الى

ملتقى معلم العميد: كيف يتحول المعلم من ناقلٍ للمعرفة إلى صانعٍ للحلول؟

في التعليم، لا تبدأ عملية التطوير من الكتاب المدرسي وحده، ولا تنتهي عند حدود الصف ؛ بل تبدأ من الإنسان الذي يقف خلف السبورة، ويصنع يوميًا مئات القرارات التعليمية، ويواجه عشرات المواقف والمشكلات، ثم يبحث عن الطريقة الأكثر فاعلية لتحويلها إلى فرص للتعلم.

من هذه الفكرة تحديدًا جاء ( ملتقى معلم العميد) الذي أقامته مجموعة العميد التربوية صباح الثلاثاء الموافق 1 أيلول 2026 في قاعة المركز الثقافي بمجمع العميد التربوي للبنات، وبمشاركة عدد من الملاكات التعليمية والتربوية في المجموعة، في خطوة أرادت المجموعة بوساطتها أن تجعل المعلم محورًا للتطوير، وأن تكون خبرته الميدانية مادةً للتبادل، وتجربته الناجحة ممارسة قابلة للتعميم.

ولم يكن الملتقى فعالية احتفالية فقط أو تجمعا مهنيا عابرًا؛ بل حمل عنوانًا دالًا هو : ( التعلم القائم على المشكلات) ، وهو عنوان يضع العملية التعليمية أمام سؤال جوهري:

  • - كيف يمكن للمدرسة أن تنتقل بالمتعلم من تلقي المعلومة إلى الإفادة منها في فهم المشكلات وتحليلها والبحث عن حلول لها؟

ولهذا تؤكد مجموعة العميد أن الملتقى يأتي في ضمن مسارات التطوير التربوي التي تتبناها، انطلاقًا من الدور المحوري للمعلم في العملية التعليمية، وأهمية توفير مساحات مهنية تسمح بتبادل الخبرات والتجارب والممارسات التربوية.


لماذا «معلم العميد»؟

تقوم فكرة الملتقى على رؤية واضحة: المعلم ليس منفذًا للمناهج فحسب ؛ بل هو أحد أهم مصادر التطوير داخل المؤسسة التعليمية ، فالممارسة اليومية للمعلم تنتج تجارب وحلولًا وأفكارًا قد تبقى محصورة داخل الصف أو المدرسة ما لم توجد منصة تستوعبها وتتيح عرضها أمام الآخرين ، ومن هنا جاء الملتقى بوصفه مساحة للقاء بين التجربة والخبرة، وبين الفكرة والتطبيق، وبين المشكلة والحل.

وقد أشارت كلمة معاون رئيس القسم، الدكتور عادل الكركوشي، إلى أن إقامة الملتقى تمثل محطة مهنية جديدة في ضمن مسارات التطوير التربوي، مؤكدة أن تخصيصه للمعلم ينطلق من دوره المحوري في العملية التعليمية، ومن أهمية تبادل الخبرات والتجارب والممارسات التربوية.

وتكشف هذه الرؤية عن هدف أوسع من إقامة نشاط تدريبي؛ إذ تسعى المجموعة إلى بناء بيئة مهنية يصبح فيها التطوير ثقافة مستمرة لا برنامجًا موسميًا، ويصبح فيها المعلم شريكًا في صناعة الحلول لا متلقيًا لها فقط.


المشكلة التي يناقشها الملتقى

إذا كان التعليم التقليدي يضع المعرفة في مركز العملية التعليمية، فإن «التعلم القائم على المشكلات» يعيد ترتيب الأولويات، فيضع المشكلة والتساؤل والبحث والتجريب في قلب التعلم.

وتبرز هنا مجموعة من التحديات التي يسعى هذا النوع من الممارسات إلى معالجتها، من أبرزها ، الفجوة بين المعرفة النظرية وتطبيقها في المواقف الواقعية والحاجة إلى جعل المتعلم أكثر فاعلية ومشاركة في عملية التعلم ، فضلا عن الحاجة إلى تنمية مهارات التفكير والتحليل والبحث عن الحلول ، والإفادة من خبرات المعلمين وتحويلها إلى ممارسات قابلة للتبادل ، وتعزيز الإبداع والابتكار داخل البيئة المدرسية ، أي الانتقال من أسلوب التعليم الذي يركز على تقديم الإجابة إلى أسلوب يدرّب المتعلم على اكتشافها ، وهنا تظهر قيمة اختيار «التعلم القائم على المشكلات» عنوانًا للملتقى؛ لأنه لا يتعامل مع المشكلة بوصفها عائقًا أمام التعليم ؛ بل بوصفها مدخلًا إلى التعلم.

relatedinner



من المشكلة إلى الحل

الفلسفة التي حملها الملتقى يمكن قراءتها في معادلة تربوية بسيطة:مشكلة - سؤال - بحث - تجربة - حل - تعلم - مشاركة الخبرة ، وهي سلسلة تجعل المعلم أكثر قدرة على تصميم مواقف تعليمية تضع المتعلم أمام تحديات حقيقية أو قريبة من الواقع، ثم تمنحه فرصة التفكير والبحث والمناقشة والتجريب.

وبذلك يصبح الخطأ نفسه جزءًا من عملية التعلم، وتتحول المحاولة غير الناجحة إلى معلومة جديدة، فيما يصبح الوصول إلى الحل ثمرةً لمسار تعليمي وليس مجرد إجابة جاهزة ، ومن هذا المنطلق، ركز الملتقى على تطوير قدرات المعلمين في الإبداع والابتكار، وتوظيف أساليب تعليمية فاعلة تخدم المتعلم وترتقي بالتجربة التعليمية.



افتتاح الملتقى: من القرآن إلى الفكرة التربوية

استُهل برنامج الملتقى بتلاوة آيات من الذكر الحكيم، في افتتاح حمل الطابع الرسمي والروحي للفعالية ، ثم جاءت كلمة معاون رئيس القسم، الدكتور عادل الكركوشي، لتضع الإطار العام للملتقى، وتوضح دوافع تنظيمه ومكانة المعلم في منظومة التطوير التربوي.

وفي هذه الكلمة برزت ثلاث رسائل رئيسة هي : إن الملتقى يمثل محطة جديدة في ضمن مسار التطوير المهني ، والمعلم هو المحور الرئيس في العملية التعليمية ، و تبادل التجارب والخبرات يمكن أن يسهم في الارتقاء بالممارسة التعليمية.

بعد ذلك جاءت كلمة اللجنة المنظمة للملتقى ؛ لتنتقل الفعالية من الإطار العام إلى مساحة عرض التجارب والمشروعات والممارسات التعليمية ، كان من بين التجارب التي شهدها الملتقى مشروع ( رحلة مفاهيمية) ، وهو حضور يعكس توجهًا نحو تقديم المفاهيم التعليمية بطريقة تتجاوز التلقين المباشر.

وفكرة الرحلة المفاهيمية، في سياق الملتقى، تنسجم مع الهدف الأكبر للفعالية؛ أي بناء تجربة تعليمية تجعل المتعلم يتتبع المفهوم ويكتشف العلاقات بين أجزائه بدلا من تلقيه بصورة منفصلة.

ومن أبرز المحطات التي حملت بعدًا تقنيًا في الملتقى معرض الابتكار باستخدام إنترنت الأشياء (IoT) ، ويعكس إدراج هذا المعرض في برنامج الملتقى توجهًا لربط التعليم بالتكنولوجيا الحديثة، فضلا عن توسيع مفهوم الابتكار ليشمل التطبيقات العملية التي يمكن أن تخدم العملية التعليمية.

فالتقنية هنا لا تظهر بوصفها غاية مستقلة ؛ بل بوصفها أداة يمكن أن تساعد المدرسة والمعلم والمتعلم على إنتاج حلول جديدة للمشكلات ، وحضر مشروع «قصة» من ضمن التجارب التربوية المعروضة في الملتقى ، واللافت في وجود هذا المشروع إلى جانب الابتكار التقني والمعارض والمسرح واللغة أن الملتقى لم يحصر مفهوم التطوير في التكنولوجيا وحدها ؛ بل قدم مجموعة متنوعة من المداخل التعليمية التي يمكن أن تخدم المتعلم ، فالقصة في البيئة التعليمية تستطيع أن تتحول إلى وسيلة لبناء الفهم، وإثارة السؤال، وربط المعرفة بالسياق، واستدعاء التفاعل الوجداني والفكري لدى المتعلم.

ومن الفقرات التي تضمنها البرنامج أيضًا مشروع مسرح العميد ، إذ يضيف المسرح بعدًا مختلفًا إلى التجربة التعليمية ؛ لأنه يفتح المجال أمام التعلم عن طريق الأداء والتعبير والحوار والعمل الجماعي ، ووجود المسرح من ضمن ملتقى يركز على التعلم القائم على المشكلات يوسع مفهوم «الحل» ليشمل الحلول الإبداعية التي تنتج عن العمل الجماعي والتفكير والتجسيد والتعبير.

ومن ضمن فعاليات الملتقى حضرت مسابقة العميد للغة الإنكليزية ؛ لتؤكد أهمية المهارات اللغوية في بناء المتعلم القادر على التواصل والانفتاح على مصادر المعرفة المختلفة ، وجاءت المسابقة في ضمن مجموعة من المشاريع والتجارب التي عُرضت في الملتقى، بما يعكس تنوع المجالات التي يمكن أن يعمل فيها المعلم لتطوير خبرات المتعلمين.

ومن الفقرات اللافتة في الملتقى هي مجلة الآباء، وهي تجربة تفتح نافذة على العلاقة بين المؤسسة التعليمية والأسرة ، فالتعليم الحديث لا ينظر إلى المدرسة بوصفها جزيرة منفصلة عن محيطها الاجتماعي ؛ بل يضع الشراكة مع الأسرة من ضمن منظومة دعم تعلم المتعلم ونموه.

كما شهد الملتقى معرض ( نباتات كربلاء) ، وهو نموذج لتوظيف البيئة المحلية في بناء التجربة التعليمية ، فالبيئة المحيطة بالمتعلم يمكن أن تتحول إلى مختبر مفتوح للتعلم، ويمكن للمعلم أن ينطلق من الموجود في حياة الطالب ليبني عليه المعرفة والملاحظة والمقارنة والتصنيف والبحث ، ومن هنا تكتسب مثل هذه المبادرات أهمية خاصة؛ لأنها توسع دائرة المشاركة في العملية التعليمية، وتجعل التواصل مع الأسرة جزءًا من البيئة التربوية.


مجتمعات التعلم المهنية.. الحل المستدام

ولعل من أكثر محاور الملتقى اتصالًا بفكرة التطوير المؤسسي جلسة ، ( مجتمعات التعلم المهنية: الأهمية، البناء والاستدامة) ، فالحديث عن تطوير المعلم لا يكتمل بتدريب فردي ينتهي بانتهاء الفعالية، وإنما يحتاج إلى مجتمع مهني يستمر فيه الحوار وتبادل الخبرات وتحليل الممارسات.

وهنا تنتقل الفكرة من ( المعلم يتعلم) إلى ( المعلمون يتعلمون من بعضهم بعضًا) ، وهذه النقلة مهمة؛ لأنها تحول الخبرة الفردية إلى معرفة جماعية، وتجعل المدرسة بيئة تعلم للطلاب والمعلمين في الوقت نفسه.


الملتقى بوصفه مختبرًا تربويًا

عند النظر إلى فقرات الملتقى مجتمعة ؛ سنعرف أنها لم تكن متشابهة في طبيعتها؛ فقد تنوعت بين ، مشاريع تربوية - تجارب تعليمية - ابتكار وتقنية - لغة إنكليزية – مسرح - قراءة محتوى- بيئة محلية - مجتمعات تعلم مهنية - عروض وتجارب عملية.

وهذا التنوع هو أحد أهم عناصر قوة الملتقى؛ لأنه يقدم رسالة مفادها أن تطوير التعليم لا يأتي من وصفة واحدة، وإنما من تعدد الأدوات والمداخل والممارسات ، فالدرس يمكن أن يكون مشروعًا، والمشروع يمكن أن يكون قصة، والقصة يمكن أن تتحول إلى مسرح، والتقنية يمكن أن تقدم حلًا، والبيئة المحلية يمكن أن تصبح محتوى تعليميًا، ومجتمع المعلمين يمكن أن يتحول إلى مساحة مستدامة للتعلم.



ما الحلول التي يطرحها الملتقى؟

يمكن قراءة مخرجات الملتقى والحلول التي عرضها في عدد من الاتجاهات:

أولًا: تحويل المعلم إلى منتج للمعرفة المهنية ، بدلا من أن تبقى خبرات المعلمين فردية ؛ لتتيح مثل هذه الملتقيات عرضها ومناقشتها وتبادلها.

ثانيًا: جعل المشكلة مدخلًا للتعلم ، فبدلا من تقديم المعرفة منفصلة عن الواقع، يبدأ التعلم من موقف أو مشكلة أو سؤال يقود المتعلم إلى البحث والاستنتاج.

ثالثًا: توظيف الابتكار والتقنية ، عن طريق إدخال تقنيات مثل إنترنت الأشياء في المشهد التعليمي وربطها بالتجربة والمشروع والحل.

رابعًا: تنويع أدوات التعليم ، عن طريق المسرح والقصة والمجلة والمعارض والمشروعات والمسابقات، بما يمنح المعلم خيارات متعددة للوصول إلى المتعلم.

خامسًا: بناء مجتمع مهني مستدام ؛ وذلك عبر مفهوم مجتمعات التعلم المهنية، بحيث لا يكون التطوير مرتبطًا بفعالية واحدة ؛ بل يتحول إلى ممارسة مستمرة داخل المؤسسة.



من «الفعالية» إلى «الثقافة»

القيمة الحقيقية لأي ملتقى تربوي لا تقاس بعدد فقراته فقط، وإنما بما يتركه بعد انتهاء التصفيق وإغلاق القاعة ، وهنا تكمن أهمية «ملتقى معلم العميد»: فهو يأتي من ضمن توجه أوسع لمجموعة العميد التربوية نحو توفير مساحات للتطوير المهني وتبادل الخبرات.

وقبل الملتقى بأيام قليلة، نظمت المجموعة فعالية Ameed Talk في 20 آب 2026، واشتملت هي الأخرى على عرض تجارب ومشروعات تعليمية متنوعة، منها «دقيقة شجاعة»، و«نطق»، وبودكاست العميد، وAmeed Ultimate English Showdown، ومبادرة «قرّاء اليوم قادة الغد»، و«قاموسي الصغير»، فضلًا عن الرحلة المفاهيمية ومجلة طالب العميد والواجبات والتعلم المستدام والدفتر الذكي وتجربة مؤلفي العميد وبناء مجتمعات التعلم المهنية الفاعلة.

وهذا التسلسل يعطي مؤشرًا على أن «ملتقى معلم العميد» لم يظهر يبتعد عن السياق التطويري ؛ بل جاء من ضمن حراك مهني متواصل تتبناه المجموعة لتبادل التجارب وتحويل الممارسات الناجحة إلى معرفة مشتركة.


التكريم.. تقدير لمن يصنعون التجربة

اختتمت فعاليات الملتقى بفقرة تكريم المشاركين، في رسالة تقدير للجهود التي قدمت التجارب والمشروعات وأسهمت في إنجاح البرنامج ، والتكريم هنا لا يمثل نهاية رمزية للملتقى فحسب ؛ بل يحمل معنى مؤسسيًا مهمًا هو : إن المبادرة والابتكار والمشاركة المهنية تستحق التقدير.


ما الذي يميز الملتقى؟

يمكن اختصار هوية «ملتقى معلم العميد» في أربعة مفاهيم رئيسة: المعلم – المشكلة – الابتكار – المشاركة ، فالمعلم هو محور الفعالية، والمشكلة هي مدخل التعلم، والابتكار هو الأداة، والمشاركة هي الوسيلة التي تنتقل بها الخبرة من فرد إلى مؤسسة ، وهذه المعادلة تجعل الملتقى أقرب إلى منصة لتطوير الممارسة التعليمية بدلا من أن يكون مؤتمرا تقليديا قائما على المحاضرات وحدها.

لم تكن رسالة «ملتقى معلم العميد» تتعلق بكون المعلم يحتاج إلى مزيد من المعلومات فقط؛ بل إن المعلم يحتاج إلى مساحة يفكر فيها، ويجرب، ويعرض تجربته، ويستمع إلى زميله، ويناقش المشكلة، ويبحث عن الحل، ثم يعود إلى الصف بفكرة جديدة.

ولهذا جاء اختيار «التعلم القائم على المشكلات» عنوانًا للملتقى منسجمًا مع جوهر التجارب المعروضة فيه ، ففي قاعة المركز الثقافي بمجمع العميد التربوي للبنات، اجتمعت القصة والمسرح واللغة والتقنية والبيئة المحلية والمشروعات ومجتمعات التعلم المهنية في مشهد واحد؛ لتقول إن تطوير التعليم لا يبدأ دومًا من تغيير المنهج ؛ بل قد يبدأ من معلم يمتلك الشجاعة لطرح سؤال مختلف.

وإذا كان المتعلم هو الغاية النهائية للعملية التعليمية، فإن المعلم هو أحد أهم مفاتيح الوصول إلى تلك الغاية ، وهنا يمكن النظر إلى «معلم العميد» بوصفه أكثر من اسم لملتقى؛ إنه محاولة لبناء ثقافة مهنية تجعل من الخبرة الفردية معرفة جماعية، ومن المشكلة فرصة للتعلم، ومن الابتكار ممارسة، ومن المعلم شريكًا في صناعة مستقبل التعليم.
تعليقات القراء
لايوجد تعليقات لعرضها
إضافة تعليق
الإسم:
الدولة:
البريد الإلكتروني:
إضافة تعليق ..: