الى

من صحراء قاحلة إلى بنكٍ للنخيل: «الساقي» يعيد الحياة إلى الأرض ويصون ذاكرة التمور العراقية

في مساحةٍ كانت يومًا أرضًا صحراوية قاسية، بدأت حكاية مشروعٍ زراعي أخذ يتسع عامًا بعد آخر، ليحوّل آلاف الدونمات في صحراء كربلاء إلى واحةٍ للنخيل والإنتاج الزراعي.

إنها مزارع الساقي التابعة للعتبة العباسية المقدسة، التي انطلقت زراعتها لأول مرة في عام 2017، قبل أن تتبلور ملامح المشروع بوصفه واحدًا من المشاريع الزراعية الاستراتيجية التي تتبناها العتبة العباسية المقدسة.

اختيار اسم «الساقي» لم يكن منفصلًا عن البيئة التي نشأ فيها المشروع؛ فهو يستحضر رمز الساقي في واقعة الطف، فيما جاء المشروع في منطقة تعاني من قسوة المناخ وشح المياه وتحديات التصحر، ليقدم نموذجًا لمحاولة استثمار الأرض الصحراوية وتحويلها إلى موردٍ زراعي منتج.



لماذا تهتم العتبة العباسية المقدسة بالنخيل؟

لا يمكن اختزال اهتمام العتبة العباسية المقدسة بزراعة النخيل في إطار السعي إلى زيادة إنتاج التمور أو إنشاء مزارع ذات طابع إنتاجي فحسب؛ فالمشروع يمثل جزءًا من رؤية أوسع تتداخل فيها الأبعاد الزراعية والاقتصادية والبيئية والغذائية والتراثية، وتسعى العتبة بوساطتها إلى تحويل الأرض الصحراوية إلى مساحة منتجة، واستعادة جزء من الدور الذي أدّته النخلة تأريخيًا في الاقتصاد والبيئة والهوية العراقية.

وتكتسب هذه الرؤية أهميتها من المكانة التي تحتلها النخلة في العراق؛ فالعراق لم يكن مجرد بلد منتج للتمور؛ بل ارتبطت حضارته وبيئته الزراعية بالنخيل منذ آلاف السنين، حتى أصبحت النخلة جزءًا من ذاكرة المكان ومشهد الريف العراقي ؛ ولذلك فإن الحفاظ على أصناف النخيل وتكثيرها لا يعني المحافظة على محصول زراعي فحسب، وإنما حماية جانب من التنوع الزراعي والتراثي والوراثي للعراق، ولا سيما الأصناف النادرة التي تراجعت أعدادها في العقود الماضية بسبب الحروب والجفاف وشح المياه وتغير الظروف الزراعية.

من هذا المنطلق، يقوم مشروع الساقي على فكرة تتجاوز الإنتاج إلى الحفاظ على التنوع الصنفي للنخيل ؛ فزراعة عشرات الأصناف المحلية والعربية المستوردة، وتكثير الفسائل النادرة، وإنشاء بيئة ملائمة لنموها، تمثل محاولة لتكوين رصيد نباتي يمكن المحافظة عليه والإفادة منه مستقبلًا.

وتبرز أهمية هذا الجانب في ظل تراجع أعداد النخيل في العراق مقارنة بما كان عليه في عقود ماضية، فضلًا عن اندثار أو ندرة بعض الأصناف التي كانت تشكل جزءًا رئيسًا من خارطة الإنتاج الزراعي العراقي.

ومن هنا تصبح المزرعة أشبه بـ بنك حي للأصول الوراثية للنخيل، تُحفظ فيه الأصناف وتُكثّر، بدل أن تبقى مهددة بالاختفاء.

ولا تتوقف أهمية إكثار الأصناف عند الحفاظ عليها، إذ إن امتلاك أعداد أكبر من الفسائل والأشجار النادرة يتيح مستقبلًا التوسع في زراعتها ونقلها إلى مناطق أخرى، بما يسهم في إعادة بعض الأصناف إلى خارطة الإنتاج التجاري بعد تراجع حضورها.

relatedinner



11 ألف دونم.. واحة نخيل تستعيد ذاكرة العراق من قلب الصحراء

من أرضٍ صحراوية قاسية إلى واحةٍ تحتضن عشرات الآلاف من أشجار النخيل، يروي مشروع مزارع الساقي التابع للعتبة العباسية المقدسة مسارًا بدأ في عام 2017، حينما وضعت العتبة اللبنات الأُوَل لمشروع زراعي يستهدف استصلاح الأرض، وإحياء زراعة النخيل، والحفاظ على الأصناف النادرة، وتحويل الصحراء في غرب كربلاء إلى مساحة خضراء منتجة.

وبدأت الحكاية في 23 كانون الثاني 2017، مع وضع اللبنة الأولى لمزرعة نموذجية للنخيل، فيما تشير وثائق المشروع إلى زراعة أولى الفسائل في 25 شباط من العام نفسه، ومنذ ذلك التأريخ، أخذ المشروع يتوسع تدريجيًا، في المساحة وعدد الأشجار وتنوع الأصناف، حتى تحول من تجربة زراعية محدودة إلى مشروع واسع ذي أبعاد إنتاجية وبيئية ووراثية.

وتقع مزارع الساقي في صحراء كربلاء، غرب المحافظة، على مسافة تقارب 40 كيلومترًا عن مركز المدينة، في منطقة اختيرت لتكون ميدانًا لاختبار قدرة النخيل والمحاصيل الزراعية على النمو في بيئة صحراوية تتسم بارتفاع درجات الحرارة وشح الموارد المائية.

لم تكن البداية بأرقام كبيرة؛ فقد انطلقت المزرعة الأولى على مساحة لا تتجاوز 25 دونمًا، قبل أن تتوسع المساحات المخصصة للنخيل بصورة تدريجية، وصولًا إلى نحو 1000 دونم خُصصت للنخيل وقُسّمت على 25 مزرعة.

وتكشف الأرقام المتعاقبة عن سرعة التطور الذي شهده المشروع ؛ ففي عام 2020، كانت المزرعة تضم نحو 500 دونم مزروعة بـ 9625 نخلة تنتمي إلى 78 صنفًا نادرًا، في مؤشر مبكر على أن المشروع لم يكن يستهدف زيادة أعداد الأشجار فحسب، وإنما بناء مجموعة واسعة من الأصناف والحفاظ عليها.

ومع استمرار عمليات الاستزراع والتكثير، ارتفعت المساحة المخصصة للنخيل إلى نحو 1000 دونم، وارتفع عدد الأصناف إلى أكثر من 95 صنفًا نادرًا فضلا عن أكثر من 14 ألف نخلة.

أما اليوم، فقد اتسع المشروع بصورة أكبر، إذ تشير أحدث البيانات إلى أن المساحة الكلية لمشروع الساقي الزراعي تبلغ نحو 11 ألف دونم، فيما يضم أكثر من 40 ألف نخلة موزعة على أكثر من 100 صنف من أصناف النخيل المحلية العراقية والعربية المستوردة.

وهذه القفزة، من مئات الأشجار والدونمات المحدودة إلى عشرات الآلاف من النخيل وآلاف الدونمات، تعكس تحول «الساقي» من مزرعة نموذجية تهتم بالنخيل النادر إلى منظومة زراعية واسعة تجمع بين الإنتاج والتكثير والحفاظ على التنوع الصنفي.



أكثر من 100 صنف.. حينما تصبح المزرعة بنكًا حيًا للنخيل

الرقم الأبرز في المشروع ربما لا يتعلق بعدد الدونمات أو الأشجار، وإنما بتنوع الأصناف؛ فوجود أكثر من 100 صنف في موقع واحد يمنح المشروع أهمية خاصة في مجال الحفاظ على التنوع الوراثي للنخيل.

وتضم المزرعة أصنافًا عراقية وعربية متعددة، من بينها البرحي، والبريم، والعمراني، والمكتوم، والخستاوي، والزهدي، والخضراوي، والبصراوي، والحساوي، والمكاوي، والديري، والسكري، والخنيزي وغيرها من الأصناف.

ويعكس هذا التنوع توجهًا واضحًا نحو التعامل مع النخلة بوصفها أكثر من محصول اقتصادي؛ فلكل صنف خصائصه المرتبطة بطبيعة الثمار وجودتها وموعد نضجها واحتياجاتها الزراعية وقدرتها على التكيف مع الظروف المناخية.

ومن هنا، فإن جمع هذه الأصناف وإكثارها في مساحة واحدة يتيح إنشاء رصيد نباتي حي يمكن الإفادة منه في المحافظة على الأصناف النادرة وتوسيع زراعتها مستقبلًا، ولاسيما أن بعض الأصناف التي كانت حاضرة في البساتين العراقية تراجعت أعدادها أو أصبحت نادرة، فيما بات بعضها الآخر متداولًا على نطاق محدود.



استعادة أصناف كادت تغيب

تنبع أهمية مشروع الساقي من حقيقة أن العراق لم يكن تأريخيًا مجرد منتج للتمور؛ بل كان موطنًا لتنوع واسع من أصناف النخيل، حتى ارتبطت صورة البساتين العراقية في الذاكرة بالنخلة بوصفها مصدرًا للغذاء والدخل وركنًا رئيسًا في البيئة الزراعية.

لكنّ عوامل متعددة، من بينها الحروب والجفاف وشح المياه وتدهور البساتين وتغير الظروف المناخية، أسهمت في تراجع أعداد النخيل واختفاء أو ندرة بعض أصنافه.

تأتي زراعة الأصناف النادرة في مزارع الساقي كمحاولة للحفاظ على هذا التنوع وإعادة إنتاجه ؛ فالمشروع لا يكتفي بزراعة الأصناف ذات الطلب التجاري المرتفع ؛ بل يخصص جزءًا من نشاطه للأصناف العراقية النادرة ذات القيمة الزراعية والإنتاجية، ولا سيما تلك التي أثبتت قدرتها على التكيف مع الظروف البيئية في صحراء كربلاء.

والهدف هنا لا يتوقف عند الاحتفاظ بالأشجار داخل المزرعة، وإنما إكثار الفسائل وإنتاج أعداد جديدة منها، بما يتيح نشر هذه الأصناف وتوسيع نطاق زراعتها مستقبلًا.



تجربة زراعية في قلب الصحراء

اختيار الصحراء لإقامة المشروع يمنحه بعدًا آخر؛ فالمزرعة لا تعمل في بيئة بستانية تقليدية، وإنما في أرض جرى استثمارها وتحويلها تدريجيًا إلى مساحة زراعية.

وبهذا المعنى، فإن مشروع الساقي يقدم تجربة في استصلاح الأراضي الصحراوية وتوسيع الرقعة الخضراء، بالتوازي مع إنتاج التمور والمحاصيل الزراعية.

وتتحول آلاف الدونمات، التي كانت خارج نطاق الإنتاج الزراعي، إلى مساحة خضراء تتوزع فيها أشجار النخيل ومختلف الأنشطة الزراعية، بما يسهم في الحد من تأثيرات التصحر وزيادة الغطاء النباتي في منطقة تعاني أصلًا من ظروف مناخية ومائية صعبة.

و تؤدي أشجار النخيل دورًا بيئيًا بوصفها جزءًا من الأحزمة الخضراء، إذ يمكن لانتشارها على مساحات واسعة أن يسهم في الحد من تأثير الرياح وحركة الرمال، فضلًا عن توفير بيئة أكثر ملاءمة لبعض المحاصيل الزراعية الأخرى.



من مزرعة نخيل إلى مشروع متكامل

إن الرقم 11 ألف دونم لا يمثل مجرد مساحة جغرافية كبيرة، و الرقم 40 ألف نخلة لا يمثل مجرد عدد للأشجار؛ فخلف هذه الأرقام مشروع يقوم على مجموعة من الأهداف المتداخلة: الإنتاج الزراعي، وإكثار الأصناف النادرة، والحفاظ على التنوع الوراثي للنخيل، واستصلاح الأراضي الصحراوية، وزيادة المساحات الخضراء، ودعم الاقتصاد المحلي.

وإذا كانت البداية عام 2017 قد انطلقت من مساحة محدودة، فإن المسار الذي قطعه المشروع في الأعوام التي أعقبته يعكس تحولًا تدريجيًا في فلسفته؛ فمن زراعة النخلة إلى بناء منظومة متكاملة حولها.

وفي بلدٍ ارتبط اسمه بالنخيل منذ آلاف السنين، تبدو هذه التجربة محاولة لإعادة تعريف علاقة الأرض العراقية بنخلتها: ليست النخلة محصولًا للموسم فحسب ؛ بل ثروة زراعية وذاكرة وطنية ومخزونًا وراثيًا وسلاحًا أخضر في مواجهة التصحر، وموردًا يمكن أن يرفد الاقتصاد والغذاء معًا.



600 فسيلة نادرة.. خطوة جديدة في بنك النخيل

وفي أحدث مراحل المشروع، باشرت العتبة العباسية المقدسة زراعة 600 فسيلة من النخيل النادر على مساحة تبلغ 25 دونمًا، في خطوة تندرج من ضمن برنامج الحفاظ على الأصناف النادرة وتكثيرها.

ويشير المعاون الفني للمشروع، المهندس علاء مدحت، إلى أن الفسائل المزروعة تتميز بجودة حبوب لقاحها وفاعليتها في تلقيح أشجار النخيل، الأمر الذي يساعد على تحسين عقد الثمار ورفع كفاءة الإخصاب، فضلًا عن الإسهام في الحصول على إنتاج أكثر تجانسًا من حيث الحجم والصفات.

وبذلك، لا تبدو زراعة هذه الفسائل مجرد إضافة عددية إلى آلاف النخيل الموجودة في المشروع ؛ بل تمثل جزءًا من رؤية أوسع تتعامل مع النخلة بوصفها ثروة وراثية وزراعية ينبغي الحفاظ عليها وتكثيرها.



استعادة مكانة النخلة العراقية

ربما يكمن البعد الأعمق في اهتمام العتبة العباسية المقدسة بزراعة النخيل في أن المشروع لا يتعامل مع النخلة بوصفها شجرةً مثمرة أو محصولًا اقتصاديًا فحسب ؛ بل بوصفها جزءًا من هوية العراق الزراعية وذاكرته الاجتماعية والبيئية.

فالنخلة رافقت العراقيين على امتداد قرون طويلة، وكانت حاضرة في القرى والبساتين وعلى ضفاف الأنهار وفي الأهوار والبيوت الريفية، ومثّلت مصدرًا للغذاء والدخل والعمل، فضلًا عن حضورها الراسخ في الشعر والأدب والفنون والموروث الشعبي ؛ ولذلك فإن تراجع أعدادها أو اندثار بعض أصنافها لا يمثل خسارةً زراعية فقط، وإنما يمثل فقدانًا لجزء من المشهد الذي تشكّلت فيه ذاكرة المكان العراقي.

من هنا تأتي أهمية مشروع الساقي في الحفاظ على أصناف النخيل النادرة وتكثيرها؛ فكل فسيلة يجري إكثارها من صنف نادر تعني إبقاء حضور هذا الصنف في دورة الحياة الزراعية، ومنحه فرصة للاستمرار والانتشار، بدلا من أن يتحول مع مرور الوقت إلى مجرد اسم في السجلات الزراعية أو ذاكرة المزارعين.

وتزداد أهمية هذا التوجه مع ما شهده العراق في العقود الماضية من تراجع في أعداد النخيل، وتقلص مساحات بعض البساتين، وتعرض أنواع وأصناف معينة لخطر الاندثار بسبب عوامل متعددة، من بينها الجفاف وشح المياه وتغير الظروف المناخية وتدهور بعض البيئات الزراعية.



حينما تتحول الصحراء إلى ذاكرة خضراء

ولا تقتصر فلسفة المشروع على إنقاذ الأصناف النادرة، فزراعة النخيل في صحراء كربلاء تحمل بعدًا بيئيًا واضحًا؛ إذ تتحول الأرض القاحلة تدريجيًا إلى مساحات خضراء، وتصبح النخلة جزءًا من منظومة لمواجهة التصحر واستعادة الغطاء النباتي.

وهنا تتقاطع حماية النخلة مع حماية الأرض؛ فكلما توسعت الرقعة المزروعة، ازدادت المساحات الخضراء في بيئة صحراوية قاسية، وأصبحت الأشجار جزءًا من منظومة يمكن أن تسهم في الحد من تأثير الرياح والغبار وزحف الرمال، فضلًا عن توفير بيئة أكثر ملاءمة للزراعات الأخرى.

ولهذا، فإن مشروع الساقي لا يستعيد أصناف النخيل فحسب ؛ بل يحاول أيضًا استعادة علاقة الأرض العراقية بالخضرة، في وقت أصبحت فيه مواجهة التصحر وتراجع الموارد المائية من أبرز التحديات التي تواجه الزراعة في البلاد.

لم يكن المشروع مجرد تجربة محدودة لزراعة النخيل ؛ بل تطور تدريجيًا ليضم أكثر من 40 ألف نخلة وأكثر من 100 صنف، في مساحة كلية تبلغ نحو 11 ألف دونم من ضمن مشروع الساقي الزراعي.

وهذه الأرقام تختصر مسارًا من التوسع، لكنها لا تختصر الفكرة؛ فالقيمة الحقيقية للمشروع لا تقاس بعدد الأشجار وحده، وإنما بما يمثله هذا التنوع من رصيد زراعي ووراثي يمكن الحفاظ عليه وتكثيره والإفادة منه مستقبلًا.



النخلة ...ثروة المستقبل ..وليست إرثًا للماضي

ومن هذه الزاوية، يصبح مشروع الساقي أكثر من مزرعة نخيل واسعة؛ فهو تجربة تجمع بين استصلاح الأراضي الصحراوية، والحفاظ على التنوع الصنفي، ومواجهة التصحر، وترشيد استهلاك المياه، والإفادة من الطاقة الشمسية، وتعزيز الإنتاج الزراعي المحلي، ودعم الصناعات الغذائية، وتوفير فرص العمل.

فالفسيلة التي تُزرع اليوم لا تمثل شجرة جديدة فحسب، وإنما يمكن أن تكون أصلًا لعشرات الفسائل مستقبلًا، فيما يمثل الصنف النادر الذي يجري الحفاظ عليه فرصة لإعادة إدخاله إلى دائرة الإنتاج والتداول بعد أن تراجع حضوره في البساتين العراقية.

وبذلك تتحول المزرعة إلى مساحة تلتقي فيها الزراعة بالبيئة والاقتصاد بالتراث؛ فالنخلة تنتج الثمر، لكنها في الوقت نفسه تحفظ التنوع النباتي، وتزيد من مساحة الغطاء الأخضر، وتوفر مادة أولية للصناعات الغذائية، وتخلق فرصًا للعمل، وتعيد إلى الأرض الصحراوية جزءًا من حيويتها.



من «الساقي» إلى استعادة صورة العراق الأخضر

ولعل أجمل ما في التجربة أن بدايتها كانت من مكان تبدو فيه النخلة أمام تحدٍ واضح: الصحراء ؛ لكن النتيجة جاءت محاولة لإثبات أن البيئة القاسية لا تعني بالضرورة استحالة الزراعة، وأن إدارة المياه بكفاءة، والإفادة من الطاقة الشمسية، واستخدام التقنيات الحديثة، يمكن أن تفتح طريقًا لاستصلاح الأرض وإعادة الحياة إليها.

وهكذا، فإن «الساقي» لا يروي قصة 40 ألف نخلة فقط ؛ بل يروي قصة مشروع يحاول استعادة صورة أوسع: صورة العراق الذي كانت النخلة فيه عنوانًا للوفرة والخير والخضرة.

وفي بلدٍ ارتبطت حضارته وتأريخه الزراعي بالنخيل، يصبح الحفاظ على هذه الشجرة مشروعًا للمستقبل بقدر ما هو حفاظ على الماضي؛ فهو مشروع لمواجهة التصحر وشح المياه وتغير المناخ وتراجع التنوع الزراعي، وفي الوقت نفسه لتعزيز الإنتاج المحلي وبناء قاعدة زراعية أكثر قدرة على الاستمرار.

ومن هنا، فإن كل فسيلة نادرة تُزرع في الساقي ليست مجرد إضافة إلى أعداد النخيل ؛ بل محاولة لإبقاء الأصناف العراقية حيّة، وإبقاء ذاكرة الأرض حاضرة، وإعطاء النخلة فرصة جديدة لتكون ثروة وطنية تُزرع للمستقبل، لا مجرد إرثٍ يُستعاد من الماضي.



مواجهة التصحر من قلب الصحراء

الجانب البيئي يمثل محورًا آخر في اهتمام العتبة بالمشروع. فاختيار الأراضي الصحراوية لإقامة مزارع النخيل يحمل رسالة عملية مفادها أن الصحراء يمكن أن تتحول، مع توفير الإدارة الزراعية والمياه والتقنيات المناسبة، من أرض غير مستثمرة إلى مساحة خضراء منتجة.

وتؤدي أشجار النخيل في هذه البيئة وظيفة تتجاوز إنتاج الثمار؛ فانتشارها على مساحات واسعة يساعد في زيادة الغطاء النباتي والحد من زحف الرمال، و يمكن لأحزمة النخيل أن تؤدي دورًا في كسر سرعة الرياح وتقليل تأثير العواصف الترابية، وهي مشكلة أصبحت أكثر حضورًا في البيئة العراقية ولاسيما في السنوات الأخيرة.

وبذلك يصبح المشروع جزءًا من مواجهة تحدٍ بيئي واسع لا يقتصر على محافظة كربلاء، إذ يعاني العراق من التصحر وتدهور الأراضي وتراجع المساحات الزراعية، ما يجعل أي تجربة ناجحة في استصلاح الأرض الصحراوية ذات قيمة تتجاوز حدود المزرعة نفسها.



ماء من باطن الأرض.. وطاقة من الشمس

في قلب الصحراء، حيث تبدو الزراعة للوهلة الأولى أمام معادلة صعبة من شح المياه وارتفاع درجات الحرارة وتحديات توفير الطاقة، اختار مشروع الساقي الزراعي أن يبني تجربته على إدارة مختلفة لموارد البيئة، تقوم على استثمار المياه الجوفية وتوظيف الطاقة الشمسية، لتوفير متطلبات الري وتشغيل المنظومة الزراعية.

ويعتمد المشروع على المياه الجوفية المستخرجة من الآبار لتأمين احتياجات أشجار النخيل والمحاصيل الزراعية، في وقت تمثل فيه المياه العامل الأكثر حساسية في أي مشروع لاستصلاح الأراضي الصحراوية.

وجرى حفر عدد من الآبار لتوفير مصادر مائية للمشروع، مع نقل المياه إلى منظومات الري واستخدامها بصورة مدروسة تتناسب مع طبيعة المنطقة.

ولا تُترك المياه بعد استخراجها للطرائق التقليدية في توزيعها، إذ يعتمد المشروع نظام الري بالتقطير، الذي يتيح إيصال المياه بصورة مباشرة ومنتظمة إلى مناطق جذور الأشجار، بما يساعد على تقليل الهدر ورفع كفاءة استخدام المياه، وهي مسألة تكتسب أهمية مضاعفة في بيئة صحراوية تعاني محدودية الموارد المائية.

لكن توفير المياه لا يمثل سوى نصف المعادلة؛ فالمياه الجوفية لا تصل إلى سطح الأرض من تلقاء نفسها، وإنما تحتاج إلى منظومة ضخ وتشغيل تستهلك الطاقة ؛ وهنا اتجه مشروع الساقي إلى مورد متاح بكثرة في بيئة كربلاء الصحراوية: الشمس.

جرى توظيف منظومات الطاقة الشمسية لتشغيل مضخات المياه وسحبها من الآبار وضخها إلى شبكات الري، بما يقلل من الاعتماد على مصادر الكهرباء التقليدية، ويمنح المشروع قدرة أكبر على الاستمرار في تشغيل منظومته الزراعية في منطقة بعيدة عن مراكز المدن وشبكات التجهيز المستقرة.

ولا يمثل استخدام الطاقة الشمسية مجرد إضافة تقنية إلى المشروع ؛ بل يأتي استجابة مباشرة لطبيعة التحديات التي تواجه الزراعة العراقية، حيث تشكل كلفة الطاقة واستمرارية التجهيز الكهربائي عاملين مؤثرين في كفاءة تشغيل المشاريع الزراعية، ولاسيما تلك التي تعتمد بصورة رئيسة على المضخات لسحب المياه الجوفية.

بهذه المنظومة، يحاول مشروع الساقي بناء نموذج زراعي يقوم على تكامل ثلاثة عناصر رئيسة: أرض صحراوية يجري استصلاحها، ومياه جوفية يجري استخراجها وإدارتها بكفاءة، وطاقة شمسية تُستخدم في تشغيل منظومة الضخ والري.

وتمنح هذه المعادلة المشروع قدرة على التعامل مع ظروف بيئية صعبة، بدلا من انتظار توفر الظروف المثالية للزراعة ؛ فالمشروع لا يزرع في أرض وفيرة المياه أو قريبة من مصادر الطاقة؛ وإنما يحاول تكييف التكنولوجيا مع البيئة وتحويل بعض تحدياتها إلى عناصر يمكن إدارتها.

وإن الجمع بين الري بالتقطير والطاقة الشمسية يفتح مجالًا لتقليل كلف التشغيل على المدى الطويل، وترشيد استهلاك المياه، وتعزيز استدامة المشروع، ولا سيما مع اتساع مساحته وارتفاع أعداد أشجار النخيل فيه.

وتكتسب هذه التجربة أهميتها من إمكانية الإفادة منها في مناطق أخرى من العراق، ولاسيما أن مساحات واسعة من البلاد تقع من ضمن بيئات جافة وشبه صحراوية، وتواجه المشكلات نفسها المتعلقة بالمياه والطاقة والتصحر.

فإذا كانت زراعة النخيل في الصحراء تتطلب توفير المياه، فإن استدامتها تتطلب إدارة دقيقة لهذا المورد، وإذا كان استخراج المياه يحتاج إلى الطاقة، فإن الاعتماد على الشمس يوفر مصدرًا متجددًا يمكن استثماره في تشغيل المضخات بعيدًا عن تقلبات مصادر الكهرباء التقليدية.

وبذلك لا تبدو تجربة الساقي مجرد محاولة لزراعة آلاف النخيل في الصحراء ؛ بل هي جزء من مختبر زراعي مفتوح لاختبار إمكانات استصلاح الأراضي الجافة باستخدام التكنولوجيا المتاحة محليًا.

وفي المشهد النهائي، تتكامل عناصر المشروع بصورة لافتة: مياه تأتي من أعماق الأرض، وشمس كربلاء تتحول إلى طاقة، والري بالتقطير يوزع المياه بحساب، والنخيل يحول الأرض القاحلة إلى مساحة خضراء منتجة، وهي معادلة تعكس توجهًا نحو زراعة أكثر كفاءة في استهلاك الموارد، وأكثر قدرة على مواجهة الظروف المناخية والمائية التي تفرضها البيئة العراقية اليوم.



من إنتاج التمور إلى دعم الأمن الغذائي والأيادي العاملة

ولا تنحصر فلسفة المشروع في النخيل وحده، إذ توسعت مزارع الساقي لتشمل زراعة محاصيل زراعية أخرى، من بينها الحنطة ذات الرتب العالية، في توجه يعكس رغبة في تنويع الإنتاج وعدم ربط المشروع بمحصول واحد.

وهنا يظهر البعد المتعلق بـ الأمن الغذائي؛ فزيادة الإنتاج الزراعي المحلي تعني توفير جزء من احتياجات السوق من داخل العراق، وتقليل الاعتماد على المنتجات المستوردة، فضلًا عن إتاحة المواد الأولية للصناعات الغذائية المرتبطة بالإنتاج الزراعي.

ويمنح هذا التكامل المشروع قدرة أكبر على تحقيق قيمة اقتصادية مضافة؛ فالمحصول لا ينتهي بالضرورة عند مرحلة الحصاد، وإنما يمكن أن يدخل في عمليات التصنيع والتسويق، وهو ما يحول الزراعة من نشاط أولي إلى جزء من سلسلة إنتاج غذائية متكاملة.

ومن أبرز أوجه الإفادة من إنتاج النخيل أن ثماره لا تذهب جميعًا إلى السوق بوصفها تمورًا طازجة، إذ تستفيد منظومة الصناعات الغذائية التابعة للعتبة من الإنتاج، ومنها معمل الدبس التابع للعتبة العباسية المقدسة، الذي يستقبل جزءًا من منتجات المزارع.

و يسهم الإنتاج في دعم مراكز البيع المباشر التابعة لشركة نور الكفيل للمنتجات الحيوانية والغذائية، بما يتيح انتقال المنتج من الحقل إلى منافذ التسويق من ضمن منظومة متكاملة.

وهذا النوع من التكامل بين الزراعة والصناعة والتسويق يمنح المشروع أهمية اقتصادية إضافية؛ إذ يرفع من القيمة المضافة للمحصول، ويقلل من هدر المنتجات، ويفتح المجال أمام الإفادة من التمور في صناعات غذائية متعددة بدلا من اقتصارها على الاستهلاك المباشر.

ولا تقتصر آثار المشروع على الأرض والنبات والإنتاج ؛ فالمساحات الزراعية الكبيرة تحتاج إلى أيادٍ عاملة في الزراعة والخدمة والتلقيح والتسميد والحصاد والصيانة وتشغيل منظومات الري والطاقة، فضلًا عن عمليات الفرز والتعبئة والنقل والتصنيع والتسويق ؛ ونتيجة ذلك ؛ يسهم المشروع في توفير فرص عمل للأيدي العاملة العراقية، وتنشيط مجموعة من الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالزراعة، ولاسيما في المناطق المحيطة بالمشروع.

فالزراعة هنا لا تعمل بوصفها نشاطًا منعزلًا، وإنما تخلق سلسلة من الأعمال تبدأ من تجهيز الأرض وزراعة الفسائل، وتمتد إلى خدمة الأشجار وجني المحصول وتصنيعه وتسويقه، وهو ما يجعل الاستثمار الزراعي وسيلة لتحريك الاقتصاد المحلي إلى جانب دوره في الإنتاج.



من الصحراء إلى المستقبل

ومن صحراء كربلاء، تواصل مزارع «الساقي» توسيع تجربتها، لتتحول الأرقام إلى صورة واضحة لمسارٍ زراعي بدأ بخطوات محدودة، ثم أخذ يتسع عامًا بعد آخر؛ نحو 11 ألف دونم، وأكثر من 40 ألف نخلة، وأكثر من 100 صنف، تشكل اليوم ملامح مشروع لا يراهن على زيادة الإنتاج فحسب ؛ بل على استعادة حضور النخلة العراقية من بوابة الحفاظ على تنوعها وتكثير أصنافها النادرة.

فمن 25 دونمًا عام 2017 كانت نقطة البداية، إلى مئات الدونمات وآلاف النخيل، ثم إلى مشروع زراعي واسع المساحة، تبدو رحلة «الساقي» أقرب إلى مشروع لإعادة بناء منظومة متكاملة حول النخلة؛ تبدأ من الفسيلة، ولا تنتهي عند الثمرة، بل تمتد إلى البحث في سبل إكثار الأصناف، واستصلاح الأرض، وإدارة المياه، وتوظيف الطاقة الشمسية، والإفادة من الإنتاج في الصناعات الغذائية والأسواق المحلية.

وفي هذه الرحلة، تتقاطع قصة الأرض مع قصة النخلة؛ أرضٌ صحراوية يجري تحويلها إلى مساحات خضراء، ونخيلٌ نادر يجد في المزرعة مساحة للحفظ والتكثير، ومياهٌ جوفية تُدار عبر تقنيات الري الحديثة، وشمسٌ تتحول إلى طاقة تشغّل منظومة الإنتاج، وثمرٌ ينتقل من الحقل إلى الصناعة ثم إلى المستهلك.

وبذلك، لا يعود مشروع «الساقي» مجرد تجمع كبير لأشجار النخيل ؛ بل يصبح تجربة تتقاطع فيها الزراعة مع البيئة، والاقتصاد مع التراث، والتقنية مع الحاجة إلى الاستدامة ؛ فالنخلة هنا تنتج التمر؛ لكنها في الوقت نفسه تسهم في زيادة الغطاء النباتي، وتحفظ التنوع الصنفي، وتدعم الصناعة الغذائية، وتوفر فرص العمل، وتمنح الأرض الصحراوية وظيفة جديدة.

وربما تختصر هذه التجربة فلسفتها في مسار بسيط وواضح: الحفاظ على الصنف، ثم إكثاره، ثم توسيع زراعته ، وهي معادلة تحمل أهمية خاصة في بلدٍ كان يومًا من أبرز مواطن النخيل في العالم، قبل أن تتراجع أعداد أشجاره وتتعرض بعض أصنافه للندرة والاندثار.

لهذا، فإن زراعة الفسائل النادرة في «الساقي» لا تعني إضافة أرقام جديدة إلى إحصاءات النخيل فحسب؛ فكل فسيلة تحمل معها فرصة لبقاء صنف، وكل صنف محفوظ يمثل جزءًا من الذاكرة الزراعية العراقية، وكل مساحة خضراء تُستصلح من الصحراء تمثل خطوة في مواجهة التصحر.

ومن هنا تبدو حكاية «الساقي» أكبر من حكاية مزرعة؛ إنها محاولة لكي تعود النخلة العراقية إلى الأرض بوصفها ذاكرةً وهويةً وثروة، وأن تنتقل من كونها شاهدًا على ماضٍ زراعي عريق إلى أن تكون جزءًا من مستقبلٍ أكثر خضرةً وإنتاجًا واستدامة.
تعليقات القراء
لايوجد تعليقات لعرضها
إضافة تعليق
الإسم:
الدولة:
البريد الإلكتروني:
إضافة تعليق ..: