وخلال العشرة الأولى من شهر محرم الحرام، برهنت هذه المنظومة على فاعليتها في استيعاب الأعداد المليونية من المعزين، وتنظيم حركة المواكب بانسيابية لافتة، ولا سيما في ذروة الفعاليات الكبرى مثل ركضة طويريج وعزاء مشق، إذ انخفضت مستويات الاختناق البشري داخل المداخل والصحن مقارنة بالسنوات السابقة، بفعل إعادة توزيع المسارات وتوسعة الفضاءات الداخلية والخارجية.
هذا التحول لم يأتِ اعتباطاً، بل كان استجابة مباشرة لمعطى رقمي متصاعد بعد عام 2003، حين بدأت العتبة مرحلة إعادة البناء المؤسسي والخدمي، مع توسع غير مسبوق في أعداد الزائرين، خصوصاً في زيارة الأربعين التي أصبحت التجمع البشري السنوي الأكبر عالمياً.
إذ تشير الأرقام المسجلة عبر بوابات كربلاء إلى 21,198,640 زائراً في عام 2022، و 22,019,146 زائراً في عام 2023، و21,480,525 زائراً في 2024، و21,103,524 زائراً في 2025، فيما بلغ العدد الكلي 19,999,870 زائرًا لعام 2026، مع تفاوت يومي كبير في أعداد الزائرين يصل في أيام الجمعة إلى ما بين 350 ألف زائر و500 ألف زائر، ويرتفع في ليالي الجمع والمواسم إلى أكثر من مليون زائر في الليلة الواحدة.
هذه الكتلة البشرية الضخمة، التي تتقاطع فيها الحركة مع العبادة، كشفت عن محدودية البنية التقليدية للحرم ومحيطه، ما دفع نحو إطلاق سلسلة مشاريع توسعة داخلية وخارجية لإعادة توزيع الضغط بدل تراكمه في نقاط محدودة.
التوسعة الأفقية: 30 ألف متر مربع أعادت تعريف إدارة الحشود
يمثل مشروع التوسعة الأفقية للحائر العباسي الشريف أحد أبرز التحولات الهندسية في بنية الحرم، داخل منظومة التطوير التي تنفذها العتبة العباسية المقدسة، إذ لم يعد الأمر مجرد إضافة مساحات جديدة، بل إعادة صياغة كاملة لطريقة عمل المكان في ذروة الزخم البشري.
فالمشروع لم يقتصر على استثمار مساحة أرضية تقارب 10 آلاف متر مربع، بل جرى توظيفها ضمن منظومة إنشائية متعددة المستويات تشمل السرداب والطابق الأرضي والطابق الأول، ليصل إجمالي المساحة البنائية المستثمرة نحو 30 ألف متر مربع، بما يعادل نحو 25% من مساحة العتبة المقدسة القديمة وفق المعطيات الهندسية المعلنة. هذا التحول لم يغيّر حجم المكان فقط، بل غيّر طريقة عمله.
القيمة الفعلية للتوسعة لا تتجلى في الأرقام بقدر ما تتجسد في إعادة توزيع الوظائف داخل الحرم. فقد أُعيد تنظيم الاستخدامات الداخلية بما يخفف الضغط عن الصحن الشريف، ويخلق مسارات حركة أوسع وأكثر مرونة، ويقلل من نقاط الاختناق التي كانت تتشكل في مواسم الزيارات المليونية، حين تتحول الكثافة إلى تحدٍ تشغيلي مباشر.
وعلى المستوى الهندسي، واجه المشروع تحدياً أساسياً تمثل في المياه الجوفية، وهو أحد أكثر العوامل تأثيراً على استقرار البنية التحتية في المنطقة. وقد تمت معالجته عبر منظومة تصريف آلية تحت السرداب تعمل بشكل مستمر على سحب المياه، بما يحافظ على استقرار الأساسات ويضمن استدامة المنشأة تحت ضغط بشري متكرر وعالٍ.
أما على مستوى التجربة المباشرة للزائر، فقد انعكس هذا التحول في صورة واضحة: انسيابية أعلى في الحركة داخل الحرم، فضاءات عبادة أوسع، وتراجع ملحوظ في الازدحام عند نقاط الدخول والخروج. وهكذا أصبحت الزيارة أكثر توازناً بين كثافة الحضور وهدوء التنظيم، وبين الزخم الروحي وإيقاع الحركة.
السراديب الداخلية:المساحات الجوفية أداة لإعادة توزيع الحشود
مثّلت سراديب الإمام الحسين والإمام الجواد (عليهما السلام) داخل الحرم الشريف خطوة هندسية متقدمة في منظومة إدارة الزخم البشري في العتبة العباسية المقدسة، إذ لم تُنشأ بوصفها فراغات تحت الأرض، بل كحل تشغيلي مباشر لمشكلة الازدحام في المستويات العلوية، خصوصاً في مواسم الزيارات المليونية.
وقد جرى توظيف المساحات الجوفية أسفل الصحن لإنشاء فضاءات عبادية منظمة مخصصة لاستيعاب الكثافة النسوية، بعيداً عن الضغط المباشر في السطح، بما يحقق نوعاً من الفصل الوظيفي للحركة داخل الحرم ويعيد توزيع التدفق البشري بشكل أكثر توازناً.
وتشير المعطيات الهندسية إلى أن المساحة الإجمالية للسراديب تقارب 2000 متر مربع موزعة على سردابين رئيسيين هما ، سرداب الإمام الحسين ( عليه السلام) 1000 م² ، وسرداب الإمام الجواد ( عليه السلام) 1000 م²
بطاقة استيعابية تصل قدرتهما الاستيعابية إلى نحو 20 ألف زائر في وقت واحد، ما جعلها عنصر امتصاص فعّال لذروة الازدحام، وليس مجرد إضافة خدمية مساندة.
وتبرز أهمية هذه المنشآت في بعدها التنظيمي؛ إذ أسهمت في فصل الحركة النسوية عن المسارات العلوية، وتقليل نقاط التقاطع داخل الصحن الشريف، وهو ما انعكس مباشرة على تخفيف الضغط في الممرات الحيوية خلال فترات الذروة، مثل الزيارات الكبرى.
كما وفرت السراديب بيئة عبادية مستقرة ومكيفة، مدعومة بأنظمة تكييف مركزية وسلالم كهربائية وشبكات مراقبة، ما عزز من مستوى الراحة والتنظيم، وجعلها جزءاً أساسياً من منظومة تشغيل متكاملة تهدف إلى إدارة الحشود لا مجرد استيعابها.
الأبواب والمداخل: صمامات لتنظيم الحشود
شهدت أبواب الحرم الشريف، وفي مقدمتها باب القبلة وباب بغداد، تحوّلاً بنيوياً لافتاً ضمن منظومة التطوير في العتبة العباسية المقدسة،إذ لم تعد مجرد مداخل معمارية تقليدية، بل أُعيد تصميمها لتعمل كمنافذ عبور واسعة قادرة على استيعاب التدفقات البشرية المتزايدة خلال الزيارات المليونية.
وقد أكّدت أعمال التوسعة على توسيع مقاطع العبور على نحوٍ مدروس، مع إعادة هندسة الحركة داخل نقاط الدخول والخروج، عبر فصل المسارات وتخصيص اتجاهات مستقلة للداخلين والخارجين، بما يضمن منع تقاطع التدفقات البشرية داخل النقاط الحرجة بين الساحات الخارجية والصحن الداخلي.
هذا التنظيم الجديد أسهم على نحوٍ مباشر في تقليل حالات التكدس عند المداخل، وتسريع انسيابية العبور حتى في أوقات الذروة، إذ تتحول الأبواب في لحظات الضغط العالي إلى نقاط توزيع بدل أن تكون نقاط اختناق.
وبهذا التوظيف الهندسي، باتت الأبواب تعمل بوصفها" صمامات تنظيم" تتحكم بإيقاع تدفق الحشود، ضمن منظومة متكاملة تربط الساحات الخارجية بالصحن الشريف عبر مسارات حركة محسوبة، توازن بين كثافة الزائرين ومتطلبات الانسيابية والأمان.
وتشير الاحصائيات الرسمية الى ان مساحة مدخل باب القبلة تبلغ أكثر من 500 م² ، وعرض منطقة الاستقبال المنحنية 40 مترًا ، فيما بلغ عرض الباب نفسه نحو 9 أمتار، اما باب الإمام الجواد (عليه السلام) فتمت توسعة الباب بعمق 10 أمتار ، وبارتفاع 12 مترًا.
التوسعة الخارجية: محيط الحرم فضاء لامتصاص الحشود
في المحيط الخارجي للحرم الشريف، اتجهت مشاريع التطوير في العتبة العباسية المقدسة إلى إعادة تشكيل النسيج العمراني المحيط بالموقع، عبر عمليات استملاك وهدم ودمج مدروسة، هدفها الأساسي خلق فضاءات مفتوحة قادرة على استيعاب الكتلة البشرية قبل وصولها إلى الأبواب الرئيسة، بدل تركها تتجمع في نقاط ضيقة قرب المداخل.
وقد شملت هذه المعالجات تأهيل نحو 26 ألف متر مربع من الساحات الخارجية، مع تطوير امتدادات إضافية في محاور شارع القبلة ومحيط باب الساقي، بما رفع الطاقة الاستيعابية لهذه الساحات إلى أكثر من 75 ألف زائر في وقت واحد، وهو ما حوّلها فعلياً إلى منطقة تنظيم أولى قبل دخول الحرم.
وخلال المواسم الكبرى، خصوصاً زيارة عاشوراء، تتحول هذه الساحات إلى فضاء تشغيل مباشر لإدارة الحشود، حيث تُنظم حركة المواكب مثل ركضة طويريج ضمن مسارات واسعة تمنع التداخل والاختناق، وتُعيد توزيع التدفق البشري على نحوٍ تدريجي نحو المداخل، بعد أن كانت تلك النقاط تمثل سابقاً مناطق ضغط حرجة.
كما أسهم نقل نقاط التفتيش والخدمات من داخل الممرات إلى الساحات الخارجية في تسريع عمليات الدخول بهيأة ملحوظة، عبر إلغاء التوقفات داخل المداخل الضيقة، فيما عزز نشر محطات الإرواء والمراكز الطبية الميدانية من قدرة الاستجابة خلال ذروة الزخم البشري، خصوصاً في الظروف المناخية الصعبة وأوقات الذروة الزمنية.
باب القبلة الكبير: من بوابة ضيقة إلى فضاء يستوعب عشرات الآلاف
في 9 كانون الثاني 2024، أعلنت العتبة العباسية أن مشروع التوسعة الخارجية لشارع باب القبلة يتضمن إنشاء صحن كبير يضم عددًا من الأواوين، بمساحة تقارب 15 ألف متر مربع، ويمتد على طول شارع باب القبلة وصولًا إلى شارع الجمهورية.
يمتد المشروع من باب قبلة مرقد أبي الفضل العباس (عليه السلام) حتى شارع الجمهورية لمسافة تقارب 350 مترًا، وبعرض يصل إلى 40 مترًا، بما يتيح إعادة تنظيم واحدة من المناطق الحيوية المحيطة بالمرقد الشريف.
ولا تقتصر التوسعة على فتح مساحة إضافية أمام حركة الزائرين؛ إذ يتضمن المشروع صحنًا فوق الأرض بمساحة تقارب 15 ألف متر مربع، إلى جانب سرداب وخدمات وبنية تحتية مرافقة، مع تصميم يراعي خصوصية المدينة القديمة وطابعها المعماري.
وتتمثل إحدى أهم ركائز المشروع في سرداب باب القبلة الكبير، الذي تبلغ مساحته الإجمالية نحو 30 ألف متر مربع موزعة على طابقين، فيما يصل عمق القناة الخدمية المرتبطة بأعماله إلى نحو 20 مترًا.
والأهم أن هذا السرداب، إلى جانب الصحن، صُمم ليمنح المشروع قدرة استيعابية تتجاوز 120 ألف زائر عند اكتماله، وهو رقم يعكس حجم الرهان على معالجة الزخم خلال مواسم الزيارات المليونية.
وتكمن أهمية المشروع في أنه يعالج مشكلة الازدحام من أكثر من اتجاه؛ فزيادة المساحات المفتوحة تمنح الزائرين مجالًا أوسع للحركة، فيما توفر الأواوين والخدمات المرافقة نقاطًا إضافية للاستراحة والخدمة، وتساعد المسارات الجديدة على توزيع الكثافة البشرية بدلًا من تركزها في نقاط محدودة.
كما جرى تقسيم تنفيذ المشروع إلى ثلاث مراحل بهدف استمرار العمل من دون التأثير في حركة الزائرين، وهي مقاربة تعكس أن التحدي لم يكن إنشاء المشروع فقط، وإنما تنفيذ التوسعة في منطقة حيوية تستمر فيها حركة الزائرين يوميًا.
وفي مرحلة أخرى من المشروع، جرى تنفيذ أعمال إكساء لمساحات خلف أواوين الصحن على مساحة 600 متر مربع، بطول 150 مترًا وعرض 4 أمتار، بهدف تسهيل حركة مرور الزائرين، مع تنفيذ شبكات لتصريف مياه الأمطار أسفل المنطقة.
بهذه الأرقام، لا تبدو توسعة باب القبلة مجرد مشروع عمراني لإضافة مساحة جديدة، وإنما إعادة تنظيم للمجال المحيط بالمرقد الشريف؛ فالمكان الذي كان يستقبل حركة كثيفة من الزائرين يتحول تدريجيًا إلى فضاء أوسع، يضم ساحات وأواوين وخدمات ومسارات أكثر قدرة على استيعاب الحركة.
ومع اكتمال المشروع، تستهدف العتبة العباسية توفير مساحة قادرة على استيعاب أكثر من 120 ألف زائر، بما يسهم في تخفيف الزخم، ولا سيما في الزيارات المليونية.
إن قصة باب القبلة الكبير يمكن اختصارها في معادلة واضحة: 350 مترًا من الامتداد، و40 مترًا من العرض، ونحو 15 ألف متر مربع للصحن، و30 ألف متر مربع للسرداب، وطاقة استيعابية تتجاوز 120 ألف زائر؛ أرقام تتحول على أرض الواقع إلى مساحات أوسع وحركة أكثر انسيابية، في محاولة لمواكبة الزيادة المستمرة في أعداد زائري أبي الفضل العباس (عليه السلام).
relatedinner
صحن أمّ البنين (عليها السلام):إعادة تنظيم الحركة النسوية
في الجهة الشمالية من الحرم الشريف، برز مشروع صحن أمّ البنين (عليها السلام) كأحد الحلول التنظيمية المهمة ضمن منظومة التطوير في العتبة العباسية المقدسة، إذ جاء لمعالجة التكدس المتزايد في حركة الزائرات خلال مواسم الزيارات المليونية، عبر إنشاء فضاء متكامل يعيد توزيع الكثافة البشرية بدل تراكمها في الصحن الرئيس.
ويمتد المشروع على مساحة أرضية تقارب 10 آلاف متر مربع، جرى تطويرها ضمن منظومة متعددة المستويات رفعت إجمالي المساحة المستثمرة إلى نحو 20 ألف متر مربع، شملت السرداب 10,000 م² ، والطابقان الأول والثاني: 4,000 م² لكل منهما ،والساحة الوسطية: 6,000 م² ، ما أتاح توسيع القدرة الاستيعابية وتنوع الاستخدامات داخل الفضاء الواحد.
ويستوعب الصحن ما يقارب 60 ألف زائرة في وقت واحد، ضمن بيئة خدمية متكاملة جُهزت بأنظمة تبريد حديثة، ومصاعد وسلالم كهربائية، ومرافق خدمية وصحية مصممة لتسهيل الحركة والانسيابية، خصوصاً للفئات الأكثر احتياجاً.
وقد أسهم هذا المشروع في تخفيف الضغط المباشر عن الصحن الشريف، وإعادة توزيع حركة الزائرات نحو فضاء مستقل أكثر اتساعاً وتنظيماً، مما انعكس على تحقيق توازن أفضل في تدفق الحشود داخل الحرم، وتحسين مستوى الانسيابية خلال ذروة الزيارات.
المحور الشمالي : إعادة رسم جغرافيا الدخول إلى الحرم
يمتد المحور الشمالي من خلف صحن أمّ البنين (عليها السلام) وصولاً إلى باب بغداد، ليشكّل اليوم أحد أهم المفاصل التنظيمية في منظومة إدارة الحشود داخل العتبة العباسية المقدسة، بعدما جرى تحويله من نسيج عمراني متداخل وكثيف إلى فضاء مفتوح يعمل بوصفه منطقة امتصاص أولية للتدفق البشري القادم من شمال العراق وبغداد.
وقد شملت عمليات التطوير في هذا المحور تنفيذ استملاكات وهدم وإعادة دمج لعشرات الأبنية والفنادق والمحال التجارية، مما أتاح فتح مساحات جديدة تتراوح بين 12 و15 ألف متر مربع، جرى توظيفها كمنطقة تنظيم انتقالية تمهّد لدخول الحشود إلى الحرم الشريف بشكل تدريجي ومنظم.
ويبرز دور هذا المحور اليوم بوصفه نقطة تفكيك رئيسة للكتلة البشرية قبل وصولها إلى الأبواب، إذ يتم توزيع الزائرين على مسارات أوسع وأكثر انسيابية، بما يقلل من الضغط المباشر على المداخل، ويحدّ من حالات التكدس التي كانت تتشكل في النقاط الضيقة سابقاً.
كما أسهم هذا التنظيم في تحسين حركة مواكب العزاء، من خلال منع تقاطعها داخل الممرات الضيقة، وتوفير مسارات أكثر وضوحاً وانسيابية، ما جعل الدخول إلى الحرم والخروج منه ويجري ضمن إيقاع حركي أكثر توازناً وهدوءاً، خصوصاً خلال فترات الذروة في الزيارات المليونية.
خلاصة القول
ما بين التوسعة الأفقية، والسراديب الداخلية، والأبواب والمداخل، والساحات الخارجية، لم يعد الحرم مجرد فضاء يستقبل الزائرين، بل أصبح منظومة هندسية متكاملة تُدار فيها الكثافة البشرية بوصفها عنصراً تنظيمياً قابلاً للتوجيه، لا عبئاً يجب احتواؤه فقط، وذلك ضمن رؤية تطويرية شاملة في العتبة العباسية المقدسة.
في هذه المنظومة، لا تُلغى الحشود، بل يُعاد تشكيل حركتها، ولا يُكسر الزخم، بل يُفكك ويُوزع على مسارات متعددة تتكامل فيما بينها.



































































