموذجا حضاريا وأخلاقيا.
فالنسخة السادسة من المسابقة التي أقيمت فعالياتها في يوم الجمعة الموافق (24 /7 / 2026م) تحت شعار: (يرتقي الشعرُ على هامِ الزمن... وهو يرجو اللهَ في حبِّ الحسن)، لم تكن فعالية شعرية عابرة، وإنما محطة جديدة في مشروع ثقافي أخذ يتطور عاما بعد آخر، حتى أصبح ملتقى يجمع شعراء من دول متعددة، ويؤكد أن الأدب ما يزال قادرا على أداء دوره في صناعة الوعي، وحفظ القيم، وإعادة قراءة الشخصيات الإسلامية الكبرى بلغة العصر.
الشعر بوصفه أداة لصناعة الوعي
إن اختيار القصيدة العمودية تحديدا لا يبدو خيارا شكليا، بل يحمل دلالة ثقافية واضحة؛ فالقصيدة العمودية تمثل أحد أهم أوعية التراث العربي، وهي الأكثر قدرة على الجمع بين قوة اللغة، وعمق الفكرة، ورصانة البناء الفني.
ومن هنا، فإن العتبة العباسية المقدسة لا تدعو إلى كتابة قصائد مدحية فحسب، بل تدعو إلى إنتاج نصوص تحمل رؤية فكرية، وتعيد تقديم الإمام الحسن (عليه السلام) بوصفه مدرسة في الحكمة، والإصلاح، والصبر، وإدارة الأزمات، وهي قيم يحتاجها الواقع المعاصر بقدر حاجته إلى الجمال الأدبي.
وبذلك يتحول الشعر من خطاب وجداني إلى خطاب معرفي وثقافي، يسهم في تشكيل الوعي الجمعي.
مشروع ثقافي يتجدد
وصول المسابقة إلى نسختها السادسة يكشف عن تحولها من فعالية موسمية، إلى مشروع مؤسسي مستدام.
فالاستمرارية تمنح المبادرات الثقافية قيمتها الحقيقية؛ لأنها تؤسس لتراكم معرفي وأدبي، وتخلق جمهورا ينتظرها، وشعراء يحرصون على المشاركة فيها، ولجانا علمية تطور معاييرها عاما بعد آخر.
وهذا التراكم هو ما يحول المسابقات من مناسبات احتفالية إلى مؤسسات ثقافية قادرة على صناعة تقاليد أدبية راسخة، وهو ما يظهر بوضوح في مسابقة مراقي المجتبى، التي أخذت ترسخ حضورها في خارطة المسابقات الأدبية ذات الطابع الرسالي.
الإمام الحسن (عليه السلام).. من شخصية تأريخية إلى نموذج حضاري
من أبرز ما يميز المسابقة أنها لا تتعامل مع الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) بوصفه شخصية تأريخية تُستحضر في ذكرى استشهاده فحسب، وإنما باعتباره مشروعا أخلاقيا وفكريا يمكن للأدب أن يعيد اكتشافه.
فالقصائد المشاركة لم يطلب منها أن تكرر الروايات التأريخية، بل أن تستلهم القيم التي جسدها الإمام (عليه السلام)، وتحولها إلى صور شعرية قادرة على مخاطبة الإنسان المعاصر، وهنا تكمن أهمية الأدب الرسالي؛ إذ لا ينقل الحدث، بل يعيد إنتاج معناه.
من المحلية الى الحضور العربي والاسلامي
مشاركة (46) قصيدة مثلت سبع دول عربية وإسلامية تكشف أن المسابقة تجاوزت الإطار المحلي، وأصبحت فضاء ثقافيا يجمع تجارب شعرية متعددة، تختلف في البيئات واللهجات والخلفيات الثقافية، لكنها تلتقي عند محبة الإمام الحسن (عليه السلام) والاحتفاء بقيمه.
وهذا الحضور الدولي يمنح المسابقة بعدا حضاريا مهما؛ لأنه يجعلها منصة للحوار الثقافي، ويؤكد أن الأدب الإسلامي قادر على جمع المبدعين حول قيم مشتركة تتجاوز الحدود الجغرافية.
ويعكس نجاح العتبة العباسية المقدسة في بناء جسور ثقافية مع النخب الأدبية في العالم العربي والإسلامي، عبر مشروع لا يقوم على الخطاب المباشر؛ بل يركز على الإبداع.
التحكيم العلمي.. إنصاف للإبداع
من النقاط التي تستحق التوقف عندها اعتماد المسابقة على لجنة تحكيم علمية متخصصة، تضم نقادا وأساتذة وشعراء، وتستند إلى معايير واضحة في تقويم النصوص، مثل سلامة اللغة، وجودة البناء الفني، وعمق الفكرة، وأصالة الصورة الشعرية، ومدى ارتباط النص بشخصية الإمام الحسن (عليه السلام).
إن وجود مثل هذه المعايير يرسخ مبدأ مهما يتعلق بكون الفوز لا يتحقق بالمكانة الشخصية أو الشهرة، وإنما بقيمة النص نفسه، ويعكس احترام المؤسسة الثقافية للمنهج العلمي، ويمنح المسابقة مصداقية أكبر في الأوساط الأدبية.
حجب الجائزة الأولى.. رسالة في قيمة الجودة
من أكثر الرسائل الثقافية دلالة في هذه النسخة حجب الجائزة الأولى.
فمثل هذا القرار لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه نقصا في المشاركات، بل بوصفه إعلانا بأن سقف الجودة أعلى من المجاملة، وأن القيمة الفنية هي المعيار الحقيقي للتتويج.
وفي كثير من المسابقات الكبرى عالميا، يمثل حجب بعض الجوائز تعبيرا عن احترام الجائزة نفسها، وحفاظا على مستواها، وإرسال رسالة للمبدعين بأن الطريق إلى القمة يمر عبر مزيد من الاجتهاد والإتقان، وهذا يعزز ثقة الوسط الثقافي بنتائج المسابقة، ويمنحها مكانة أدبية أكثر رسوخا.
مراقي المجتبى.. لماذا أصبحت محطة ينتظرها الشعراء؟
لم يكن نجاح مسابقة مراقي المجتبى يقاس بعدد القصائد المشاركة أو الدول الممثلة فيها فحسب؛ بل بما استطاعت أن ترسخه من مكانة أدبية وثقافية جعلتها محطة يتطلع إليها الشعراء عامًا بعد آخر.
فالنسخة السادسة، تجاوزت حدود الفعالية المحلية، لتغدو فضاء أدبيا يستقطب تجارب شعرية متنوعة من دول متعددة، تتنافس في إطار من المعايير العلمية والرؤية الثقافية الواضحة.
ولا يعود هذا الحضور إلى قيمة الجوائز وحدها، بل إلى الثقة التي بنتها المسابقة عبر استمراريتها، واعتمادها لجان تحكيم متخصصة، وارتباطها بمؤسسة ثقافية تمتلك مشروعا متكاملا لرعاية الإبداع؛ فالمشاركة في مراقي المجتبى أصبحت تمثل لدى كثير من الشعراء حضورا في منبر أدبي يقدر جودة النص، ويمنح القصيدة فرصة لتكون جزءا من مشروع ثقافي يسعى إلى إحياء سيرة الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) بلغة الشعر، بعيدا عن المجاملة أو الطابع الاحتفالي.
وهذا ما يجعل القيمة الحقيقية للمسابقة لا تكمن في إعلان الفائزين فحسب، وإنما في قدرتها على بناء سمعة أدبية رصينة، تجعل المشاركة فيها مكسبا معنويا للمبدع، وتسهم في تكوين حراك شعري متجدد يربط بين الأصالة الفنية والرسالة الفكرية.
الشراكة المؤسسية.. تكامل بين المعرفة والأدب
يعكس تنظيم المسابقة بالتعاون مع جامعة العميد نموذجا مهما في التكامل بين المؤسسات الثقافية والأكاديمية؛ فالجامعة تسهم في البعد العلمي والنقدي، فيما توفر العتبة العباسية المقدسة الرؤية الثقافية والرسالية؛ لينتج هذا التكامل مشروعا يجمع بين الأصالة الأكاديمية والحيوية الثقافية.
وهذا النوع من الشراكات يسهم في رفع مستوى الفعاليات الأدبية، ويمنحها بعدا معرفيا يتجاوز الطابع الاحتفالي.
العتبة العباسية المقدسة.. من تنظيم الفعاليات إلى بناء المشاريع الثقافية
تكشف المسابقة جانبا من فلسفة العمل الثقافي في العتبة العباسية المقدسة، التي لم تقف عند حدود تنظيم النشاطات، بل تتجه إلى بناء مشاريع مستدامة ذات أهداف واضحة، تقوم على دعم البحث العلمي، وتشجيع الإبداع، وصناعة الوعي.
فالمؤسسات الثقافية الناجحة لا تقاس بعدد فعالياتها، وإنما بقدرتها على إنتاج أثر معرفي طويل الأمد، وهو ما يظهر في المبادرات التي تتكرر وتتطور عاما بعد آخر، وتستقطب جمهورا ونخبا من داخل العراق وخارجه؛ فالنسخة السادسة من مسابقة مراقي المجتبى تؤكد أن الشعر ما يزال قادرا على أداء رسالته الحضارية حينما يجد المؤسسة التي تؤمن به، والرؤية التي توجهه، والمعايير التي تحمي جودته.
relatedinner
وعن طريق المسابقة نجحت العتبة العباسية المقدسة في تحويل القصيدة من نص أدبي يلقى على المنصة إلى مشروع ثقافي يسهم في إحياء سيرة الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)، وترسيخ قيمه، وبناء جسور التواصل بين المبدعين، وصناعة بيئة معرفية تجعل الأدب شريكا في بناء الإنسان والوعي.
وهذا ما يمنح المسابقة قيمتها الحقيقية؛ فهي لا تحتفي بالشعر بوصفه نصا أدبيا ؛ بل تحتفي بما يستطيع الشعر أن يصنعه في العقول والقلوب، حينما يقترن بالفكرة، ويتكئ على الرسالة، ويتجه نحو المستقبل.




