وقد جاء المؤتمر بوصفه محطة علمية سعت إلى إعادة قراءة الصلة الوثيقة بين القرآن الكريم وعترة النبي محمد صلى الله عليه وآله، متجاوزًا النظر إليها بوصفها قضية تراثية محضة، ليفتح آفاقًا رحبة أمام البحث العلمي في مجالات التفسير والفكر والعقيدة والسيرة واللغة والأدب والحجاج والتنمية البشرية.
وانعقد المؤتمر في 31 آب 2026، ضمن فعاليات ملتقى أسبوع الرسالة الأول، الذي امتدت برامجه من 30 آب إلى 3 أيلول 2026، احتفاءً بأسبوع الولادة النبوية المباركة، وتجديدًا للعناية برسالة النبي المصطفى محمد صلى الله عليه وآله، وإحياءً لأمره وأمر أهل بيته عليهم السلام.
وشكّل المؤتمر -بما حمله من رؤى وبحوث ونقاشات - مساحةً علمية التقت فيها المعرفة الأكاديمية مع الموروث الرسالي، في محاولة لاستجلاء أبعاد العلاقة بين الكتاب والعترة، واستثمارها في بناء خطاب معرفي معاصر يستمد أصالته من القرآن الكريم وهدي النبي وأهل بيته عليهم السلام.
لماذا مؤتمر القرآن والعترة؟
لم يكن اختيار عنوان «مؤتمر القرآن والعترة الدولي الأول» اختيارًا عابرًا أو مجرد جمعٍ بين مفردتين حاضرتين في الذاكرة الدينية والتراثية، بل انطلق من رؤية علمية ومعرفية أرادت أن تضع العلاقة بين القرآن الكريم وعترة النبي محمد صلى الله عليه وآله في مركز البحث والدراسة، وأن تتعامل معها بوصفها علاقةً تأسيسية في فهم الرسالة الإسلامية ومصادرها ومساراتها المعرفية.
وقد انطلق المؤتمر من رؤية أساسية مفادها أن فهم القرآن الكريم لم يكن منفصلًا عن معرفة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، وعن معرفة عترته الطاهرة؛ فالقرآن الكريم مثّل الوحي المنزل والكتاب الإلهي الذي حمل رسالة الهداية، فيما كان النبي صلى الله عليه وآله المبلّغ عن الله، والمبيّن لمعاني الكتاب، والمجسّد لتعاليمه في القول والفعل والسلوك.
ثم جاءت العترة الطاهرة، في الرؤية العلمية التي تبناها المؤتمر، بوصفها امتدادًا معرفيًا لهدي الرسالة وحافظةً لميراثها العلمي والروائي والتفسيري.
لم يُنظر إلى القرآن والعترة بوصفهما موضوعين منفصلين يمكن دراسة كل واحد منهما بمعزل عن الآخر، وإنما بوصفهما ثنائية معرفية متكاملة تفتح للباحث أبوابًا واسعة لفهم النص القرآني، واستجلاء دلالاته، وتتبع تطبيقاته في السيرة والفكر والعقيدة والأخلاق والمجتمع.
ولهذا جاء شعار المؤتمر: «نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ»، فيما حمل عنوانه الرئيس: «القرآن الكريم والعترة الطاهرة».
وقد عكس هذا الاختيار الرغبة في استحضار العلاقة العميقة بين النور والكتاب، وبين الوحي وتبليغه، وبين النص وتفسيره وتجسيده في الواقع؛ إذ لم يكن القرآن في الرؤية التي انطلق منها المؤتمر كتابًا منفصلًا عن التجربة النبوية، كما لم تكن السيرة النبوية والعترة الطاهرة منفصلتين عن الكتاب الذي حملته الرسالة إلى الإنسان.
واستند اختيار هذه الثنائية كذلك إلى ما يمثله مفهوم الثقلين في التراث الإسلامي من حضور مركزي في بناء الرؤية الدينية والمعرفية؛ إذ أتاح هذا المفهوم للمؤتمر أن يطرح سؤالًا أوسع من حدود التناول التقليدي:
- - كيف يمكن قراءة القرآن في ضوء الموروث العلمي المروي عن النبي وأهل بيته عليهم السلام؟
- - وكيف يمكن فهم تراث العترة الطاهرة بوصفه جزءًا من منظومة الهداية التي ارتبطت بالكتاب الكريم؟
لم يكن الهدف من المؤتمر تقديم مقاربة وعظية أو احتفالية للقرآن والعترة فحسب، على الرغم من أن انعقاده جاء في أجواء أسبوع الرسالة الأول وما حمله من دلالات إيمانية وثقافية، بل سعى إلى نقل الموضوع إلى فضاء البحث الأكاديمي المنهجي، وفتح مجالات جديدة أمام الباحثين والمتخصصين لدراسة النصوص القرآنية، والروايات الواردة عن النبي وأهل بيته عليهم السلام، والمصادر التراثية والعلمية، وإخضاعها للقراءة والتحليل والمقارنة والنقد العلمي.
وبذلك اتسعت دائرة المؤتمر لتتجاوز حدود الدراسات القرآنية بالمعنى الضيق، وتتشعب نحو حقول معرفية متعددة، شملت التفسير وعلوم القرآن، والعقيدة والكلام، والفكر الإسلامي، والسيرة والتاريخ، واللغة والأدب، والحجاج، والأخلاق، والتنمية البشرية، وغيرها من المجالات التي يمكن أن تستفيد من التفاعل بين النص القرآني والموروث المعرفي للعترة الطاهرة.
وكانت أهمية هذه المقاربة تكمن في أنها سعت إلى تحويل المادة التراثية من نصوص متداولة في الذاكرة الدينية إلى موضوعات بحثية قابلة للدراسة الأكاديمية والنقاش العلمي، إذ لا يبقى الحديث عن القرآن والعترة في إطار التلقي العام، وإنما ينتقل إلى فضاء الأسئلة والمنهجيات والتحليل والاستنتاج.
ومثّل المؤتمر محاولةً لبناء مساحة علمية يلتقي فيها النص القرآني مع الموروث الروائي، والتراث مع المنهج الأكاديمي، والأصالة مع أسئلة البحث المعاصر، بما يتيح إعادة قراءة العلاقة بين القرآن والعترة من زوايا متعددة، واستكشاف قدرتها على إنتاج معرفة دينية وإنسانية قادرة على التواصل مع حاجات الحاضر وتحدياته.
ولذلك جاء المؤتمر بوصفه مشروعًا معرفيًا أكثر من كونه فعالية علمية عابرة؛ فقد أراد أن يجعل من القرآن الكريم والعترة الطاهرة محورًا لسؤال علمي مفتوح، يبحث في مصادر المعرفة، وطرائق الفهم، وأدوات التفسير، وحدود العلاقة بين النص والسياق، وكيف أسهمت المدرسة النبوية والعترية في حفظ معاني الرسالة وتفسيرها وتجسيدها عبر الأجيال.
اكتسب عنوان «القرآن والعترة» دلالته الأوسع؛ إذ عبّر عن محاولة لاستعادة وحدة المنظومة المعرفية للرسالة، وربط الكتاب بمن حملوا رسالته وبيّنوا معانيه، بما يجعل البحث فيهما معًا مدخلًا لفهم أعمق للقرآن، وللنبوّة، وللهداية، وللتراث الإسلامي في امتداداته العلمية والفكرية والإنسانية.
من يقف وراء المؤتمر؟
لم يقف وراء مؤتمر القرآن والعترة الدولي الأول طرف واحد، بل جاء انعقاده ثمرة تعاون مؤسسي جمع بين العتبات المقدسة، والمؤسسات الأكاديمية، ومراكز التراث والدراسات الفكرية، في صورة عكست رغبةً واضحة في بناء مشروع معرفي تتكامل فيه الخبرة الدينية مع أدوات البحث العلمي الأكاديمي.
وأقيم المؤتمر برعاية الأمانتين العامتين للعتبتين المقدستين الحسينية والعباسية، في إطار الاهتمام بالمشروعات العلمية والفكرية التي تتصل بالقرآن الكريم وسيرة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وتراث أهل البيت عليهم السلام، ولا سيما تلك التي تسعى إلى تقديم هذا التراث ضمن أطر بحثية قادرة على مخاطبة الوسط الأكاديمي والثقافي المعاصر.
وتولى قسم الشؤون الفكرية والثقافية في مقام معجزة رد الشمس لأمير المؤمنين عليه السلام مهمة تنظيم المؤتمر، واضطلع بدور أساسي في الإعداد له وترتيب محاوره وتنسيق مشاركاته، بما أسهم في تحويل فكرة المؤتمر من عنوان فكري إلى فعالية علمية متكاملة احتضنت الباحثين والمؤسسات المشاركة.
وجاء التنظيم بالتعاون مع مركز تراث الحلة التابع للعتبة العباسية المقدسة، بما يمتلكه المركز من اهتمام بتحقيق التراث ودراسته وإبراز النتاج العلمي والفكري لمدينة الحلة ورموزها العلمية، إلى جانب كلية العلوم الإسلامية في جامعة بابل، التي مثّلت الجانب الأكاديمي الجامعي في المشروع، وأسهم حضورها في تعزيز الطابع البحثي للمؤتمر وربطه بالمناهج العلمية المتخصصة.
كما شاركت كلية الإمام الكاظم عليه السلام/ أقسام بابل في هذا التعاون، لتكتمل بذلك منظومة مؤسسية ضمت أكثر من مسار معرفي، والتقت فيها المؤسسات الدينية والأكاديمية والتراثية حول موضوع واحد تتعدد داخله الحقول والأسئلة.
ولم يكن هذا التنوع في الجهات المنظمة والمشاركة مجرد تفصيل إداري، بل شكّل في حد ذاته أحد أبرز ملامح المؤتمر؛ إذ قدّم أنموذجاً للشراكة بين المؤسسة الدينية والجامعة ومراكز التراث والتحقيق والدراسة.
فالمؤسسة الدينية امتلكت فضاءها المعرفي والرسالي، والجامعة امتلكت أدوات البحث الأكاديمي ومناهجه، فيما أسهمت مراكز التراث في استحضار المصادر والمخطوطات والموروث العلمي وإعادة قراءته وتحقيقه.
ومن خلال هذا التلاقي، سعى المؤتمر إلى تجاوز الحدود التقليدية بين هذه المؤسسات، وإيجاد مساحة مشتركة لا يكون فيها التراث حبيس التداول العام، ولا يكون البحث الأكاديمي منفصلًا عن مصادره الأصيلة، وإنما يلتقي الطرفان في مشروع واحد يهدف إلى إنتاج معرفة أكثر تخصصًا ورصانة، تجمع بين أصالة المادة ودقة المنهج.
وقد منح هذا التعاون المؤتمر بعدًا يتجاوز انعقاد جلسات علمية أو تقديم بحوث متخصصة؛ إذ بدا أقرب إلى تجربة مؤسسية حاولت اختبار إمكانية بناء شراكات مستدامة بين الحوزة والجامعة ومؤسسات التراث، والاستفادة من القدرات العلمية المتنوعة التي تمتلكها كل جهة، وصولًا إلى دراسات أكثر عمقًا في القرآن الكريم والعترة الطاهرة.
وجاء كل ذلك ضمن فعاليات ملتقى أسبوع الرسالة الأول، الذي احتضن المؤتمر بوصفه أحد أبرز محطاته العلمية، في سياق الاحتفاء بالولادة النبوية المباركة وإحياء أمر النبي المصطفى وأهل بيته عليهم السلام، وربط المناسبات الدينية بمشروعات علمية وثقافية تفتح المجال أمام البحث والحوار وتبادل الرؤى.
عكس المؤتمر منذ الجهات التي وقفت وراءه فلسفةً تقوم على التكامل لا الانفراد؛ فالمشروع لم يُرَد له أن يكون نتاج مؤسسة واحدة، بل مساحة تلتقي فيها المرجعيات العلمية، والخبرة التراثية، والإمكانات الأكاديمية، من أجل مقاربة القرآن والعترة بوصفهما موضوعًا معرفيًا واسعًا يستحق أن تُستثمر فيه مختلف أدوات البحث والدراسة.
الجهد العلمي بدأ قبل انعقاد المؤتمر
لم يبدأ مؤتمر القرآن والعترة الدولي الأول لحظة افتتاح جلساته في 31 آب 2026، بل كان ذلك اليوم تتويجًا لمسار علمي وإداري بدأ قبل أشهر، وتدرج عبر مراحل متعددة من التعريف بالمشروع، واستقبال البحوث، وفرزها، وتحكيمها، ومراجعتها، وصولًا إلى إعداد البرنامج النهائي للمؤتمر.
فالمؤتمر، في صورته النهائية، لم يكن وليد مناسبة عابرة، وإنما ثمرة جهد تحضيري سابق شاركت فيه اللجان العلمية والجهات الأكاديمية والتراثية والتنظيمية، بما يعكس رغبة القائمين عليه في أن تبدأ القيمة العلمية للفعالية من مرحلة اختيار البحث نفسه، لا من لحظة عرضه أمام الحضور.
وفي أيار 2026، سبقت أعمال المؤتمر خطوة مهمة تمثلت في إقامة كلية العلوم الإسلامية في جامعة بابل ندوة تعريفية بالمؤتمر، بالتعاون مع الهيأة العليا لإحياء التراث في العتبة العباسية المقدسة.
وقد حملت الندوة وظيفة تتجاوز التعريف بموعد المؤتمر وشروط المشاركة؛ إذ مثّلت مساحة لشرح الفكرة العلمية التي قام عليها المشروع، وإيضاح مجالات البحث التي أتاحها أمام الأكاديميين والباحثين، وتشجيع المختصين على التفاعل مع موضوعاته ومحاوره.
وشهدت الندوة حضور عميد كلية العلوم الإسلامية الدكتور حسن عبيد المعموري، وممثل المرجعية الدينية العليا في بابل السيد رسول الموسوي، إلى جانب عدد من الشخصيات الأكاديمية والدينية والتدريسيين، في مشهد عكس طبيعة الشراكة التي قام عليها المؤتمر منذ مراحله الأولى.
وركزت الندوة على المحاور الثلاثة التي شكّلت الهيكل العلمي للمؤتمر، وهي: دراسات في رحاب القرآن الكريم، ودراسات في رحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله، ودراسات في رحاب الإمام الصادق عليه السلام.
وكان تقديم هذه المحاور في مرحلة مبكرة ذا أهمية خاصة؛ لأنه وضع الباحث أمام خارطة واضحة للموضوعات التي يمكن أن تتحرك ضمنها الدراسة، وفتح المجال أمام اختيار موضوعات أكثر تخصصًا وانسجامًا مع أهداف المؤتمر.
كما حملت الندوة دعوة صريحة للباحثين إلى عدم التعامل مع موضوع القرآن والعترة بوصفه عنوانًا عامًا، وإنما باعتباره مجالًا واسعًا للبحث العلمي، يمكن أن ينتج دراسات في التفسير والعقيدة والفكر والسيرة واللغة والحجاج والتنمية البشرية وغيرها من الحقول.
وفي الوقت نفسه، أكدت الندوة أن الغاية من استحضار هذه المعارف لم تكن الوقوف عند حدود المعرفة النظرية، وإنما السعي إلى ترجمة المعرفة بالقرآن والعترة إلى وعي وسلوك، بما يربط بين البحث الأكاديمي وبين أثره في الإنسان والمجتمع.
ومع اقتراب موعد المؤتمر، انتقل العمل إلى مرحلة أكثر تخصصًا ، ففي تموز 2026 عقدت اللجنة العلمية اجتماعًا تحضيريًا لمتابعة البحوث المقدمة، والوقوف على مراحل إنجازها، وتنظيمها بما ينسجم مع المحاور العلمية المعلنة.
وتضمنت مهام اللجنة فرز البحوث بحسب محاور المؤتمر، وهي خطوة أساسية لضمان عدم خروج الدراسات عن الإطار الموضوعي المحدد، ثم إرسالها إلى المقومين العلميين المختصين لإخضاعها إلى المراجعة والتحكيم.
كما تناولت اللجنة موضوع فحص نسب الاستلال في البحوث الواردة، في إطار التأكد من أصالتها وسلامتها العلمية، والتعامل مع المشاركات القادمة من داخل العراق وخارجه، وهو ما أضاف إلى العمل التحضيري بُعدًا أكاديميًا يتناسب مع طبيعة المؤتمر الدولية.
ولم تقتصر أعمال اللجنة على الجانب البحثي، بل ناقشت أيضًا التفاصيل المرتبطة بتنظيم المؤتمر وإدارته، ومنها استقبال الباحثين والضيوف، ومكان انعقاد الفعاليات، والبرنامج الزمني للجلسات، والمتطلبات الفنية واللوجستية.
وهنا ظهرت الصورة الأوسع للمؤتمر؛ فالبحث العلمي لم يكن منفصلًا عن التنظيم، والتنظيم لم يكن منفصلًا عن المحتوى، وإنما عملت الجوانب المختلفة ضمن مسار واحد هدفه الوصول إلى مؤتمر قادر على تقديم مادة علمية منظمة، واستقبال الباحثين بصورة تليق بطبيعة الحدث ومكانته.
وتكشف هذه المرحلة التحضيرية عن جانب مهم في فلسفة المؤتمر، وهو أن البحث لم يكن يُعد مقبولًا لمجرد تقديمه، وإنما مرّ بسلسلة من الإجراءات العلمية التي بدأت باستلامه وفرزه وفق المحور، ثم مراجعته وإحالته إلى المقومين، فضلًا عن فحص الاستلال والتأكد من استيفائه للشروط المطلوبة.
وبذلك أصبح التحكيم جزءًا من صناعة المنتج العلمي للمؤتمر، لا مجرد إجراء يسبق الجلسات. فالهدف لم يكن أن تمتلئ قاعات المؤتمر بعنوانات بحثية كثيرة، وإنما أن تصل إلى الجلسات دراسات تمتلك قدرًا من الأصالة والارتباط بالمحاور والمنهجية العلمية.
كما أن استقبال البحوث من داخل العراق وخارجه أضفى على المرحلة التحضيرية بعدًا إضافيًا، إذ تطلب الأمر تنظيم المشاركات وتصنيفها والتعامل معها ضمن سياق علمي موحد، بما يضمن للباحثين مساحة عادلة للعرض والنقاش، ويحافظ في الوقت نفسه على وحدة المعايير المعتمدة.
ومن خلال هذه المراحل، بدا واضحًا أن المؤتمر لم يُقدَّم بوصفه فعالية تبدأ عند اعتلاء الباحث منصة الحديث وتنتهي بانتهاء الجلسة، بل بوصفه مشروعًا بحثيًا متكاملًا يمتد من الفكرة إلى البحث، ومن البحث إلى التحكيم، ومن التحكيم إلى المناقشة، ثم إلى ما يمكن أن ينتجه المؤتمر من معرفة وتواصل علمي.
فالمراحل التي سبقت الانعقاد كشفت عن عناية بالبحث قبل عرضه، فيما أظهرت الندوة التعريفية اهتمامًا بإشراك الباحثين منذ وقت مبكر في تحديد طبيعة المشروع وفهم أهدافه ومحاوره.
وبذلك اتخذ المؤتمر مسارًا تصاعديًا واضحًا: التعريف بالمشروع في أيار، ومتابعة علمية وتحكيمية في تموز، ثم انعقاد المؤتمر في 31 آب 2026 ضمن فعاليات أسبوع الرسالة الأول.
ولم تكن هذه المحطات منفصلة عن بعضها، وإنما شكّلت حلقات في سلسلة واحدة؛ فالندوة فتحت الباب أمام التفاعل العلمي، واللجنة العلمية تولت متابعة المادة البحثية وتقويمها، ثم جاءت جلسات المؤتمر لتمنح تلك الجهود فضاءً للحوار والمناقشة وتبادل الرؤى.
ومن هنا يمكن القول إن الجهد العلمي للمؤتمر بدأ قبل المؤتمر نفسه؛ بدأ حين طُرحت فكرته، وحين دُعي الباحثون إلى التفكير في محاوره، وحين بدأت البحوث تصل إلى اللجان المختصة، ثم حين خضعت للمراجعة والتحكيم والتنقيح.
أما انعقاد المؤتمر فلم يكن إلا المرحلة التي ظهرت فيها إلى العلن حصيلة ذلك المسار الطويل من العمل العلمي والتنظيمي.
وهذه الرؤية جعلت من المؤتمر أكثر من مناسبة تجمع الباحثين في مكان واحد؛ إذ سعى إلى بناء دورة معرفية متكاملة تبدأ بالسؤال العلمي، مرورًا بالبحث والتحكيم، وتنتهي بالنقاش والتفاعل، على أمل أن تتحول المعرفة المنتجة حول القرآن الكريم والنبي الأكرم والعترة الطاهرة عليهم السلام إلى وعي أعمق، وخطاب أكثر تخصصًا، وأثرٍ يتجاوز حدود قاعة المؤتمر إلى المجال الثقافي والتربوي والمجتمعي.
relatedinner
المؤتمر ضمن أسبوع الرسالة
لم يأتِ مؤتمر القرآن والعترة الدولي الأول منفردًا عن سياقه الثقافي والديني، ولم يكن فعالية علمية معزولة عن بقية البرامج، بل شكّل إحدى المحطات الرئيسة في ملتقى أسبوع الرسالة الأول، الذي احتضن مجموعة من الفعاليات العلمية والثقافية والفكرية المرتبطة بأسبوع الولادة النبوية المباركة.
وأقيم الملتقى خلال المدة من 30 آب إلى 3 أيلول 2026، في أجواء احتفائية استحضرت ذكرى ولادة النبي الأكرم محمد صلى الله عليه وآله، وجاءت فعالياته محاولةً للجمع بين البعد الإيماني للمناسبة والبعد العلمي والثقافي الذي يمكن أن تتأسس عليه عملية إحياء الرسالة في الوعي المعاصر.
وفي قلب هذا البرنامج الواسع، برز مؤتمر القرآن والعترة الدولي الأول بوصفه فعالية علمية حملت موضوعًا يتصل مباشرة بجوهر الرسالة النبوية؛ فالحديث عن القرآن الكريم وعترة النبي صلى الله عليه وآله لم يكن منفصلًا عن الحديث عن الرسالة نفسها، بل مثّل محاولة للاقتراب من مصادرها المعرفية، ومن منظومة الهداية التي حملها النبي الأكرم وبيّن معالمها وجسّدها في حياته.
ومن هنا اكتسب المؤتمر، داخل أسبوع الرسالة، دلالة تتجاوز كونه مؤتمرًا متخصصًا في مجموعة من البحوث الأكاديمية؛ إذ أصبح جزءًا من مشروع ثقافي أوسع أراد أن يجعل من ذكرى الولادة النبوية مناسبة لإعادة طرح الأسئلة المتعلقة بالرسالة ومصادرها ومضامينها وآثارها في حياة الإنسان.
فبدل أن تبقى المناسبة في إطار الاحتفاء التقليدي، جاءت فعاليات أسبوع الرسالة لتمنحها مساحة أخرى تقوم على المعرفة والحوار والبحث؛ إذ التقت في الملتقى البرامج الثقافية والفكرية والعلمية، ليصبح الاحتفاء بالنبي صلى الله عليه وآله متصلًا بمحاولة دراسة تراثه، وفهم رسالته، واستجلاء امتداداتها الفكرية والإنسانية.
وفي هذا السياق، اكتسب مؤتمر القرآن والعترة أهمية خاصة، لأنه تناول العلاقة بين القرآن الكريم والنبي والعترة الطاهرة عليهم السلام، وهي علاقة تتصل على نحو مباشر بمفهوم الرسالة وهدايتها ومصادر المعرفة فيها. ولذلك بدا المؤتمر وكأنه الجانب الأكاديمي من الاحتفاء، أو المساحة التي انتقلت فيها المناسبة من الذاكرة والوجدان إلى البحث والسؤال والتحليل.
كما أن إدراج المؤتمر ضمن فعاليات الملتقى أتاح له جمهورًا وسياقًا أوسع؛ فلم يعد حضوره مقتصرًا على الباحثين المشاركين في جلساته، وإنما أصبح جزءًا من مشهد ثقافي عام جمع الأكاديميين والباحثين والشخصيات الدينية والثقافية والمهتمين بالشأن المعرفي والتراثي.
وهذا التداخل بين المناسبة الدينية والفعالية العلمية حمل دلالة مهمة؛ فإحياء ذكرى النبي صلى الله عليه وآله لم يُفهم بوصفه استعادة لحدث تاريخي فحسب، وإنما بوصفه فرصة لاستعادة مضامين الرسالة نفسها، والبحث في مصادرها وقيمها وآفاقها، ومحاولة تحويل المعرفة بها إلى خطاب قادر على التفاعل مع أسئلة الإنسان والمجتمع في الحاضر.
ومن هذه الزاوية، أخذ أسبوع الرسالة طابعًا يتجاوز مفهوم الاحتفال الموسمي؛ إذ سعى إلى بناء فضاء تتكامل فيه الذاكرة الدينية مع النشاط الثقافي، والاحتفاء مع البحث، والتراث مع المعرفة المعاصرة.
وكان مؤتمر القرآن والعترة أحد أبرز التعبيرات عن هذا التوجه، من خلال تقديمه مادة علمية متخصصة تتصل مباشرة بالنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وبالقرآن الكريم وعترته الطاهرة.
كما أن توقيت انعقاد المؤتمر في 31 آب 2026، ضمن أيام الملتقى الممتدة من 30 آب إلى 3 أيلول، جعله جزءًا من تسلسل فعاليات متكاملة، لا حدثًا منفصلًا عن السياق العام.
فالمؤتمر جاء في قلب أسبوع أراد أن يستعيد صورة الرسالة من أكثر من زاوية، وأن يفتح أمامها مساحات للحوار العلمي والثقافي.
وبذلك، اتخذ أسبوع الرسالة الأول من المناسبة النبوية منطلقًا لمشروع أوسع، بينما مثّل مؤتمر القرآن والعترة إحدى أهم أدواته في تحويل هذا الاحتفاء إلى إنتاج معرفي قابل للنقاش والدراسة والتداول.
وهنا تكمن خصوصية المؤتمر؛ فهو لم يكن مجرد مؤتمر علمي أُقيم بالتزامن مع مناسبة دينية، بل أصبح جزءًا من رؤية أرادت أن تقول إن أفضل صور إحياء الرسالة لا تقتصر على استحضار ذكراها، وإنما تمتد إلى دراسة نصوصها، وفهم تراثها، وتحليل أفكارها، واستكشاف قدرتها على صناعة الوعي وبناء الإنسان.
ومن ثم، منح ارتباط المؤتمر بأسبوع الرسالة الأول الحدث بعدًا مضاعفًا: بعدًا علميًا فرضته طبيعة البحوث والمحاور والتحكيم، وبعدًا ثقافيًا ورساليًا فرضه السياق الذي انعقد فيه.
وبين البعدين تشكلت صورة مؤتمر أراد أن يجعل من الاحتفاء بالنبي المصطفى صلى الله عليه وآله مناسبة لإنتاج المعرفة حول رسالته، ومن المعرفة طريقًا إلى إحياء مضامين تلك الرسالة في الوعي والسلوك.
المحاور العلمية للمؤتمر
لم تُبنَ الخارطة العلمية لمؤتمر القرآن والعترة الدولي الأول على محور واحد ضيق، وإنما جاءت في ثلاثة مسارات رئيسة، أرادت أن تحيط بالعلاقة بين القرآن الكريم والنبي الأكرم وأهل بيته عليهم السلام من زوايا معرفية متعددة، وأن تتيح للباحثين الانتقال من دراسة النصوص إلى بحث ما أنتجته تلك النصوص من رؤى فكرية وعقدية ولغوية وتربوية وإنسانية.
وقد توزعت المشاركات البحثية على ثلاثة محاور رئيسة، تفرع عن كل محور عدد من المجالات العلمية، بما أتاح للمؤتمر مساحة واسعة لاستقبال الدراسات المتخصصة، مع المحافظة في الوقت نفسه على وحدة الموضوع العام للمؤتمر.
المحور الأول: دراسات في رحاب القرآن الكريم ، واختص المحور الأول بالدراسات المرتبطة بالقرآن الكريم، وتفرع إلى مجموعة من المجالات، شملت:أهل البيت عليهم السلام والقرآن الكريم - الدراسات الفكرية والثقافية - الدراسات اللغوية والأدبية - الدراسات الاستشراقية - التنمية البشرية.
وقد فتح هذا المحور المجال أمام مقاربات متعددة للقرآن الكريم، فلم يقتصر البحث على الجانب التفسيري التقليدي، وإنما امتد إلى الأسئلة الفكرية والثقافية واللغوية والأدبية، فضلًا عن الدراسات التي تناولت القرآن في ضوء الرؤى الاستشراقية ومناهجها، والبحوث التي حاولت استكشاف ما يمكن أن يقدمه الخطاب القرآني في مجال بناء الإنسان وتنمية قدراته.
وكان حضور أهل البيت عليهم السلام والقرآن الكريم في مقدمة مجالات هذا المحور ذا دلالة خاصة؛ إذ أعاد التأكيد على الفكرة المركزية التي انطلق منها المؤتمر، وهي أن البحث في القرآن الكريم يمكن أن يستفيد من الموروث التفسيري والروائي للعترة الطاهرة، وأن هذا الموروث يمثل مادة علمية واسعة قابلة للتحليل والدراسة والمقارنة.
وبذلك بدا المحور الأول أشبه بفضاء مفتوح لقراءة القرآن من أكثر من مدخل، يجمع بين النص والتفسير، وبين اللغة والفكر، وبين الثقافة والأسئلة الإنسانية المعاصرة.
المحور الثاني: دراسات في رحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله ، إذ انتقل المحور الثاني إلى شخصية النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، وتناول مجموعة من المجالات البحثية، هي:الدراسات في السيرة النبوية - الدراسات العقدية والفكرية - الحجاج والمناظرات - الدراسات الاستشراقية - التنمية البشرية.
وقد حاول هذا المحور أن يربط بين شخصية النبي صلى الله عليه وآله وبين القرآن الكريم الذي بلّغه وبيّن معانيه وجسّد مبادئه في سيرته وحياته؛ ولذلك لم تُطرح السيرة النبوية بوصفها مجرد سرد للأحداث والوقائع التاريخية، وإنما بوصفها مصدرًا معرفيًا وفكريًا وتربويًا يمكن استقراء منظومات القيم والمفاهيم والأساليب التي قامت عليها التجربة النبوية.
ومن هنا اتسعت الدراسات لتشمل العقيدة والفكر، والحجاج والمناظرات، فضلًا عن الدراسات الاستشراقية التي تناولت صورة النبي صلى الله عليه وآله في الكتابات والدراسات الغربية، إلى جانب مجال التنمية البشرية، الذي أتاح للباحثين مقاربة الشخصية النبوية من منظور إنساني وتربوي وسلوكي.
وقد منح هذا التنوع المحور الثاني قدرة على الجمع بين التاريخ والفكر، وبين السيرة والتحليل، وبين الشخصية النبوية بوصفها موضوعًا للدراسة وبين تجربتها بوصفها أنموذجاً يمكن استلهام أبعاده التربوية والإنسانية.
المحور الثالث: دراسات في رحاب الإمام الصادق عليه السلام ، خُصص للدراسات المرتبطة بالإمام جعفر الصادق عليه السلام، وتضمن: الدراسات العقدية والفكرية - الدراسات التفسيرية والتأويلية - الحجاج والمناظرات - الوصايا والأدعية - التنمية البشرية.
واكتسب هذا المحور خصوصيته من ارتباط المؤتمر بمناسبة ولادة الإمام جعفر الصادق عليه السلام، فضلًا عن المكانة العلمية والفكرية الواسعة التي احتلها تراث الإمام الصادق عليه السلام في مجالات الفقه والرواية والكلام والتفسير والمناظرة.
وقد أتاح المحور للباحثين الاقتراب من التراث الصادقي بوصفه مدرسة علمية متكاملة، لا تقتصر أهميتها على جانب فقهي محدد، بل تمتد إلى قضايا العقيدة والفكر والتفسير وآليات الحوار والمناظرة، فضلًا عن ما تضمنته الوصايا والأدعية من مضامين أخلاقية وتربوية وإنسانية.
كما منح إدراج التنمية البشرية ضمن هذا المحور إمكانية قراءة التراث الصادقي في ضوء أسئلة الإنسان المعاصر، ومحاولة استكشاف ما يمكن أن تقدمه النصوص والمواقف والتوجيهات المروية عن الإمام الصادق "عليه السلام" في مجالات بناء الشخصية والقيم والسلوك والعلاقات الإنسانية.
من اتساع المحاور إلى ضبط المشاركة
وعلى الرغم من اتساع المجالات التي فتحها المؤتمر أمام الباحثين، فإنه لم يترك المشاركة مفتوحة من دون ضوابط، بل وضع مجموعة من المعايير العلمية والتنظيمية التي هدفت إلى ضمان مستوى مناسب من الجدية والرصانة في البحوث المقدمة.
فاشترط المؤتمر في البداية تقديم ملخص للبحث لا يتجاوز 300 كلمة، بما يتيح للجان العلمية معرفة فكرة البحث ومنهجيته ومجاله قبل الانتقال إلى مرحلة دراسة البحث بصورة كاملة.
كما أتاح المشاركة باللغات العربية والإنكليزية والفارسية، وهو ما منح المؤتمر بعدًا أوسع، وفتح المجال أمام باحثين من خلفيات علمية ولغوية متنوعة للمساهمة في موضوعاته.
ومن الشروط الأساسية كذلك أن يكون البحث غير منشور وغير مقبول للنشر سابقًا، وأن يكون بحثًا فرديًا، فضلًا عن اشتراط خضوع البحوث إلى التحكيم العلمي وفحص الاستلال، بما يعزز سلامة البحث من الناحية الأكاديمية ويحد من احتمالات التكرار أو النقل غير الموثق.
وحدد المؤتمر كذلك حدًا أدنى لحجم البحث، إذ لا يقل عن عشرين صفحة، مع ضرورة التزامه بالمحاور العلمية المعلنة، الأمر الذي كان يهدف إلى ضمان ارتباط المشاركات بموضوع المؤتمر وعدم تحولها إلى دراسات عامة بعيدة عن إشكاليته الرئيسة.
أما من الناحية الفنية، فقد طُلب تقديم البحوث بصيغة Word، وباستخدام خط Arial، بحجم 14 للمتن و12 للهوامش، بما وفر قالبًا موحدًا نسبيًا لاستقبال البحوث وتنظيمها ومراجعتها.
التحكيم بوصفه جزءًا من المشروع العلمي
ولم تكن عملية التحكيم في هذا السياق مجرد إجراء إداري يسبق قبول البحث، وإنما مثلت جزءًا من الرؤية العلمية للمؤتمر؛ فوجود لجان للتحكيم العلمي، إلى جانب فحص الاستلال، أشار إلى رغبة واضحة في أن تكون المشاركات قائمة على البحث والتحليل والتوثيق، وأن تمر المادة المقدمة بمرحلة من المراجعة العلمية قبل اعتمادها.
وبهذا المعنى، لم يكن الهدف من المؤتمر جمع أكبر عدد ممكن من المشاركات، وإنما بناء نتاج بحثي يحافظ على حد أدنى من الرصانة الأكاديمية، ويكون قابلًا للقراءة والنقاش والاستفادة العلمية.
فالمحاور الواسعة احتاجت إلى ضوابط تحميها من التشتت، والشروط العلمية جاءت لتضمن أن يبقى اتساع المشاركة منضبطًا بأصول البحث الأكاديمي.
وقد عكست هذه المنهجية توازنًا واضحًا بين الانفتاح على التخصصات واللغات من جهة، والانضباط العلمي من جهة أخرى؛ إذ أتاح المؤتمر مجالات متنوعة أمام الباحثين، لكنه في الوقت نفسه طالبهم بأن يقدموا دراسات أصيلة، مرتبطة بالمحاور، مستوفية للشروط، وقابلة للخضوع للتقييم العلمي.
ومن ثم، شكّلت المحاور الثلاثة معايير المشاركة والتحكيم منظومة واحدة: اتساع في الموضوع، وتنوع في التخصص، وانفتاح في اللغة، يقابله ضبط في المنهج والتوثيق والأصالة العلمية.
وهو ما جعل البنية العلمية للمؤتمر تتجه نحو إنتاج دراسات لا تكتفي باستحضار القرآن والعترة والنبي والإمام الصادق عليهم السلام بوصفهم عناوين دينية، وإنما تحاول تحويل هذا الحضور إلى مادة بحثية قابلة للتحليل العلمي، وإلى أسئلة معرفية يمكن مناقشتها داخل الجامعة ومراكز البحث والمؤسسات العلمية والتراثية.
لجنة علمية متعددة التخصصات
تشكلت للمؤتمر لجنة علمية تضم أكاديميين وباحثين من مؤسسات عراقية وحوزوية وعربية، من بينهم ممثلون عن العتبة الحسينية المقدسة، وجامعة الكوفة، والحوزة العلمية في النجف الأشرف، ومركز تراث الحلة، وكلية الإمام الكاظم عليه السلام، وجامعة بابل، فضلاً عن مشاركة أكاديمية من جامعة القاهرة وجامعة نزوى في سلطنة عُمان.
وتألفت اللجنة من السيد الدكتور مرتضى جمال الدين - السيد الدكتور مهيب الأعرجي - السيد أحمد حميد الموسوي - السيد يوسف حميد الموسوي - الشيخ صادق عبد النبي الخويلدي - الشيخ حميد رحيم الحلي - الأستاذ الدكتور أحمد كاظم المعموري - الأستاذ الدكتور جبار كاظم الملا - الأستاذ الدكتور جمال عبد العزيز من جامعة القاهرة - الأستاذ الدكتور حسن جاسم محمد- الأستاذ الدكتور حسن عبيد المعموري - الأستاذ الدكتور حيدر محمد هناء الشلاه - الأستاذ الدكتور سعيد جاسم الزبيدي من جامعة نزوى - الأستاذ الدكتور شعَلان عبد علي سلطان.
كما ضمت اللجنة التحضيرية والإعلامية أسماء من جامعة بابل، ومركز تراث الحلة، ومديرية تربية بابل، وكلية الإمام الكاظم عليه السلام، إلى جانب كوادر إعلامية من جامعة بابل وقناة كربلاء وإذاعة الروضة الحسينية المقدسة وصحيفة الصباح.
البعد الدولي للمؤتمر
على الرغم انعقاد المؤتمر في بابل، فإن منظميه يقدمونه بوصفه مؤتمراً دولياً، مع فتح باب المشاركة أمام الباحثين من داخل العراق وخارجه، وقبول البحوث بثلاث لغات هي:العربية، والإنكليزية، والفارسية.
وأكدت الجهات المنظمة أن المؤتمر استقطب اهتماماً من باحثين داخل العراق وخارجه، فيما أكدت اللجنة العلمية أنها تعاملت مع البحوث الواردة وفق آليات التقويم والتحكيم الأكاديمي.
فعاليات موازية
ومن الفعاليات المرتبطة بالمؤتمر مسابقة القرآن والعترة للخط العربي، التي أطلقتها جمعية الخطاطين العراقيين – فرع بابل، ضمن الفعاليات ذات الصلة بالمؤتمر ومحور أهل البيت عليهم السلام في القرآن الكريم.
وتستهدف المسابقة الخطاطين العراقيين في نسختها الأولى، مع توجه مستقبلي لتوسيعها جغرافياً وفنياً وتحويلها إلى مسابقة دولية.
وتكشف هذه الفعالية عن محاولة لتوسيع مفهوم المؤتمر من البحث الأكاديمي المكتوب إلى الفنون والخط والثقافة البصرية المرتبطة بالقرآن والعترة.
الحضور العلمي في بابل
اختيار بابل لاستضافة هذا المشروع يحمل دلالة خاصة؛ فالمدينة ليست مجرد موقع جغرافي للفعالية، بل فضاء تاريخي وعلمي تتجاور فيه الذاكرة الدينية والتراثية مع المؤسسة الجامعية الحديثة.
ومن خلال التعاون بين جامعة بابل، ومركز تراث الحلة، وكلية الإمام الكاظم، والجهات التابعة للعتبتين المقدستين، يحاول المؤتمر بناء حلقة وصل بين التراث والتحقيق الأكاديمي والدراسات القرآنية المعاصرة.
فعاليات الافتتاح
مع انطلاق أعمال مؤتمر القرآن والعترة الدولي الأول في بابل، انتقل المشروع العلمي الذي بدأ التحضير له قبل أشهر من مرحلة الإعداد والبحث والتحكيم إلى فضاء العرض والمناقشة والحوار.
وجاءت جلسة الافتتاح ضمن فعاليات ملتقى أسبوع الرسالة الأول، لتضع الحضور أمام صورة أولية عن طبيعة المؤتمر وأهدافه والمسارات العلمية التي تحركت ضمنها بحوثه.
واستُهلت الفعاليات بتلاوة آيات من الذكر الحكيم، في افتتاح استحضر المصدر الأول الذي دار حوله جانب كبير من موضوع المؤتمر، قبل أن تتوالى الكلمات التي عكست الجهات العلمية والدينية والمؤسساتية المشاركة في تنظيمه.
فقد ألقى السيد رسول الموسوي، معتمد مكتب المرجعية الدينية العليا في مدينة الحلة والمشرف على المؤتمر، كلمة تناول فيها أهمية انعقاد المؤتمر ضمن فعاليات أسبوع الرسالة، وما يحمله من دلالات علمية وفكرية متصلة بذكرى ولادة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وحفيده الإمام جعفر الصادق عليه السلام.
كما شهد الافتتاح كلمةً لـ كلية الإمام الكاظم عليه السلام قدمها عميدها الدكتور عبد الجليل منشد خلف، إلى جانب كلمة اللجنة العلمية التي قدمها عميد كلية العلوم الإسلامية في جامعة بابل الدكتور حسن المعموري، لتتلاقى في الجلسة الافتتاحية أصوات الجهات الدينية والأكاديمية والعلمية التي أسهمت في بناء المؤتمر.
ولم يقتصر الافتتاح على الكلمات التعريفية، بل تضمن بحثًا افتتاحيًا ألقاه الأستاذ في الحوزة العلمية في النجف الأشرف سماحة السيد محمد حسين العميدي، ليكون البحث مدخلًا علميًا إلى جلسات المؤتمر، ويمنح الافتتاح بعده البحثي إلى جانب طابعه الرسمي.
وبعد ذلك، بدأت الجلسات البحثية التي تحركت في فضاء المحاور العلمية للمؤتمر، وركزت على قضايا متعددة من بينها التكامل المعرفي بين القرآن والعترة في الدراسات القرآنية الحديثة، والدراسات الفكرية والعقدية، والدراسات التربوية والاجتماعية، والدراسات اللغوية والأدبية.
وقد عكس هذا التنوع طبيعة الرؤية التي قام عليها المؤتمر؛ إذ لم يُرَد للبحث في القرآن والعترة أن يبقى محصورًا في الدراسات التفسيرية أو التراثية، وإنما امتد إلى مجالات تتصل بالإنسان والفكر والمجتمع واللغة والحوار، بما يجعل العلاقة بين القرآن والعترة موضوعًا قابلًا للدرس من أكثر من تخصص ومنهج.
وفي حديثه عن الجانب العلمي للمؤتمر، أوضح عضو اللجنة العلمية الدكتور حسن المعموري أن قسم الشؤون الفكرية في مقام معجزة رد الشمس أقام ملتقى أسبوع الرسالة الأول بالتزامن مع ذكرى ولادة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وحفيده الإمام الصادق عليه السلام، وأن الملتقى تضمن إقامة مؤتمر القرآن والعترة الدولي الأول.
وبيّن أن المؤتمر توزع على ثلاثة محاور رئيسة، تناولت الدراسات القرآنية، والدراسات المتعلقة بالنبي الأكرم صلى الله عليه وآله، فضلًا عن الدراسات الخاصة بسيرة الإمام الصادق عليه السلام.
وكانت أرقام المشاركة كاشفة عن اتساع الاهتمام بالمشروع؛ إذ شهد المؤتمر مشاركة 88 باحثًا من خمس دول عربية وإسلامية، فضلًا عن العراق، فيما خضعت البحوث المشاركة للتقويم من قبل لجان علمية متخصصة.
أما عدد البحوث التي اجتازت مراحل التقييم وقُبلت للمشاركة، فقد بلغ 66 بحثًا، وهو رقم يعكس حجم المادة العلمية التي وصلت إلى المؤتمر، وفي الآن نفسه يوضح أن عملية القبول لم تكن تلقائية، وإنما مرت المشاركات بمرحلة من التقويم العلمي قبل وصولها إلى جلسات المؤتمر.
وهنا ظهرت أهمية العمل الذي سبق الافتتاح؛ فالأرقام التي أُعلنت في الجلسة لم تكن مجرد إحصاءات عن حجم المشاركة، وإنما كانت نتيجة لمسار بدأ باستقبال البحوث وفرزها وفق المحاور، ثم إخضاعها للتقييم والمراجعة، وصولًا إلى اعتماد البحوث التي استوفت الشروط العلمية.
ومن جانبه، أكد عميد كلية الإمام الكاظم عليه السلام الدكتور عبد الجليل منشد خلف أن القرآن الكريم والعترة الطاهرة أكّدا على بناء الإنسان، ومن هذا المنطلق جاء اهتمام الباحثين بدراسة الترابط بين الوحي والرسالة، وبين النبوة والإمامة.
وأبرز هذا الطرح جانبًا مهمًا من فلسفة المؤتمر؛ فالغاية لم تكن البحث في النصوص لذاتها فقط، وإنما محاولة اكتشاف ما تنتجه هذه النصوص من منظومات فكرية وقيمية يمكن أن تسهم في بناء الإنسان وتشكيل وعيه.
وأوضح أن هذه المفاهيم المترابطة أسهمت في تعزيز هوية الإنسان الإسلامية والثقافية، وترسيخ الوعي بأهمية التكامل بين القرآن الكريم والعترة الطاهرة، بما يفتح المجال أمام مقاربة العلاقة بينهما بوصفها منظومة معرفية متكاملة.
وفي السياق ذاته، أشار إلى أن عدد البحوث المقبولة بلغ 66 بحثًا، معربًا عن الأمل في أن تشهد الدورات المقبلة مشاركات أوسع من الباحثين والمهتمين بهذا المجال، وهو ما يضع المؤتمر الأول في موقع البداية لمشروع يمكن أن يتوسع ويتطور في دوراته اللاحقة.
ولذلك لم تكن جلسة الافتتاح مجرد إجراء بروتوكولي يسبق الجلسات العلمية؛ فقد حملت في كلماتها وأبحاثها الأولى الرسالة التي أراد المؤتمر إيصالها: أن العلاقة بين القرآن الكريم والعترة الطاهرة يمكن أن تكون موضوعًا لبحث أكاديمي متعدد التخصصات، وأن دراسة هذه العلاقة لا تنحصر في استعادة الموروث، بل تمتد إلى فهم أثره في الفكر والعقيدة والتربية والمجتمع واللغة والثقافة.
كما أن الحضور المتنوع للباحثين والمؤسسات المشاركة، إلى جانب تعدد التخصصات والبلدان التي جاءت منها البحوث، منح المؤتمر منذ ساعاته الأولى طابعًا يتجاوز الإطار المحلي، ويؤكد رغبته في تأسيس مساحة حوار علمي تتسع للمقاربات المختلفة.
وقد لخصت فعاليات الافتتاح، بصورة عملية، المراحل التي مر بها المشروع قبل انعقاده: فكرة علمية، ثم محاور محددة، ثم دعوة للباحثين، ثم بحوث ومشاركات، ثم تحكيم وفحص، وأخيرًا منصة تجمع الباحثين لمناقشة ما توصلوا إليه.
وبهذا انتقل مؤتمر القرآن والعترة الدولي الأول من مرحلة التخطيط إلى مرحلة الفعل العلمي، لتبدأ في القاعات رحلة أخرى من الأسئلة والنقاشات؛ رحلة لم يكن هدفها استعراض ما كُتب عن القرآن والعترة فحسب، وإنما محاولة الاقتراب من العلاقة بينهما بأدوات البحث المعاصر، واستكشاف ما يمكن أن تقدمه هذه العلاقة للمعرفة وللإنسان وللمجتمع.
معتمد المرجعية: التمسك بالقرآن والعترة ضرورة لحفظ المشروع الإلهي
حملت كلمة معتمد المرجعية الدينية العليا في مدينة الحلة السيد رسول الموسوي في افتتاح مؤتمر القرآن والعترة الدولي الأول رسالة واضحة بشأن جوهر العلاقة التي قام عليها المؤتمر، مؤكدًا أن القرآن الكريم والعترة الطاهرة لم يكونا مسارين منفصلين في مشروع الهداية، بل ركيزتين متلازمتين لا يمكن الفصل بينهما.
وجاءت كلمة الموسوي في سياق المؤتمر الذي أُقيم برعاية العتبتين المقدستين الحسينية والعباسية، ونظمه قسم الشؤون الفكرية في مقام رد الشمس لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، بالتعاون مع مركز تراث الحلة التابع للهيأة العليا لإحياء التراث في العتبة العباسية المقدسة، وكلية العلوم الإسلامية في جامعة بابل، وكلية الإمام الكاظم عليه السلام/أقسام بابل.
وأكد الموسوي أن الجمع بين القرآن الكريم والعترة الطاهرة يمثل، في الرؤية التي حملتها كلمته، ضرورة للحفاظ على المشروع الإلهي الذي جاء لهداية البشرية؛ فالتمسك بأحدهما بمعزل عن الآخر لا يحقق الصورة المتكاملة للهداية التي قامت عليها الرسالة.
وبيّن أن القرآن الكريم، بوصفه كتاب الهداية والتبيان، لا يمكن الإحاطة بجميع أبعاده وحقائقه من دون الرجوع إلى الذين اصطفاهم الله سبحانه وتعالى، وهم النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام، مشيرًا إلى أن العترة الطاهرة تمثل في هذا السياق امتدادًا معرفيًا لرسالة النبي وبيانًا لمعاني الكتاب.
ومن هنا، أكد أن الجمع بين القرآن والعترة لم يكن طرحًا شكليًا أو مجرد اقتران بين عنوانين، وإنما جاء لحفظ أحدهما بالآخر، ومنع انفصال النص عن هديه وتفسيره وبيانه؛ فالمشروع الإلهي،على وفق ما طرحه، يقوم على التمسك بهذين المصدرين المتلازمين في طريق الهداية.
وقد حمل هذا الطرح دلالة مباشرة على طبيعة المؤتمر نفسه؛ إذ أوضح الموسوي أن إقامة مؤتمر القرآن والعترة الدولي الأول جاءت للإسهام في إعادة التأكيد على هذه الحقيقة، وتحويلها من مفهوم متداول في الخطاب الديني إلى موضوع يفتح أبواب البحث العلمي والتحقيق والدراسة.
ولتحقيق ذلك، سعى المؤتمر إلى استنهاض جهود الباحثين والمفكرين من طلبة الحوزة العلمية وأساتذة الجامعات، داخل العراق وخارجه، وإيجاد مساحة مشتركة يمكن فيها للباحثين من مختلف البيئات العلمية أن يلتقوا حول القرآن الكريم وتراث أهل البيت عليهم السلام، وأن يقدموا قراءات ودراسات تستند إلى المصادر والمنهج والتحقيق.
وأشار الموسوي إلى أن المؤتمر شهد مشاركة باحثين من خمس دول إسلامية، الأمر الذي منحه بعدًا يتجاوز الإطار المحلي، وجعل من المشاركة العلمية صورة من صور التواصل بين المؤسسات والباحثين المهتمين بالقرآن والعترة وتراثهما.
وأكد أن المؤتمر لم يُرَد له أن يكون فعالية احتفالية عابرة، بل مشروعًا علميًا حقيقيًا يهدف إلى إظهار الحقائق من خلال البحث والتحقيق والتنقيب في القرآن الكريم، وروايات أهل البيت عليهم السلام، والمصادر التاريخية ذات الصلة.
وهذه الإشارة إلى البحث والتحقيق والتنقيب كانت ذات أهمية خاصة؛ لأنها وضعت المؤتمر في إطار مشروع يسعى إلى التعامل مع المادة الدينية والتراثية بوصفها مادة علمية تحتاج إلى الدراسة والتمحيص والمقارنة، لا مجرد الاستشهاد أو العرض، وهو ما انسجم مع طبيعة البحوث المحكمة التي احتضنها المؤتمر.
وفي ختام كلمته، وجّه الموسوي الشكر إلى العتبتين المقدستين الحسينية والعباسية على رعايتهما للمؤتمر ودعمهما للنشاطات العلمية والفكرية الأخرى، مثمنًا في الوقت ذاته دعم سماحة السيد محمد حسين العميدي لهذه الفعاليات.
كما أعرب عن تقديره للجهات التي أسهمت في إنجاح المشروع، وفي مقدمتها مركز تراث الحلة التابع للعتبة العباسية المقدسة، وكلية العلوم الإسلامية في جامعة بابل، وكلية الإمام الكاظم عليه السلام/أقسام بابل، فضلًا عن جميع الباحثين والجهات والأشخاص الذين شاركوا في الإعداد للمؤتمر وإنجاح فعالياته.
وبذلك، اختزلت كلمة معتمد المرجعية الدينية العليا جانبًا أساسيًا من فلسفة المؤتمر: أن البحث في القرآن الكريم لا ينفصل عن البحث في هدي النبي وعترته الطاهرة، وأن إعادة بناء الصلة بين الكتاب والعترة يمكن أن تكون مدخلًا إلى فهم أوسع لمشروع الهداية الإلهية.
ومن هذه الرؤية، لم يكن مؤتمر القرآن والعترة مجرد ملتقى للباحثين، بل محاولة لاستعادة هذه العلاقة إلى دائرة البحث والتحقيق، واستنهاض المؤسسات العلمية والحوزوية والأكاديمية للنظر فيها بأدوات أكثر تخصصًا، وصولًا إلى معرفة تستند إلى النص والمصدر والمنهج، وتبقى قادرة على الحوار مع أسئلة الحاضر.
الرابطة الأصيلة بين كتاب الله والعترة الطاهرة
مثّل حضور الهيأة العليا لإحياء التراث في العتبة العباسية المقدسة أحد الأبعاد المهمة في مؤتمر القرآن والعترة الدولي الأول، لما تمثله المؤسسة من اهتمام بالتراث العلمي الإسلامي، وتحقيق مصادره ودراسته وإعادة تقديمه ضمن سياقات علمية معاصرة.
أكد مدير المعهد العالي للتراث في العتبة العباسية المقدسة الدكتور السيد عبد الحكيم الصافي أن المؤتمر سلّط الضوء على العلاقة الوثيقة والرابطة الأصيلة بين القرآن الكريم والعترة الطاهرة، معتبرًا أن هذه العلاقة تمثل أحد المحاور الأساسية لفهم منظومة الهداية والمعرفة الدينية.
وأوضح الصافي أن القرآن الكريم والعترة الطاهرة يمثلان الثقلين اللذين يكمل أحدهما الآخر، مستشهدًا بقوله تعالى:
﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾، وبحديث النبي الأكرم صلى الله عليه وآله: «إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله، وعترتي أهل بيتي».
وفي ضوء ذلك، بيّن أن العترة الطاهرة تمثل المبيّن والمفسّر لكتاب الله تعالى، وأن لأهل البيت عليهم السلام دورًا أساسيًا في بيان معاني القرآن الكريم وتأويلاته، إلى جانب ما دعا إليه القرآن نفسه من التدبر في آياته والتفكر في دلالاته.
وهنا برزت إحدى الأفكار المركزية التي احتفى بها المؤتمر؛ فالقرآن الكريم لم يُقدَّم بوصفه نصًا مغلقًا على ذاته، وإنما بوصفه كتابًا يدعو إلى التدبر وإعمال الفكر، في الوقت الذي مثّل فيه تراث النبي وأهل بيته عليهم السلام مادة واسعة يمكن الرجوع إليها في دراسة المعاني والتفسيرات والتطبيقات المرتبطة بالكتاب.
وأشار الصافي إلى أن المؤتمر عمل على تسليط الضوء على القرآن الكريم والعترة النبوية الطاهرة من خلال البحوث والدراسات العلمية التي قدمها الباحثون والمشاركون، وهو ما نقل العلاقة بين الكتاب والعترة من إطار الحديث العام إلى فضاء البحث الأكاديمي،إذ أصبحت النصوص والروايات والمصادر موضوعًا للدراسة والتحليل والنقاش.
وقد شهدت الجلسات البحثية مشاركات متعددة وبحوثًا علمية متنوعة تناولت موضوعات مختلفة ضمن المحاور المعلنة للمؤتمر، إلى جانب المحاضرة الافتتاحية وعدد من المحاضرات والجلسات العلمية، الأمر الذي أسهم في إثراء الجانب المعرفي والفكري للفعالية، وفتح المجال أمام الباحثين لتبادل الرؤى ومناقشة المقاربات المختلفة.
ولم يكن حضور الهيأة العليا لإحياء التراث حضورًا رمزيًا، وإنما ارتبط بالمشاركة الفعلية في البرنامج العلمي للمؤتمر، من خلال مركز تراث الحلة التابع للهيأة العليا لإحياء التراث في العتبة العباسية المقدسة.
وقد اضطلع المركز بدور مميز في فعاليات المؤتمر، إذ تولى مدير مركز تراث الحلة إدارة الجلسة العلمية البحثية الأولى، التي شهدت عرض مجموعة من البحوث والأوراق العلمية ومناقشتها في إطار من الحوار والتفاعل بين الباحثين والحضور.
ويكتسب هذا الدور أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة المؤتمر نفسه؛ فمراكز التراث لا تقتصر مهمتها على حفظ الموروث، وإنما تسهم في تحقيق مصادره وفهرستها ودراستها وإتاحتها للباحثين، الأمر الذي يجعلها حلقة مهمة بين المادة التراثية وبين البحث الأكاديمي الحديث.
أسهم حضور مركز تراث الحلة في تعزيز البعد الذي أراد المؤتمر ترسيخه، والمتمثل في إدخال التراث القرآني والروائي والتاريخي إلى دائرة البحث العلمي المنهجي، وعدم التعامل معه بوصفه مادة محفوظة في الكتب فحسب.
وقد عكس هذا الحضور طبيعة الشراكة التي قام عليها المؤتمر؛ إذ اجتمعت فيه المؤسسة الدينية مع الجامعة ومراكز التراث والبحث العلمي، بحيث تكاملت الأدوار بين من يمتلك الموروث والمصادر، ومن يمتلك أدوات التحقيق والدراسة، ومن يعمل ضمن البيئة الأكاديمية ومناهج البحث الحديثة.
وهذا التكامل منح المؤتمر فرصة لطرح العلاقة بين القرآن والعترة من أكثر من زاوية، وفي الوقت نفسه أبقى البحث متصلًا بمصادره الأصلية، بما يعزز إمكانية بناء دراسات أكثر تخصصًا ورصانة.
فحين أُديرت الجلسة العلمية الأولى من قبل مركز متخصص في التراث، وحين اجتمع الباحثون لمناقشة الأوراق المقدمة، تحولت المادة التراثية إلى موضوع حي للنقاش العلمي، وأصبح التراث جزءًا من عملية إنتاج المعرفة، لا مجرد مادة للاستذكار.
وجاء هذا الحضور ضمن منظومة مؤسسية أوسع؛ فقد أُقيم المؤتمر برعاية العتبتين المقدستين الحسينية والعباسية، ونظمه قسم الشؤون الفكرية في مقام رد الشمس لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، بالتعاون مع مركز تراث الحلة التابع للهيأة العليا لإحياء التراث في العتبة العباسية المقدسة، وكلية العلوم الإسلامية في جامعة بابل، وكلية الإمام الكاظم عليه السلام/أقسام بابل.
وقد شكل هذا التعاون أنموذجاً للتكامل بين المؤسسات الدينية والأكاديمية والتراثية، وأتاح للمؤتمر أن يجمع بين الخبرة التراثية، والبحث الجامعي، والرؤية الدينية والفكرية ضمن مشروع واحد.
وبذلك، جاء تأكيد الهيأة العليا لإحياء التراث على العلاقة بين القرآن والعترة متسقًا مع الدور الذي أدته داخل المؤتمر؛ فالفكرة التي طرحتها حول ضرورة فهم العترة بوصفها مبيّنة ومفسرة للكتاب، تحولت داخل الجلسات العلمية إلى موضوعات بحثية ودراسات ونقاشات، فيما أسهم مركز تراث الحلة في وصل هذه البحوث بميدان التراث والتحقيق.
ومن هنا اكتسب المؤتمر قيمته؛ لأنه لم يكتفِ بالتأكيد على الرابطة بين كتاب الله والعترة الطاهرة، وإنما حاول أن يجعل هذه الرابطة مجالًا للبحث العلمي، مستفيدًا من القرآن الكريم، والروايات، والمصادر التراثية والتاريخية، ومن أدوات الباحثين ومناهجهم، وصولًا إلى قراءة أكثر عمقًا لهذه العلاقة وأبعادها المعرفية والفكرية.
اختتام المؤتمر.. حصيلة علمية وتكريم للجهود
في ختام فعاليات المؤتمر، جرى تكريم الباحثين المشاركين واللجان العلمية والجهات والمؤسسات والشخصيات التي أسهمت في إنجاح فعالياته، تقديرًا لما بذلوه من جهود علمية وتنظيمية خلال مراحل الإعداد والانعقاد.
وجاء التكريم ليشمل بذلك أطراف العملية العلمية والتنظيمية المختلفة؛ فالمؤتمر لم يكن نتاج الباحثين وحدهم، وإنما شاركت في إنجازه لجان علمية تولت التقويم والمتابعة، ومؤسسات احتضنت المشروع وأسهمت في دعمه، وجهات تنظيمية عملت على إخراجه إلى صورته النهائية.
كما شكّل التكريم رسالة تقدير للباحثين الذين أسهموا بأوراقهم ودراساتهم في إثراء المحاور العلمية، وللجان التي تولت مراجعة تلك البحوث وتحكيمها، وللشخصيات والمؤسسات التي وفرت للمؤتمر البيئة المناسبة للانعقاد.
ومع انتهاء الجلسات وتكريم المشاركين، انتهت فعاليات المؤتمر بوصفها برنامجًا زمنيًا، لكن الموضوع الذي حمله المؤتمر بقي مفتوحًا على مزيد من البحث والنقاش.
فالحصيلة لم تكن فقط 66 بحثًا مقبولًا، و88 باحثًا مشاركًا من العراق وخمس دول عربية وإسلامية، وإنما كانت أيضًا شبكة من الأسئلة والأفكار والمقاربات التي تناولت القرآن الكريم والعترة الطاهرة من زوايا متعددة.
وبذلك جاء الاختتام متسقًا مع الفكرة التي قام عليها المؤتمر منذ بدايته: أن العلاقة بين القرآن والعترة ليست قضية تنتمي إلى الماضي وحده، وإنما يمكن أن تتحول إلى مشروع بحثي حاضر، يستفيد من المناهج الأكاديمية، ويتفاعل مع الأسئلة الفكرية والتربوية والاجتماعية والإنسانية.
وقد اختتم المؤتمر فعالياته في المكان الذي شهد انطلاقه، محملًا بحصيلة من البحوث والنقاشات والتجارب المؤسسية المشتركة، ليبقى السؤال الأهم مفتوحًا أمام ما بعد المؤتمر:
- - كيف يمكن البناء على هذه التجربة الأولى، وتحويلها إلى مسار علمي مستمر تتراكم فيه الدراسات، وتتوسع فيه المشاركة، وتتعمق فيه قراءة القرآن الكريم والعترة الطاهرة؟
فإذا كانت جلسات المؤتمر قد انتهت، فإن المشروع الذي حاول أن يؤسسه ظل مفتوحًا على المستقبل؛ لأن قيمة المؤتمرات العلمية لا تكمن في لحظة انعقادها فقط، وإنما في قدرتها على إطلاق المعرفة، وتوسيع دائرة البحث، وترك أثر يستمر بعد أن تنتهي الكلمات وتُطوى منصة الختام.
ماذا أراد المؤتمر أن يترك بعد انتهائه؟
لم يكن السؤال الأهم بالنسبة إلى مؤتمر القرآن والعترة الدولي الأول هو ماذا سيجري خلال أيام انعقاده، بقدر ما كان السؤال الأعمق: ماذا سيبقى بعد أن تنتهي جلساته وتُطوى أوراقه؟
فالمؤتمر، بما حمله من محاور وبحوث وشراكات علمية، لم يُرَد له أن يكون محطة تنتهي بانتهاء البرنامج، وإنما مشروعًا معرفيًا يمكن أن يمتد أثره إلى ما بعد القاعة، وأن يفتح أبوابًا جديدة أمام الباحثين والمؤسسات العلمية والثقافية.
ويمكن قراءة ما أراد المؤتمر أن يتركه في ثلاثة مستويات مترابطة:
أولًا: الأثر المعرفي ، مرتبطًا بإعادة فتح ملف العلاقة بين القرآن الكريم والعترة الطاهرة بوصفه مجالًا واسعًا للبحث، لا موضوعًا محدودًا في إطار الدراسات التراثية.
فالمؤتمر أراد أن يعيد طرح هذه العلاقة على طاولة البحث العلمي، وأن يتيح للباحثين مقاربتها من حقول متعددة، تشمل التفسير والفكر والعقيدة واللغة والأدب والسيرة، إلى جانب الحجاج والمناظرات والدراسات الاستشراقية والتنمية البشرية.
وبذلك لم يعد القرآن والعترة مجرد عنوان يجمع بين موضوعين، وإنما تحولا إلى سؤال معرفي متعدد الأبعاد يمكن أن تنتج عنه دراسات جديدة، ومقاربات مختلفة، وأسئلة تتصل بالنص والإنسان والمجتمع.
ثانيًا: الأثر الأكاديمي، فتمثل في محاولة نقل هذه القضايا من فضاء التداول العام إلى فضاء البحث الأكاديمي المنهجي.
فاشتراط أصالة البحوث، وعدم سبق نشرها، وخضوعها للتحكيم العلمي وفحص الاستلال، وتحديد المحاور والمواصفات البحثية، كلها إجراءات أظهرت أن المؤتمر لم يكن يسعى إلى جمع المشاركات لمجرد كثرتها، وإنما إلى بناء مادة علمية يمكن مراجعتها ومناقشتها والاستفادة منها في الدراسات اللاحقة.
ومن هنا كان الأمل أن لا تنتهي البحوث بانتهاء جلساتها، بل أن تتحول إلى رصيد معرفي قابل للتراكم، وأن تشكل الدراسات المقدمة نواة لأبحاث أخرى تتوسع في الأسئلة التي أثارها المؤتمر، وتفتح مسارات جديدة أمام الباحثين.
ثالثًا: الأثر الثقافي والمجتمعي، وهو الأوسع من حيث الأثر، فقد ارتبط بمحاولة إعادة تقديم القرآن والعترة بوصفهما مصدرًا للوعي والقيم وبناء الإنسان، لا مجرد موضوعين للدراسة التاريخية.
وهذا ما فسّر اتساع محاور المؤتمر لتشمل مجالات مثل التنمية البشرية والحجاج والمناظرات والدراسات الفكرية والثقافية والاستشراقية واللغوية والأدبية؛ إذ لم يكن المقصود دراسة النصوص بمعزل عن الإنسان، وإنما البحث أيضًا في قدرتها على إنتاج الوعي، وتشكيل القيم، وتقديم رؤى يمكن أن تتفاعل مع أسئلة المجتمع المعاصر.
ومن هنا، كان حضور التنمية البشرية في المحاور لافتًا؛ لأنه نقل السؤال من: ماذا قالت النصوص؟ إلى سؤال آخر أكثر اتصالًا بالحاضر: ماذا يمكن أن تصنع هذه المعرفة في الإنسان؟
وكذلك فإن حضور الحجاج والمناظرات والدراسات الفكرية والاستشراقية أتاح الانتقال من مجرد عرض الموروث إلى دراسة طرائق الحوار، وبناء الحجة، ومواجهة الأسئلة الفكرية، وفهم صورة القرآن والنبي والعترة في الخطابات المختلفة.
بهذا المعنى، لم يكن مؤتمر القرآن والعترة الدولي الأول في بابل فعالية أكاديمية منفصلة عن سياقها، بل جاء حلقة في مشروع أوسع حاول إعادة وصل النص القرآني بالتراث النبوي والعترة الطاهرة، وإدخال هذه العلاقة في فضاء البحث العلمي المعاصر.
وكانت أهمية هذا المشروع تتعزز من طبيعة الجهات التي اجتمعت حوله؛ فمن خلال رعاية العتبتين المقدستين الحسينية والعباسية، والتعاون مع جامعة بابل، وكلية الإمام الكاظم عليه السلام/أقسام بابل، ومركز تراث الحلة، تشكلت منصة التقت فيها الحوزة والجامعة ومؤسسات التراث والبحث العلمي، في محاولة لبناء مساحة مشتركة بين المعرفة الدينية والمنهج الأكاديمي والخبرة التراثية.
وهذا التلاقي لم يكن هدفه إنتاج مؤتمر واحد فحسب، وإنما طرح إمكانية استمرار هذا النوع من التعاون، إذ يصبح المؤتمر نقطة بداية لمشروعات بحثية أخرى، ودراسات أكثر تخصصًا، وشراكات علمية تتعامل مع التراث بوصفه مادة حية قابلة لإعادة القراءة.
وفي لحظة تتسع فيها الحاجة إلى قراءة التراث قراءةً علمية ومنهجية، بدا أن السؤال الذي حمله المؤتمر يتجاوز حدود القاعة، ويتجاوز أيضًا مدة انعقاده:
- - كيف يتحول القرآن والعترة من تراثٍ محفوظ إلى معرفةٍ حاضرة؟
- - وكيف تتحول المعرفة الحاضرة إلى وعي؟
- - وكيف يتحول الوعي إلى أثر يصنع الإنسان والمجتمع؟
لعل هذه الأسئلة كانت من أهم ما أراد المؤتمر أن يتركه خلفه؛ فالقيمة الحقيقية لأي مشروع علمي لا تُقاس بعدد الجلسات التي عقدها، ولا بعدد البحوث التي قُدمت فيه، وإنما بقدرته على إطلاق أسئلة جديدة تستمر بعد انتهائه.
ومن بابل، المدينة التي احتفظت في ذاكرتها بواحدة من أقدم تجارب الإنسان في صناعة المعرفة والحضارة، والتقت فيها ذاكرة التاريخ بحاضر الجامعة ومؤسسات البحث، بدأ هذا المشروع العلمي الأول واضعًا القرآن والعترة في قلب سؤال المعرفة؛ لا بوصفهما موضوعًا ينتمي إلى الماضي وحده، وإنما بوصفهما مصدرًا قادرًا على استدعاء أسئلة الحاضر، والمساهمة في تشكيل رؤى المستقبل.
لم تكن نهاية المؤتمر نهاية المشروع، بل ربما كانت بدايته الفعلية؛ فحين تنتهي الكلمات وتُغلق قاعات الجلسات، يبقى الرهان الحقيقي على ما ستفعله الأفكار في الباحث، وما ستتركه البحوث في المكتبة، وما يمكن أن تصنعه المعرفة في الوعي، وما إذا كان القرآن والعترة سيبقيان في دائرة الاحتفاظ بالتراث، أم سينتقلان من التراث المحفوظ إلى المعرفة المنتجة، ومن المعرفة المنتجة إلى الوعي الفاعل، ومن الوعي الفاعل إلى بناء الإنسان والمجتمع.











































