الى

من بيت الأحزان ومجالس العزاء إلى المنابر القرآنية والبرامج النسوية والفنية : الرواية الثانية لشهادة السيدة الزهراء (عليها السلام) تستحضر التأريخ، وتجمع المؤسسات والمواكب والمجتمع في مشهد متكامل من الوفاء والمعرفة والخدمة.

حين تنطق الذاكرة بالفجيعة: العتبة العباسية المقدسة تحوّل الأحزان الفاطمية إلى موسم للوعي والشعيرة والتربية

في كربلاء المقدسة، حيث لا تنفصل الذاكرة الدينية عن تفاصيل المكان، وحيث تستعيد الشعائر حضورها في الوجدان عبر الأجيال، تتجدد ذكرى شهادة السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) بوصفها أكثر من مناسبة للعزاء؛ إنها محطة تستدعي التأريخ، وتفتح أبواب التأمل في السيرة والمواقف، وتستنهض في الحاضر معاني الوفاء والصبر والثبات.

وفي رحاب العتبة العباسية المقدسة، تتخذ هذه الذكرى أبعادًا متعددة، تتجاور فيها الرايات السوداء مع المنابر الحسينية، وتلتقي المجالس العزائية بالبرامج القرآنية والثقافية والتربوية، فيما تتكامل جهود الأقسام المتخصصة مع مشاركة المواكب والهيئات الحسينية، لتشكّل بمجملها مشهدًا واسعًا من الإحياء الديني والاجتماعي.

وعن طريق موسم الأحزان الفاطمي، وما يصاحبه من فعاليات ومبادرات، تتعدد طرائق استحضار السيرة الفاطمية؛ فمن بيت الأحزان والمشاهد التجسيدية إلى المجالس والخطب، ومن أنشطة النساء والفتيات إلى برامج الأطفال والناشئة، ومن خدمة الزائرين إلى التغطية الإعلامية، تتوزع المناسبة على مسارات تجمع بين التعبير عن المصاب والتعريف بأبعاده الدينية والتأريخية والتربوية.

إنها تجربة تتجاوز إقامة الشعائر إلى تنظيم موسم متكامل، تتداخل فيه الذاكرة والشعيرة والمعرفة والخدمة، وتتكامل فيه مسؤوليات المؤسسات الدينية والثقافية والتربوية مع الحضور المجتمعي، في محاولة لإبقاء السيرة الفاطمية حاضرة في الوعي، لا بوصفها ذكرى من الماضي فحسب ؛ بل مصدرًا للقيم والدروس التي تستلهمها الأجيال.



الرواية الثانية : مناسبة تستعيد صفحات من التأريخ

ترتبط ذكرى شهادة السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) بتعدد الروايات التأريخية بشأن المدة التي عاشتها بعد وفاة أبيها رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو ما أفضى إلى تعدد مواسم إحياء ذكراها، المعروفة بالروايات الأولى والثانية والثالثة.

وتوافق الرواية الثانية الثالث عشر من شهر جمادى الأولى، استنادًا إلى الرواية التي تذكر أن السيدة الزهراء (عليها السلام) عاشت بعد أبيها خمسة وسبعين يومًا.

وقد ارتبطت هذه الرواية بإقامة مجالس العزاء واستذكار سيرتها ومواقفها ومكانتها الدينية، وتجديد الحزن على ما تعرضت له من مظلومية.

وفي هذا السياق، تحيي العتبة العباسية المقدسة الذكرى عبر برامج تتنوع بين المجالس الدينية والخطابية والفعاليات الثقافية والتجسيدية، لتستعيد صفحات من التأريخ المرتبط بالسيرة الفاطمية، وتتيح للزائرين التفاعل مع المناسبة بوساطة أدوات متعددة.

ولا يقتصر حضور التأريخ في هذه البرامج على استعادته في الخطاب الديني؛ بل يمتد إلى توظيف المشاهد البصرية والمجسمات والأنشطة التعليمية في التعريف بالرواية التي يتناولها الموسم من ضمن مقاربة تجمع بين استذكار الحدث وتقديم دلالاته للأجيال.



السيدة الزهراء (عليها السلام) وسماحة السيد الصافي

يحتل تراث أهل البيت (عليهم السلام) مكانة محورية في الخطاب الديني والفكري، وهو ما أكده المتولي الشرعي للعتبة العباسية المقدسة، سماحة العلامة السيد أحمد الصافي، في حديثه عن ضرورة الانتفاع من هذا التراث وتحويله إلى معرفة حية تسهم في بناء الإنسان.

ففي استقباله مسؤول مؤسسة السبط المجتبى الثقافية السيد حيدر العامري والوفد المرافق له، شدد سماحته على أن تراث الأئمة الأطهار (عليهم السلام) يمثل ثروة فكرية كبيرة تستلزم استخراج دروسها وتقديمها للناس.

وقال: «لدينا ثروة فكرية هائلة من تراث الأئمة الأطهار (عليهم السلام) امتدت لقرنين ونصف، ونحن بحاجة إلى من يستخرج منها الدروس والعبر ويقدمها إلى الناس».

وزاد بقوله : إن «الكنوز العلمية التي تزخر بها الروايات والأدعية الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام)، قادرة على بناء الإنسان فكريًا وروحيًا»، مؤكدًا أن الاهتمام بثقافة الناس ينبغي أن يكون من أولويات المؤسسات التي تخدم المجتمع، وأن العامل في مجال الخدمة الاجتماعية يحتاج إلى الصبر في أداء مهمته.

وفي خطبة الجمعة التي ألقاها سماحة السيد أحمد الصافي في الصحن الحسيني الشريف بتأريخ 4 جمادى الآخرة 1438هـ، الموافق 3 آذار 2017م، بالتزامن مع إحياء ذكرى شهادة السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، تناول سماحته عظمة شخصيتها ومقامها، مشيرًا إلى أن فهم منزلتها لا ينفصل عن ما ورد عن النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته (عليهم السلام).

وتطرقت الخطبة إلى ما تمثله السيرة الفاطمية من قيمة دينية وعقائدية، وإلى العلاقة بين معرفة مقامها وفهم ما تحمله سيرتها من دلالات.

وفي 15 جمادى الأولى 1439هـ، الموافق 2 شباط 2018م، ألقى السيد أحمد الصافي خطبة دينية من الصحن الحسيني الشريف استهلها بالتعزية بشهادة السيدة الزهراء (عليها السلام).

وتناول فيها مكانتها في عقيدة أهل البيت، ومنزلتها عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وما تمثله خطبتها المباركة من حضور فكري وعقائدي، إلى جانب تأكيد أهمية احترام العقائد والمقدسات والتعرف على سيرتها ومناقبها.

وتناولت خطبة الجمعة الثانية التي ألقاها السيد أحمد الصافي بتأريخ 26 جمادى الآخرة 1441هـ، الموافق 21 شباط 2020م، مضامين دينية مرتبطة بمناسبات أهل البيت (عليهم السلام) ومكانة السيدة الزهراء (عليها السلام).

وتلتقي هذه المضامين عند فكرة رئيسة، مفادها أن استذكار السيدة الزهراء (عليها السلام) لا يقف عند حدود الحزن على مظلوميتها ؛ بل يمتد إلى التعرف على مقامها ومواقفها وما تحمله سيرتها من قيم ودروس.

ومن هنا تبرز أهمية الخطاب الديني الذي يجمع بين التعزية والتثقيف، ويستخرج من التراث ما يعزز الوعي الديني والأخلاقي والاجتماعي.



مظاهر الحزن : تهيئة فضاءات العزاء الداخلية والخارجية

تبدأ ملامح الموسم من المكان؛ إذ تتوشح أرجاء العتبة العباسية المقدسة بمظاهر الحزن، وتنتشر الرايات السود واللافتات العزائية في صحن مرقد أبي الفضل العباس (عليه السلام)، لتعلن حضور الذكرى في المشهد البصري والوجداني للزائرين.

وقد باشرت ملاكات قسم رعاية الصحن الشريف نشر لافتات الحزن الخاصة بذكرى شهادة السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) على وفق الرواية الثانية، فيما تولت شعبة الخياطة والتطريز التابعة لقسم استلام الهدايا والنذور أعمال خياطة القطع واللافتات وتطريزها، بأحجام وأشكال مختلفة تتناسب مع أجواء المناسبة.

وتأتي هذه الأعمال من ضمن سلسلة من الاستعدادات التي تنفذها ملاكات العتبة المقدسة لإحياء المناسبات الدينية الخاصة بأهل البيت (عليهم السلام)، وهي لا تؤدي وظيفة جمالية فحسب ؛ بل تمنح المكان ملامح المناسبة، وتربط حركة الزائرين بما تستحضره الذكرى من مشاعر الحزن والمواساة.

إلى جانب نشر مظاهر الحزن، تتواصل أعمال تهيئة الفضاءات التي تحتضن المجالس والمراسم العزائية، عن طريق تنظيف المواقع المخصصة، وفرش السجاد، وتنظيم الساحات ومسارات الحركة، وتهيئة المسقفات لاستقبال المعزين.

وقد هيّأت ملاكات قسم بين الحرمين الشريفين الساحة الوسطية لاستقبال الزائرين، عبر فرش مساحات واسعة بالسجاد ونشر القواطع الحديدية لتنظيم حركة الوافدين بين المرقدين الشريفين، مع تخصيص منافذ للحالات الطارئة وضمان وصول الملاكات الخدمية إلى مواقع عملها.

وأنجزت الملاكات غسل الأرضيات وتنظيف المسقفات استعدادًا لنزول موكب العتبة المقدسة لإحياء ذكرى شهادة السيدة الزهراء (عليها السلام)، مع تهيئة المسارات الخاصة بحركة الموكب من صحن مرقد أبي الفضل العباس (عليه السلام) إلى مرقد الإمام الحسين (عليه السلام)، لتقديم العزاء بهذه المناسبة.

وفي جانب ذلك، تولى قسم حفظ النظام تنفيذ خطة ميدانية لتنظيم دخول المواكب وخروجها من الصحن الشريف، وفتح مسارات خاصة بها وتوزيع المنتسبين على المداخل الرئيسة، فيما تابع قسم بين الحرمين الشريفين حركة المواكب داخل الساحة الوسطية، بما يحد من تقاطع المسارات والتزاحم.



بيت الأحزان الفاطمي : مشهد يستحضر وجع الذاكرة

في صحن مرقد أبي الفضل العباس (عليه السلام)، يحتل بيت الأحزان الفاطمي موقعًا خاصًا من ضمن الفعاليات التي تستحضر جوانب من سيرة السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) ومظلوميتها.

وقد أنهت ملاكات قسم رعاية الصحن الشريف أعمال نصب بيت الأحزان الفاطمي استعدادًا لإحياء ذكرى الشهادة على وفق الرواية الثانية.

وأوضح معاون رئيس القسم السيد زين العابدين القريشي أن نصب البيت يهدف إلى استحضار أجواء الحزن والمواساة لدى الزائرين، وتجسيد خصوصية المناسبة الأليمة.

وبيّن أن بيت الأحزان يتضمن فقرات عزائية متعددة تجسد بعض مفاصل السيرة الفاطمية، وتسهم في استذكار مظلوميتها وإحياء ذكراها في نفوس الزائرين.

ولا ينفصل هذا المشهد عن موسم الأحزان الفاطمي وما يضمه من أعمال تجسيدية وبانورامية تستحضر محطات من حياة السيدة الزهراء (عليها السلام)، ومشهد دفنها، على وفق الروايات التي يتناولها الموسم.

وتقدم هذه الأعمال المادة التأريخية والعزائية في صورة بصرية، تتيح للزائر الاقتراب من تفاصيل السيرة والتفاعل مع دلالاتها، بالتزامن مع ما تقدمه المجالس الدينية من شرح وتفسير.
relatedinner


الطعام والماء والرعاية الطبية في خدمة الزائرين

لا تكتمل صورة الإحياء عند حدود المجالس والمراسم ؛ بل تمتد إلى خدمة الزائرين الوافدين إلى كربلاء المقدسة، عبر توفير الطعام ومياه الشرب وأماكن الاستراحة والرعاية الصحية، بما يخفف عنهم عناء الزيارة ويعينهم على المشاركة في إحياء المناسبة.

وفي هذا السياق، قدم قسم المضيف في العتبة العباسية المقدسة تسعة آلاف وجبة طعام للزائرين تزامنًا مع ذكرى شهادة السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) على وفق الرواية الثانية.

وأوضح معاون رئيس القسم السيد حسن محمد أن الوجبات أُعدت وجُهزت من ضمن برنامج خدمي منظم، مع مراعاة الاشتراطات الصحية في مراحل إعداد الطعام وتعبئته وتقديمه.

وتتولى شعبة المطبخ المركزي إعداد الوجبات على مدار 24 ساعة، مع زيادة أعداد الوجبات في يومي الخميس والجمعة تزامنًا مع ارتفاع أعداد الزائرين الوافدين إلى المدينة.

أما شعبة السقاية التابعة لقسم الشؤون الخدمية، فتتولى تجهيز مياه الشرب المبردة وتوزيعها عبر موكب القسم وفي نقاط متعددة بمحيط الصحن الشريف، فيما تعمل الملاكات على تهيئة أماكن مناسبة للجلوس والاستراحة، عن طريق فرش السجاد وتنظيم المواقع المخصصة للزائرين.

ويقدم موكب قسم بين الحرمين الشريفين خدماته للوافدين، عبر توزيع المشروبات الساخنة والباردة والمأكولات الخفيفة، إلى جانب تنظيم المساحات ومسارات الحركة بما يتيح للزائرين أداء مراسمهم والراحة في بيئة أكثر ملاءمة.

وفي الجانب الصحي، يضاعف قسم الشؤون الطبية جهوده لتقديم الرعاية الصحية والعلاجية للزائرين، عبر ملاكات طبية وتمريضية متخصصة، وبالتعاون مع هيأة الجود التطوعية في ليالي الجمع.

وأوضح رئيس القسم الدكتورة هيفاء التميمي أن مركز السيد جعفر الحلي (رحمه الله) للخدمات الطبية الطارئة يقدم خدمات تشمل استقبال الحالات الطارئة والفحوصات المختبرية والأشعة والسونار وطب الأسنان والعمليات الصغرى، فضلًا عن توفير الأدوية عبر الصيدلية.

ويقدم مركز أم البنين (عليها السلام) خدمات الفحص الطبي والرعاية الأولية، وقياس ضغط الدم ومستوى السكر، وتخطيط القلب والضماد والحقن وصرف العلاجات اللازمة.

وقدم قسم حفظ النظام في العتبة العباسية المقدسة، خدماته الإنسانية لكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة من زائري مرقد أبي الفضل العباس (عليه السلام).

وشملت الخدمات التي تقدمها وحدة الخدمة الإنسانية في القسم توفير العربات المتحرّكة في عددٍ من النقاط المخصصة، إلى جانب مرافقة الزائرين ومساعدتهم على التنقل لمختلف الأماكن بما يخفف عنهم مشقّة الحركة ويسهّل أداءهم للزيارة.

وتعمل ملاكات الوحدة على متابعة الحالات التي تحتاج إلى المساعدة والاستجابة لها بحسب طبيعة احتياج كل زائر ولاسيما مع ازدياد أعداد الوافدين في ليلة الجمعة.

كما قدّمت المواكبُ الخدمية في مدينة كربلاء المقدّسة خدماتٍ متنوّعة، للزائرين المشاركين في إحياء ذكرى شهادة السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام).

وشملت الخدمات توفير الوجبات الغذائية ومياه الشرب والمشروبات، إلى جانب عددٍ من الخدمات الأُخَر التي تُسهِمُ في تلبية احتياجات الزائرين خلال فترة توافدهم.

وعملت المواكب على تهيئة مواقع الخدمة وتجهيز المستلزمات اللّازمة لاستقبال الزائرين، مع تنظيم عملية التوزيع بما يُسهِمُ في إيصال الخدمات بصورةٍ منتظمة.

وهكذا تتكامل الخدمة المباشرة مع الإحياء الديني ؛ لتكون رعاية الزائرين جزءًا من منظومة الموسم، تتضافر فيها جهود الإطعام والسقاية والتنظيم والرعاية الطبية.



مجالس العزاء: منابر متعددة تستحضر السيرة الفاطمية

تتعدد مجالس العزاء التي تقيمها أقسام العتبة العباسية المقدسة إحياءً لذكرى شهادة السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) على وفق الرواية الثانية، لتشكل مساحة دينية ومعرفية تستحضر سيرتها العطرة، ومكانتها عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومواقفها في نصرة الرسالة الإسلامية، وما تحمله حياتها من قيم ومبادئ.

وفي هذا السياق، أقام قسم الشؤون الدينية مجلس عزاء في صحن مرقد أبي الفضل العباس (عليه السلام)، ألقى فيه الشيخ صلاح الكربلائي محاضرة تناولت جوانب من سيرة السيدة الزهراء (عليها السلام)، ومكانتها في الإسلام، وما تجسده سيرتها من قيم إيمانية.

ولا يقتصر دور قسم الشؤون الدينية على إقامة المجالس ؛ بل يمتد إلى تقديم الخدمات الإرشادية والتوجيهية للزائرين عبر محطاته المنتشرة في صحن مرقد أبي الفضل العباس (عليه السلام).

وأوضح معاون رئيس القسم، الشيخ عادل الوكيل، أن هذه الخدمات تشمل الإجابة عن استفسارات الزائرين وبيان الأحكام الشرعية لهم، على مدار اليوم، بما يضمن استمرار التواصل مع الوافدين إلى مرقدي الإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس (عليهما السلام).

فيما نظمت شعبة الخطابة للتبليغ الحسيني مجالس عزاء حاضر فيها الشيخ أحمد العبادي، مستعرضًا مواقفها في نصرة الرسالة الإسلامية، وما تعرضت له من مظلومية، والدروس والعبر المستلهمة من سيرتها المباركة.

وتواصلت المجالس بمحاضرات تناولت سيرة أهل البيت (عليهم السلام) وما واجهوه من محن، وما جسدوه من صبر وثبات في مواجهة الابتلاءات، إذ استعرض الشيخ عمار البريسم عددًا من التوصيات والتوجيهات المستفادة من سيرتهم ومواقفهم.

وفي إطار البرامج العقائدية والمعرفية، نظم قسم شؤون المعارف الإسلامية والإنسانية مجلس عزاء من ضمن الدورة العقائدية الموسومة (الزهراء (عليها السلام) في القرآن والسنة النبوية)، حاضر فيه الشيخ طاهر الغانمي، مستذكرًا سيرة السيدة الزهراء (عليها السلام) ومظلوميتها ومواقفها.

وأوضح مسؤول شعبة النشاطات والتنسيق في القسم، السيد علاء حمد مطر، أن المجلس يأتي من ضمن برنامج ثقافي وعقائدي يهدف إلى تعزيز الوعي الديني والتعريف بمكانة السيدة الزهراء (عليها السلام) في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.

وأقامت شعبة السادة الخدم مجلس عزاء في الصحن الشريف، ألقى فيه السيد هاشم البطاط محاضرة استذكر فيها سيرة السيدة الزهراء (عليها السلام)، وما تعرضت له من مظلومية وابتلاءات، مستعرضًا ما تنطوي عليه مواقفها من دروس وعبر.

وأحيا قسم العلاقات العامة في العتبة العباسية المقدسة ذكرى شهادة السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، بإقامة مجلسَي عزاء استذكارًا لسيرتها العطرة ومظلوميتها.

وأُقيم المجلس الأول في قاعة التشريفات داخل العتبة المقدسة، وتضمّن محاضرة دينية ألقاها الشيخ علي الدجيلي، تناول فيها محطات من سيرة أهل البيت (عليهم السلام)، ودورهم في نشر تعاليم الدين الإسلامي وترسيخ قيم الإصلاح والوعي والمبادئ الأخلاقية في المجتمع.

كما أُقيم المجلس الثاني في القاعة ذاتها، ضمن البرنامج الديني الذي ينظّمه القسم بصورة مستمرة لإحياء مناسبات أهل البيت (عليهم السلام)، واستذكار مصائبهم وسيرتهم المباركة. وتضمّن المجلس محاضرة دينية ألقاها السيد أحمد اليعقوبي، استعرض فيها محطات من حياة أهل البيت (عليهم السلام)، وجوانب من سيرة سيدة نساء العالمين السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام).

وسلّط اليعقوبي الضوء على دور الصديقة الطاهرة (عليها السلام) في ترسيخ تعاليم الدين الإسلامي، ولا سيما بين النساء، فضلًا عن دورها في تعزيز قيم الإصلاح والوعي والمبادئ الأخلاقية في المجتمع.

وتعكس هذه المجالس، بتعدد الجهات المنظمة والخطباء المشاركين، اتساع حضور المناسبة في البرنامج الديني للعتبة العباسية المقدسة، وتكامل أدوار أقسامها في إحياء الذكرى، عبر الجمع بين استذكار المصاب والتعريف بالسيرة الفاطمية واستلهام القيم الدينية والأخلاقية التي تجسدها.

وهكذا تتجاوز مجالس العزاء حدود التعبير عن الحزن، لتغدو منابر لاستحضار الذاكرة الدينية ونقل معارف السيرة الفاطمية، وتعزيز الوعي والإرشاد، في مشهد تتكامل فيه الشعيرة مع المعرفة، ويجتمع فيه تعدد الجهود على إحياء المناسبة وتجديد الصلة بنهج أهل البيت (عليهم السلام).



إحياء يجمع التلاوة والمعرفة

يحضر القرآن الكريم في موسم الإحياء بوصفه منطلقًا للمعرفة والتدبر، عن طريق أنشطة المجمع العلمي للقرآن الكريم وبرامجه التي تجمع بين التلاوة والمحاضرة الدينية ومجالس العزاء.

فقد أحيا معهد القرآن الكريم في كربلاء، التابع للمجمع العلمي للقرآن الكريم، ذكرى شهادة السيدة الزهراء (عليها السلام) على وفق الرواية الثانية عبر مجلس عزاء استُهل بتلاوة قرآنية بصوت القارئ عباس فاضل، أعقبتها محاضرة للسيد شكور الحسيني تناولت السيرة الفاطمية ومظلوميتها ودورها في نشر العلوم والمعارف القرآنية والدينية.

وشهد المجلس حضور عدد من طلبة المعهد وأساتذته وملاك مجمع العلقمي للزائرين ومجاهدي فرقة العباس (عليه السلام).

وأكد مدير معهد القرآن الكريم في كربلاء الدكتور حسن الجذيلي أن إحياء الذكرى يمثل مسؤولية تربوية، وأن المعهد يعمل على ترسيخ نهج أهل البيت (عليهم السلام) في مناهجه وأنشطته ودوراته القرآنية.

وأضاف : مدير معهد القرآن الكريم في كربلاء التابع للمجمع الدكتور حسن الجذيلي: إنّ "المعهد أحيا هذه الذكرى الأليمة عبر مجلس عزاء، ضمن برنامجه الخاص بإحياء مناسبات أهل البيت (عليهم السلام)، انطلاقًا من مسؤوليته في تعليم كتاب الله الكريم وتربية الأجيال على نهجهم، إذ تمثّل ذكرى شهادة الصديقة الزهراء (عليها السلام) محطة لتجديد العهد بمواصلة المسيرة التعليمية القرآنية".

وأشار الى : أنّ "المجلس تضمن فقرات متنوعة استُهلت بتلاوة قرآنية بصوت القارئ عباس فاضل، أعقبتها محاضرة دينية ألقاها السيد شكور الحسيني، استعرض فيها جوانب من السيرة العطرة للسيدة الزهراء (عليها السلام) ومظلوميتها، ودورها في نشر العلوم والمعارف القرآنية والدينية، بحضور عدد من طلبة المعهد وأساتذته، وملاك مجمع العلقمي للزائرين".

وفي نشاط آخر، نظم المعهد محاضرة قرآنية بعنوان «تجلّيات قرآنية في السيرة الفاطمية» ؛ و ذلك من ضمن مشروع «المساجد حياة»، في مصلّى الإحسان بمنطقة شارع محمد الأمين في كربلاء.

وقدم المحاضرة الشيخ محمد النبهاني، متناولًا تجليات القيم والمبادئ القرآنية في سيرة السيدة الزهراء (عليها السلام)، ومواقفها التي تعكس تلك القيم.

فيما أقام معهد القرآن الكريم في النجف الأشرف، التابع للمجمَع العلمي للقرآن الكريم في العتبة العباسية المقدسة، مجلس عزاء إحياءً لذكرى شهادة الصديقة الطاهرة السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، واستذكارًا لسيرتها العطرة ومواقفها الخالدة في نصرة الحق والدفاع عن الرسالة الإسلامية.

واستُهلّ المجلس بتلاوة آياتٍ من الذكر الحكيم، تلاها قارئ المعهد علي الزبيدي، أعقبها مجلس عزاء ارتقى منبره الشيخ شبر معلة، مستعرضًا جوانب من السيرة المباركة للسيدة الزهراء (عليها السلام)، وما تعرّضت له من مظلومية، فضلًا عن مواقفها في نصرة الحق والدفاع عن مبادئ الإسلام.

من جانبه، أوضح مسؤول وحدة التلاوة في المعهد، محمد علي رشيد، أنّ إقامة هذا المجلس تأتي ضمن سلسلة الأنشطة والفعاليات التي ينظّمها المعهد لإحياء مناسبات أهل البيت (عليهم السلام)، واستذكار سيرتهم المباركة، وتعزيز الارتباط بنهجهم وقيمهم الأصيلة.

وتبرز هذه الأنشطة العلاقة بين التلاوة والتدبر والتثقيف الديني، وتتيح للطلبة والمشاركين استحضار المناسبة في ضمن بيئة تعليمية ترتبط بالقرآن الكريم، مع التعريف بالقيم الإيمانية والأخلاقية التي تتناولها السيرة الفاطمية.



أنشطة نسوية تستلهم السيرة وتخاطب الأجيال

تحتل البرامج النسوية موقعًا مهمًا من ضمن مسارات الإحياء، عن طريق مجالس العزاء والمحاضرات الدينية والبرامج القرآنية والأنشطة الثقافية التي تنظمها الجهات النسوية في العتبة العباسية المقدسة.

وفي هذا الإطار، أقامت شعبة التوجيه الديني النسوي التابعة لمكتب المتولي الشرعي للشؤون النسوية مجالس العزاء الأسبوعية من ضمن برنامج «في ظلال العترة»، بهدف إحياء تقليد المجالس الحسينية الأسبوعية وتوظيف المنبر في تناول سيرة أهل البيت (عليهم السلام) والجوانب الأخلاقية والفقهية.

وقالت مسؤولة وحدة النشاطات في الشعبة السيدة رجاء البوهاني : إن البرنامج تضمن قراءة المراثي واستذكار مصاب السيدة الزهراء (عليها السلام)، إلى جانب محاضرات تناولت الإيمان والعمل الصالح والحياة الطيبة، وما يرتبط بها من معانٍ دينية وأخلاقية تسهم في تعزيز الوعي وتوجيه السلوك الفردي والاجتماعي.

‏‏وأحيا معهد القرآن الكريم النسوي التابع لمكتب المتولّي الشرعي للشؤون النسوية في العتبة العباسية المقدسة ذكرى شهادة السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام). ‏ ‏

وقالت مديرة روضة أحباب الكفيل التابعة للمعهد السيّدة آمنة المنصوري: إنّ "المجلس تضمّن عددًا من الفقرات التربوية والتوعوية التي تناولت جوانب من حياة السيدة الزهراء (عليها السلام)، بدءًا من ولادتها ونشأتها، مرورًا بحياتها الأسرية والزوجية، وصولًا إلى بيان أبرز الأحداث التي رافقت شهادتها ومواقفها في الدفاع عن الحقّ".‏

وأضافت، أنّ "إحياء هذه المناسبة يأتي من ضمن البرامج التربوية التي تحرص الروضة على تقديمها للفتيات، ما يسهم في تعريفهنَّ على شخصية السيدة الزهراء (عليها السلام) ومكانتها ومظلوميتها، وترسيخ القيم المستقاة من سيرتها العطرة في نفوسهنَّ بأسلوب يتناسب مع أعمارهنَّ ومرحلتهنَّ التعليمية".

‏‏وشهد المجلس مشاركة 95 طفلة من براعم الروضة وسط أجواء عزائية وتربوية تهدف إلى غرس مبادئ المحبّة والولاء لأهل البيت (عليهم السلام)، وبناء اللبنة الأولى للوعي الديني والارتباط بسيرتهم المباركة.

فيما أحيت شعبة السيدة فاطمة بنت أسد (عليها السلام) للدراسات القرآنية، التابعة للمكتب نفسه، ذكرى الشهادة من ضمن برنامج «مناهل رويّة»، بمشاركة 75 امرأة.

وتضمن البرنامج تلاوة الجزء السادس والعشرين من القرآن الكريم، وقراءة دعاء الندبة واستذكار المصاب بقصائد الرثاء، فضلًا عن دعاء الفرج والأدعية الخاصة بختم القرآن الكريم وشرح مضامين دعاء الندبة.

وأوضحت مسؤولة الشعبة السيدة فاطمة الموسوي أن مدرّسة الشعبة السيدة زينب كاظم تناولت في شرحها دلالات الزهد في الدنيا والوفاء بالعهد مع الله تعالى، وما يتجلى فيهما من صبر عند الابتلاء وشكر للنعم والتزام بالعهود.

وفي سياق تعزيز الربط بين السيرة الفاطمية والحياة اليومية، قدمت الشعبة محاضرة عن التوازن بين طلب العلم والحياة الأسرية، بمشاركة طالبات مدرسة فاطمة بنت أسد (عليها السلام).

وتناولت السيدة فاطمة الموسوي في المحاضرة المودة والرحمة بوصفهما أساسين للحياة الزوجية، مستحضرة نموذج السيدة الزهراء (عليها السلام) في الجمع بين العلم والعمل والمسؤولية الأسرية، ومؤكدة أهمية انعكاس المعرفة على السلوك والمواقف اليومية.

و شملت البرامج النسوية محاضرات عن «التمهيد الفاطمي للقضية المهدوية» و«الظلامة الفاطمية بين التساؤلات والشبهات»، وعرضًا مسرحيًا بعنوان «الحجة الكبرى»، إلى جانب أنشطة ثقافية للأطفال من ضمن برنامج «براعم الكفيل»، للتعريف بشخصية السيدة الزهراء (عليها السلام) وسيرتها.

وتجمع هذه الفعاليات بين العزاء والمعرفة والتربية، وتمنح النساء والفتيات والأطفال مساحات متنوعة للتفاعل مع المناسبة، بما يتيح نقل مضامين السيرة الفاطمية إلى الأسرة والمجتمع بأساليب تتناسب مع الفئات المستهدفة.

كما نظّم مركزُ الصدّيقة الطاهرة (عليها السلام) التابع لمكتب المتولّي الشرعيّ للشؤون النسوية في العتبة العبّاسية المقدّسة، مجلس عزاءٍ لأطفال روضته؛ إحياءً لذكرى شهادة السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، ضمن أنشطته الدينية والتربوية.

وقالت مسؤولةُ وحدة الروضة في المركز، السيّدة انتصار عبد الهادي، إنّ المجلس أُقِيم للتعريف بسيرة السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) ومظلوميّتها، بأسلوبٍ تربويّ يتناسب مع أعمار الأطفال ومستوى استيعابهم.

وأضافت أنّ المجلس استُهِلّ بتلاوة آياتٍ من القرآن الكريم بصوت أحد الأطفال، وتضمّن تقديم قصّة تعريفية عن حياة السيدة الزهراء (عليها السلام)، عرضتها إحدى معلّمات الروضة بأسلوبٍ مبسّط، فضلًا عن طرح أسئلة تفاعلية لتعزيز معلومات الأطفال وتنمية معارفهم بشأن سيرتها المباركة.

وبيّنت أنّ هذه الأنشطة تتيح للأطفال التعرّف إلى شخصية السيدة الزهراء (عليها السلام) وسيرتها، من خلال أساليب تربوية وتعليمية تراعي مرحلتهم العمرية.

كما أحيت شعبةُ مدارس الكفيل الدينية النسوية التابعة لمكتب المتولّي الشرعيّ للشؤون النسوية في العتبة العبّاسية المقدّسة، ذكرى استشهاد السيّدة فاطمة الزهراء(عليها السلام).

جاء ذلك عبر مجلس العزاء بهذه المناسبة الأليمة، الذي نظّمته مدرسة فاطمة بنت أسد (عليها السلام) للدراسات الدينية التابعة للشعبة.

وقالت مديرةُ المدرسة السيدة بيداء ناجي العامري: إنّ المجلس تضمّن محاضرة بعنوان (ذكّر فإنّ الذكرى تنفع المؤمنين)، تناولت مظلومية السيدة الزهراء (عليها السلام) وما واجهته من أحداث بعد رحيل أبيها رسول الله (صلّى الله عليه وآله).

وأضافت، أنّ المجلس يهدف إلى ترسيخ معاني الولاء لأهل البيت (عليهم السلام) في نفوس طالبات المدرسة الدينية، وتعزيز معارفهنّ الدينية، بما يُسهِمُ في تعرّفهنّ على سيرة السيدة الزهراء (عليها السلام) ومكانتها.



مواكب العزاء : من تنظيمها إلى خروجها

لا يقتصر موسم الأحزان الفاطمي على جهود الأقسام الداخلية في العتبة العباسية المقدسة؛ إذ تحضر المواكب والهيئات الحسينية بوصفها شريكًا رئيسًا في إقامة الشعائر وتنظيم المشاركة المجتمعية.

وقد شهدت التحضيرات عقد اجتماعات تنسيقية مع ممثلي المواكب والهيئات الحسينية في كربلاء، تناولت تنظيم المشاركة في الموسم وإقامة موكب عزائي موحد باسم أهالي المدينة، إلى جانب التنسيق المتعلق بأداء العزاء في المواقع الدينية الأخرى.

وتبرز أهمية هذه الشراكة في قدرتها على توحيد الجهود وتنسيق البرامج، مع الحفاظ على الدور الذي تؤديه المواكب والهيئات في التعبير عن الحزن والمواساة واستحضار سيرة أهل البيت (عليهم السلام).

إذ يتولى قسم الشعائر والمواكب والهيئات الحسينية في العتبة العباسية المقدسة تنظيم مشاركة المواكب العزائية، عن طريق تحديد أوقات دخولها ومسارات مرورها من صحن مرقد أبي الفضل العباس (عليه السلام) إلى منطقة بين الحرمين الشريفين، بالتنسيق مع الأقسام المعنية.

وتشهد كربلاء المقدسة توافد المواكب العزائية من داخل المحافظة وخارجها لإحياء ذكرى شهادة السيدة الزهراء (عليها السلام) عند مرقدي الإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس (عليهما السلام)، في مشهد تتداخل فيه المشاركة الشعبية مع التنظيم المؤسسي.

وتتولى الأقسام ذات العلاقة متابعة حركة المواكب في الصحن الشريف والساحة الوسطية، فيما يعمل قسم حفظ النظام على تأمين انسيابية الدخول والخروج ومنع التزاحم، ويشرف قسم بين الحرمين الشريفين على انتظام المسارات وعدم تقاطعها مع حركة الزائرين والمواكب الأخرى.

وفي هذا الإطار، تبرز مشاركة موكب العتبة المقدسة، إلى جانب الجهود الرامية إلى تنظيم موكب عزائي موحد باسم أهالي كربلاء.

وتتضمن برامج الإحياء مشاركة منتسبي العتبة المقدسة في مواكب العزاء ؛ وذلك من ضمن التعبير الجماعي عن المواساة وتجديد العهد بسيرة أهل البيت (عليهم السلام).

وأحيا خَدمَة العتبتين المقدستين الحسينية والعباسية ذكرى شهادة السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، عَبرَ موكب عزاء موحّد.

وشهد الموكب حضور نائب الأمين العام للعتبة العباسية المقدسة الحقوقي محمد علي أزهر وأعضاء مجلس إدارتها السيد كاظم عبادة والسيد محمد الأشيقر والدكتور أفضل الشامي، إلى جانب عدد من خَدمَة العتبتين المقدستين.

واعتاد خَدمَة العتبتين المقدستين الحسينية والعباسية سنويًّا على إحياء ذكرى شهادة سيدة نساء العالمين (عليها السلام)، عَبرَ موكب عزائي موحّد، رُدّدت فيه عبارات الحزن والأسى بهذه الفاجعة الأليمة.

وانطلق الموكب من صحن مرقد أبي الفضل العبّاس (عليه السلام)، مرورًا بساحة بين الحرمين الشريفَيْن، وصولًا إلى مرقد الإمام الحسين (عليه السلام) لتعزيته بهذه المناسبة الأليمة، إذ ردَّد المعزّون في مسيرهم كلمات جسّدت مشاعر الحزن والأسى، وبيّنت مدى وقع هذا المصاب على نفوس المؤمنين.

فيما تواصلت المواكبُ العزائية إحياء ذكرى شهادة السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) في مدينة كربلاء المقدّسة.

إذ شهدت الطرق المؤدّية إلى مرقد أبي الفضل العباس (عليه السلام) مرور عددٍ من المواكب، التي قدّمت مراثيها وعزاءها بهذه المناسبة الأليمة وسط مشاركةٍ واسعة.

وتعمل ملاكات قسمي الشعائر والمواكب والهيآت الحسينية وحفظ النظام في العتبة العبّاسية المقدّسة، على تنظيم حركة المواكب ومتابعة مسارات دخولها وخروجها، وتنسيق أوقات مرورها بما يُسهِمُ في انسيابية مشاركتها في برنامج العزاء.



الفن عزاء آخر

لا تقتصر المشاركة في إحياء الذكرى على حضور المجالس والاستماع إلى الخطب ؛ بل تمتد إلى الفضاءات الفنية والتربوية التي تمنح الأطفال والناشئة فرصة للتعبير عن فهمهم للمناسبة.

ومن أبرز هذه الأنشطة «المرسم الحر السنوي» الذي ينظمه قسم التربية والتعليم العالي، بمشاركة متعلمي مدارس مجموعة العميد التعليمية للبنين والبنات، حيث يجسد المشاركون عبر لوحات فنية تصوراتهم عن المظلومية الفاطمية.

وتوفر هذه الفعالية مساحة تجمع بين التعبير الفني والتعريف بالسيرة، وتتيح للمتعلمين المشاركة في إحياء الذكرى بوسيلة تتناسب مع أعمارهم واهتماماتهم، وتفتح أمامهم مجالًا للتأمل في مضامينها عن طريق اللون والصورة.

ويكشف هذا المسار عن حضور البعد التربوي في موسم الأحزان الفاطمي، إذ يصبح الفن وسيلة أخرى لاستحضار المصاب، وتتحول اللوحة إلى مساحة تعبير تلتقي فيها المعرفة بالمشاعر، من ضمن بيئة تعليمية تشجع على المشاركة والتفاعل.



العزاء خارج حدود كربلاء

امتدت الأنشطة المرتبطة بذكرى شهادة السيدة الزهراء (عليها السلام) إلى مواقع خارج مركز كربلاء، بوساطة برامج ثقافية وتوعوية نظمتها جهات مختلفة، بما يوسع نطاق التعريف بالسيرة الفاطمية ويتيح وصول مضامينها إلى شرائح جديدة.

ومن بين هذه الأنشطة ندوة ثقافية أقامها قسم الشؤون الفكرية والثقافية، عن طريق مجمع سيد الماء التربوي والثقافي، في قضاء الهندية بمحافظة كربلاء.

وتضمنت الندوة محاضرة دينية للسيد حسين الصافي تناولت جوانب من سيرة السيدة الزهراء (عليها السلام)، وما جسدته من قيم الأمانة والصبر والدفاع عن الرسالة الإسلامية، فضلًا عن مسابقة ثقافية عن صاحبة الذكرى وتقديم هدايا للفائزين.

إذ أقام معهد تراث الأنبياء للدراسات الحوزوية الإلكترونية، التابع لقسم الشؤون الفكرية والثقافية في العتبة العباسية المقدسة، مجلس عزاء إحياءً لذكرى شهادة الصديقة الطاهرة السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وذلك في مقره بمحافظة النجف الأشرف.

وقال مدير المعهد، الشيخ حسين الترابي: إن المعهد أقام مجلس عزاء بذكرى شهادة السيدة الزهراء (عليها السلام)، قدمه الشيخ الدكتور علاء الكعبي.

وأضاف أن المجلس شهد أجواءً من الحزن والمواساة، استُحضرت فيها مظلومية السيدة الزهراء (عليها السلام)، ومكانتها السامية لدى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وما تمثله سيرتها من قيم إيمانية وإنسانية راسخة.

أما في محافظة واسط، انطلقت فعاليات مهرجان الشهادة السنوي الدولي السادس عشر في جامعة الكوت، برعاية منتدى الإمام الحسين (عليه السلام) الثقافي، وبالتعاون مع المشروع التبليغي للحوزة العلمية في النجف الأشرف والعتبات المقدسة في العراق: العلوية والحسينية والكاظمية والعسكرية والعباسية، إلى جانب جهات أخرى، تحت شعار «السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) مشكاة هداية وعروة وثقى لا تلين».

وأوضح المشرف على المهرجان الشيخ حازم الدبوني أن الأسبوع الأكاديمي انطلق من ضمن برنامج المهرجان الذي يقام في محافظة واسط على مدى 30 يومًا، ويتضمن فعاليات ثقافية وعلمية وتبليغية، وبرامج للتبليغ الديني في جامعات واسط وعدد من المعاهد والكليات، بمشاركة طلبة العلوم الدينية، فضلًا عن معرض للكتاب تشارك فيه العتبات المقدسة ودور النشر التابعة لها.

وبيّن أن هذه الفعاليات تتيح للطلبة والباحثين التواصل مع المصادر العلمية والحديثية والتراث الشيعي، والإفادة من النتاجات الثقافية التي تثري الساحة الأكاديمية، مشيرًا إلى دور العتبات المقدسة، ولا سيما العتبة العباسية المقدسة، في دعم الجامعات والمؤسسات العلمية وتوفير مصادر معرفية محققة.

وشهد المهرجان إقامة محفل قرآني بمشاركة نخبة من قرّاء القرآن الكريم، فيما تضمنت مشاركة العتبة العباسية المقدسة في معرض الكتاب عرض إصدارات متنوعة شملت الموسوعات والكتب العقائدية والفقهية والمجلات الفصلية والمحكمة، بهدف نشر علوم أهل البيت (عليهم السلام) وثقافتهم.

فيما استعرضت العتبة العباسية المقدسة أكثر من 450 إصدارًا عبر جناحها في معرض الكتاب المقام ضمن فعاليات مهرجان الشهادة السنوي السادس عشر في جامعة الكوت.

وقال مسؤول الجناح في المعرض السيد محمد الأعرجي: إنّ المشاركة في المعرض تتضمن أكثر من 450 إصدارًا، تتنوع بين الموسوعات والمجلات المحكمة والكتب الدينية والعقائدية، مما يتيح للزائرين والباحثين الاطلاع على النتاج المعرفي للعتبة العباسية المقدسة".

من جانبه أشاد رئيس جامعة الكوت الدكتور طالب الموسوي بإصدارات العتبة العباسية المقدسة، مثمنًا ما تقدمه من نتاج معرفي وفكري يسهم في إثراء المكتبة العلمية والثقافية، ويتيح للباحثين والطلبة الاستفادة من مصادر معرفية متنوعة.

وفي سياق الحضور الأكاديمي، أقامت شعبة الإرشاد النفسي الجامعي في جامعة العميد مجلس عزاء في قاعة الإمام المجتبى (عليه السلام)، بحضور رئيس الجامعة الأستاذ الدكتور جودت نوري الجشعمي وعدد من مسؤولي الجامعة وملاكاتها وطلبتها، وبمشاركة الخطيب الحسيني السيد حسين الصافي.

واستُهل المجلس بتلاوة آيات من الذكر الحكيم، أعقبتها محاضرة تناولت جوانب من السيرة العطرة للسيدة الزهراء (عليها السلام)، ومواقفها ودروسها الإيمانية وقيمها الإنسانية، مع استذكار مظلوميتها ومكانتها عند الله تعالى ورسوله الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم).

وتكشف هذه الأنشطة عن انتقال الإحياء من الفضاءات العزائية المركزية إلى الجامعات والمؤسسات التعليمية والمراكز الثقافية، بما يجعل المناسبة مجالًا للتعريف بالسيرة ومناقشة مضامينها من ضمن بيئات معرفية واجتماعية متنوعة.



من قلب المناسبة إلى الجمهور

لم تكن جهود إحياء ذكرى شهادة السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) في العتبة العباسية المقدسة مقتصرة على إقامة المجالس العزائية والبرامج الدينية والثقافية ؛ بل رافقها حراك إعلامي عمل على نقل تفاصيل المناسبة إلى الجمهور، وتوثيق فعالياتها بمختلف مساراتها.

فعن طريق مراكز قسم الإعلام وشُعبه، تنوعت التغطيات بين الأخبار والتقارير الصحفية والصور والمحتوى الإعلامي الذي واكب المجالس، ومظاهر الحزن، ومواكب العزاء، والأنشطة القرآنية والثقافية والتربوية والنسوية.

وأسهم هذا الحضور في إتاحة مشاهد المناسبة وتفاصيلها للمتابعين، وإبراز جهود الأقسام والجهات المشاركة في تنظيمها، لتتجاوز رسالة الإحياء حدود المكان، وتصل إلى جمهور أوسع، حاملةً أبعاد الذكرى الدينية والإنسانية وما تنطوي عليه السيرة الفاطمية من قيم ودلالات.



من استذكار المصاب إلى استلهام القيم

تتعدد دلالات موسم الأحزان الفاطمي بتعدد مساراته؛ فعلى المستوى الديني، تستحضر المجالس والخطب والبرامج القرآنية مكانة السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وتقدم قراءات لسيرتها ومواقفها من ضمن الرواية التي تحييها المناسبة.

وعلى المستوى التأريخي والثقافي، تسهم المشاهد البانورامية وبيت الأحزان والأنشطة المعرفية في استحضار محطات من السيرة الفاطمية، وفتح المجال أمام الاهتمام بالمصادر التي تناولت حياة السيدة الزهراء (عليها السلام) والأحداث التي أعقبت وفاة رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).

أما على المستوى التربوي، فتتيح أنشطة الرسم والبرامج النسوية والقرآنية ومبادرات الأطفال والناشئة وسائل متنوعة للتعريف بالمناسبة، تتجاوز الاستماع إلى الخطب إلى المشاركة والتعبير والتعلم.

ويظهر البعد المجتمعي في مشاركة المواكب والهيئات الحسينية وتنسيق الفعاليات بين الأقسام والجهات المعنية، بينما يتجلى البعد الخدمي في توفير الطعام والماء والرعاية الطبية وأماكن الاستراحة للزائرين.



موسم تتكامل فيه الذاكرة والشعيرة والتربية

من الرايات السوداء وبيت الأحزان الفاطمي، إلى المجالس والمنابر الدينية، ومن التلاوة القرآنية والبرامج الثقافية إلى الأنشطة النسوية والفنية والتربوية، ومن مواكب العزاء إلى موائد الطعام ومراكز الرعاية الصحية، تقدم العتبة العباسية المقدسة نموذجًا متعدد المسارات لإحياء ذكرى شهادة السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) على وفق الرواية الثانية.

وتبرز أهمية هذا النموذج في تنوع أدواته وتكامل الأدوار بين الأقسام الدينية والثقافية والتربوية والخدمية والإعلامية، إلى جانب مشاركة المواكب والهيئات الحسينية.

فالمناسبة لا تحضر في صورة واحدة ؛ بل تتوزع على برامج تخاطب فئات مختلفة، وتجمع بين التعبير العزائي والتعريف بالسيرة واستحضار القيم وتقديم الخدمة.

وفي هذا المشهد، تتجاور الذاكرة مع المعرفة، والشعيرة مع التربية، والعزاء مع المسؤولية الاجتماعية؛ لتغدو ذكرى الشهادة مساحة تتجدد فيها الصلة بالسيرة الفاطمية، وتنتقل مضامينها من المجالس إلى البيوت، ومن الصحن الشريف إلى الجامعات والمراكز الثقافية، ومن ذاكرة الأجيال إلى أسئلتها عن القيم والمواقف والمسؤولية.

وهكذا لا ينتهي موسم الأحزان الفاطمي بانقضاء أيام المناسبة ؛ بل يترك سؤالًا يتجاوز حدود الإحياء نفسه:

  • - كيف تتحول الدروس المستلهمة من سيرة السيدة الزهراء (عليها السلام) إلى سلوك يومي؟
  • - وكيف يصبح حفظ الذاكرة مدخلًا لبناء الوعي، وترسيخ القيم، وتعزيز خدمة الإنسان والمجتمع؟
تعليقات القراء
لايوجد تعليقات لعرضها
إضافة تعليق
الإسم:
الدولة:
البريد الإلكتروني:
إضافة تعليق ..: