ومن هذا الجانب، يمكن قراءة تجربة العتبة العباسية المقدسة في التعامل مع الأراضي الصحراوية؛ فهي لا تنظر إلى التشجير بوصفه غاية مستقلة، وإنما تتعامل معه كجزء من منظومة متكاملة تبدأ بإنتاج الأشجار والشتلات، وتهيئة الأرض، وتوفير مصادر المياه، واختيار الأنواع الملائمة للظروف المناخية، ثم تنتهي بزراعتها في ضمن مزارع وأحزمة خضراء قادرة على الاستمرار والإنتاج.
شبكة خضراء لمواجهة التصحّر
تتعدد صور حضور العتبة العباسية المقدسة في مواجهة التصحر، إذ تمتد جهودها عبر المشاريع الزراعية التي تنتشر في بيئات ومساحات مختلفة، حيث يشكل مجموعها امتدادا أخضر يتعامل مع الأرض الصحراوية بوصفها مساحة قابلة للاستصلاح والإنتاج؛ فكل مزرعة تمثل جزءا من منظومة، تتكامل فيها زراعة الأشجار والمحاصيل مع إدارة المياه واستثمار الأرض والحفاظ على استدامتها.
ومشروع العتبة العباسية المقدسة في مواجه التصحر يضم مزارع ومشاريع متعددة، من بينها مزارع الساقي، ومزرعة السدر، ومزرعة المعلى، ومزارع خيرات أبي الفضل العباس (عليه السلام)، والحزام الأخضر الجنوبي الأول والثاني، ومشروع العوالي، ومشروع الفردوس، فضلا عن مشاريع ومواقع زراعية أخرى تتوزع بحسب طبيعة الأرض والهدف من استثمارها.
وتقوم زراعة هذه المشاريع على دراسات ميدانية ينجزها مختصون ومهندسون زراعيون؛ لتحديد متطلبات كل موقع، بعدها يجري اختيار الأشجار والمحاصيل بما يتناسب مع خصائص التربة والظروف المناخية واحتياجات المشروع، مع اعتماد أنظمة ري تتلاءم مع نوع النبات ومساحة الأرض؛ وهذا ما يمنح المشاريع الخضراء نظاما زراعيا يتلاءم مع ظروفه وطبيعة الغاية منه.
البداية من غرس الأشجار
قبل أن تمتد الأحزمة الخضراء إلى قلب الصحراء، وقبل أن تتحول الأراضي الجافة إلى مساحات زراعية، تبدأ الحكاية من مرحلة رئيسة في بناء أي مشروع بيئي مستدام؛ وهي مرحلة غرس الأشجار والشتلات، التي لا تنفصل عن اختيار الأنواع الملائمة لكل موقع على وفق طبيعة الأرض والظروف المناخية وحاجة المشروع، سواء أكان الغرس لزيادة الغطاء النباتي أم لتشكيل المصدات الخضراء أم لدعم استصلاح الأراضي الصحراوية؛ ليصبح اختيار الشجرة جزءا من التخطيط البيئي الذي تعمل عليه العتبة العباسية المقدسة.
وفي هذا الجانب تؤدي مشاتل العتبة العباسية المقدسة دورا محوريا في توفير النباتات التي تحتاجها العتبة المقدسة في مشاريع التشجير وزراعة الصحراء، عن طريق الإكثار من أنواع قادرة على التأقلم مع البيئة الصحراوية ومحدودية المياه؛ إذ لا تقوم زراعة الصحراء على غرس أي نوع من الأشجار؛ بل تتطلب اختيار نباتات تتلاءم مع الظروف المناخية وطبيعة التربة، ومن بين الأنواع التي تحضر في مشاريع التشجير هي السدر الحشري العراقي، واليوكاليبتوس، الألبيزيا، التي توظف في ضمن المساحات الخضراء والمصدات والاحزمة النباتية.
لذلك توصف مشاتل العتبة العباسية المقدسة بأنها نقطة الإنطلاق الأولى في رحلة استصلاح الأرض الصحراوية؛ فمنها تبدأ عملية تجهيز الأشجار التي ستنتقل فيما بعد إلى المزارع والأحزمة الخضراء؛ وتبدأ بعدها مرحلة أخرى تتمثل بتوفير احتياجات الأشجار من المياه، وتهيئة الظروف التي تساعدها على الاستمرار والنمو والقدرة على البقاء في البيئة الصحراوية.
relatedinner
توفير المياه وإدارتها ...شرط للنجاح.
إن الزراعة في الأراضي الصحراوية تكون فيها المياه العامل الأكثر حساسية؛ لأن قدرة الأرض على الإنتاج لا ترتبط بتوفير المساحات فقط؛ بل بوجود مصدر مائي يمكن إدارته بصورة تضمن استمرار حياة النباتات وتقليل الهدر؛ ومن هنا، فإن نجاح أي مشروع زراعي في البيئة الصحراوية يبدأ من السؤال عن كيفية تأمين المياه، ثم الطريقة التي سيصل بها الماء إلى الأرض والنبات.
وفي مشاريع العتبة العباسية المقدسة، تتجه منظومة السقي إلى طريقة الري التي تتناسب مع طبيعة كل مشروع ومحاصيله، حيث تستخدم أساليب متعددة، منها الري بالتنقيط والمرشات المحورية والسيحية والثابتة ؛ ففي مشروع الساقي، استخدمت المرشات المحورية لري مساحات من الحنطة، بينما اعتمدت مزرعة السدر على الري بالتنقيط، أما مزرعة المعلى فاستخدمت الري بالتنقيط والمرشات المحورية، والتجأت مزارع خيرات أبي الفضل العباس (عليه السلام) والحزام الأخضر الجنوبي الأول والثاني إلى استخدام أكثر من نمط للري على وفق طبيعة المساحات المزروعة.
وفي مشروع العوالي الذي يتضمن زراعة مليون شجرة، تكاملت فيه منظومة الري مع الآبار الارتوازية ومنظومات الطاقة الشمسية، التي توفر مصدرا مستمرا لتشغيل المضخات؛ في حين اعتمد المشروع على الري بالتقطير، وهو ما يعكس محاولة ربط استصلاح الأرض بإدارة للمياه والطاقة تكون أكثر كفاءة ودقة .
ويكشف هذا التنوع أن طرق الري في مزارع العتبة العباسية المقدسة تدخل في المشاريع الزراعية بوصفها جزءا من التخطيط الزراعي نفسه؛ فاختيار طريقة الري يرتبط بنوع النبات، واتساع الأرض، وطبيعة التربة، والهدف من الزراعة، وهذا الأمر يكتسب أهمية خاصة في الصحراء، حيث يمكن أن يتحول سوء إدارة المياه إلى عائق يهدد استدامة المشروع مهما كانت جودة التربة أو نوع الأشجار المزروعة، ولكن أذا كانت طريقة الري مناسبة يصبح بالإمكان تحويل المساحات المستصلحة إلى أشجار ومحاصيل ومصدات خضراء تؤدي دورها الزراعي والبيئي في آن واحد.
رصف المشاريع ... غاية في الأرض الصحراوية
إن مزارع العتبة العباسية المقدسة تكتسب أهمية أكبر عند النظر إليها مجتمعة؛ لأن أثرها لا يرتبط بمساحة كل مشروع منفردا؛ بل بالمساحات الخضراء التي تتشكل من مجموعها؛ فالتوسع في زراعة الأشجار والمحاصيل داخل الأراضي الصحراوية يعني زيادة الغطاء النباتي، وتقليل المساحات الجرداء، والإسهام في الحد من حركة الرمال وتثبيت التربة، فضلا عن إيجاد بيئة زراعية يمكن أن تستمر وتتوسع مع مرور الوقت.
والمشاريع الزراعية التابعة للعتبة العباسية المقدسة، تعكس اتجاها واضحا نحو توسيع البعد البيئي للتجربة الزراعية في المناطق الصحراوية؛ لذلك تؤدي مشاريع الأحزمة الخضراء وظيفة تتصل بحماية الأراضي ومواجهة تأثيرات البيئة الصحراوية؛ لأن مزارع العتبة العباسية المقدسة هي ليست وحدات إنتاج منفصلة؛ بل هي أجزاء من شبكة زراعية مرصوفة يمكن أن تؤدي أدوارا متداخلة مثل إنتاج الغذاء، واستثمار الأرض، وزيادة الغطاء النباتي؛ فهذه الأدوار جميعها تسهم في الحد من آثار التصحر.
ومن هذه المشاريع، يتضح أن حضور العتبة العباسية المقدسة في البيئة الصحراوية لا يتوقف عند استصلاح الأرض وزراعتها، وإنما يقوم على تحويل مساحات متفرقة إلى مواقع خضراء مترابطة في الهدف، حتى إذا اختلفت في طبيعة الإنتاج وأساليب الزراعة؛ لكنها تتشارك فيما بينها من حيث التراصف لتضيف مساحة خضراء جديدة إلى الغطاء النباتي، وكل مشروع ينجح في تثبيت أشجاره ومحاصيله يمثل خطوة جديدة في تحويل الأرض الصحراوية من بيئة طاردة للنبات إلى مساحة قادرة على احتضان الحياة والإنتاج.
أهمية تتجاوز حدود الزراعة
حينما تتحول مساحات صحراوية واسعة إلى مزارع وحقول وأحزمة خضراء؛ فإن هذا التحول يسهم في تغيير ملامح المكان ويكسبه وظائف جديدة، إذ إن المساحات التي كانت مكشوفة وجافة أصبحت تضم غطاءا نباتيا متنوعا وموقعا أكثر ملاءمة للإنسان والكائنات الحية.
وكثافة الأشجار والنباتات في المزارع التي أنشأتها العتبة العباسية المقدسة تسهم في تحسين نوعية الهواء عن طريق امتصاص ثاني أكسيد الكربون وإطلاق الأوكسجين، فضلا عن توفير مساحات وطرق وممرات مظللة بالأشجار، إلى جانب كثير من الخدمات الترفيهية التي جعلت هذه الساحات الخضراء الواسعة تؤدي وظيفة ترفيهية سياحية وتكون قادرة على استقبال الزائرين بدلا من كونها أرضا قاحلة قبل دخول المشاريع الزراعية عليها.
واتساع المساحات المزروعة يفتح المجال أمام ظهور بيئة أكثر جذبا للطيور والكائنات الحية المختلفة، إذ توفر الأشجار والنباتات ملاذا للطيور فضلا عن عشعشتها مع تمكن المزارع لتكون مصدرا للغذاء والحماية؛ فتتحول المزارع تدريجيا إلى مساحات تستضيف أشكالا متعددة من الكائنات الحية التي لا تقدر على مواجه الظروف المناخية للأرض الصحراوية المكشوفة؛ لتستقر في هذه الأماكن الخضراء التي يمكن أن تتطور بالمستقبل لتكون مشاريع جاهزة للمحميات الطبيعية.
ملايين الأمتار أعادت رسم جغرافية الصحراء
وعند جمع هذه المشاريع والنظر إلى جميع مساحاتها؛ ستظهر صورة حجم التحول الذي شهدته الأراضي الصحراوي؛ اذ انتقلت أكثر من (211) مليون متر مربع، أي ما يقارب (84,500) دونم من الأراضي الصحراوية إلى مساحات خضراء، يمثل تحولا واسعا في وظيفة الأرض وشكلها؛ فهذه المساحة لم تبقَ رقعة جافة، وإنما أصبحت جزءا من منظومة زراعية واسعة تتوزع فيها مشاريع العتبة العباسية المقدسة، وتتنوع فيها الأشجار والمحاصيل والمناطق الخضراء.
وهذا الحجم من الأراضي المستصلحة يكشف عن تجربة تقوم على إعادة توظيف المساحات الصحراوية واستثمارها على وفق خطط زراعية مدروسة؛ تبدأ باختيار الأنواع النباتية القادرة على البقاء في طبيعة كل موقع، وتمتد إلى اعتماد أنظمة ري تتناسب مع احتياجات الأشجار والمحاصيل وخصائص الأرض؛ وهذه الخطط جعلت المشاريع الزراعية في العتبة العباسية المقدسة قادرة على تحويل الأرض من مساحة مفتوحة محدودة الاستخدام إلى مواقع منتجة وحيوية تحمل وظائف بيئي متعددة؛ ومع امتداد هذه المشاريع واتساع رقعتها، تتشكل صورة جديدة للمكان، عنوانها الخضرة والإنتاج واستعادة الحياة في مساحات كانت يغلب عليها الطابع الصحراوي.












































































