الى

حين تخرج المدرسة إلى فضاء الكتاب

مجموعة العميد التربوية في معرض بغداد الدولي للكتاب.. حضورٌ يعيد وصل التعليم بالثقافة

في مدينةٍ اعتادت على أن يكون الكتاب فيها أكثر من صفحاتٍ مطبوعة، وأن تتحول معارضه إلى مواسم للذاكرة والمعرفة، تأتي مشاركة مجموعة العميد التربوية بجناح خاص في معرض بغداد الدولي للكتاب لتقول إن المدرسة لا ينبغي أن تبقى محصورة خلف جدرانها، والتربية الحقيقية تستطيع أن تجد لنفسها مكانًا في قلب المشهد الثقافي العام.

فالمشاركة في معرض للكتاب ليست مجرد مناسبة لعرض إصدارات أو التعريف بمؤسسة تعليمية ؛ بل يمكن أن تكون نافذة تكشف المؤسسة بوساطتها عن رؤيتها للإنسان الذي تريد أن تصنعه قارئًا، وباحثًا، وناقدًا، ومشاركًا في الحياة الثقافية.

وتكتسب مشاركة مجموعة العميد التربوية أهميتها بوصفها انتقالًا من فضاء التعليم إلى فضاء المجتمع، ومن المدرسة بوصفها مؤسسة تعليمية إلى المدرسة بوصفها فاعلًا ثقافيًا قادرًا على التواصل مع الجمهور، والانفتاح على التجارب، وبناء صورة مختلفة عن التعليم ومؤسساته.



أكثر من مساحة عرض

يمنح الجناح الخاص لمجموعة العميد التربوية المشاركة طابعًا يتجاوز الحضور الرمزي؛ فهو يمثل مساحة للتعريف بتجربة المجموعة، وإبرازًا لما يرتبط بمسيرتها التعليمية والتربوية، وإتاحة فرصة للزائر للتعرف عن قرب إلى طبيعة المشاريع والرؤى التي تقف خلف العملية التعليمية.

وفي بيئة يلتقي فيها الناشر بالقارئ، والمثقف بالطالب، والمؤسسة بالجمهور، يصبح الجناح وسيلة للتواصل المباشر، لا مجرد واجهة تعريفية ، وهنا تكمن قيمة الحضور في أن تتحدث المؤسسة عن التعليم خارج لغة البيانات والتعريفات الرسمية، وأن تجعل تجربتها قابلة للمشاهدة والحوار.



لماذا معرض بغداد الدولي للكتاب؟

يحمل معرض بغداد الدولي للكتاب أهمية خاصة في المشهد الثقافي العراقي، لأنه يجمع في فضاء واحد دور النشر والمؤسسات الثقافية والقراء والكتاب والطلبة والمهتمين بالمعرفة ، ولذلك فإن حضور مجموعة تربوية في هذا الفضاء يضعها أمام جمهور أوسع بكثير من جمهور المدرسة التقليدي.

فالطالب الذي يدخل المعرض بحثًا عن كتاب، وولي الأمر الذي يبحث عن تجربة تعليمية، والمدرس الذي يتابع أحدث الإصدارات، والباحث الذي يستطلع المشاريع التربوية؛ جميعهم يتحولون إلى جمهور محتمل للتواصل مع المجموعة ، وبذلك يصبح المعرض فرصة لبناء جسر بين المؤسسة التعليمية والمجتمع، وهو جسر لا يقل أهمية عن العملية التعليمية نفسها.



الكتاب في قلب المشروع التربوي

تكشف المشاركة، في بعدها الأعمق، عن العلاقة التي ينبغي أن تجمع المدرسة بالكتاب ، فالمدرسة التي تريد بناء طالب قادر على التفكير لا تستطيع أن تجعل المعرفة محصورة في الكتاب المدرسي ، والطالب الذي يتعلم أن يقرأ خارج المقرر، ويقارن بين الأفكار، ويكتشف عوالم جديدة، يصبح أكثر قدرة على التعلم المستقل.

فإن حضور مجموعة العميد في معرض للكتاب يحمل رسالة تربوية تتصل بتعزيز ثقافة القراءة وإعادة الكتاب إلى موقعه الطبيعي في حياة المتعلم ، وإن المعرض، في هذه الحال، لا يكون مجرد مكان لاقتناء الكتب ؛ بل يتحول إلى مختبر ثقافي مفتوح يرى فيه الطالب المعرفة وهي تتحرك أمامه: عناوين مختلفة، أفكار متباينة، كتاب وناشرون، تجارب وتجارب مضادة ؛ وهذا التنوع جزء من التربية.
relatedinner


من التعليم إلى صناعة الشخصية

الأثر الأهم لأي مشروع تربوي لا يظهر فقط في درجات الطلبة أو نتائج الاختبارات ؛ بل في نوع الشخصية التي تتشكل في سنوات الدراسة ، وحينما تفتح المؤسسة التعليمية أبوابها على عالم الكتاب والثقافة ؛ فإنها تسهم في بناء شخصية أكثر انفتاحًا على المعرفة، وأكثر قدرة على السؤال، وأقل اكتفاءً بالمعلومة الجاهزة.

ولهذا يمكن النظر إلى مشاركة مجموعة العميد بوصفها جزءًا من مفهوم أوسع للتربية؛ مفهوم لا يفصل التحصيل العلمي عن الثقافة، ولا يفصل المعرفة عن بناء الشخصية ، فالطالب الذي يتعامل مع الكتاب بوصفه نافذة لا واجبًا مدرسيًا، يمتلك فرصة أكبر لكي يتحول من متلقٍ للمعلومة إلى شريك في إنتاج المعرفة.



الحضور الثقافي.. بناء هوية المؤسسة

فيما يتعلق بالمؤسسات التعليمية، لا تقتصر أهمية المشاركات الثقافية على التواصل مع الجمهور، وإنما تمتد إلى بناء الهوية المؤسسية ، فالمؤسسة التي تظهر في المحافل الثقافية الكبرى تقدم نفسها للمجتمع عن طريق قيمها ومشاريعها وتوجهاتها، وليس عن طريق خدماتها التعليمية فقط.

فإن الجناح الخاص يمكن أن يؤدي دورًا في تعريف الجمهور بهوية مجموعة العميد التربوية، وما تسعى إليه في المجال التعليمي، و يتيح للزائر تكوين صورة أكثر قربًا وواقعية عن المؤسسة ، وهذا النوع من الحضور يصنع ما يمكن تسميته الثقة الثقافية؛ أي : أن ينظر المجتمع إلى المؤسسة التعليمية بوصفها جزءًا من المشهد الثقافي، لا مجرد جهة تقدم خدمة تعليمية.



المعرض فرصة للحوار.. لا للعرض فقط

من أهم ما يمكن أن تحققه المشاركة في مثل هذه الفعاليات أنها تفتح باب الحوار ، فالزائر يستطيع أن يسأل، والطالب يستطيع أن يستكشف، وولي الأمر يستطيع أن يتعرف، والمختص التربوي يستطيع أن يناقش.

وهنا تتحول المشاركة من اتصال أحادي الاتجاه إلى عملية تفاعلية ، وإذا أحسنت المؤسسة الإفادة من هذه المساحة ؛ فإنها تستطيع أن تستمع إلى المجتمع عن طريق أسئلة مفترضة:

  • ماذا ينتظر أولياء الأمور من المدرسة؟ ما المهارات التي يبحث عنها الطلبة؟
  • ما التحديات التي تواجه الأسرة العراقية؟
  • وما صورة التعليم التي يريد المجتمع أن يراها في المستقبل ؟وبذلك يتحول المعرض من مكان تعرض فيه المجموعة تجربتها فقط ؛ إلى مكان تستمع فيه إلى جمهورها أيضًا.



أثر المشاركة في الطالب والمعلم

قد يكون الطالب هو المستفيد الأكثر أهمية من هذه المشاركة، حتى إذا لم يكن ذلك ظاهرًا منذ اللحظة الأولى ، فالوجود في معرض كبير للكتاب يغير علاقة الطالب بالقراءة عندما يرى المعرفة محيطة به في فضاء حقيقي ومفتوح.

وقد يدفعه ذلك إلى اكتشاف كتاب خارج اهتمامه المعتاد، أو التعرف إلى مجال معرفي جديد، أو رؤية القراءة بوصفها نشاطًا اجتماعيًا وثقافيًا لا مجرد مهمة دراسية ، فإن مثل هذه المشاركات تستطيع أن تسهم في بناء عادة القراءة عبر التجربة المباشرة، وهي أحيانًا أكثر تأثيرًا من التوجيه النظري.

ولا يتوقف الأثر عند الطلبة؛ فالمعلم جزء رئيس من أي بيئة تربوية ناجحة ، فمعرض الكتاب يوفر للمعلم فرصة للاطلاع على الكتب والمصادر الجديدة، ومتابعة التحولات في الفكر التربوي، واكتشاف مواد يمكن أن تثري الدرس وتوسع أفقه.

وعندما يصبح المعلم قارئًا متجددًا، تنتقل آثار ذلك بصورة غير مباشرة إلى طلبته؛ لأن التعليم في جوهره ليس نقلًا للمعلومات فقط، وإنما هو نموذج يقدمه المعلم في علاقته بالمعرفة.



من المشاركة إلى الأثر المستدام

لكن القيمة الحقيقية للمشاركة لن تُقاس بعدد زوار الجناح أو الصور التي توثق حضوره، وإنما بما يبقى بعد انتهاء المعرض ، وهنا يبرز التحدي الأهم أمام مجموعة العميد التربوية الذي يتعلق بكيفية تحويل الحضور الثقافي المؤقت إلى مشروع مستدام؟

يمكن أن تمتد آثار المشاركة عبر تحويلها إلى مبادرات داخل المدارس، مثل نوادي القراءة، ومسابقات المطالعة، واستضافة الكتّاب، ومشروعات الكتابة الطلابية، وربط المناهج بفعاليات القراءة، وتشجيع الطلبة على إنتاج محتوى ثقافي خاص بهم ؛ فالمعرض يستمر أيامًا، أما ثقافة القراءة فينبغي أن تستمر طوال العام.



دلالة أوسع.. المدرسة مؤسسة ثقافية

في زمن تتغير فيه مصادر المعرفة بسرعة، لم تبقَ المدرسة قادرة على أداء دورها إذا اكتفت بتقديم المنهج التقليدي ، فالطالب يعيش في عالم مفتوح على ملايين المصادر ؛ ولذلك يصبح دور المدرسة هو تعليمه كيف يختار، وكيف يتحقق، وكيف يفكر، وكيف يقرأ، وكيف ينتج المعرفة.

و يمكن قراءة مشاركة مجموعة العميد في معرض بغداد الدولي للكتاب من ضمن التحول الأوسع في مفهوم المؤسسة التعليمية التي تحولت من مكان لتلقي الدروس إلى بيئة متكاملة لبناء الإنسان.



الجناح رسالة

قد يبدو جناح مجموعة العميد التربوية في معرض بغداد الدولي للكتاب مساحة محددة وسط عشرات الأجنحة ؛ لكنه يحمل دلالة تتجاوز حدوده المادية ، إنه إعلان بأن التربية والثقافة وجهان لمشروع واحد، وأن المدرسة حين تنفتح على الكتاب تنفتح في الحقيقة على المجتمع والمستقبل.

فالكتاب لا يمنح الطالب معلومة فحسب؛ إنه يمنحه سؤالًا جديدًا، وربما يمنحه عالمًا لم يكن يعرفه ، وحينما تقف مؤسسة تربوية في معرض للكتاب ؛ فإنها لا تعرض ما لديها فقط ؛ بل تضع نفسها أمام امتحان الثقافة الذي يتلخص ب: ماذا نريد أن نعلّم؟ وأي إنسان نريد أن نصنع؟ وما المكان الذي نريد أن يحتله الكتاب في حياة أبنائنا؟

فإن نجاح مشاركة مجموعة العميد التربوية لا ينبغي أن يُقاس بانتهاء أيام المعرض ؛ بل بخروج أحد الطلبة من جناحها وهو يحمل كتابًا، أو فكرة، أو سؤالًا جديدًا ؛ فالمعرض ينتهي حين تُغلق الأبواب، أما أثر الكتاب الحقيقي فيبدأ عندما تُفتح صفحاته.
تعليقات القراء
لايوجد تعليقات لعرضها
إضافة تعليق
الإسم:
الدولة:
البريد الإلكتروني:
إضافة تعليق ..: