الى

حينما أشرق العالم بنور الصادقين ؛ هكذا احتفت العتبة العباسية المقدسة

حينما أشرقت ذكرى مولد النبي الأكرم محمد وحفيده الإمام جعفر الصادق (صلوات الله عليهما)، ارتدت كربلاء حلّةً من الفرح، وامتدت أصداء المناسبة من رحاب العتبة العباسية المقدسة إلى الجامعات والمحافظات، في مشهدٍ لم يكن الاحتفاء فيه مجرد مظاهر للزينة ؛ بل استحضارًا لسيرةٍ صنعت للإنسان طريقًا من الرحمة والهداية والعلم.

وعلى مدى أيام الذكرى، نسجت العتبة العباسية المقدسة برنامجًا متنوعًا من الفعاليات الثقافية والدينية والقرآنية والأدبية ؛ فتجاورت المسابقات مع المجالس والمحافل، والتقت البحوث العلمية بالقصيدة والقصة، فيما حملت راية أبي الفضل العباس (عليه السلام) رسالة المحبة إلى مدنٍ عراقية متعددة.

وكان أسبوع النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) من أبرز محطات هذا الاحتفاء، متنقلًا بين الجامعات والمحافظات، قبل أن يبلغ ذروته في الحفل المركزي في رحاب العتبة المقدسة.

وفي تفاصيل هذه الفعاليات، بدت المناسبة أكبر من زمنها؛ إذ تحولت ذكرى ولادة النبي والصادق (صلوات الله عليهما) إلى مساحةٍ لإحياء القيم، وتعزيز الوعي بالسيرة، واستعادة حضورها في حياة الأجيال ؛ لتكتب العتبة العباسية المقدسة مشهدًا من الفرح الذي بدأ من الذكرى، واتسع بالثقافة، وأضاءته تلاوات القرآن، واكتمل بأصوات المحبين.



أكاليل الذكرى

حين تُقبل الذكرى المباركة، تتوشّح الأماكن بفرحها، وتغدو الزهور لغةً صامتةً تنطق بالمحبة والولاء، في رحاب أبي الفضل العباس (عليه السلام)، أزهرت أكاليل الورد على شبّاك المرقد الطاهر، تزيّن جنباته بأنفاس الفرح، احتفاءً بذكرى ولادة النبي الأكرم محمد وحفيده الإمام جعفر الصادق (صلوات الله عليهما)، في مشهدٍ تتعانق فيه قدسية المكان مع بهجة المناسبة.

وقد أسهمت ملاكات قسم إدارة الحرم الشريف للمولى أبي الفضل العباس (عليه السلام) بالتعاون مع شعبة السادة الخدم في العتبة العباسية المقدسة، في إضفاء هذه اللمسات التي تحمل بين طياتها معاني المحبة، وتستحضر في ألوانها سيرةَ النور الذي أشرق به مولد النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله) وحفيده الإمام الصادق (عليه السلام).

واعتادت ملاكات القسم في كل مناسبة من مناسبات أهل البيت (عليهم السلام) بتزيين الضريح وماحوله بأكاليل الزهور ؛ لكنّ الزهور كانت في هذه المرّة شاهدةً على الاحتفاء، وكانت أكاليلها أشبه برسائلَ يبعثها المكان إلى الزائرين، تقول إن للفرح في حضرة أهل البيت (عليهم السلام) ملامحَ تليق بقدسية الذكرى، وإن للمحبة طقوسًا لا تحتاج إلى كثير الكلام.

وفي فضاءٍ لا يفصل بين المقدّس والجميل، ازدانت منطقة بين الحرمين الشريفين باللافتات والعبارات المضيئة، التي نشرتها ملاكات قسم بين الحرمين الشريفين في العتبة العباسية المقدسة ؛ لتستقبل الذكرى بألوان الفرح، وتمنح الساحة الوسطية حلّةً تفيض بالابتهاج.

فكانت العبارات الموشّاة بالزينة تستحضر معاني الولادة المباركة، وتنسج حول المكان أجواءً إيمانيةً تليق بقدوم الزائرين إلى كربلاء المقدسة، حيث تتلاقى الخطى على دروب المحبة، وتسمو الأرواح وهي تستذكر مواطن النور من سيرة النبي الأكرم وحفيده الإمام الصادق (صلوات الله عليهما).

إنها تفاصيل صغيرة في ظاهرها، كبيرة في دلالاتها؛ وردةٌ تُعلّق، ورايةٌ تُرفع، وعبارةٌ تُكتب ؛ لكنها جميعًا تنتمي إلى ذاكرةٍ واحدة، ذاكرةٍ تتزيّن كل عام بأكاليل الوفاء، وتستعيد أفراحها في رحاب العتبات المقدسة.

فيما وزعت ملاكات شعبة السادة الخدم في العتبة العباسية المقدسة الحلوى على الزائرين، بمناسبة ولادة الصادقَين (عليهما السلام)، بمشاركة نائب الأمين العام للعتبة المقدسة السيد محمد علي أزهر.

وجاءت المبادرة لمشاركة الزائرين أفراحهم بهذه المناسبة المباركة، ولإحياء ذكرى ولادة النبي الأكرم وحفيده الإمام جعفر الصادق (صلوات الله عليهما).

وشهدت الفعالية توزيع الحلوى في صحن مرقد أبي الفضل العباس (عليه السلام)، وسط أجواء من البهجة والسرور بين الزائرين.

وهكذا تتواصل جهود ملاكات العتبة العباسية المقدسة في تهيئة المكان وإظهاره بأبهى صورة ؛ لإحياء المناسبات الدينية بما ينسجم مع جلالها ومكانتها ؛ ولتبقى منطقة بين الحرمين فضاءً نابضًا بالجمال والإيمان، وليظلّ الفرح بذكرى أهل البيت (عليهم السلام) حاضرًا في تفاصيل المكان... كأكاليل وردٍ لا تذبل، وذكرى لا يغيب عبيرها.



فعاليات سبقت الاحتفاء

قبل أن تتزيّن أروقة العتبة العباسية المقدسة بألوان الفرح، كانت الذكرى المباركة قد بدأت ترسم حضورها في القلوب، عبر باقةٍ من الفعاليات التي استحضرت سيرة النور، وفتحت للزائرين والمؤمنين أبوابًا من المعرفة والزيارة والدعاء، تمهيدًا لاستقبال ذكرى ولادة الرسول الأعظم محمد وحفيده الإمام جعفر الصادق (صلوات الله عليهما).

وفي هذا السياق، أطلقت الأمانة العامة للعتبة العباسية المقدسة مسابقتها الثقافية الخاصة بالمناسبة، لتكون المعرفة إحدى نوافذ الاحتفاء، وليمتد الفرح من مظاهر الزينة إلى فضاء الفكر والوعي، في دعوةٍ لاستذكار سيرة النبي الأكرم وحفيده الإمام الصادق (صلوات الله عليهما)، واستلهام ما في سيرتهما العطرة من هدايةٍ ونور.

وأعلنت أسماء الفائزين العشرة عبر منصات العتبة المقدسة يوم الجمعة 28/8/2026، وتم استلام الجوائز في الحفل المقام عند باب القبلة لمرقد أبي الفضل العباس (عليه السلام) ؛ وذلك في يوم الأحد 30/8/2026، الموافق 16 ربيع الأول 1448، في تمام الساعة الثامنة والنصف مساءً.

ولأن للفرح موعدًا وللجائزة لحظةً تكتمل بحضور أصحابها، اشترطت المسابقة حضور الفائز إلى الحفل لاستلام جائزته، فيما أُتيح لمن يتعذر عليه الحضور أن يراجع قسم الشؤون المالية في العتبة العباسية المقدسة في ضمن مدة لاتتجاوز الأسبوعين من تأريخ إعلان النتائج، مصطحبًا إحدى وثائقه الثبوتية الأصلية، البطاقة الوطنية أو جواز السفر، لغرض استلام الجائزة.

ولم تتوقف مبادرات الاحتفاء عند حدود المسابقة، بل امتدت ؛ لتحمل الأشواق من كربلاء إلى المدينة المنورة؛ إذ أعلنت شعبة تقنية المعلومات والشبكات التابعة لقسم إعلام العتبة العباسية المقدسة فتح باب التسجيل لأداء مراسم الزيارة بالنيابة عن الرسول الأكرم وحفيده الإمام جعفر الصادق (صلوات الله عليهما)، في ذكرى ولادتهما المباركة.

وكانت تلك الزيارة موعدًا آخر مع المحبة؛ تُؤدّى من جوار رياضهما المشرفة في المدينة المنورة والبقيع الغرقد، حيث تتلاقى الخطى مع الذكر، وتتحول المسافات إلى جسورٍ من الولاء، وتصل الدعوات من قلوب المحبين إلى مراقد النور.

وأُتيح للراغبين في أداء الزيارة التسجيل عبر نافذة الزيارة بالنيابة المنبثقة من شبكة الكفيل العالمية، لتتولى أداءها مجموعة من المؤمنين المتطوعين من سكنة مدينة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، في صورةٍ تجسد معنى أن تكون المحبة فعلًا، وأن يكون الوفاء زيارةً ودعاءً، مهما باعدت بين القلوب الدروب.

وتضمنت مراسم الزيارة أداء الزيارة المخصوصة للرسول الأكرم وحفيده الإمام الصادق (صلوات الله عليهما)، والصلاة بنية قضاء الحوائج وتيسير الأمور؛ لتغدو هذه المبادرة مساحةً روحيةً يودع فيها المؤمنون حوائجهم وأمنياتهم عند أعتاب أهل النور.

وهكذا، سبقت مظاهر الاحتفاء خطوات من المعرفة والزيارة والدعاء؛ فكانت المسابقة تستنطق الذاكرة، وكانت الزيارة تحمل الأشواق، وكانت الدعوات تمهّد الطريق لذكرى وُلدت معها بشائر الرحمة والنور.

احتفاءٌ بدأ قبل أن تُرفع رايات الفرح، وقبل أن تتوشّح الأماكن بالزينة؛ بدأ في القلوب، حيث تكون الذكرى أولَ أعياد المحبة.

relatedinner



احتفالات مركزية

في ليلةٍ ازدانت فيها كربلاء بعبق الذكرى، وامتلأت فضاءات العتبة العباسية المقدسة بأصداء المحبة والفرح، أقامت العتبة المقدسة حفلها المركزي إحياءً لذكرى ولادة النبي الأعظم محمد وحفيده الإمام جعفر الصادق (صلوات الله عليهما)، في احتفاءٍ استعاد من سيرة الصادقين صفحاتٍ من النور والهداية.

وأقيم الحفل في باحة باب القبلة لمرقد أبي الفضل العباس (عليه السلام)، حيث اجتمعت القلوب قبل الأجساد، بحضور عضو مجلس إدارة العتبة المقدسة الدكتور أفضل الشامي، وعدد من مسؤوليها، وشخصيات دينية وأكاديمية، إلى جانب جمعٍ غفير من الزائرين الذين توافدوا إلى المكان، حاملين معهم فرح المناسبة ومشاعر الولاء.

واستُهلّ الحفل بتلاوةٍ عطرة من آيات الذكر الحكيم ؛ فكان القرآن أول ما صدحت به أرجاء المكان، لتأتي كلمة العتبة العباسية المقدسة بعد ذلك ألقاها الشيخ علي موحان، وابتدأها بتقديم التهاني للحاضرين وللأمة الإسلامية بهذه المناسبة المباركة، مستعرضًا محطاتٍ من حياة النبي الأكرم والإمام جعفر الصادق (صلوات الله عليهما)، ومبيّنًا منزلتهما الرفيعة وما حفلت به مسيرتهما المباركة من مواقف وتحديات ومصاعب.

ثم توالت فقرات الاحتفال ؛ لتتخذ الذكرى أكثر من لغة؛ فحلّ الشعر ضيفًا على المناسبة، وصدحت الأناشيد الدينية بألحان الفرح والولاء، لترسم في فضاء الحفل مشهدًا تتجاور فيه الكلمة مع النشيد، وتلتقي فيه مشاعر الزائرين عند ذكرى ولادتين أضاءتا سماء الرسالة والإمامة.

وأوضح عضو لجنة الاحتفالات المركزية في العتبة المقدسة السيد عقيل الياسري أن الحفل تضمّن فقراتٍ متنوعة، شملت إلقاء القصائد الشعرية والأناشيد الدينية الخاصة بالمناسبة، بما أسهم في إضفاء أجواءٍ من البهجة والروحانية على الاحتفاء.

واختُتمت الأمسية بتكريم الفائزين في المسابقة الثقافية الإلكترونية التي أعدّتها الأمانة العامة للعتبة المقدسة عبر قسم الشؤون الفكرية والثقافية، في ختامٍ جمع بين المعرفة والاحتفال؛ إذ شهدت المسابقة مشاركة أكثر من (4500) مشارك، فيما بلغت الإجابات الصحيحة (3600) إجابة، دخل أصحابها القرعة التي أسفرت عن اختيار عشرة فائزين ؛ ليتوجوا مشاركتهم في هذه الذكرى المباركة بالتكريم.

ولم يبقَ الفرح حبيس رحاب العتبة المقدسة، بل امتدّ إلى فضاءات الحزام الأخضر، حيث نظّم قسما الحزام الأخضر الجنوبي الأول والثاني التابعان للعتبة العباسية المقدسة حفلين لإحياء ذكرى ولادة النبي الأكرم محمد والإمام جعفر الصادق (صلوات الله عليهما).

وأقيم الحفل الأول في واحة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) في ضمن الحزام الأخضر الجنوبي الأول، فيما احتضنت واحة بدر الدجى في الحزام الأخضر الجنوبي الثاني الحفل الآخر ؛ لتتحول الواحتان إلى فضاءين من الفرح يستعيدان عبق المناسبة ويحتفيان بميلاد الصادقين.

واستُهلّ الحفلان بتلاوةٍ عطرة من آيات الذكر الحكيم، أعقبتها فقرات شعرية وإنشادية، ترددت أصداؤها في فضاء الواحتين، وسط حضور مسؤولي قسمي الحزام الأخضر وعدد من العوائل العراقية ؛ ليكتمل بذلك مشهد الاحتفاء، وتتوزع أنواره بين رحاب المرقد الطاهر وفضاءات كربلاء.

كما احتفت شعبة التوجيه الديني النسوي التابعة لمكتب المتولّي الشرعي للشؤون النسوية في العتبة العبّاسية المقدّسة بذكرى ولادة النبي الأكرم محمد وسبطه الإمام جعفر الصادق (صلوات الله عليهما).

وقالت مسؤولة وحدة الأنشطة في الشعبة السيدة رجاء علي البوهاني: إنّ "الشعبة نظّمت حفلًا بذكرى ولادة النبي الأكرم وسبطه الإمام الصادق (صلوات الله عليهما) في سرداب الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) داخل صحن مرقد أبي الفضل العباس (عليه السلام)".

وأضافت أنَّ "الاحتفال استُهلَّ بتلاوة آيات من الذكر الحكيم بصوت القارئة زهراء حسين، أعقبتها محاضرة عقائدية بعنوان (بين ميثاق الفطرة وميثاق الأنبياء)، سلطت الضوء على وظائف الأنبياء وضرورة بعثتهم منذ بدء الخليقة وصولًا إلى خاتمهم النبي محمّد (صلّى الله عليه وآله)، مستندةً إلى كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة".

وأشارت البوهاني إلى أنَّ "المحاضرة تناولت قابلية الإنسان واستعداده لبلوغ المراتب العليا عن طريق الاستجابة لله تعالى ولرسله، والاحتكام إلى العقل ونقاء الفطرة التي فطر الله الناس عليها، مبينة، أن البرنامج شهد مسابقة ثقافية بعنوان (صناديق المعرفة)، شاركت فيها مجموعة من الحاضرات، بهدف تعزيز الثقافة الدينية والاطلاع على مصادرها الصافية".

وأوضحت أنَّ "الشعبة خصَّصت برنامجًا للأطفال بعنوان (براعم الكفيل)، تضمَّن فقرات متنوِّعة للتعريف بسيرة النبي الأكرم والإمام الصادق (عليهما السلام)، بأسلوب يتناسب مع أعمارهم، فضلًا عن توزيع الهدايا على المشاركين". وبيَّنت أنَّ "فقرات البرنامج تخلّلها إلقاء عدد من القصائد والأهازيج، قدَّمتها مجموعة من قارئات الوحدة القرآنية التابعة للشعبة ابتهاجًا بهذه المناسبة، واختُتمت الفقرات بقراءة دعاء الفرج، تعجيلًا لظهور مولانا صاحب العصر والزمان (صلوات الله وسلامه عليه)".

كما وضم البرنامج الاحتفائي مسابقة ميدانية للزائرات في الصحن المطهر تضمنت مجموعة من الأسئلة الثقافية حول السيرة النبوية الشريفة وكيفية إحياء هذه المناسبة العطرة.

فيما أقام قسم التطوير والتنمية المستدامة في العتبة العباسية المقدسة احتفالية بمناسبة ذكرى ولادة النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله) والإمام الصادق (عليه السلام)، تخللتها قرعة لاختيار الفائزين في المسابقات التي نظمها القسم ضمن فعاليات الموكب الثقافي العام في زيارة الأربعين المباركة.

وقال رئيس القسم، الدكتور محمد حسن جابر: إنّ "الاحتفالية أُقيمت لطلبة أكاديمية التطوير الإداري ومنتسبي القسم، احتفاءً بهذه المناسبة المباركة، وتضمنت إجراء قرعة للمشاركين في المسابقات التي نظمها القسم خلال زيارة الأربعين".

وأضاف أنّ "قسم التطوير والتنمية المستدامة أقام مجموعة من الأنشطة والمسابقات ضمن فعاليات الموكب الثقافي العام للعتبة العباسية المقدسة خلال الزيارة؛ بهدف التواصل مع الزائرين وتعزيز ارتباطهم بالعتبة المقدسة".

وأوضح جابر أنّ "القرعة شملت مجموعة من الجوائز المخصصة للمشاركين" مبيّنًا أنّه "سيتم التواصل مع الفائزين عبر أرقام هواتفهم لتسليمهم جوائزهم داخل العراق وخارجه".

من جانبه، قال معاون رئيس القسم، السيد علي الشمري: إنّ الاحتفالية جاءت احتفاءً بذكرى الولادة العطرة للنبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله)، واستثمارًا لهذه المناسبة المباركة في إجراء قرعة للمشاركين في فعاليات الموكب الثقافي العام.

وهكذا اتخذت الذكرى أكثر من مكانٍ لتروي حكاية الفرح؛ من باحة باب القبلة، حيث احتشد المحبون حول المناسبة، إلى واحات الحزام الأخضر، حيث تعانقت أصوات الشعر والإنشاد مع سكينة المكان، فكانت كربلاء في تلك الأيام تستعيد ولادتي النبي الأكرم والإمام الصادق (صلوات الله عليهما) لا بوصفهما ذكرى تُروى فحسب، بل فرحًا يتجدد، ونورًا تتوارثه القلوب.




فعاليات أحيت الذكرى

لم تكن ذكرى ولادة النبي الأكرم محمد وحفيده الإمام جعفر الصادق (صلوات الله عليهما) مناسبةً تُستعاد بالكلمات وحدها، بل كانت فضاءً اتسعت فيه دوائر الاحتفاء، وتنوّعت فيه الفعاليات بين القرآن والثقافة والإنشاد، حتى غدت الذكرى المباركة حضورًا نابضًا في القلوب والمكان.

وفي رحاب العتبة العباسية المقدسة، أشرقت إحدى صور هذا الاحتفاء عن طريق مسابقة «أشرقت بشائر الرحمة» القرآنية الوطنية، التي نظمتها شعبة السيدة فاطمة بنت أسد (عليها السلام) للدراسات القرآنية، التابعة لمكتب المتولي الشرعي للشؤون النسوية، احتفاءً بكتاب الله العزيز، وتشجيعًا للنساء على حفظه وإتقان تلاوته.

وأقيمت المسابقة في نسختها الأولى تحت شعار «نور على نور.. كتاب الله ومولد الرسول»، فالتقت فيها بشارة المولد النبوي بنور القرآن، وتحولت المنافسة إلى مساحةٍ جمعت حافظات كتاب الله على مائدة التلاوة والحفظ والمراجعة والإتقان.

وشهدت مراحل المسابقة إقبالًا واسعًا، إذ بلغ عدد المسجلات 524 حافظة من عشر محافظات عراقية، فيما شاركت 330 حافظة في المرحلة الإلكترونية، التي أفضت إلى تأهل 125 حافظة إلى المنافسات الحضورية التمهيدية.

وتوزعت المنافسات على خمسة مستويات، بحسب مقدار الحفظ، شملت خمسة أجزاء، وعشرة أجزاء، وخمسة عشر جزءًا، وعشرين جزءًا، وثلاثين جزءًا ؛ لتجد كل حافظة مساحتها الخاصة في ميدان التنافس على وفق ما حملته في صدرها من آيات الكتاب العزيز.

وخضعت المتسابقات في المنافسات الحضورية لاختبارات مباشرة في جودة الحفظ وأحكام التجويد، بإشراف لجان تحكيمية متخصصة تولت تقويم أدائهن على وفق المعايير المعتمدة، وصولًا إلى اختيار المتأهلات للمراحل اللاحقة.

ثم بلغت المسابقة مرحلتها النهائية بمشاركة 30 حافظة تأهلن من مختلف المحافظات العراقية، فاجتمعن في محطةٍ قرآنية جعلت التنافس سبيلًا إلى المزيد من التثبيت والإتقان، والحفظ عهدًا متجددًا مع كتاب الله.

وامتدت أجواء المسابقة إلى فضاءات الإنشاد والشعر، إذ قدّمت فرقة «سنا الهدى» للتواشيح القرآنية التابعة للشعبة فقراتٍ إنشادية وموشحات قرآنية وأبياتًا شعرية تناولت فضل القرآن الكريم ومكانة أهله وحفظته والعاملين به، فأضفت على المشهد أجواءً من الروحانية والجمال.

وهكذا تجاوزت «أشرقت بشائر الرحمة» حدود كونها مسابقةً للحفظ ؛ لتتحول إلى مساحةٍ لرعاية الحافظات وتحفيز التنافس القرآني وتعزيز حضور كتاب الله في الحياة، فالتقت بشائر المولد ببشائر القرآن، وكان عنوانها يختصر المشهد كله: نورٌ على نور، وكتاب الله في القلوب، وذكرى الرسول في الوجدان.

وامتد إشعاع الذكرى إلى مناطق بعيدة من خارطة العراق، حين أطلق المجمع العلمي للقرآن الكريم في العتبة العباسية المقدسة المحفل الأول من «أسبوع ولادة النور القرآني» من ضمن مشروع «منابر النور» في محافظة المثنى.

وأقام المحفل معهد القرآن الكريم في المثنى ومركز المشاريع القرآنية التابعان للمجمع في ناحية بصية، الواقعة في قلب بادية المثنى، وعلى مسافات شاسعة من مركز المحافظة ؛ ليؤكدا أن رسالة القرآن لم تكن تعرف حدودًا للمكان، وأن الوصول إلى المناطق البعيدة كان جزءًا من سعي المجمع إلى نشر الثقافة القرآنية وتعزيز حضور ذكر أهل البيت (عليهم السلام) في مختلف المناطق.

وجاء المحفل متزامنًا مع ذكرى ولادة النبي الأعظم محمد والإمام جعفر الصادق (صلوات الله عليهما)، فاحتضنت قاعة المناسبات في الناحية أصواتًا قرآنيةً وقلوبًا اجتمعت على الفرح، وسط حضورٍ وتفاعلٍ من أهالي المنطقة.

واستُهلت الفعاليات بتلاوةٍ عطرة بصوت قارئ العتبة المقدسة محمد الركابي، فكان القرآن أول ما افتتح به المحفل، قبل أن تُلقى كلمة الأستاذ في الحوزة العلمية في النجف الأشرف، سماحة السيد رياض الحكيم، الذي استعرض جوانب من سيرة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، مستحضرًا ما حملته شخصيته المباركة من قيمٍ ومواقفَ إنسانية.

وشهد المحفل فقرةً خاصة لاستعراض مهارات حفّاظ القرآن الكريم، بمشاركة السيد محمود هاشم، وقد لاقت الفقرة تفاعلًا واستحسانًا كبيرين من الحاضرين، قبل أن تُختتم الفعاليات بتلاوةٍ مباركة بصوت القارئ أحمد جمال الركابي.

وبين حافظةٍ حملت القرآن في صدرها، ومحفلٍ صدح بالآيات في قلب البادية، تنوّعت صور الاحتفاء، لكن المعنى ظل واحدًا؛ لتكون ذكرى النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) مناسبةً يتجدد فيها العهد بالقرآن، وأن يمتد نور الرسالة إلى حيث تكون القلوب عطشى للمعرفة والذكر.

فكان الاحتفاء هذه المرة قرآنًا يُتلى، وحفظًا يُصان، وصوتًا يشقّ سكون البادية، وذكرىً أضاءت القلوب قبل أن تضيء المكان.



أسبوع النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) الثقافي

اختتمت دار الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، التابعة لقسم الشؤون الفكرية والثقافية في العتبة العباسية المقدسة، فعاليات أسبوع النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) الثقافي، الذي أُقيم احتفاءً بذكرى المولد النبوي الشريف، في برنامجٍ ثقافي تنوّعت محطاته بين البحث والمعرفة والشعر والقصة.

واحتضنت قاعة الإمام الحسن (عليه السلام) في العتبة العباسية المقدسة، صباح يوم الإثنين 31/8/2026م، الموافق 17 ربيع الأول 1448هـ، فعاليات المحطة الختامية من الأسبوع، التي انطلقت عند الساعة التاسعة صباحًا، بحضور عدد من الشخصيات الأكاديمية والثقافية والمهتمين بالشأن الفكري.

واستُهلت فعاليات اليوم الختامي بتلاوة آيات من الذكر الحكيم، أعقبها نشيد العتبة العباسية المقدسة، ثم كلمة دار الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، التي استحضرت مكانة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) في الوجدان الإسلامي، وأهمية استلهام سيرته في بناء الوعي وتعزيز القيم الإنسانية.

وشهد البرنامج تقديم ورقتين بحثيتين تناولتا جوانب معرفية من الفكر النبوي؛ حملت الأولى عنوان «استشراف المستقبل في الحديث النبوي الشريف»، وقدمها الدكتور حيدر تقي العلاق من جامعة واسط، فيما حملت الثانية عنوان «الخاتمية، قراءة معاصرة»، وقدمها الدكتور حسام العبيدي من جامعة الكفيل ؛ لتفتح الورقتان مساحاتٍ من التأمل والحوار حول حضور الحديث النبوي في قراءة الحاضر واستشراف المستقبل.

وتضمّن البرنامج كذلك إعلان نتائج المسابقة الشعرية الخاصة بالإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، إلى جانب نتائج مسابقة أفضل مجموعة قصصية عن النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)، في مساحةٍ جمعت بين الإبداع الأدبي والاحتفاء بالشخصيات والموضوعات التي شكّلت محور هذه الفعاليات.

واختُتمت أعمال اليوم بتكريم المشاركين والفائزين، في مشهدٍ أسدل الستار على أسبوعٍ ثقافي حمل اسم النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)، وجمع في محطاته بين الكلمة والبحث والشعر والقصة، مؤكدًا أن الاحتفاء بالسيرة النبوية لم يكن استذكارًا للماضي فحسب، بل نافذةً لإعادة قراءة قيمها واستحضار حضورها في واقع الإنسان.

وكان أسبوع النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) قد أُقيم عبر ثلاث محطات ثقافية؛ إذ احتضنت كلية التربية للعلوم الإنسانية في جامعة الموصل محطته الأولى، فيما أُقيمت محطته الثانية في كلية التربية الأساسية بجامعة واسط يوم الأحد 30/8/2026م، قبل أن تختتم فعالياته بمحطته الثالثة والأخيرة في رحاب العتبة العباسية المقدسة.



إشعاع الأسبوع في المحافظات

لم يبقَ وهج الذكرى المباركة محصورًا في رحاب العتبة العباسية المقدسة ؛ بل امتدّ كخيطٍ من نور إلى مدن العراق ومحافظاته، حاملًا معه سيرة النبي الأعظم محمد (صلى الله عليه وآله)، وما تختزنه من قيم الرحمة والإنسانية والوحدة، فكانت الفعاليات التي أقامتها العتبة المقدسة محطاتٍ التقت فيها المعرفة بالمحبة، وتجاورت فيها الكلمة مع الذكرى، واتسعت فيها دوائر الاحتفاء من المجالس إلى الجامعات.

في محافظة السليمانية، أقامت الأمانة العامة للعتبة العباسية المقدسة، بالتعاون مع مسجد وحسينية الحكيم، حفلًا لإحياء ذكرى ولادة النبي الأعظم محمد وحفيده الإمام جعفر الصادق (صلوات الله عليهما)، نظمته شعبة الخطابة للتبليغ الحسيني، وسط حضورٍ من المؤمنين الذين شاركوا في إحياء المناسبة واستعادة عبقها الروحي.

وأوضح الشيخ حسن الطائي، من الشعبة، أن الحفل جاء من ضمن مشروعٍ أطلقته العتبة العباسية المقدسة في مناطق مختلفة من البلاد، لإقامة الاحتفالات والمهرجانات إلى جانب المجالس الحسينية، بهدف نشر ثقافة أهل البيت (عليهم السلام)، وترسيخ قيمها في مواجهة ثقافة العنف والتطرف التي تسعى إلى بث الفرقة وهدم ما شيده الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) من أسسٍ قائمة على الرحمة والوحدة وصون الإنسان.

من جانبه، بيّن إمام مسجد وحسينية الحكيم الدكتور عصمت الخاقاني أن حضور العتبة العباسية المقدسة في المحافظة لم يكن وليد هذه المناسبة، إذ سبقتها على مدى عامٍ كامل مبادرات وفعاليات متعددة، شملت الاحتفاليات ومجالس العزاء، مؤكدًا أن العتبة المقدسة رعت تلك المناسبات وأسهمت في دعم إقامتها.

وأشار الخاقاني إلى أن خصوصية السليمانية، بما تتميز به من تنوعٍ ديني وعرقي وقومي، جعلت من إقامة هذه المناسبات مساحةً تتجاوز الاحتفاء الديني إلى ترسيخ معاني الوحدة والتعايش والوئام بين مكونات الشعب العراقي، معربًا عن شكره وتقديره للمتولي الشرعي للعتبة العباسية المقدسة سماحة العلامة السيد أحمد الصافي، ولملاكات العتبة الذين قطعوا المسافات وتحمّلوا عناء السفر لإقامة هذه المحافل وإحياء المناسبات.

وفي ختام الاحتفال، حمل وفد العتبة العباسية المقدسة إلى أهالي السليمانية راية مرقد أبي الفضل العباس (عليه السلام) ؛ لتكون الراية رسالة محبةٍ عابرة للمسافات، وظلًا من ظلال المرقد الطاهر في مدينةٍ احتضنت الذكرى بقلوبها.

ومن السليمانية إلى الموصل، واصلت العتبة العباسية المقدسة نشر إشعاع الذكرى، فأطلقت دار الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، التابعة لقسم الشؤون الفكرية والثقافية، بالتعاون مع كلية التربية للعلوم الإنسانية في جامعة الموصل، فعاليات أسبوع النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) الثقافي، لتأخذ المناسبة مسارًا آخر، حملها من فضاء الاحتفال إلى رحاب البحث العلمي وقراءة السيرة النبوية.

وبيّن معاون رئيس قسم الشؤون الدينية في العتبة المقدسة الشيخ عادل الوكيل أن إقامة هذه الفعاليات جاءت من ضمن اهتمام العتبة بإحياء المناسبات الدينية عبر برامج علمية وثقافية رصينة، مشيرًا إلى أن فعاليات هذا العام تضمنت بحوثًا علمية تناولت جوانب متعددة من شخصية النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله).

وأوضح أن العتبة اختارت أن يكون الاحتفاء بالمولد النبوي عبر البحث العلمي واستقراء السيرة النبوية، ولا سيما في ظل الحاجة إلى استلهام القيم التي جسدها النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، من الرحمة والإنسانية والصدق والعدل، وغيرها من القيم التي جعلت من سيرته نموذجًا خالدًا للإنسانية.

وأكد الوكيل أن العودة إلى السيرة النبوية والاقتداء بمنهج النبي الأخلاقي باتت حاجةً ملحة للمجتمعات ؛ لما تمثله شخصيته المباركة من نموذج إنساني أسس على الرحمة والقيم السامية، لافتًا إلى أن أسبوع النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) تنقّل بين عدد من الجامعات العراقية، عن طريق إقامة الفعاليات العلمية وتقديم البحوث والمشاركات التي عرّفت بسيرته وأضاءت جوانب من شخصيته.

وفي جامعة الموصل، أكد رئيس قسم علوم القرآن والتربية الإسلامية الدكتور مضر حيدر محمود أن فعالية هذا العام اختلفت عن الاحتفالات التقليدية، نتيجة الشراكة بين كلية التربية للعلوم الإنسانية والعتبة العباسية المقدسة، مبينًا أن المناسبة ارتقت من احتفالٍ يقتصر على الكلمات والقصائد والأناشيد إلى مؤتمرٍ علمي تناول سيرة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، بمشاركة باحثين من داخل الجامعة وخارجها.

وتناولت البحوث شخصية النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) وسيرته المباركة، فضلًا عن صلتها بالتشريع الإسلامي من ضمن ثلاثة محاور علمية، على أن تُجمع تلك البحوث في كتابٍ ينشر فيما بعد ؛ ليبقى النتاج العلمي للمؤتمر شاهدًا على احتفاءٍ اختار للذكرى لغة البحث والمعرفة.

أما في واسط، فأقامت دار الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، بالتعاون مع كلية التربية الأساسية في جامعة واسط، فعاليةً ثقافية وعلمية تزامنت مع ذكرى المولد النبوي الشريف.

واستُهلت الفعالية بتلاوة آياتٍ من الذكر الحكيم، أعقبتها كلمة دار الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، ثم كلمة كلية التربية الأساسية، قبل أن تتوالى أربعة بحوثٍ علمية تناولت جوانب من شخصية النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) وسيرته المباركة، لتُختتم الفعالية بتكريم الباحثين والمشاركين في إنجاحها.

وبيّن عضو دار الرسول الأعظم الدكتور أحمد حسن الغانمي أن الفعالية مثّلت المحطة الثانية من الأسبوع الثقافي، بعد انطلاقه من جامعة الموصل، على أن تُختتم فعالياته بالحفل المركزي في رحاب العتبة العباسية المقدسة.

وأوضح أن اختيار الجامعات العراقية لاحتضان محطات الأسبوع جاء لما تمثله من صروحٍ علمية تضم قاماتٍ أكاديمية، الأمر الذي أسهم في تعزيز الاهتمام العلمي بالسيرة النبوية، ورفع مستوى الوعي بها، وتشجيع الباحثين على شحذ أقلامهم للدفاع عن السيرة وإبراز ما تحمله من قيمٍ إنسانية وحضارية.

وأشار الغانمي إلى أن إحياء ذكرى ولادة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) لم يكن استذكارًا لمولد شخصية عظيمة فحسب ؛ بل كان إحياءً لقيم الأمة وتقاليدها، واستعادةً للدور العظيم الذي أدّته هذه الشخصية المباركة في خدمة الإنسانية.

وهكذا تنقّل أسبوع النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) بين السليمانية والموصل وواسط، واختلفت الأمكنة وتنوّعت المنابر، لكن المعنى ظل واحدًا؛ أن تمتد سيرة النبي من صفحات التأريخ إلى حياة الناس، ومن رحاب الذكرى إلى فضاءات العلم، وأن يظل نوره حاضرًا في المدن والجامعات والقلوب.



الحفل الختامي لأسبوع النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)

في ختام أسبوعٍ حمل اسم النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)، وتنقّل بين فضاءات العلم والمعرفة، عادت الذكرى إلى رحاب العتبة العباسية المقدسة ؛ لتُسدل الستار على أيامٍ استُحضرت فيها السيرة النبوية بوصفها نورًا ممتدًا للوعي، وقيمًا ظلّت قادرةً على هداية الإنسان في طرق الحاضر واستشراف المستقبل.

وأقامت دار الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، التابعة لقسم الشؤون الفكرية والثقافية في العتبة العباسية المقدسة، فعاليات الحفل الختامي للأسبوع، تزامنًا مع ذكرى مولد النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) ؛ وذلك في قاعة الإمام الحسن (عليه السلام)، وسط حضورٍ رسمي وأكاديمي وثقافي جمع المهتمين بالسيرة النبوية، واستعاد معاني المناسبة ووقف عند بعضٍ من أبعادها الفكرية والإنسانية.

وشهد الحفل حضور الأمين العام للعتبة المقدسة السيد مصطفى مرتضى آل ضياء الدين، ونائبه السيد محمد علي أزهر، وعدد من مسؤوليها، إلى جانب نخبةٍ من الشخصيات الأكاديمية والمهتمين بالسيرة النبوية، في مشهدٍ التقت فيه أجواء الاحتفاء بفضاءات البحث والفكر.

واستُهلت الفعاليات بتلاوةٍ عطرة من آيات الذكر الحكيم بصوت القارئ ليث العبيدي، أعقبتها قراءة سورة الفاتحة ترحمًا على أرواح الشهداء، ثم صدح نشيد العتبة العباسية المقدسة «نشيد الإباء»، قبل أن تُلقى كلمة دار الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) على لسان رئيس قسم الشؤون الفكرية السيد عقيل الياسري.

واستهل الياسري كلمته باستحضار المعنى الأعمق للمولد النبوي، مؤكدًا أن الاحتفاء لم يكن وقوفًا عند ذكرى تأريخية مضت، وإنما كان استحضارًا لولادة الرسالة في أفق الإنسانية، ولولادة القيم التي أعادت للإنسان مكانته، وللحياة معناها، وللأخلاق منزلتها.

وبيّن أن الوفاء للنبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) لم يكن ينبغي أن يتوقف عند حدود الاحتفاء بالمناسبة، بل كان يفترض أن يتحول إلى معرفةٍ بسيرته، واستلهامٍ لأخلاقه، وتجديدٍ لحضوره في وعي الأجيال، بما يجعل الذكرى فعلًا مستمرًا في بناء الإنسان، لا مناسبةً عابرة في الذاكرة.

وأوضح أن دار الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) انطلقت لتجعل من العناية بالنبي الأكرم وسيرته مشروعًا علميًا وثقافيًا متواصلًا، ينفتح على الجامعات والباحثين والأدباء والمبدعين، ويتخذ من البحث الرصين والثقافة وسيلتين لترسيخ القيم وتعميق الصلة برسالة السماء، وإبقاء السيرة النبوية حاضرةً في فضاء الفكر والوعي.

وأشار إلى أن هذا المشروع لم يكن ليتسع ويستمر لولا الرعاية الكريمة والاهتمام المتواصل من الأمانة العامة للعتبة العباسية المقدسة، التي جعلت من دعم العلم والثقافة، وخدمة سيرة النبي الأعظم وآله الطيبين (صلوات الله عليهم)، مشروعًا أصيلًا من ضمن مشاريعها، مقدمًا الشكر والامتنان لهذه الرعاية التي وفرت للأنشطة أسباب النجاح والاستمرار.

وتوقف الياسري عند تنوع فعاليات الأسبوع، مبينًا أنها جاءت في صورةٍ جمعت بين أجناس المعرفة والإبداع؛ فاحتضنت المسابقة الشعرية الخاصة بالإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، في مناسبةٍ التقى فيها مولده المبارك مع مولد جده رسول الله (صلى الله عليه وآله)، إلى جانب مسابقة المجموعة القصصية، وبحثين علميين ؛ لتكتمل بذلك ملامح الأسبوع بين العلم والبحث، والشعر والقصة، والفكر والإبداع.

ولم تكن هذه الفعاليات، بحسب ما عكسته الكلمة، مجرد محطاتٍ للاحتفاء ؛ بل جسورًا تربط الذكرى بالمعرفة، والسيرة بالوعي، والإبداع بالقيم ؛ لتظل شخصية النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) حاضرةً في وجدان الأجيال لا بوصفها صفحةً من الماضي، وإنما رسالةً تتجدد مع كل قراءة، وكل بحث، وكل كلمةٍ تستلهم من سيرته طريقًا إلى الإنسان.

وفي ختام كلمته، وجّه الياسري شكره إلى الجامعات والأساتيذ والباحثين والأدباء، وإلى جميع المشاركين في أسبوع النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)، وكل من أسهم في إنجاح فعالياته، مؤكدًا أن ما تحقق كان ثمرةً لتضافر الجهود وتكامل الأدوار في سبيل إبقاء السيرة النبوية حيّةً في فضاء العلم والثقافة والإبداع.



جلسات بحثية

في ختام أسبوع النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) الثقافي، اتجه الاحتفاء من فضاء المناسبة إلى رحاب الفكر والبحث، فشهدت فعاليات الحفل الختامي جلسةً علمية ناقشت ورقتين بحثيتين تناولتا حضور السنة النبوية، وقضية خاتمية النبوة في الفكر الإسلامي المعاصر، في محاولةٍ لقراءة الموروث النبوي بلغةٍ تستجيب لأسئلة الإنسان المعاصر وتستضيء بأبعاد الرسالة.

ونظمت فعاليات الأسبوع دار الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، التابعة لقسم الشؤون الفكرية والثقافية في العتبة العباسية المقدسة، تزامنًا مع ذكرى المولد النبوي الشريف، لتكون الجلسة البحثية إحدى محطاته التي جمعت بين الاحتفاء بالذكرى وتعميق البحث في مضامين السيرة والرسالة.

وترأس الجلسة الدكتور داوود الزبيدي، واستُهلت بورقة بحثية حملت عنوان «استشراف المستقبل في الحديث النبوي الشريف»، قدمها الدكتور حيدر تقي العلاق، الذي تناول فيها مكانة السنة النبوية بوصفها مصدرًا رئيسًا من مصادر التشريع الإسلامي، تأتي بعد القرآن الكريم في مراتب الاستدلال.

وأوضح العلاق أن السنة النبوية، بحسب ما عرّفها أهل الاختصاص، تمثلت بقول النبي (صلى الله عليه وآله) وفعله وتقريره، مبينًا أن هذه الأبعاد الثلاثة شكّلت أساسًا مهمًا في فهم النص القرآني وتفسير كثير من مفاهيمه وأحكامه، وأن استيعاب جانبٍ كبير من مضامين القرآن الكريم لم يكن ليكتمل بمعزل عن البيان النبوي.

وانتقلت الجلسة إلى الورقة البحثية الثانية، التي قدمها الدكتور حسام العبيدي تحت عنوان «الخاتمية: قراءة معاصرة»، فبحثت في قضية ختم النبوة من زاويةٍ معاصرة، مستندةً بصورة رئيسة إلى رؤية مرتضى مطهري، بعد تقديم مجموعة من المقدمات الضرورية لفهم مفهوم الخاتمية وأبعاده الفكرية.

وركز العبيدي على طبيعة النضج والتكامل الذي بلغته البشرية، موضحًا أن التسليم بوجود مسيرة تطورية وتكاملية للإنسان لا يكفي وحده لتقديم تفسيرٍ دقيق للحكمة من انقطاع النبوة وختمها ؛ بل يستلزم الوقوف على طبيعة هذا النضج، ومستوى التكامل الذي وصلت إليه البشرية، لفهم الدلالات الكامنة وراء ختم سلسلة النبوات.

والورقتان شكلتا مساحةً للحوار العلمي حول مصدر التشريع النبوي وموقعه في بناء الفهم الإسلامي، إلى جانب قضية الخاتمية وما تثيره من أسئلةٍ فكرية تتصل بمسيرة الإنسان وتطوره، لتؤكد الجلسة أن الاحتفاء بسيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) لم يقتصر على استذكار مولده ؛ بل امتد إلى إعادة قراءة رسالته ومفاهيمها، واستنطاق دلالاتها في ضوء أسئلة الحاضر.

وبذلك جاءت الجلسة البحثية امتدادًا لروح أسبوع النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)، الذي جعل من السيرة النبوية ميدانًا للبحث والتأمل، ومن الذكرى المباركة نافذةً تطل منها المعرفة على الماضي، لتستشرف عن طريقه أسئلة المستقبل.



فوزٌ وتكريم

في ختام أسبوع النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) الثقافي، أُسدلت ستارة المنافسات الأدبية على مشهدٍ احتفى بالكلمة وهي تستلهم نور النبوة والإمامة، فأعلنت العتبة العباسية المقدسة أسماء الفائزين في المسابقة الشعرية الخاصة بالإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، من ضمن فعاليات الحفل الختامي للأسبوع، الذي نظمته دار الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) التابعة لقسم الشؤون الفكرية والثقافية، تزامنًا مع ذكرى مولد النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله).

وجاء إعلان النتائج تتويجًا للمشاركات الشعرية التي استحضرت سيرة الإمام الصادق (عليه السلام) ومكانته العلمية والفكرية، فكان الشعر مساحةً للوفاء، ومنبرًا تتلاقى عنده الكلمة مع الذاكرة، والإبداع مع المحبة.

وأسفرت نتائج المسابقة عن فوز، مصطفى عبد الأمير النصراوي /العراق ، حسين علي آل عمار / السعودية، علي نجم عبد الله / العراق ، أحمد كاظم خضير /العراق ، محمد جبار لفته /العراق /، مهدي النهيري /العراق ، علي حميد مجيد الشويلي /العراق ، حسن عكلة ثجيل ديوان / العراق ، كريم صبري الناصري من العراق ، عادل علوان حسين الصويري / العراق.

وفي مسابقة المجموعة القصصية عن سيرة الرسول الأعظم محمد (صلى الله عليه وآله)، تقرر حجب الجائزة، لعدم بلوغ النصوص المشاركة المرتبة التي تؤهلها للفوز ؛ وذلك يؤكد اعتماد المعايير الأدبية والفنية في تقويم الأعمال المقدمة.

ولم يقتصر ختام الأسبوع على إعلان الفائزين؛ بل تم الاحتفاء بكل من أسهم في صناعة فعالياته، إذ كرمت العتبة العباسية المقدسة المشاركين والمسهمين في أسبوع النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) الثقافي، تثمينًا لجهودهم العلمية والفكرية وإسهاماتهم في إنجاح برامجه.

وتناوب على مراسم التكريم نائب الأمين العام للعتبة المقدسة السيد محمد علي أزهر، ومستشار الأمين العام السيد طلال البير، ورئيس قسم العلاقات العامة السيد عدنان الصفار، ومعاون رئيس قسم الشؤون الدينية الشيخ عادل الوكيل، في مشهدٍ اختُتمت فيه رحلة أسبوعٍ جمع الباحثين والأدباء والمشاركين تحت راية السيرة النبوية.

وجاء أسبوع النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) الثقافي من ضمن برامج دار الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، التي هدفت إلى تقديم السيرة النبوية بأساليب علمية وثقافية متنوعة، وتعزيز حضورها في وعي الأجيال، عبر البحوث والفعاليات الأدبية والثقافية، والانفتاح على الجامعات والمؤسسات الأكاديمية.

وهكذا انتهى الأسبوع، لكن الكلمة التي قيلت فيه، والبحث الذي قُدّم، والقصيدة التي كُتبت، والتكريم الذي وُجّه إلى أصحاب الجهد، بقيت جميعها امتدادًا لذكرى أرادت العتبة المقدسة أن تجعلها حاضرةً في فضاء المعرفة والإبداع؛ فحين تكون السيرة النبوية مصدرًا للإلهام، يصبح الأدب جسرًا يعبر منه نورها إلى الأجيال.
تعليقات القراء
لايوجد تعليقات لعرضها
إضافة تعليق
الإسم:
الدولة:
البريد الإلكتروني:
إضافة تعليق ..: