ويمتد المشروع من باب قبلة مرقد أبي الفضل العباس (عليه السلام) باتجاه شارع الجمهورية، بطول يقارب 350 مترًا وعرض يصل إلى 40 مترًا ؛ ليشكّل امتدادًا عمرانيًّا متكاملا يضم صحنًا واسعًا فوق الأرض، وسردابًا تحتها ، وأواوين ذات طابع إسلامي، وأسواقًا مسقفة ومكيّفة تتصل بالأسواق التأريخية للمدينة القديمة.
ولا تبدو أهمية المشروع في حجمه فحسب،د ؛ بل في الطريقة التي جرى بها التعامل مع موقعه؛ إذ يتوخى التصميم الحفاظ على خصوصية المدينة القديمة وطابعها المعماري، مع استحضار مفردات العمارة الإسلامية المرتبطة بمرقد أبي الفضل العباس (عليه السلام)، وإعادة توظيفها في ضمن فضاء عمراني جديد.
من الصحن إلى الأسواق : مشروع يعيد وصل أجزاء المدينة
يقوم المشروع على إنشاء سرداب تبلغ مساحته نحو 10 آلاف متر مربع، إلى جانب صحن كبير فوق الأرض بمساحة تقارب 15 ألف متر مربع، تتوزع في ضمنه أواوين متعددة صُممت بصيغة تحاكي الطابع المعماري لصحن مرقد أبي الفضل العباس (عليه السلام).
وتتجاوز وظيفة الأواوين حدود كونها عناصر معمارية؛ إذ تتصل خلفها أسواق مسقفة ومكيّفة تمتد لمسافة تقارب 200 متر من كل جانب، بما يتيح للمشروع أن يرتبط مباشرة بالأسواق التأريخية المحيطة بالعتبة، ومنها سوق الصفارين وسوق باب الخان وسوق العلاوي.
العمارة : استحضار هوية المكان لا استنساخها
يقوم الجانب المعماري للمشروع على مبدأ واضح يتمثل في الحفاظ على هوية المدينة القديمة وإبراز طابعها الإسلامي ؛ ولهذا جاءت الأواوين بتصميم يستلهم صحن مرقد أبي الفضل العباس (عليه السلام)، في محاولة لإيجاد استمرارية بصرية ومعمارية بين الصحن الجديد والفضاء المقدس القائم، بدلا من إدخال كتلة عمرانية غريبة عن محيطها.
وتظهر أهمية هذا الخيار في أن المشروع يقع في ضمن منطقة ذات قيمة تأريخية وعمرانية عالية؛ ولذلك فإن نجاحه المعماري لا يقاس بحجم المباني أو حداثة تقنياتها فقط، وإنما بقدرتها على الاندماج مع ذاكرة المكان والمحافظة على شخصيته.
ومن هذه الزاوية، يصبح المشروع أكثر من توسعة مكانية؛ فهو محاولة لصياغة امتداد معاصر للمدينة القديمة، يستند إلى مفرداتها المعمارية الرئيسة ويعيد تنظيمها في ضمن متطلبات الاستخدام الحديث.
الكاشي الكربلائي : الزخرفة هوية
في الجانب الفني، يحضر الكاشي الكربلائي بوصفه أحد أبرز العناصر التي تمنح المشروع شخصيته البصرية ، فالكاشي ليس مجرد مادة للتكسية والزخرفة، وإنما يحمل ارتباطًا مباشرًا بالعمارة الدينية والتراثية في كربلاء، ولذلك فإن استخدامه في سقوف الأواوين وعناصر المشروع يرسخ الصلة بين البناء الجديد والموروث المحلي.
وقد شهدت الأعمال التنفيذية إنجاز أجزاء من أعمال الكاشي الكربلائي والمرمر في سقوف الأواوين، ويكتمل هذا الحضور الفني بإدخال الآيات القرآنية في ضمن العناصر الزخرفية ؛لتصبح الكتابة القرآنية جزءًا من التكوين المعماري والبصري للمكان، لا مجرد إضافة تزيينية منفصلة عنه.
سماحة السيد الصافي يتابع ميدانيًّا
أجرى المتولّي الشرعي للعتبة العباسية المقدسة، سماحة العلّامة السيد أحمد الصافي، يوم الجمعة 3 تشرين الأول 2025، جولة ميدانية للاطلاع على سير الأعمال ونسب الإنجاز في مشروعي مبنى متحف الكفيل للنفائس والمخطوطات وصحن باب القبلة الكبير.
ورافق سماحته خلال الجولة رئيس قسم المشاريع الهندسية في العتبة العباسية المقدسة، المهندس ضياء مجيد الصائغ، الذي قدّم شرحًا مفصلا عن مراحل تنفيذ المشروعين، وما تحقق من تقدم في الأعمال الإنشائية والمعمارية.
وأوضح الصائغ أن مشروع صحن وسرداب باب القبلة الكبير يشهد تقدمًا ملحوظًا في نسب الإنجاز، مبينًا أنه يعدّ واحدًا من أكبر مشاريع التوسعة الأفقية للعتبة العباسية المقدسة في كربلاء، ويمتد من باب قبلة مرقد أبي الفضل العباس (عليه السلام) وصولا إلى شارع الجمهورية، بطول يقارب 350 مترًا وعرض يصل إلى 40 مترًا.
وزاد بقوله :إن المشروع يتضمن إنشاء سرداب تحت الأرض بمساحة تبلغ نحو 10 آلاف متر مربع، إلى جانب صحن كبير فوق الأرض يضم عددًا من الأواوين، وتبلغ مساحته قرابة 15 ألف متر مربع، مع مراعاة الحفاظ على الهوية المعمارية للمدينة القديمة وخصوصيتها التأريخية.
وبيّن الصائغ أن التصميم النهائي للمشروع اعتُمد بتوجيه من المتولّي الشرعي للعتبة المقدسة، سماحة العلّامة السيد أحمد الصافي، ويتضمن أواوين ذات طابع معماري يحاكي تصميم صحن مرقد أبي الفضل العباس (عليه السلام)، فضلا عن أسواق مسقفة ومكيّفة تمتد لمسافة 200 متر من جانبي المشروع، وترتبط بصورة مباشرة بالأسواق التأريخية في المدينة القديمة، ومنها سوق الصفّارين وسوق باب الخان وسوق العلاوي.
وأشار إلى أن تنفيذ المشروع شهد أعمالا إنشائية وفنية معقدة، شملت معالجة شبكات مياه الأمطار والمجاري والخدمات الرئيسة بالتنسيق مع دوائر محافظة كربلاء، فضلاً عن استكمال أعمال السرداب واتخاذ الإجراءات اللازمة لحمايته من الانهيارات، وإنجاز الهياكل الكونكريتية من الجهتين الشمالية والجنوبية.
ولفت الصائغ إلى استمرار الأعمال الخاصة بالكسوة والزخارف، ومنها الكاشي الكربلائي والمرمر في سقوف الأواوين، مبينًا أن نسبة الإنجاز في الأعمال الزخرفية والتكميلية من ضمن هذه المرحلة بلغت نحو 40%.
وتأتي هذه الجولة في إطار المتابعة الميدانية المستمرة لمشاريع التوسعة والتطوير في العتبة العباسية المقدسة، والوقوف على مراحل تنفيذها بما ينسجم مع التصاميم المعتمدة ويحافظ على الطابع العمراني والتراثي للمدينة القديمة في كربلاء.
relatedinner
أرضية السوق : تفاصيل صغيرة في مشروع كبير
ولم تقتصر المصادقات على العناصر الزخرفية، إذ شملت كذلك أرضية السوق الممتد باتجاه سوق العلاوي ، بما ينسجم مع التصميم العام للمشروع ، وتكتسب هذه التفاصيل أهمية خاصة لأنها تقع في ضمن فضاء سيشكّل حلقة وصل بين المشروع والأسواق التأريخية المحيطة به.
فالأرضية هنا ليست عنصرًا منفصلا ؛ بل جزءًا من المشهد العمراني المتكامل الذي يسعى المشروع إلى تشكيله ، ومع تقدم الأعمال، بدأت ملامح السوق الممتد باتجاه العلاوي والصفارين بالظهور تدريجيًّا ، ليصبح الامتداد الجديد أكثر وضوحًا بوصفه حلقة تربط بين فضاءات المشروع والأسواق التأريخية.
الهندسة : مشروع واجه تعقيدات ما تحت الأرض
إذا كانت العمارة هي الواجهة المرئية للمشروع، فإن الجانب الهندسي يشكل الأساس الذي مكّن هذه الواجهة من الظهور ، فالمشروع يتضمن سردابًا بمساحة 10 آلاف متر مربع ، وهو ما فرض معالجة مجموعة من التحديات المتعلقة بالإنشاء والخدمات والبنى التحتية، ولا سيما شبكات مياه الأمطار والمجاري والخدمات الرئيسة.
وشملت الأعمال الهندسية معالجة هذه الشبكات بالتعاون مع دوائر محافظة كربلاء، إلى جانب تنفيذ إجراءات لحماية السرداب من الانهيارات، وإنجاز الهياكل الكونكريتية من الجهتين الشمالية والجنوبية.
وتكشف هذه الأعمال عن طبيعة المشروع بوصفه عملية إعادة تنظيم عمراني شاملة، لا مجرد تشييد مبنى جديد؛ فكل توسعة في منطقة تأريخية ومكتظة بالخدمات تتطلب معالجة دقيقة للعلاقة بين المشاريع الجديدة والبنى التحتية القائمة.
مراحل التنفيذ : العمل من دون تعطيل حركة الزائرين
يشرف على تنفيذ المشروع قسم المشاريع الهندسية في العتبة العباسية المقدسة، فيما تنفذه شركة أرض القدس العراقية ، وجرى تقسيم العمل على ثلاث مراحل ؛ لضمان استمرارية التنفيذ مع الحد من تأثير الأعمال في حركة الزائرين، وهو عامل يكتسب أهمية مضاعفة بالنظر إلى موقع المشروع في قلب المنطقة المحيطة بالمرقد.
ما تحقق حتى الآن : من الهيكل إلى التفاصيل
أظهرت مراحل العمل تقدمًا في عدد من المحاور الرئيسة، من بينها استكمال أجزاء مهمة من السرداب، وتنفيذ أعمال الحماية الإنشائية، وإنجاز الهياكل الكونكريتية في الجهتين الشمالية والجنوبية.
و تقدمت أعمال الأواوين، ولا سيما في ما يتعلق بالكاشي الكربلائي والمرمر، في وقت دخلت فيه الأعمال الزخرفية والتكميلية مرحلة أكثر وضوحًا ، ومع حلول تشرين الأول 2026، انتقل المشروع في بعض تفاصيله من مرحلة التنفيذ الإنشائي إلى مرحلة أكثر دقة تتعلق باعتماد عناصر الهوية الفنية والزخرفية، ومنها الكتيبة القرآنية وأرضية السوق.
منارة بارتفاع 80 مترًا : علامة معمارية لمتحف الكفيل
وبالتزامن مع مشروع صحن باب القبلة الكبير، تتواصل الأعمال في مشروع مبنى متحف الكفيل للنفائس والمخطوطات، الذي يقع عند بداية شارع الجمهورية من الجهة الجنوبية لمرقد أبي الفضل العباس (عليه السلام).
ويقع المتحف على مساحة تبلغ نحو 4 آلاف متر مربع، ويتكون من ستة طوابق، فيما وصلت أعمال السرداب والهيكل الإنشائي للطابق الأول إلى مراحل متقدمة ، ويحمل المشروع بعدًا معماريًّا لافتًا يتمثل في منارة بارتفاع 80 مترًا، صُممت لتكون علامة مميزة في المشهد العمراني، على أن تُجهز من الداخل بتصميم بانورامي يوفر للزائر تجربة بصرية مختلفة.
وبذلك لا تؤدي المنارة وظيفة رمزية أو جمالية فقط، وإنما تتحول إلى عنصر يسهم في تعريف المبنى في ضمن أفق المدينة، ويمنحه حضورًا بصريًّا يتجاوز حدود موقعه المباشر
مشروعان : ورؤية واحدة
وعلى الرغم من اختلاف وظيفة المشروعين، فإن جمعهما من ضمن مسار العمل نفسه يكشف عن رؤية أوسع لتطوير المنطقة المحيطة بالعتبة العباسية المقدسة ، فصحن باب القبلة الكبير يتعامل بصورة رئيسة مع قضية التوسعة واستيعاب الحركة وربط العتبة بالأسواق التأريخية، بينما يتجه متحف الكفيل إلى توفير فضاء ثقافي ومعرفي لعرض النفائس والمخطوطات، مع علامة معمارية بارزة تتمثل بالمنارة.
وبين الصحن والسرداب والأسواق من جهة، والمتحف والمنارة من جهة أخرى، تتشكل منظومة عمرانية تتداخل فيها الوظيفة الدينية والثقافية والخدمية مع الحفاظ على الطابع التأريخي للمدينة.
بين الماضي والمستقبل:عمارة تُعيد قراءة المكان
تكمن القيمة الأبرز في مشروع صحن باب القبلة الكبير في محاولته تحقيق معادلة دقيقة: التوسع من دون فقدان الهوية، والتحديث من دون القطيعة مع الذاكرة العمرانية.
فالمشروع يستفيد من تقنيات الإنشاء الحديثة في السرداب والبنى التحتية والهياكل الكونكريتية ؛ لكنه في الوقت نفسه يعود إلى مفردات العمارة الإسلامية والكاشي الكربلائي والكتابات القرآنية والأواوين في تشكيل صورته النهائية.
أما ربط الأسواق الجديدة بسوق الصفارين وباب الخان والعلاوي فيمنح المشروع بعدًا يتجاوز حدود العتبة، ليصبح جزءًا من حركة المدينة نفسها ،وهكذا تبدو التوسعة في صورتها الأوسع ؛ فهي محاولة لإعادة تنظيم المكان مع الحفاظ على ذاكرته ، وهي مشروع ينظر إلى المستقبل بأدوات هندسية حديثة ؛ لكنه يختار أن يعبّر عن نفسه بلغة معمارية تنتمي إلى كربلاء وتأريخها.
الكتيبة القرآنية : تفاصيل فنية تكتمل بالمصادقة
في الأول من تشرين الأول 2026، صادق المتولي الشرعي للعتبة العباسية المقدسة، سماحة العلامة السيد أحمد الصافي، على الكتيبة القرآنية الخاصة بأواوين مشروع صحن باب القبلة الكبير.
وتأتي هذه الخطوة من ضمن الأعمال التنفيذية والزخرفية للمشروع، بما يعكس طبيعة العلاقة بين التصميم المعماري والتفاصيل الفنية؛ إذ إن اختيار النصوص القرآنية وتكوينها وموقعها في ضمن الأواوين يمثل جزءًا من الهوية البصرية للمشروع ، وجرت المصادقة بحضور الأمين العام للعتبة المقدسة السيد مصطفى مرتضى آل ضياء الدين، ورئيس قسم المشاريع الهندسية المهندس ضياء الصائغ.
خلاصة القول
منذ مراحل الحفر والإنشاء ومعالجة شبكات الخدمات وحماية السرداب، وصولا إلى أعمال الأواوين والكاشي الكربلائي والمرمر، ثم اعتماد الكتيبة القرآنية وأرضية السوق، يتقدم مشروع صحن باب القبلة الكبير عبر مراحل متتابعة من العمل، تنتقل به من مرحلة البناء الإنشائي إلى مرحلة اكتمال التفاصيل والهوية.
وفي الجهة الأخرى، يتقدم متحف الكفيل للنفائس والمخطوطات بوصفه مكونًا ثقافيًّا ومعماريًّا مكملا للمشهد، بما يضيفه من طوابق ومساحات عرض ومنارة مرتفعة ذات تصميم بانورامي.
وبين المشروعين تتشكل ملامح توسعة لا تقيس نجاحها بالمساحة المضافة وحدها، وإنما بقدرتها على صناعة فضاء جديد يحترم المكان القديم، ويستوعب احتياجات الحاضر، ويؤسس لصورة عمرانية تستمر في المستقبل.





































































