وانطلاقا من هذه الرؤية، اتجهت العتبة العباسية المقدسة إلى استثمار الأراضي الصحراوية الواقعة في أطراف مدينة كربلاء المقدسة من ضمن مشاريع تجمع بين التشجير والزراعة؛ وهنا برز مشروع الحزام الأخضر الجنوبي من بين هذه المشاريع، بوصفه انموذجا لتكامل الوظائف البيئية والإنتاجية والترفيهية في مساحة واحدة.
إعادة توظيف الأرض
أنشئ مشروع الحزام الأخضر الجنوبي استجابة لحاجة مدينة كربلاء المقدسة إلى توسيع غطائها النباتي ومواجهة امتداد المناطق الصحراوية المحيطة بها، فضلا عن أداء وظيفة بيئية تتمثل في تحسين بيئة المحافظة والحد من ظاهرة التصحر، فضلا عن عمله كمصد وحاجز طبيعي يفصل الأحياء السكنية عن المناطق الصحراوية المجاورة.
لكنّ هذه الوظائف تراجعت في السنوات التي سبقت تولي العتبة العباسية المقدسة إدارة المشروع، حيث عانى المشروع من الإهمال والتجاوزات لسنوات طويلة؛ الأمر الذي انعكس على واقعه الزراعي والبيئي؛ فقد تحولت مساحات واسعة منه الى مكبات للنفايات، وتعرضت الأشجار إلى الهلاك بنسبة تتراوح بين 60 و90 بالمئة، فضلا عن تعطل عدد من الآبار والمضخات وتهالك منظومات الري؛ فهذا كله أفقد المشروع جزءا كبيرا من دوره الخدمي والإنتاجي.
ومع تبني العتبة العباسية المقدسة مشروع الحزام الأخضر الجنوبي في عام 2022 بدأت مرحلة جديدة هدفها إعادة إحياء الأرض وتطويرها في ضمن خطة عمل تشمل إزالة التجاوزات، وإعادة تأهيل البنية التحتية وصيانة الآبار ومنظومات الري وإنقاذ الأشجار المهددة بالهلاك، فضلا عن استثمار المساحات المتروكة وتحويلها إلى مناطق خضراء منتجة.
والعتبة العباسية المقدسة نظرت إلى الحزام الأخضر الجنوبي بوصفه مشروعا استراتيجيا متعدد الأبعاد، يجمع بين حماية البيئة وتحسين الواقع الخدمي والزراعي، وتوفير فرص العمل، فضلا عن تعزيز الجانب الترفيهي والاجتماعي للمواطنين؛ لذلك عملت على تحويله إلى منظومة متكاملة تضم الواحات الخضراء والبحيرات والمرافق الخدمية ومناطق الاستراحة؛ ليصبح متنفسا ترفيهيا مجانيا لأهالي كربلاء المقدسة وزائريها.
انتعاش المشاهِد الخضراء في كربلاء
إن مشروع الحزام الأخضر الجنوبي أضاف إلى محافظة كربلاء المقدسة (2,700,000 م2) من المساحات الخضراء ذات الغطاء النباتي المتنوع، في منطقة كانت تعاني من امتداد الأراضي الجافة؛ وهذا ما أسهم في إعادة توظيف هذه المساحة في تشكيل نطاق أخضر يعمل على تحسين المشهد البيئي.
فبعد أن تبنت العتبة العباسية المقدسة مشروع الحزام الأخضر الجنوبي أحدثت تغييرا بيئيا واضحا في أطراف كربلاء، حيث نجحت في زراعة آلاف من أشجار المتنوعة الملائمة للبيئة الصحراوية، التي شكلت حزاما نباتيا كثيفا، عمل حاجزا طبيعيا أمام الرياح المحملة بالغبار، وساعد هذا في الحد من تأثير العواصف الترابية وتحسين جودة الهواء في المناطق المحيطة بكربلاء، فضلا عن رفع مستويات الرطوبة وخفض درجات الحرارة وتحسين المناخ؛ ممّا انعكس إيجابا على الواقع البيئي.
وهذا التغيير أدى دورا مهما في إعادة التوازن بالنظام البيئي في المنطقة، عبر توفير بيئة مناسبة لعودة الطيور والكائنات الحية، وتعزيز التنوع النباتي، فضلا عن توفير مساحات واسعة من الظل الطبيعي، ساعدت على تقليل تبخر المياه وتحسين خصائص التربة وزيادة قدرتها على الاحتفاظ بالرطوبة؛ فضلا عن الواحات الخضراء والبحيرة المركزية، التي أسهمت أيضا في تحسين المشهد الطبيعي لأطراف المدينة، وجعلت الحزام الأخضر الجنوبي منظومة طبيعية متكاملة، وأنموذجا عمليا لمشاريع مكافحة التصحر واستصلاح الأراضي.
relatedinner
وظائف متنوعة للأشجار
ما يميز الحزام الأخضر الجنوبي أن الشجرة التي تزرع فيه لا تؤدي وظيفة واحدة؛ فهي في الوقت الذي تسهم فيه في إحداث تغيير بيئي إيجابي، وتكوين غطاء نباتي يواجه قسوة البيئة الصحراوية، يمنح الأرض وظيفة أخرى تتمثل في إنتاج الثمار ودعم الإنتاج الزراعي المحلي.
وغرست العتبة العباسية المقدسة في الحزام الأخضر الجنوبي أكثر من (120 ألف) شجرة، تنوعت بين النخيل والزيتون والسدر والرمان والكالبتوز وغيرها من الأشجار ذات القدرة على التأقلم مع الظروف المناخية وطبيعة التربة الصحراوية؛ وهذا التنوع في الأشجار يفتح للمشروع أكثر من مسار للإنتاج ؛ فالأشجار المثمرة تسهم في رفد الإنتاج الزراعي، في حين تؤدي الأنواع الأخرى غير المثمرة دورا بيئيا يتمثل في دعم الغطاء النباتي وتعزيز قدرة المشروع على مواجهة الظروف الصحراوية؛ وبهذا يصبح التنوع النباتي جزءا من تكامل وظائف الحزام الأخضر، بحيث تتساند فيه الوظيفة البيئية مع الوظيفة الإنتاجية بخلاف عملهما بحال منفردة عن الأخرى.
وبذلك تتضح رؤية العتبة العباسية المقدسة في استصلاح الأراضي الصحراوي، التي لا تقتصر على زيادة المساحات الخضراء، إنما تتجه إلى تحويل الصحراء إلى مساحات خضراء منتجة،إذ تترافق زيادة الغطاء النباتي مع رفع القدرة الإنتاجية للأرض؛ وهذه الرؤية جسدتها العتبة العباسية المقدسة في الحزام الأخضر الجنوبي الذي كان أرضا صحراوية جافة وأصبح الآن أرضا تنتج أكثر من 300 طن من التمور و10 أطنان من الزيتون وكثيرا من الثمار المتنوعة، فضلا عن عدد من المحاصيل الخضرية؛ ولذلك تمثل عملية التشجير وسيلة لمنح الأرض الصحراوية وظيفة إنتاجية تسهم في توسيع قاعدة الإنتاج الزراعي المحلي.
الطبيعة تفتح أبواب الترفيه
عندما تتوسع المساحات المزروعة وتتنوع الأشجار تتشكل بيئة جديدة تمنح الناس مساحات مفتوحة للراحة ومتنفسا تقصده العوائل لقضاء أوقات فراغها بين المناظر الطبيعية؛ وهذا ما أتاحه الحزام الأخضر الجنوبي لسكان وزائري محافظة كربلاء المقدسة، إذ أنشأ أماكن خضراء تستقبل العوائل وتوفر لهم فرصة الترفيه في بيئة مختلفة عن المشهد العمراني المعتاد.
فأنشأت العتبة العباسية المقدسة في الحزام الأخضر الجنوبي 31 واحة زراعية ترفيهية، صممت لتجمع بين الطبيعة ومتطلبات الترفيه، حيث تضم مساحات واسعة للعوائل، وأماكن مخصصة للشواء، وألعابا للأطفال، فضلا عن البحيرات الاصطناعية والجلسات المفتوحة؛ هذا كله جعل الحزام الأخضر الجنوبي مساحات خضراء واسعة تقدم للمجتمع متنفسا ترفيهيّا مجانيًّا.
وهنا تتضح قيمة الحزام الأخضر الجنوبي بوصفه مشروعا تتداخل فيه الوظائف بدل أن تنفصل؛ فالأرض المستصلحة تؤدي دورا بيئيا عن طريق الأشجار المثمرة التي تضفي على المشروع وظيفة إنتاجية، في حين تمنح الواحات والمرافق المنشأة فيها بعدا ترفيهيا واجتماعيا، فتتجمع هذه الأدوار داخل مساحة واحدة لتشكل منظومة بيئية متكاملة تتجاوز الوظيفة التقليدية للتشجير.
هكذا تمكنت العتبة العباسية المقدسة من إعادة صياغة وظيفة الأرض نفسها، لتصبح مساحة خضراء تسهم في تحسين البيئة، وتنتج الثمار، وتوفر متنفسا للناس، وتمنح الأرض الصحراوية قيمة جديدة تتعدد معها أوجه الإفادة منها؛ وهو ما يجعل مشروع الحزام الأخضر الجنوبي نموذجا لاستصلاح الأرض على وفق رؤية لا تكتفي بإعادة الحياة إليها، وإنما تسعى إلى تحويلها إلى مورد يخدم البيئة والإنتاج والمجتمع في وقت واحد.





















































































































































































































