relatedinner
وللاحتفاء باليوم العالمي لهذه اللغة المقدسة، نظمت جمعية العميد العلمية والفكرية ندوة علمية في رحاب العتبة العباسية المقدسة، بالتعاون مع مركز العميد الدولي للبحوث والدراسات التابع لقسم الشؤون الفكرية والثقافية، والهيأة العليا لإحياء التراث في العتبة المقدسة.
وأُقيمت الندوة في قاعة الإمام الحسن (عليه السلام) داخل العتبة العباسية المقدسة تحت شعار (لغتنا العربية سيدة اللغات)، وبعنوان (أثر اللغة العربية في العلوم الدينية)، وبحضور عدد من مسؤولي العتبة المقدسة إلى جانب الباحثين والمختصين.
واستُهلت فعاليات الندوة بتلاوة آيات عطرة من القرآن الكريم، وقراءة سورة الفاتحة ترحمًا على أرواح الشهداء والعلماء، وقراءة النشيد الوطني ونشيد (لحن الإباء)، تلتها كلمة الأمانة العامة للعتبة المقدسة، ألقاها الدكتور سرحان جفات، أكدت فيها أنها تسعى لأن تكون اللغة العربية في طليعة اهتمامها عبر كثير من الفعاليات العلمية والأدبية التي تنهض بالعربية شعرًا وقصصًا وخطابةً وبحثًا علميًّا، وهي مجالات رصينة ومستمرة طوال العام.
وقال جفات: "نحييكم بتحية عربية مباركة في هذه الأصبوحة التي تنهل من فيض هذا المكان المقدس؛ حيث المناهل الروية المترعة بيانًا وتبيانًا وفصاحةً، وحيث تحضر العربية بوصفها لسان قوم عُرفوا بالسماحة والفصاحة وأداة بلاغ للناس، ومرتكز دين بقرآنه، وبكلام القوّام على ذلك القرآن".
وأضاف أنّ: "الملازمة بين اللسان العربي وبين علوم الدين الإسلامي ملازمة وجودية على أساس أنّ مهمة اللغة لا تحفز الروح الدينية فحسب، بل هي أداة تفكير في قضايا الدين ومقولاته بآية قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾، فتكون اللغة بهذا أداة تعقل وتفكير وعمل عقلي كبير.
من هنا ألفينا مجهودات جليلة بُذلت في التفكير اللغوي لإنضاج مقولات دينية، فاكتست اللغة ثوب قداسة، واقترن فقهها بفقه الدين، وصار الخطاب اللغوي مقتربًا من مقتربات الخطاب الديني، وغدا الدرس اللغوي من موجبات زلفى العبد بين يدي ربه وقرآنه الكريم".
وبيّن جفات أنّ: "العتبة العباسية المقدسة تسعى بشخص متوليها الشرعي سماحة السيد أحمد الصافي وبأقسامها وتشكيلاتها وبجمعية العميد المعطاءة إلى أن تكون العربية طليعةً لاهتمامها، وإلى أن يكون اليوم العالمي للغة العربية ليس يوم احتفاء يمر كما تمر أيام السنة الأخرى، بل هو يوم يشع في سائر أيام السنة من خلال كثير من الفعاليات التي تنهض بالعربية شعرًا وقصصًا وخطابةً وبحثًا علميًّا رصينًا؛ استشعارًا لقول المعصوم (عليه السلام): ((اعربوا حديثنا فإنّا قوم فصحاء))، فها هنا أورقت العربية وسمقت، وفي هذه الربوع الطيبة المباركة، غلا مهرها وازدانت وأثمرت من خلال القرآن الكريم وعلى ألسنة من كانوا عدلاً للقرآن الكريم، وسوف يبقى مجدها شامخًا على أيديكم وأيدي أضرابكم من أهل العربية".
اما كلمة جمعية العميد العلمية والفكرية، التي ألقاها الدكتور علي المصلاوي، فأبرز ما تضمنته أنّ اللغة العربية مفتاح فهم القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف وكلام أهل البيت (عليهم السلام) واستنباط مقاصده.
وقال المصلاوي: "إنّ يوم اللغة العربية ليس مناسبة عابرة نقف عند حدودها، بل هو لحظة وعي متجدد نعود فيها إلى ينابيع الهوية الأولى، إلى لغة صاغت العقل وحملت خطاب الوعي إلى الإنسان، في هذا اليوم تصغي الأرواح قبل الآذان، وتتهيّأ العقول قبل المنابر؛ لأنّنا نقف بين يدَي لغة ما زالت تحفظنا أكثر مما نحفظها، وتمنحنا من نورها أكثر مما نمنحها".
وأضاف أنّ: "الندوة تأتي امتدادًا لهذا الاحتفاء لا بوصفها أوراقًا بحثية علمية فحسب، بل بوصفها جسرًا يصل الحاضر بجلال القرآن الكريم ويعيد تذكيرنا بأنّ العلوم الشرعية وُلدت في رحم اللغة العربية ونمت في ظلالها وازدهرت بقواعدها وبيانها".
وبيّن أنّ: "الندوة جاءت لتحقق جملة من الأهداف المعرفية الرصينة منها: تأكيد مركزية اللغة العربية بوصفها وعاءً أساسيًّا للنصوص الدينية وإثبات مكانتها كأهم مفاتيح فهم القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف وكلام أهل البيت (عليهم السلام) واستنباط مقاصده، وتوضيح العلاقة التكاملية بين الدرسين اللغوي والشرعي، وبيان كيفية توظيف المناهج اللغوية الرصينة في خدمة علوم التفسير والفقه وأصول الدين، وتحليل الآليات اللغوية والمنهجيات التي يعتمدها الباحثون في قراءة النصوص الدينية والكشف عن أثرها في فهم النصوص وتحليلها، وتعزيز حضور البعد اللغوي في تدريس العلوم الدينية داخل المؤسسات الأكاديمية، ولا سيّما ما يتصل بالنحو والدلالة والبلاغة بوصفها أدوات للفهم والتحليل، وتأصيل التكامل المعرفي والمنهجي بين الدرسين اللغوي والشرعي في الفكر الإسلامي، واستشراف آفاق تطوير الدراسات اللغوية الحديثة كعلم الدلالة وتحليل الخطاب واللسانيات التطبيقية في خدمة الفهم الديني المعاصر مع بيان ضوابط التوظيف الشرعي لها".
وأوضح المصلاوي أنّ: "ما سيقدمه الباحثون هو إضاءات على هذه المساحات العميقة محاولين أن يجسدوا بعلمهم ووعيهم حقيقة كبرى، وهي أنّ العربية لغة دين قبل أن تكون لغة قوم، وأنّ إتقانها ليس ترفًا ثقافيًّا، بل فرض كفاية علمي وضرورة منهجية لكل من أراد أن يفهم الشريعة من منابعها الأصيلة"، مشيرًا إلى أنّ: "جمعية العميد تضع هذه الندوة في سياق التزامها بإحياء المقارنة المتعمقة بين اللغة والعلوم الشرعية، ودعم كل جهد يرسّخ مكانة العربية كلسان حيوي قادر على استيعاب قضايا العصر من دون أن يخسر روحه التأسيسي".
وقال رئيس الجمعية، الدكتور رياض طارق العميدي: "إنّ ندوة الاحتفاء العالمي بيوم اللغة العربية تضمنت مناقشة مجموعة من البحوث التي بيّنت أهمية اللغة العربية بوصفها الوعاء الأساسي للوعي الديني والفكري والثقافي"، مشيرًا إلى أنّ: "الندوة ركزت على إبراز مكانة اللغة في مختلف العلوم الشرعية والفكرية".
وأضاف أنّ: "الندوة تناولت محاور عدة، أبرزها أهمية اللغة في علوم القرآن والحديث وأصول التفسير، وتهدف إلى تعزيز مكانة اللغة العربية وتحقيق التوافق بين أصالتها والتجديد؛ كونها لغة حية قائمة على التطوير المستمر"، مؤكدًا أنّ: "الندوة شهدت إلقاء عدد من التوصيات الخاصة بيوم اللغة العربية".
وتضمنت فعاليات الندوة إلقاء قصائد شعرية للشاعرين علي الصفار ومحمد الياسري، تلتها جلسة علمية ترأسها الدكتور عادل نذير، نوقشت عبرها أربعة بحوث متنوعة شملت (لغة التوحيد القرآني)، للباحث الدكتور عباس علي الفحام، وبحث (الشريعة في ضوء العربية نحو بناء منظومة فكرية ودراسة في العلاقات العلمية والمنهجية)، للباحث الدكتور صالح كاظم الجبوري، و(أثر الفكر النحوي في بناء قواعد أصول الفقه دراسة تحليلية في ضوء النظر اللغوي الفقهي)، للباحث الدكتور حيدر جبار عيدان، فيما اختُتمت الجلسة بمناقشة البحث الموسوم (المباحث اللغوية وأثرها في استنباط الأحكام الشرعية) للباحث الدكتور مهند مصطفى جمال الدين.
وفي ختام الندوة العلمية كرّم عضو مجلس إدارة العتبة العباسية المقدسة، السيد محمد الاشيقر، ورئيس جمعية العميد العلمية والفكرية، الدكتور رياض طارق العميدي، والدكتور سرحان جفات، الباحثين والمسهمين في فعالياتها.
