وفي هذا المجال، تنوعت مشاريع العتبة العباسية المقدسة، إذ توجهت إلى بناء قاعدة إنتاجية متكاملة؛ فهناك مشاريع متخصصة بإنتاج أفراخ الدجاج، وأخرى بتربية الدواجن وإنتاج اللحوم، فضلاً عن تربية الأغنام والعجول، فضلا عن إنتاج العسل والأسماك وطائر السمان، وهذا التنوع يمنح المجتمع خيارات غذائية أوسع، ويدعم استقرار أسعارها وتوفرها.
بوصلة التوجيه
أن التوجه نحو الثروة الحيوانية في العتبة العباسية المقدسة لم يكن منفصلا عن حاجة المجتمع في تأمين غذائه من مصادر محلية؛ فاختيار مجالات متنوعة تشمل الدواجن والاغنام والعجول والاسماك والنحل والسمان، يعكس توجها نحو بناء قدرات محلية تسهم في توفير الغذاء وتنويع مصادره، انطلاقا من أهميته بوصفه حاجة أساسية للمجتمع.
وقد عبر المتولي الشرعي للعتبة العباسية المقدسة سماحة السيد أحمد الصافي، عن هذه الرؤية بوضوح، حين قال في حديثة عن أحد المشاريع: " هنالك أمن اخر.. الا وهو الامن الغذائي" هذه العبارة تضع الامن الغذائي في موقع يتجاوز كونه نتيجة عرضية للمشاريع، انما هو أحد الأهداف التي ينبغي أن تبنى عليها المشاريع نفسها.
وتتضح هذه الرؤية بصورة أكثر مباشرة في حديث سماحته عن مشروع اخر، أكد فيه أنه يدعم الامن الغذائي في البلد على نحوٍ عام؛ وتجد هذه الرؤية تطبيقاتها في الثروة الحيوانية، حيث أنشأت العتبة مشروع الدواجن والمفاقس، ثم تربية الأغنام والعجول، ومزارع الأسماك، ومشروع السمان والمناحل؛ وتنوع الأنشطة هنا ليس مجرد توسع في مجالات العمل، وإنما محاولة لتوسيع قاعدة الغذاء المحلي وتعدد مصادره، بما يمنح السوق خيارات أوسع، ويفتح مجالات للعمل، ويعزز حضور المنتج العراقي أمام المستورد.
وهكذا تتضح خلفية مسار الثروة الحيواني في العتبة العباسية المقدسة، عن طريق رؤية قائمة على تأمين الغذاء هو الغاية الأوسع، والثروة الحيوانية أحد مسارات الوصول إليها، وتنوع المشاريع هو وسيلة لتوسيع قدرة المنتج المحلي على تلبية احتياجات المجتمع.
منطلق لدعم قطاع الدواجن
يعد توفير أفراخ الدجاج خطوة أساسية في تنمية قطاع الدواجن؛ إذ تعتمد المزارع المتخصصة في التربية على انتظام تجهيزها بالأفراخ لمواصلة دورتها، وتلبية حاجة السوق إلى اللحوم البيضاء والبيض؛ ومن هنا تبرز أهمية مشروع الكفيل للدواجن والمفاقس الحديثة التابع لشركة الكفيل للاستثمارات العامة، الذي أنشأته العتبة العباسية المقدسة عام 2014، ليختص بإنتاج أفراخ الدجاج وتجهيز مزارع الدواجن باحتياجاتها، مستعينا بتقنيات حديثة وخبرات فنية متخصصة في إدارة مراحل التفريخ.
ويضم المشروع مبنى مجهزا بأنظمة العزل والتدفئة والتبريد، فضلاً عن أقسام مخصصة لاستلام البيض وفرزه وخزنه، وحاضنات البيض وأجهزة الفقس، فضلا عن وحدات فرز الأفراخ وتلقيحها وغسل الأقفاص، وتعمل هذه الأقسام ضمن مراحل متتابعة تبدأ باستلام البيض وتهيئته للحضانة، ثم متابعة نمو الأجنة وفحصها، وصولا إلى نقلها إلى أجهزة الفقس واستخراج الأفراخ بعد اكتمال نموها.
وتجرى عملية التفريخ وفق جدول زمني محدد؛ إذ يفحص البيض في اليوم الثالث عشر من الحضانة، ثم ينقل في اليوم السابع عشر إلى أجهزة الفقس، لتستكمل المرحلة الأخيرة قبل فرز الأفراخ وتلقيحها وتهيئتها للنقل إلى مواقع التربية.
وتكمن أهمية هذه المراحل في أنها توفر مدخلا أساسيا لاستمرار نشاط مزارع الدواجن؛ فانتظام تجهيزها بالأفراخ يساعد على مواصلة دورات التربية، ويعزز القدرة على التخطيط لها وفق الاحتياجات، وبهذا يؤدي المشروع دورا أساسيا في مساندة قطاع الدواجن، من خلال توفير أحد مستلزمات عمله الأساسية، وفي ذات الوقت يعزز حضور المنتج المحلي ويدعم الجهود الرامية إلى توفير مصادر غذائية تلبي احتياجات المجتمع.
رافد لإنتاج اللحوم البيضاء
إحدى المراحل الأساسية في توفير اللحوم البيضاء هي تربية الدجاج اللاحم، فهي تؤدي دوراً في رفد الأسواق بمنتج غذائي واسع الاستهلاك؛ وفي هذا الإطار، أنشأت العتبة العباسية المقدسة مشروع بركات الضيغم عام 2020، ليكون أحد مشاريعها المتخصصة في تربية الدجاج اللاحم، ضمن توجهها نحو تنمية الثروة الحيوانية وتوسيع النشاط المحلي في هذا المجال.
ويمتد المشروع على مساحة تبلغ نحو 287 دونما، ويضم قاعتين لتربية الدجاج، بطاقة استيعابية حالية تصل إلى 15,000 طير، مع خطط للتوسع وزيادة الطاقة إلى 100,000 طير عبر إنشاء قاعات حديثة إضافية؛ هذا ما يبين مساعي تطوير البنية المخصصة لتربية الدواجن، وتهيئة الظروف الملائمة لتوسيع نطاق العمل وفق متطلبات هذا النشاط.
ويختص المشروع بتربية الدجاج المخصص لإنتاج اللحوم، بدءا من مرحلة استقبال الأفراخ ورعايتها، مرورا بتوفير متطلبات التغذية والبيئة المناسبة للنمو، وصولا إلى بلوغ الأوزان التسويقية، وتحتاج هذه المراحل إلى متابعة مستمرة للظروف الصحية والبيئية داخل القاعات، لضمان سلامة الطيور وتحقيق متطلبات التربية.
ويأتي مشروع بركات الضيغم مكملا للمشاريع المتخصصة في إنتاج أفراخ الدجاج وتفريخها؛ فبينما توفر المفاقس الأفراخ اللازمة لبدء دورات التربية، تتولى مشاريع الدجاج اللاحم رعايتها حتى مرحلة إنتاج اللحوم؛ وهكذا يجمع هذا المسار بين أكثر من مرحلة في قطاع الدواجن، بما يدعم نمو النشاط المحلي ويعزز إسهامه في توفير اللحوم البيضاء للسوق.
مصدر إضافي للحوم
تتطلب تنمية قطاع الثروة الحيوانية توسيع مصادر إنتاج اللحوم، وعدم حصرها في الأنواع التقليدية؛ فإدخال أنواع أخرى إلى النشاط الانتاجي يتيح تنويع الخيارات المتاحة في الأسواق المحلية، ويفتح المجال أمام أنماط جديدة من التربية والإنتاج؛ ومن هذا المنطلق جاء مشروع إنتاج طائر السمان التابع للعتبة العباسية المقدسة، ليضيف مصدرا آخر للحوم إلى مشاريعها المتخصصة في الثروة الحيوانية، فضلا عن إنتاج بيض المائدة.
ويقام المشروع على مساحة تبلغ نحو (10,000) متر مربع، ويضم أربع قاعات أنموذجية مجهزة بالمستلزمات اللازمة لتربية الطيور ورعايتها، اضافه الى مفقس وحاضنات لتفريخ البيض وتربية الأفراخ، ومعمل لإنتاج الأعلاف بطاقة تصل إلى طن واحد يوميا، وقد تجاوز عدد الطيور في المشروع، بحسب آخر إحصائية متاحة، ثلاثين ألف طائر، مع استمرار العمل على زيادة أعدادها ضمن خطة توسع أُعدت لهذا الغرض.
وتبدأ الدورة الإنتاجية بتربية الطيور الأمهات التي توفر بيض التفريخ وبيض المائدة؛ إذ تضم كل قاعة أقفاصا مخصصة لاستيعاب نحو 6000 طائر من الأمهات، ويوضع البيض المخصص للتفريخ في الحاضنات مدة 17 يوما، ثم تنقل الأفراخ الناتجة إلى حاضنات أخرى لرعايتها، مع توفير الأعلاف المناسبة ودرجات الحرارة الملائمة، فضلا عن التنظيف والمتابعة المستمرة.
وبعد مرور نحو أربعين يوما على الفقس، توجه الطيور بحسب الغرض الإنتاجي؛ فيخصص بعضها لإنتاج اللحوم، فيما يربى بعضها الآخر لإنتاج بيض المائدة. ويتيح هذا المسار للمشروع الجمع بين إنتاج اللحوم والبيض، مع تخصيص مراحل التربية وفق متطلبات كل منتج، بما يعزز الاستفادة من الطيور ويوسع نطاق النشاط الإنتاجي.
وتكمن أهمية مشروع انتاج طائر السمان في إضافة نوع آخر إلى مصادر اللحوم التي يمكن أن تسهم في تلبية احتياجات السوق المحلية، فضلاً عن الأنواع التي تنتجها مشاريع الثروة الحيوانية الأخرى؛ وبهذا، تتسع قاعدة الإنتاج لتشمل خيارات متعددة من اللحوم، فيما يرفد إنتاج البيض نشاط المشروع بمنتج إضافي، ضمن توجه يهدف إلى تنمية الإنتاج الحيواني وتعزيز حضور المنتجات المحلية.
مشروع يعزز انتاج اللحوم المحلية
يمثل تعزيز إنتاج اللحوم محليا أحد المسارات المهمة لتنمية الثروة الحيوانية، فهو يتطلب توفير بيئات مناسبة للتربية، وتحسين السلالات، وتطبيق أساليب علمية في التغذية والرعاية الصحية؛ وفي هذا السياق، أنشأت شركة الكفيل للاستثمارات العامة في العتبة العباسية المقدسة محطة بركات أبي الفضل العباس (عليه السلام) لتربية الأغنام والعجول والدواجن، بهدف تنمية الإنتاج الحيواني ورفد الأسواق المحلية باللحوم الطازجة، ضمن ضوابط صحية، وبأسعار مدعومة تسهم في تخفيف الأعباء عن المستهلكين.
وتتجلى أهمية المحطة في حجم مرافقها وتخصصها في تربية الأغنام وتسمين العجول؛ إذ تضم في قسم الأغنام (12) مسقفا، تبلغ مساحة الواحد منها نحو 2100 متر مربع، ويتألف كل مسقف من ست حضائر، مساحة الواحدة منها 300 متر مربع، بطاقة استيعابية تتراوح بين 150 و160 رأسا للحضيرة الواحدة.
وتصل الطاقة الاستيعابية الإجمالية للقسم إلى نحو 12,000 رأس من الأغنام، ضمن بيئة أُعدت لتلبية احتياجات التربية، وتضم خزانات للمياه ومواقع لتقديم الأعلاف، فضلا عن مخزن تبلغ مساحته 1000 متر مربع، يحتوي على معمل لتقطيع الأعلاف الخشنة وخلطها بالأملاح والبروتينات وفق نسب مدروسة وبرامج تغذية محددة.
ولا تنحصر إدارة هذا القسم في توفير أماكن الإيواء والتغذية؛ إذ تتوزع المسقفات بحسب مراحل التربية واحتياجات القطيع، فتخصص مواقع للأغنام الحوامل والولادات، وأخرى لتربية الأغنام الصغيرة والكبيرة، إلى جانب مساحة للتجارب المتعلقة بتحسين النسل والولادات التوأمية.
وتضم المحطة مغطسا مخصصا للتخلص من الطفيليات، وتتابع الكوادر البيطرية صحة الحيوانات وتنفذ برامج التلقيح والعلاج والتعقيم، بما يساعد على الحد من انتشار الأمراض وتهيئة الظروف المناسبة لنمو القطيع وتكاثره.
ويمتد نشاط المحطة إلى تربية العجول وتسمينها؛ إذ يتضمن هذا القسم ثماني محطات، تعمل منها حاليا محطتان بطاقة استيعابية تبلغ نحو 150 عجلا، مع خطة لتطوير المرافق وإشغال بقية المحطات وصولا إلى طاقة تتجاوز 2000 رأس. ويعتمد المشروع على تسمين العجول المحلية باستخدام الأعلاف النباتية، من دون الاعتماد على العجول المستوردة، وتستغرق دورة التسمين ما بين ثلاثة وأربعة أشهر، قبل تسويق الحيوانات وطرح لحومها الطازجة عبر مراكز الكفيل أو بيعها مباشرة إلى القصابين في كربلاء ومحافظات أخرى.
ويكشف الجمع بين تربية الأغنام وتسمين العجول عن مسارين متكاملين في توفير اللحوم؛ فالأول يعتمد على تنمية القطيع وتحسين نوعيته وزيادة أعداده، فيما يؤكد الثاني على تهيئة العجول المحلية للوصول إلى الأوزان التسويقية خلال مدة محددة. وتتكامل هذه العمليات مع عمل الكوادر الإدارية والبيطرية والفنية، التي تتولى متابعة صحة الحيوانات، ومراقبة بيئة الحظائر، والإشراف على برامج التغذية والرعاية.
وتنعكس أهمية المحطة في دورها بتوفير اللحوم الطازجة للسوق المحلية، إذ تشير بيانات المشروع إلى إسهامه في تغطية ما بين 10 و15 بالمئة من احتياجات سوقي كربلاء والنجف، مع طرح المنتجات بأسعار مدعومة.
وبذلك، تجمع محطة بركات أبي الفضل العباس (عليه السلام) بين الإنتاج المباشر للحوم، وتطوير أساليب التربية والرعاية، وتحسين القطيع، في مسار يهدف إلى توسيع قاعدة الإنتاج الحيواني المحلي وتعزيز قدرته على تلبية جانب من احتياجات السوق.
relatedinner
تنويع مصادر الإنتاج المحلي
يرتبط تنويع الإنتاج الحيواني بتوسيع مجالات الاستثمار في الموارد الطبيعية، وتطوير أساليب التربية والإنتاج مما يتيح توفير منتجات محلية متعددة، ويعزز قدرة السوق على تلبية احتياجات المستهلكين؛ لذلك اتجهت مشاريع العتبة العباسية المقدسة إلى مجالات تتكامل فيها الخبرة الزراعية مع التقنيات الحديثة، ومن بينها مجموعة مناحل الكفيل ومزارع الأسماك، اللتان تمثلان مسارين مختلفين في الإنتاج، يجمعهما الاهتمام بتحسين جودة المنتج وزيادة الكميات المتاحة في السوق المحلي.
في مجال إنتاج العسل، تعمل مجموعة مناحل الكفيل على توفير أنواع متعددة من العسل الطبيعي، بالاعتماد على ملاكات متخصصة ووسائل حديثة في التربية والإنتاج؛ وترتبط نوعية العسل بمصادر تغذية النحل والنباتات التي يرتادها، ومنها السدر واليوكاليبتوس والبرسيم والخضر والنباتات البرية؛ الأمر الذي يمنح الإنتاج تنوعا في الأنواع والخصائص.
ويحظى عسل السدر باهتمام خاص ضمن هذا النشاط، إذ وفرت العتبة العباسية المقدسة مزرعة نموذجية لأشجار السدر لتأمين مصدر طبيعي لتغذية النحل، بما يدعم إنتاج هذا النوع من العسل.
وتخضع منتجات المجموعة للفحوصات المختبرية للتحقق من جودتها، مع طرحها بأسعار مدعومة مقارنة بالأسعار المتداولة في الأسواق؛ ويأتي هذا النشاط ضمن توجه أوسع لتطوير الإنتاج الزراعي المحلي، وتوفير العسل لتلبية جانب من احتياجات السوق، مع السعي إلى تقليل الاعتماد على المنتجات المستوردة؛ ويعكس ارتباط المناحل بالمزارع المتخصصة أهمية تهيئة البيئة الزراعية المناسبة، بوصفها عاملا مؤثرا في وفرة الإنتاج ونوعيته.
أما في مجال الثروة السمكية، فتتمثل جهود العتبة العباسية المقدسة في إنشاء مزارع متخصصة لتربية الأسماك، ضمن مشروع يمتد على مساحة تبلغ نحو 82 دونما، ويضم ثلاث بحيرات، تبلغ مساحة كل منها 25 دونما، ويهدف هذا المشروع إلى زيادة المعروض من الأسماك الحية في الأسواق المحلية، وتنمية الإنتاج الوطني، والحد من الاعتماد على الاستيراد، مع التطلع إلى الإسهام في تلبية احتياجات محافظة كربلاء المقدسة من هذا المنتج.
وتضم البحيرات ثلاثة أنواع من الأسماك، هي الكارب والكراص والسلفر، وقد اختير الكارب لسرعة نموه وقدرته على مقاومة الأمراض وإمكانية تسويقه خلال مدة لا تتجاوز ستة أشهر.
ويعتمد المشروع أسلوبا في توزيع الأنواع داخل البحيرات، بمعدل 250 سمكة من الكراص والسلفر لكل ألف سمكة من الكارب؛ إذ تتغذى أسماك الكراص على الأعشاب المائية، فيما تستفيد أسماك السلفر من بعض المخلفات العضوية، بما يساعد على الحفاظ على توازن البيئة داخل البحيرات.
وتتطلب استمرارية هذا النشاط متابعة يومية للتغذية والرعاية الصحية، فضلا عن أعمال دورية لتنظيف البحيرات وإزالة الشوائب والعوالق الطينية وتهيئتها لدورات إنتاج جديدة، وتستخدم أعلاف غنية بالبروتين والعناصر اللازمة لنمو الأسماك، مع توفير العناية الطبية المناسبة، وهي عوامل تسهم في تحسين نوعية المنتج وتهيئته للتسويق.
ويكشف الجمع بين هذين المشروعين عن تنوع مجالات الإنتاج التي تعمل فيها العتبة العباسية المقدسة؛ فالمناحل تعتمد على تربية النحل وتوفير مصادر التغذية النباتية لإنتاج العسل، فيما تقوم مزارع الأسماك على إدارة بيئة مائية ملائمة للتربية والنمو؛ وعلى الرغم من اختلاف متطلبات العمل في كل منهما، فإنهما يلتقيان في السعي إلى زيادة المنتجات المحلية وتحسين جودتها، وتوسيع قاعدة الإنتاج الزراعي والحيواني، بما يدعم حضور المنتج العراقي في الأسواق.
التسويق : حلقة تكمل منظومة الإنتاج
لا تتوقف منظومة الثروة الحيواني في العتبة العباسية المقدسة عند تربية الحيوانات وإنتاج اللحوم والمنتجات الغذائية، وانما تمتد الى عمليات التجهيز والتسويق باعتباره حلقة أساسية في إيصال هذه المنتجات إلى المستهلك، وتعزيز حضورها في السوق المحلية؛ لذلك عملت العتبة العباسية المقدسة على تطوير مشاريع ومنافذ تسويقية ترتبط بالإنتاج الحيواني والغذائي، وتجمع بين توفير المنتجات، ومتابعة جودتها، ومراعاة الضوابط الشرعية والصحية، فضلا عن توسيع نطاق وصولها إلى المستهلكين في مختلف المحافظات.
وفي مجال تسويق لحوم الدواجن، يأتي مشروع دجاج الكفيل المذبوح يدويا على وفق أحكام الشريعة الإسلامية، الذي أطلق ليعالج جانبا يتعلق بمصدر اللحوم المطروحة في الأسواق ومدى مطابقتها للضوابط الشرعية.
وقد اعتمد المشروع على تخصيص خط إنتاج في إحدى المجازر بمدينة ساو باولو البرازيلية، مع إشراف ملاكات متخصصة من العتبة العباسية المقدسة على عمليات الذبح، بعد إعدادها فقهيا وفنيا.
وتضمنت آلية العمل اشتراط استخدام الأعلاف النباتية في تغذية الدجاج، إلى جانب الحصول على شهادة صحية للمنتج من الجهات المختصة في البرازيل؛ هذا المشروع يعكس توجها نحو توفير منتج يحمل مواصفات محددة، ويمنح المستهلك خيارا يراعي متطلباته الشرعية والصحية.
أما على مستوى الإنتاج المحلي، فتبرز مجزرة دواجن كربلاء بوصفها إحدى حلقات دعم صناعة الدواجن وتسويق منتجاتها داخل العراق، فقد عملت العتبة العباسية المقدسة على إعادة تأهيل المجزرة وتطوير خطوطها الإنتاجية بعد سنوات من التوقف، لتصل طاقتها، بحسب المعلومات المتاحة، إلى نحو ستة آلاف دجاجة في الساعة.
وتخضع عمليات الذبح فيها لإشراف ملاكات مركز الكفيل الإسلامي، فيما تجري متابعة الإنتاج بصورة يومية من الجهات الرقابية والصحية والبيطرية المختصة، إلى جانب إجراءات السيطرة النوعية داخل المجزرة.
وتتجاوز أهمية هذا المشروع توفير الدجاج المجزور ومقطعاته للمستهلك؛ إذ يسهم تشغيل المجزرة في تنشيط حلقات مرتبطة بصناعة الدواجن، من خلال تشجيع أصحاب الحقول على زيادة الإنتاج، وتحفيز الطلب على الأعلاف، وتوفير فرص عمل في مراحل الذبح والتجهيز والتوزيع؛ وبهذا، يرتبط تسويق المنتج النهائي بدعم الأنشطة التي تسبقه، مما يعزز فرص تداول اللحوم المنتجة محليا ويمنحها حضورا أوسع في السوق العراقية.
وتؤدي شركة نور الكفيل للمنتجات الحيوانية والغذائية دورا مكملا في هذا المسار، عبر تسويق مجموعة من المنتجات الحيوانية والزراعية والغذائية، وتوفيرها من خلال مراكز البيع المباشر التي توسعت من كربلاء المقدسة والنجف الأشرف إلى بغداد ومحافظات أخرى.
وتعتمد الشركة على متابعة مراحل الإنتاج بالتنسيق مع الجهات المختصة، للتحقق من سلامة المنتجات ومطابقتها للمواصفات المعتمدة، إلى جانب التعاقد مع معامل محلية وتشجيع الإنتاج الوطني وتشغيل الأيدي العاملة العراقية.
ويكشف تكامل هذه المشاريع عن تعدد المسارات التي تسلكها العتبة العباسية المقدسة في دعم الإنتاج الحيواني؛ فمن توفير اللحوم وفق ضوابط شرعية محددة، إلى تطوير البنى التحتية لتجهيز الدواجن محليا، وصولا إلى إنشاء منافذ تسويقية تقرب المنتجات من المستهلك، تتوزع الجهود على حلقات مترابطة في سلسلة الإنتاج والتداول؛ وتكمن أهمية هذا الترابط في تعزيز فرص وصول المنتجات المحلية إلى الأسواق، وتحسين آليات تجهيزها وتسويقها، ودعم الأنشطة الإنتاجية المرتبطة بها.
تعدد المشاريع في منظومة واحدة
وعند النظر إلى هذه المشاريع مجتمعة، تظهر صورة أوسع من مجرد مجموعة مشاريع لتربية الحيوانات؛ إذ تتشكل بينها حلقات مترابطة تبدأ من إنتاج الأفراخ والتفريخ، مرورا بالتربية والتسمين والإكثار، ثم إنتاج اللحوم والبيض والعسل والأسماك، وصولا إلى التسويق والتوزيع.
ويزداد هذا الترابط مع وجود المشاريع الزراعية التي توفر جانبا من الاحتياجات العلفية والبيئية لهذه الأنشطة؛ فالأعلاف تدخل في تربية الأغنام والعجول والدواجن والأسماك، والمزارع المتخصصة بالنباتات تسهم في دعم إنتاج العسل، فيما توفر مشاريع الإنتاج الحيواني منتجات تعود إلى السوق المحلي.
ومن هنا تتضح قيمة هذه المشاريع في كونها توسع قاعدة الإنتاج المحلي أفقيا وعموديا في آن واحد؛ أفقيا من خلال تنويع المنتجات الحيوانية بين الدواجن والأغنام والعجول والأسماك والنحل والسمان، وعموديا من خلال بناء حلقات متعددة داخل بعض القطاعات، تبدأ من المدخلات وتنتهي بالمنتج المسوق.
الأمن الغذائي
هذه المنظومة تكتسب أهميتها بصورة أكبر عند وضعها في إطار الأمن الغذائي؛ فالأمن الغذائي لا يرتبط بتوفير منتج واحد، وإنما بقدرة المنظومة المحلية على إنتاج احتياجات متنوعة بصورة مستمرة، وبمستويات جودة مناسبة، مع تقليل تعرض السوق لتقلبات الاستيراد.
ولهذا فإن مشاريع الثروة الحيوانية في العتبة العباسية المقدسة تتوزع على مصادر متعددة للغذاء، كالدجاج والبيض، واللحوم الحمراء، والعسل، والأسماك، ولحوم وبيض السمان، وهذا التنوع يمنح النشاط الإنتاجي قدرة أكبر على خدمة السوق من أكثر من مسار، ويتيح تطوير الخبرات المحلية في مجالات مختلفة من التربية والإنتاج والرعاية والتسويق.
وفي الوقت ذاته، فإن الاعتماد على الكوادر المحلية، وإدخال التقنيات الحديثة، والاستفادة من الخبرات المتخصصة، وإجراء التجارب المتعلقة بالسلالات والتغذية والتربية، كلها عوامل تنقل هذه المشاريع من مجرد وحدات إنتاج إلى بيئات تطبيقية لتطوير المعرفة والخبرة المحلية.














































































































