ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة تجربة العتبة العباسية المقدسة في تنظيم مهرجانات سنّ التكليف بوصفها أكثر من احتفال بالمناسبة؛ فهي مبادرة تجمع بين التوعية الدينية، والاحتفاء الاجتماعي، والتواصل مع الأسرة والمدرسة، وتقديم تجربة جماعية تمنح هذه المرحلة معنى يتجاوز حدود الطقس الاحتفالي.
- - لكن كيف بدأت هذه التجربة؟
- - وما الذي أراده السيد أحمد الصافي منها؟
- - وكيف تطورت من مهرجان تربوي مبكر في كربلاء إلى فعاليات تستقطب آلاف الفتيات، وصولًا إلى تنظيم احتفالات في مناطق خارج العراق؟
سماحة السيد أحمد الصافي والتكليف الشرعي
في 4 حزيران 2014 التقط سماحته صورةً تذكارية مع الفتيات المكلّفات ، قبل أن تتحوّل احتفالات سنّ التكليف إلى مشروع جماهيري واسع، ظهرت ملامح الفكرة في خطاب سماحة العلامة السيد أحمد الصافي، المتولي الشرعي للعتبة العباسية المقدسة، خلال مهرجان ربيع الشهادة الثقافي العالمي العاشر.
ففي يوم الأربعاء 4 حزيران 2014، الموافق 5 شعبان 1435هـ، ألقى سماحته كلمة في افتتاح المنهاج التربوي للعتبة العباسية والمهرجان السنوي الأول لسنّ التكليف.
وربط في حديثه بين التربية والتعليم من جهة، والتكليف الشرعي من جهة أخرى، معتبرًا أن إعداد الأجيال لا يتحقق بالتعليم وحده ؛ بل يحتاج إلى منظومة تربوية تتكامل فيها مسؤوليات الدولة والمؤسسات التعليمية والأسرة والمؤسسات الدينية.
قدّم سماحته رؤية تتجاوز النظر إليه بوصفه مجموعة من الواجبات؛ إذ قال إنه يمثل «مرحلة العطاء ومرحلة المسؤولية»، ومرحلة الاعتراف بأن الفتى أو الفتاة قد بلغا مرحلة جديدة تستوجب الاستعداد لها والاحتفاء بها.
و دعا إلى إشعار الأبناء بالمسؤولية التي أصبحت ملقاة على عاتقهم، مؤكدًا أن الاحتفاء بهذه المرحلة ليس شأنًا يخص الطفل وحده ؛ بل هو مسؤولية تقع أيضًا على الأب والمعلّم والمربّي.
يمكن قراءة هذه الكلمة بوصفها أحد المرتكزات الفكرية المبكرة للمشروع ؛ فبدل أن يصل الناشئ إلى سنّ التكليف من دون تمهيد تربوي كافٍ، يصبح الانتقال مناسبةً لتذكيره بالمسؤولية، ومساعدة أسرته على فهم متطلبات المرحلة، وربط المعرفة الدينية بالسلوك اليومي.
لماذا مهرجانات سنّ التكليف؟
لا يمكن فهم هذه المهرجانات عن طريق صور الاحتفال وحدها؛ فخلف المشهد الجماعي تقف مجموعة من الأهداف التربوية والاجتماعية أهمها :
- 1- سدّ فجوة بين المعرفة الدينية والممارسة اليومية ، إذ أكد الدكتور عباس الدده الموسوي، عضو مجلس إدارة العتبة العباسية أن المؤسسات الدينية تتحمل مسؤولية الاحتفاء بسنّ التكليف ومتابعة الأداء العام، وأن العتبة اتجهت إلى الوصول إلى طلبة المدارس الحكومية بعدما لاحظت غياب هذه المناسبة عن عدد من المؤسسات التعليمية ، فإن الصلاة وما يرتبط بها من سلوكيات تمثل ترجمة عملية للالتزام الديني ؛ لذلك لا يقتصر المشروع على إعلان بلوغ السن الشرعي ؛ بل يتضمن تعريف المشاركات بالعبادات والأحكام المرتبطة بهذه المرحلة.
- 2- تهيئة الفتيات نفسيًا وتربويًا : يركز مشروع الورود الفاطمية على تثقيف الفتيات بالأحكام الشرعية، وتعريفهن بمفهوم التكليف، وتقديم الحجاب والستر والعفاف من ضمن خطاب تربوي مستلهم من سيرة السيدة فاطمة الزهراء والسيدة زينب (عليهما السلام) ، وهنا وتوضح مديرة مكتب المتولي الشرعي للشؤون النسوية، السيدة منى وائل، أن المشروع يُعدّ بالتنسيق مع مديرية تربية كربلاء، مع الاستعانة بالمدارس وأولياء الأمور لحصر أسماء الفتيات اللواتي بلغن سن التكليف وتهيئة مشاركتهن.
- 3- إشراك الأسرة والمدرسة بدلا من عزل المناسبة عنهما : من الدلالات المهمة في التجربة أن الاحتفال لا يُقدَّم بوصفه شأنًا فرديًا ؛ فالأسر تحضر، والمدارس تشارك، والمديرية التربوية تتولى التنسيق مع الجهة المنظمة ، وفي كلمة العتبة في النسخة السابعة، شدد الدكتور عباس الدده الموسوي على ضرورة إعداد الفتاة لهذه المرحلة عقليًا ونفسيًا، كي تدرك معنى المسؤولية الجديدة بدلا من الاقتصار على المظاهر الاحتفالية ، وهنا تتضح الفكرة التربوية للمشروع ؛ لتكون المناسبة بدايةً لحوار داخل الأسرة حول الصلاة والعبادات والأخلاق، لا نهايةً لفعالية تنقضي بانتهاء يوم الاحتفال.
- 4- جعل الاحتفاء مساحة للتكافل والاندماج الاجتماعي : إن التنظيم يولي اهتمامًا خاصًا بالتلميذات من ذوات الهمم، واليتيمات، وبنات الشهداء، ويحرص على إشراكهن في أجواء الحفل ، وتكتسب هذه النقطة أهمية اجتماعية؛ لأنها تضع فئات قد تحتاج إلى عناية إضافية في قلب المناسبة، وتمنحها فرصة المشاركة مع زميلاتهن وأسرهن في تجربة جماعية واحدة.
إن المهرجانات تنطلق من فكرة كون بناء الوعي الديني يحتاج إلى تعليم وتمهيد نفسي ومشاركة أسرية ومدرسية، وليس إلى التوجيه المباشر وحده.
من مهرجان تربوي إلى مشروع سنوي
في قراءة المحطات التأريخية لمشروع مهرجانات سن التكليف الشرعي ، لا بد من المرور على حدثين متصلين هما : المهرجان السنوي الأول لسنّ التكليف عام 2014، وحفل التكليف المركزي للفتيات من ضمن مشروع الورود الفاطمية الذي انطلق عام 2017.
البدايات الفكرية والتنظيمية كانت في 4 حزيران 2014 بمحافظة كربلاء المقدسة ، إذ شهدت فعاليات مهرجان ربيع الشهادة الثقافي العالمي العاشر افتتاح المنهاج التربوي للعتبة العباسية والمهرجان السنوي الأول لسنّ التكليف.
وفي عام 2017 أطلقت شعبة الخطابة الحسينية النسوية، بالتعاون مع مديرية تربية كربلاء المقدسة فعاليات حفل التكليف المركزي للفتيات والخاص بطالبات مدارس تربية كربلاء عام 2017، بالتزامن مع عام التحرير في العراق ، وتبنّت العتبة الاحتفاء بالفتيات من ضمن مشروع الورود الفاطمية، الذي جمع بين التثقيف الشرعي والاحتفاء الاجتماعي.
وفي عام 2023 شهدت النسخة الخامسة مشاركة أكثر من ثلاثة آلاف طالبة من مدارس كربلاء ، وتضمنت فقراتها مشاركات شعرية، وفعالية بعنوان «هذا حجابي هويتي ورسالتي»، وعرضًا مسرحيًا بعنوان «الخمار والشيطان»، وفيلمًا تعريفيًا بالمشروع.
وفي عام 2024 شهدت النسخة السادسة التي أقيمت في مجمع أبي الفضل العباس (عليه السلام) لخدمة الزائرين ، مشاركة نحو 4,500 طالبة من 88 مدرسة ابتدائية في حفل النسخة السادسة، تحت شعار «من نهج الزهراء حجابي وبزينب اقتدائي» ، وأقيمت الفعاليات على مدى يومين، وتضمنت عرضًا مسرحيًا بعنوان «تكليفي نور»، تناول تجربة الفتاة في هذه المرحلة وقناعتها بالتكليف.
وفي عام 2025 شهدت النسخة السابعة مشاركة خمسة آلاف تلميذة من 121 مدرسة ، وحضر فعاليات الحفل مسؤولون من العتبة العباسية، وشخصيات رسمية وأكاديمية وتربوية، ومحافظ كربلاء، إلى جانب عائلات المشاركات.
وشهد البرنامج عرض فيلم «الورود الفاطمية في دقائق»، الذي أعدّه مركز الكفيل للإنتاج الفني والبث المباشر، إلى جانب فعاليات توعوية ومسرحية وشعرية ، فضلا عن ترديد المشاركات لعهد التكليف الشرعي.
وشهدت هذه النسخة ارتفاع عدد المدارس المشاركة مقارنة بالنسخة السادسة من 88 إلى 121 مدرسة، مع زيادة العدد المعلن من نحو 4,500 إلى 5,000 تلميذة.
وفي 16–17 شباط 2026 شهدت النسخة الثامنة مشاركة أكثر من ستة آلاف تلميذة من مدارس كربلاء، بالتعاون مع مديرية التربية، وبالشعار نفسه «من نهج الزهراء حجابي وبزينب اقتدائي».
وتضمنت الفعاليات ترديد عهد التكليف، وعرضًا مسرحيًا وفيلمًا عن المشروع، وقصائد شعرية ، وأكدت الجهة المنظمة اهتمامها بالمدارس الواقعة في المناطق النائية.
وبهذا فإن مجموع المشاركات في السنوات الماضية بلغ 20,296 مكلفة من 555 مدرسة، وأن العدد المتوقع للنسخة الثامنة كان نحو 6,100 تلميذة.
relatedinner
العتبة العباسية تحتفي بنحو 500 متعلّم
نظّم قسم التربية والتعليم العالي في العتبة العباسية المقدسة، يوم الأحد الموافق 21 نيسان 2024م، حفل سنّ التكليف الشرعي السنوي الرابع لمتعلّمي مجموعة العميد التعليمية للبنين، في مجمّع العميد التعليمي والتربوي، بمشاركة نحو 500 متعلّم ممّن بلغوا سنّ التكليف الشرعي.
وأُقيم الحفل تحت شعار «بتكليفي أكون رجلًا رساليًّا»، بهدف ترسيخ المبادئ الدينية والقيم الأخلاقية في نفوس المتعلّمين، وتعزيز وعيهم بأهمية مرحلة التكليف الشرعي وما تترتب عليها من مسؤوليات وواجبات، فضلًا عن تأهيلهم لتحمّل المسؤولية الدينية والاجتماعية، وفق أسس تربوية وتعليمية رصينة.
ويأتي هذا الحفل ضمن البرامج التربوية والدينية التي تحرص العتبة العباسية المقدسة على تنظيمها، للاحتفاء بالمتعلّمين الذين بلغوا سنّ التكليف الشرعي، وتعزيز ارتباطهم بالقيم الإسلامية الأصيلة، بما يسهم في بناء جيل واعٍ قادر على أداء مسؤولياته والالتزام بتعاليم الدين الحنيف.
من كربلاء إلى المحافظات والعالم: كيف اتسعت التجربة؟
إذا كان مشروع «الورود الفاطمية» يمثّل النموذج المركزي الأبرز لاحتفالات سنّ التكليف الشرعي للفتيات في كربلاء المقدسة، فإن التجربة لم تقتصر على المحافظة، بل امتدّت إلى محافظات عراقية ودول أخرى، الأمر الذي يكشف عن اتساع نطاقها وتنوّع أساليب تنفيذها. وتكتسب هذه الفعاليات أهميتها من اختلاف الجهات المنظمة، والفئات المستهدفة، وطبيعة البرامج، تبعًا للمواقع والمناسبات، من دون أن تكون جميعها نسخًا متتابعة من مهرجان كربلاء نفسه.
في محافظة كربلاء المقدسة، أُقيم في 21 نيسان 2024 حفل سنّ التكليف الشرعي للبنين، نظّمه قسم التربية والتعليم العالي في العتبة العباسية المقدسة لمتعلّمي مجموعة العميد التعليمية، تحت شعار «بتكليفي أكون رجلًا رساليًّا»، بمشاركة نحو 500 متعلّم.
وفي إطار الاحتفاء بالفتيات، شهد مشروع «الورود الفاطمية» إقامة نسخته السابعة يومي 21 و22 نيسان 2025، بمشاركة 5000 تلميذة من 121 مدرسة، فيما أُقيمت نسخته الثامنة يومي 16 و17 شباط 2026، بمشاركة أكثر من 6000 تلميذة من مدارس المحافظة. كما شهد قضاء عين التمر، عام 2024، فعالية ضمن النسخة السادسة من المشروع، شاركت فيها أكثر من 300 طالبة، في إطار الجهود الرامية إلى ترسيخ الوعي الديني وتعزيز القيم الأخلاقية لدى الفتيات.
وفي محافظة ميسان، أُقيم في 25 كانون الأول 2025 مهرجان سنّ التكليف الشرعي، بالتعاون مع مديرية التربية في المحافظة، ضمن مشروع فتية الكفيل الوطني، بمشاركة 1000 تلميذة. وجاءت هذه الفعالية بهدف تعزيز الوعي بأهمية التكليف الشرعي، وترسيخ المبادئ الدينية والأخلاقية في نفوس المشاركات.
أما في محافظة نينوى، فقد شهد قضاء سنجار، في كانون الأول 2025، إقامة حفل سنّ التكليف الشرعي الذي نظّمه قسم الشؤون الدينية في العتبة العباسية المقدسة، تزامنًا مع ذكرى ولادة السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، بحضور فتيات مكلّفات وعوائلهن، إلى جانب شخصيات دينية واجتماعية. ولم يحدّد الخبر المنشور عدد المشاركات في الحفل.
وفي محافظة البصرة، احتضن قضاء القرنة، في 11 شباط 2026، مهرجان سنّ التكليف الشرعي الذي أقامته شعبة العلاقات الجامعية والمدرسية في العتبة العباسية المقدسة، بالتعاون مع مديرية التربية، ضمن مشروع فتية الكفيل الوطني، بمشاركة 1000 طالبة. ويأتي هذا النشاط ضمن البرامج الهادفة إلى توسيع نطاق التوعية الدينية والتربوية بين الطالبات.
وفي محافظة ذي قار، وثّقت شبكة الكفيل إقامة محفل لسنّ التكليف الشرعي خُصّص لتكريم الفتيات اللاتي بلغن هذه المرحلة، بالتعاون مع مركز الزهراء (عليها السلام) الثقافي في المحافظة. وتندرج هذه الفعالية ضمن الأنشطة التي تجمع بين الاحتفاء بالمناسبة والتوجيه الديني والتربوي، فيما لم تتوافر في المعلومات المنشورة تفاصيل مؤكدة عن تاريخ إقامتها أو عدد المشاركات فيها.
وإلى شمال العراق، وتحديدًا في محافظة السليمانية، امتدّت فعاليات العتبة العباسية المقدسة لتشمل مهرجان سنّ التكليف الشرعي الأول، الذي أُقيم بالتعاون مع حسينية الأبرار، وبإشراف قسم العلاقات العامة، ممثّلًا بشعبة العلاقات الجامعية والمدرسية، بمشاركة أكثر من 100 فتاة.
وتضمّن المهرجان فقرات ثقافية وتوجيهية، فضلًا عن توزيع العباءة الزينبية والحجاب على الفتيات المكلّفات. وأسهم مجمع العفاف النسوي في خياطة العباءات المقدّمة للمشاركات، فيما عبّر مسؤول حسينية الأبرار، الشيخ عماد الإزيرجاوي، عن شكره وامتنانه للعتبة العباسية المقدسة على رعايتها لهذه الفعالية واهتمامها بالفتيات اللاتي بلغن سنّ التكليف الشرعي.
ولم تتوقف هذه التجربة عند حدود العراق، بل امتدّت إلى باكستان، حيث أُقيم في 15 كانون الأول 2025 مهرجان لسنّ التكليف الشرعي، بمشاركة 2000 فتاة، ضمن فعاليات النسخة الثالثة من مهرجان «فاطمة الزهراء (عليها السلام) سبيل النجاة». وجاء الحفل في ختام فعاليات اليوم الثالث من المهرجان، الذي أُقيم احتفاءً بذكرى ولادة السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام).
وأوضح السيد جواد الحسناوي، رئيس وفد العتبة العباسية المقدسة في باكستان ومدير مكتب متوليها الشرعي، أن الحفل جاء ضمن الفعاليات الختامية للمهرجان. كما أشار الشيخ صلاح الكربلائي، رئيس قسم الشؤون الدينية، إلى أن هذه الأنشطة تندرج ضمن الجهود الرامية إلى نقل تجربة العتبة المقدسة في إقامة احتفالات التكليف والتخرّج إلى المجتمعات الإسلامية خارج العراق.
وتكشف هذه النماذج عن مسارين متكاملين في تجربة العتبة العباسية المقدسة؛ أولهما مسار مركزي واسع في كربلاء المقدسة، يعتمد على التعاون مع المؤسسات التعليمية والتربوية، ويستهدف أعدادًا كبيرة من الطلبة والطالبات، وثانيهما مسار يمتد إلى محافظات عراقية مختلفة ومجتمعات إسلامية خارج البلاد، من خلال جهود أقسام العتبة وشُعبها المتخصصة وشركائها المحليين.
وبذلك، تتجاوز احتفالات سنّ التكليف الشرعي إطارها الاحتفالي المباشر، لتغدو جزءًا من مشروع تربوي وتوعوي أوسع، يسعى إلى تعزيز الوعي بالمسؤولية الشرعية، وترسيخ القيم الإسلامية، وربط الأجيال الناشئة بهويتها الدينية، بما يجعل هذه المناسبة بدايةً لمرحلة من الالتزام الواعي والسلوك المسؤول.
ماذا يحدث داخل المهرجان؟
إن المهرجانات تطورت إلى برامج متعددة الفقرات، تجمع بين التوجيه الديني والمشاركة الفنية والتنظيم المؤسسي.
ومن أبرز لحظات الحفل ترديد الفتيات عهد التكليف، الذي يتضمن التعهد بالمحافظة على شرف التكليف، والالتزام بالأحكام الدينية، والاجتهاد في طاعة الله وموالاة النبي والأئمة.
وتكمن أهمية هذه اللحظة في تحويل المفهوم الديني من شرح نظري إلى تعبير علني عن الاستعداد لتحمل المسؤولية ، ومع ذلك ؛ فإن ترديد العهد في مناسبة جماعية لا يُعدّ بمفرده دليلًا على استمرار الالتزام بعد الحفل؛ فذلك يحتاج إلى متابعة مستقبلية.
وشهدت النسخة السادسة عرضًا بعنوان : «تكليفي نور»، فيما تضمنت النسخة الخامسة مسرحية «الخمار والشيطان»، إلى جانب فعاليات شعرية وأفلام تعريفية.
أما في النسخة السابعة، فقد عرض قسم الإعلام فيلم «الورود الفاطمية في دقائق»، الذي أعده مركز الكفيل للإنتاج الفني والبث المباشر.
وتتيح هذه الوسائل تقديم موضوعات مثل الحجاب والصلاة والمسؤولية بلغة بصرية وقصصية، وتمنح الطالبات مساحة للمشاركة في إيصال الرسالة بدلا من الاكتفاء بالاستماع إليها.
ولا يقتصر العمل على الفقرات الدينية والفنية ؛ ففي النسخة السادسة، الخطة شملت نقل نحو 4,500 طالبة من 88 مدرسة على مدى يومين، مع توزيع أماكن جلوس المدارس والعائلات، وتجهيز القاعة والمنصة والطعام.
وأسهمت أقسام الآليات والسياحة الدينية والعلاقات العامة والإعلام والصناعات والحرف الفنية في إنجاز جوانب من التنظيم.
الأثر الديني والاجتماعي
في الأثر الديني وعن طريق الأهداف والبرامج المعلنة، يمكن تحديد مجالات التأثير التي يستهدفها المشروع ، تعريف الفتيات بمفهوم التكليف الشرعي والواجبات المرتبطة به ، وتقديم تعليم عملي يتعلق بالصلاة والوضوء وقراءة سورة الفاتحة ، وتعزيز المعرفة الدينية والقيم الأخلاقية على وفق المنهج الذي تتبناه الجهة المنظمة ، وتشجيع الفتيات على الالتزام بتعاليم الدين، وربط التوجيه الديني بنماذج أخلاقية مستلهمة من سيرة السيدة فاطمة الزهراء والسيدة زينب (عليهما السلام).
أما في الأثر الاجتماعي فطبيعة التنظيم ومشاركة المدارس والأسر تُظهر أن المشروع يفتح مساحة للتعاون بين المؤسسة الدينية والمدرسة والعائلة ، وتتيح المشاركة الجماعية للفتيات تجربة مشتركة مع زميلاتهن، فيما تعكس العناية بذوات الهمم واليتيمات وبنات الشهداء توجهًا معلنًا نحو إشراك فئات مختلفة في المناسبة ، ويمكن قراءة نقل الفعاليات إلى محافظات عراقية وباكستان ؛ يعني أنها تحقق توسعًا في نطاق التواصل الديني والثقافي.
خلاصة القول
من مهرجان سن التكليف الذي وثّقه خطاب سماحة السيد أحمد الصافي عام 2014، إلى انطلاق مشروع الورود الفاطمية للفتيات عام 2017، وصولًا إلى مشاركة أكثر من ستة آلاف تلميذة في النسخة الثامنة عام 2026، والى حفل سنّ التكليف الشرعي السنوي الرابع لمتعلّمي مجموعة العميد التعليمية للبنين، ، بمشاركة نحو 500 متعلّم ، تتكشف أمامنا تجربة تربوية أخذت تتسع في أعدادها ومدارسها، وتنوّعت وسائلها بين التعليم والمسرح والفيلم والعهد الجماعي والمشاركة الأسرية.
وإذا كانت الأرقام ترسم حجم الحضور ؛ فإن الكلمات والشهادات تشرح المعنى الذي تريد الجهة المنظمة أن تمنحه لهذه التجربة ؛ فسنّ التكليف ليس مجرد عمر جديد ؛ بل بداية مسؤولية تحتاج إلى وعي وإعداد ومرافقة.
هنا تحديدًا تتجاوز قصة مهرجانات التكليف حدود المناسبة؛ لتصبح سؤالًا أوسع عن صناعة الوعي، ودور المؤسسات الدينية والتعليمية في بناء الإنسان، وعن قدرة المبادرات الجماعية على التحول من لحظة مؤثرة في الذاكرة إلى أثر مستمر في الحياة.













































