الى

المؤتمر الدولي التمهيدي الثاني لإحياء ذكرى ألفية حوزة النجف الأشرف

النجف الأشرف في ذاكرة ألف عام : رحلة الحوزة العلمية من التأسيس إلى الامتداد العلمي   

ليست ألفية حوزة النجف الأشرف مجرّد رقمٍ يستحضر مرور القرون، ولا مناسبةً تستعيد صفحات من التأريخ فحسب؛ إنها حكايةُ علمٍ امتدّ أثره عبر الأجيال، ومنبرٌ للمعرفة أسهم في تشكيل الوعي الديني والفكري، وذاكرةٌ تختزن مسيرةً من الدرس والاجتهاد والحوار، ظلّت النجف الأشرف خلالها إحدى الحواضر العلمية البارزة في العالم الإسلامي.

ومن هذا الامتداد التأريخي، وفي محاولةٍ لقراءة إرث الحوزة العلمية واستكشاف آفاق حضورها في المستقبل، أطلقت العتبة العباسية المقدسة فعاليات المؤتمر الدولي التمهيدي الثاني لإحياء ذكرى ألفية حوزة النجف الأشرف، في خطوةٍ تستهدف التمهيد لهذه المناسبة العلمية الكبرى، وتسليط الضوء على محطات التأسيس والتطوّر، واستحضار إسهامات العلماء الذين أسهموا في ترسيخ مكانة النجف الأشرف بوصفها منارةً للعلم والمعرفة.

ولا تقف أهمية هذه الفعاليات عند حدود استذكار الماضي ؛ بل تتجاوزها إلى مساءلة الحاضر واستشراف المستقبل:

  • - فكيف حافظت حوزة النجف الأشرف على امتدادها العلمي عبر القرون؟
  • - وما الذي يجعل إرثها جديرًا بالدراسة والتوثيق وإعادة القراءة؟

أسئلةٌ تفتح المجال أمام المؤتمر ليكون جسرًا يصل الذاكرة التأريخية بالحوار العلمي المعاصر، ويعيد تقديم ألف عامٍ من العطاء بوصفها تجربةً حيّةً تستحق أن تُقرأ وتُصان وتُستثمر في بناء الأجيال المقبلة.



دلالات الــ 1000عام

عام 448هــ وصل (زعيم الطائفة) الشيخ محمد بن الحسن بن علي الطوسي إلى النجف الأشرف بعد احتراق مكتبته "دار العلم" في بغداد نتيجة الفتن المذهبية عام 448 هـ، إذ لم تكن النجف وقتها مركزًا دراسيًّا كبيرًا، فحوّلها بهجرته إلى جامعة علميّة منظمة، واستقطب إليها الطلاب؛ ما جعلها تستمرّ لألف عام بوصفها قاعدة للعلم.

صمدت الحوزة 1000عام بوجه التحولات السياسية، من العباسيين والمغول وصولًا إلى العصور الحديثة، فضلًا عن الحروب والأزمات، وحافظت على استقلالها المالي والعلمي بعيدًا عن سلطة الحكومات، واستطاعت أن تحقق ما يسمى بالانتقال المعرفي وظلت اللّغة العربية ومناهج الاستنباط الفقهي حيّة ومنتجة طوال هذه القرون.

مرور ألف عام يعني أنّ النجف أصبحت "المتروبول" أو المركز الأم الذي يتفرّع منه بقية الحوزات (مثل حوزة قم، لبنان، والهند) ؛ فالألفية تعني أنّ كل مرجع ديني في العالم اليوم يعود سنده العلمي بالضرورة إلى مدرسة النجف الطوسية.

لم تنقطع عن التدريس والبحث العلمي منذ القرن الخامس الهجري إلى اليوم؛ ممّا جعلها من أقدم المؤسّسات التعليمية المستمرة في العالم ؛ تعني "الألفية" أنّ النجف أصبحت منذ ذلك الحين "عاصمة الفقه" ومقرًا للمرجعية العليا، إذ استقطبت طلاب العلوم من كلّ بقاع الأرض (الهند، باكستان، إيران، لبنان، وغيرها) لتطوير المنهج الاجتهادي.

إنّ "الاجتهاد" (عملية استنباط الأحكام) تطور في النجف عَبرَ ألف سنة من النقد والتمحيص؛ ممّا جعل المدرسة النجفيّة تتسم بالدقة العالية والقوة العلمية التي لا تُضاهى. هذا الرقم يعني أنّ النجف هي "أكسجين المعرفة الشيعية"، وأنّها أقدم من أعرق الجامعات العالمية كأكسفورد وسوربون في استمرارية العطاء العلمي بالمنهج نفسه.

وهي شهادة ميلاد تأريخية تُثبت أنّ النجف ليست مجرد مدينة مقدسة ؛ بل هي أقدّم جامعة إسلامية حافظت على استقلالها العلمي وتراثها لأكثر من عشرة قرون.



فعاليات اليوم الأول

شهد صباح يوم الخميس، الموافق 22 تشرين الأول/أكتوبر 2026، انطلاق فعاليات المؤتمر الدولي التمهيدي الثاني لإحياء ذكرى ألفية حوزة النجف الأشرف، الذي أقامته العتبة العباسية المقدسة، ونظّمه مركز الشيخ الطوسي للدراسات والتحقيق، التابع للهيأة العليا لإحياء التراث في العتبة المقدسة، بالتعاون مع جمعية العميد العلمية والفكرية، وجامعتي الكفيل والكوفة، وكلية الإمام الكاظم (عليه السلام)/أقسام النجف، تحت عنوان: ( العطاء العلمي والمعرفي لحوزة النجف الأشرف من القرن التاسع إلى الثاني عشر للهجرة).

وجاء المؤتمر من ضمن الفعاليات التمهيدية للاحتفاء بألفية الحوزة العلمية، التي أُقيمت برعاية العتبات المقدسة في العراق، واستمر يومين، الخميس والجمعة، متضمّنًا مجموعة من الفعاليات العلمية والبحثية التي سلّطت الضوء على الإرث العلمي والمعرفي لحوزة النجف الأشرف، وإسهامات أعلامها في مختلف مجالات المعرفة الدينية.

وشهدت فعاليات الافتتاح حضور الأستاذ في الحوزة العلمية بالنجف الأشرف، سماحة العلّامة السيد أحمد الصافي، إلى جانب عدد من مسؤولي العتبة العباسية المقدسة، وشخصيات حوزوية، وباحثين ومهتمين بدراسة العلوم الدينية والتراث العلمي.

وتضمّن حفل الافتتاح كلمةً لسماحة السيد الصافي، وأخرى للجنتين العلمية والتحضيرية، ألقاها السيد الدكتور عبد الحكيم الصافي، فضلًا عن عرض فيلم توثيقي استعرض استعدادات الهيأة العليا لإحياء التراث للاحتفاء بألفية الحوزة العلمية، والجهود التي بُذلت في هذا الإطار.

وشهدت الفعاليات إزاحة الستار عن مجموعة من إصدارات الهيأة العليا لإحياء التراث، المعنية بتوثيق تراث أعلام الحوزة العلمية وإبراز نتاجاتهم العلمية والفكرية خلال القرون من التاسع إلى الثاني عشر للهجرة، في خطوة هدفت إلى إحياء هذا الإرث وإتاحته للباحثين والمهتمين بالدراسات الحوزوية والتأريخية.

واختُتمت فعاليات اليوم الأول بانعقاد الجلسة البحثية الافتتاحية للمؤتمر، التي شهدت مناقشة أربعة بحوث علمية تناولت جوانب من العطاء العلمي والمعرفي لحوزة النجف الأشرف، وإسهامات أعلامها في تطوّر الحركة العلمية في الحقبة التأريخية التي ركّز عليها المؤتمر.



سماحة السيد الصافي : ألف عام جعل النجف قوةً فكرية واجتهادية

أكّد الأستاذ في الحوزة العلمية في النجف الأشرف سماحة العلّامة السيد أحمد الصافي، أن ألف عامٍ من العطاء جعل النجف الأشرف قوّةً فكريّةً واجتهاديّة تدرأ الفتن.

جاء ذلك خلال كلمة سماحته من ضمن فعّاليات المؤتمر الدوليّ التمهيديّ الثاني لإحياء ذكرى ألفية حوزة النجف الأشرف،

وقال سماحته، إن "ألف عامٍ من العطاء في هذه الحوزة المباركة، هو ليس بالأمر الهيّن، وقد قرأنا في التأريخ أنّ كثيراً من الحضارات بدأت، ثمّ بعد ذلك تهاوت لسببٍ أو لآخر، ولعلّ بعض ما يكون من أسباب التلاشي، كثرة الصراعات خصوصًا في الأعوام والسنين والقرون الماضية، في محاولةٍ لطمس الهويّة، والتكالب على توسعة الرقعة الجغرافية، والعراق لم يكن بمعزلٍ عن ذلك، إنّما كان هو محلّ الصراعات الكثيرة للدول المتعاقبة، ولا شكّ أنّ ذلك أثّر بنحوٍ ما من التأثير."

وزاد بقوله :"الشيء الذي يُلفت النظر أن الجانبين الفكريّ والاجتهادي أبقيا قوّة النجف كما هي، بل ساعدا في كثيرٍ من الأحيان على درء الفتن، وقد تدخّلت بين دولٍ عظمى في ذلك الوقت، وحاولت أن تصلح الحال"، موضحًا "لا شكّ أنّ وجود المراقد الطاهرة في العراق كان له الدورُ الأساس في جاذبيّة هذا البلد لكثيرٍ من طلبة العلوم الدينية".

وتابع بالقول: "قضيّتان مهمّتان تستوقفان النظر إلى النجف، القضية الأولى هي ترابية علماء النجف، وهذه الترابية لها علاقة بأمير المؤمنين(عليه السلام)، وأمير المؤمنين شخصيّةٌ من الصعب أن نفهمها ؛ بل أن نقف عندها، وإنّما ما جاءنا من أحاديث النبي(صلّى الله عليه وآله) والآيات الشريفة هي التي تسلّط الضوء عليها"، موضّحًا أن "هذه الترابية عند أمير المؤمنين يستشفّها كلُّ من يدخل إلى الحرم الطاهر، وكلّما ازداد الإنسان علمًا ازداد إدراكاً لوضع أمير المؤمنين، لذلك كانت السمة الغالبة والدائمة عند علماء الطائفة".

وزاد بقوله : إن "النقطة الثانية هو التنوّع المعرفي، فإنّ حركة الاجتهاد تتطلّب الاختصاص في بعض العلوم، لكنّ الحركة المعرفية في النجف، كانت -حقيقة- حركةً جمّة، وتناولت جميع العلوم، حتّى عندنا بعض المخطوطات تتعلّق بعلم الموسيقى، والبعض كان يتكلّم عن علم الأصوات، وهي علومٌ في الوقت الحالي تحتاج إلى تخصّصات عالية، لكنّهم كتبوا فيها، وكانت كتابات متينةً جداً جداً، فضلًا عن كتابات القرآن الكريم وللعهد القريب ".

وأكّد أن "القرآن الكريم نال حظّاً وافراً من خلال كمٍّ هائل للمخطوطات القرآنية، والحمد لله وفّقنا لإحداث مراكز تُعنى بهذه الأمور، وتستنطق التراث النجفيّ بما يتعلّق بكثيرٍ من العلوم، باعتبار أن النجف مرّت كما قلت بأدوارٍ كثيرة جدّاً، وكثير من المؤلّفين لم يتمكّنوا من طباعة هذه الكتب نتيجة الظروف الصعبة، وخصوصًا الفقر، والحمد لله بعضها حُفِظ، والبعض الآخر للأسف نالته يدُ العدوان والطغيان، آخرها كان في سنة ألف وتسعمائة وواحد وتسعين، عندما استُلِبت مكتبةُ الإمام الحكيم العامّة، وكان البعض من جنود النظام يجعلونها وقوداً لصناعة الشاي أو الطعام".



وثائقيًّا : عدد من أعلام الحوزة العلمية ومؤلفاتهم

شهدت فعاليات اليوم الأول من المؤتمر العلمي الدولي التمهيدي الثاني لإحياء ذكرى ألفية حوزة النجف الأشرف عرض فيلم وثائقي سلّط الضوء على عدد من أعلام الحوزة العلمية في النجف الأشرف ومؤلفاتهم في مختلف المجالات العلمية والمعرفية، مستعرضًا إسهاماتهم في إثراء الحركة العلمية والفكرية.

وتناول الفيلم جهود الهيأة العليا لإحياء التراث واستعداداتها لإقامة المؤتمر، وما بذلته من أعمال توثيقية وعلمية لإبراز التراث الحوزوي والتعريف بإنتاجات أعلامه عبر العصور.
relatedinner


اللجنتان العلمية والتحضيرية

أكدت اللجنتان العلمية والتحضيرية أنّ المؤتمر العلمي الدولي التمهيدي الثاني لإحياء ذكرى ألفية حوزة النجف الأشرف يتناول أربعة قرون من تأريخ الحوزة العلمية في النجف الأشرف.

جاء ذلك في كلمة اللجنتين التي ألقاها مدير المعهد العالي للتراث التابع للهيأة العليا لإحياء التراث في العتبة العباسية المقدسة، الدكتور السيد عبد الحكيم الصافي في ضمن فعاليات المؤتمر

وقال الصافي: إنّ "النجف الأشرف مدينة العلم، وموطن الحكمة، منارة أضاءت دروب المعرفة على امتداد القرون، هنا حيث يرقد أمير المؤمنين (عليه السلام)، تجلت قداسة المكان، وإشراقة المعرفة، وغدت النجف حاضرة علمية استقطبت العلماء، واحتضنت طلاب العلم، وأسهمت في بناء صرح الفكر الإسلامي.

وزاد بقوله : "وفي منعطف تأريخي حاسم، حين عصفت ببغداد الفتن، وتعرض شيخ الطائفة (أبو جعفر الطوسي) للاضطهاد والملاحقة، وأُحرقت مكتبته الكبرى وكرسي التدريس الذي كان قد ثُني له، غادر بغداد متوجهًا إلى النجف الأشرف، ليؤسس فيها مرحلة جديدة من تأريخ الحوزة العلمية، فكانت هذه الهجرة منعطفًا في تأريخ المدرسة الإمامية، إذ انتقل معه مركز الثقل العلمي، وترسّخت في النجف دعائم مدرسة امتد أثرها إلى يومنا الحاضر، وها نحن اليوم نقف على أعتاب ألفية كاملة لنستحضر مسيرة علمية متجددة، حفظت التراث وأغنت المعرفة، وحملت مشاعل العلم جيلاً بعد جيل، ألف عام من العطاء، وألف عام من التأليف والتصنيف، والمباحثة والدرس والتدريس".

وبيّن أنّ "المؤتمر لن يكون خاتمة المطاف ؛ بل هو حلقة في مشروع علمي متكامل، تتبعه فعاليات ومؤتمرات تمهيدية أخرى، وصولاً إلى المؤتمر الرئيس المزمع إقامته في نهاية هذا العام، وقد اُختير له أن يتناول أربعة قرون من تأريخ الحوزة العلمية في النجف الأشرف، (من القرن التاسع إلى الثاني عشر للهجرة)، وهي مرحلة شهدت جهودًا علمية ومعرفية جديرة بالدراسة والتحليل، وأسهم علماؤها في إغناء مختلف ميادين المعرفة الإسلامية".

وأوضح "لقد سعينا عن طريق المؤتمر إلى تسليط الضوء على أعلام هذه القرون، واستجلاء إسهاماتهم، والكشف عن آثارهم العلمية، وإعادة تقديم منجزهم إلى الباحثين والمهتمين بتأريخ الحوزة وتراثها، عبر بحوث توزعت على ستة محاور علمية رئيسة شملت علوم القرآن الكريم والحديث الشريف، والفقه وأصوله، وعلم الكلام، والعلوم العقلية، وعلوم اللغة وآدابها، والعلوم التأريخية والاجتماعية".

وتابع أنّ انعقاد المؤتمر سبقه تنظيم عدد من الندوات العلمية التمهيدية التي استهدفت الأوساط الحوزوية والأكاديمية، وأُقيمت بالتعاون مع المؤسسات المشاركة، في إطار التعريف بالمشروع العلمي للألفية، وتهيئة الأرضية البحثية لدراسة أعلام تلك القرون ومحاور المؤتمر"، مبيّنًا أنّ اللجنة العلمية للمؤتمر تلقت ما يزيد على مئة بحث، خضعت جميعها للتقويم والتحكيم العلمي وفقًا للضوابط المعتمدة، وأسفرت إجراءات التحكيم عن قبول ستين بحثًا، تنوعت موضوعاتها وتعددت مناهجها، وشارك فيها باحثون من العراق ومن خارجه".



إصدارات

شهدت فعاليات المؤتمر الدولي التمهيدي الثاني لإحياء ذكرى ألفية حوزة النجف الأشرف إزاحة الستار عن إصدارات الهيأة العليا لإحياء التراث التابعة للعتبة العباسية المقدسة الخاصة بأعلام حوزة النجف الأشرف من القرن التاسع إلى الثاني عشر للهجرة.

وشارك في إزاحة الستار عن الإصدارات أساتذة البحث الخارج في حوزة قم المقدسة السيد حسين الشهرودي، والسيد أحمد الطباطبائي، والشيخ علي الكرباسي، والشيخ هاشم نيازي.



بحوث اليوم الأول

قدمت في جلسات اليوم الأول عدد من البحوث التي تناولت عددا من رموز الحوزة العلمية في النجف الأشرف ، نوقشت خلالها أربعة بحوث، الأول بعنوان (الابتكار الرجالي عند صاحب المنتقى) لسماحة السيد غيث شبر، والثاني بعنوان (الشيخ محمد بن علي الأردبيلي وكتابه جامع الرواة) لسماحة الشيخ محمد القائيني، والثالث بعنوان (المباني الرجالية عند الشيخ عبد الله بن الحسين التستري – ت1021هـ - عرض وتحليل) لسماحة الشيخ جاسم الفهدي، والأخير بعنوان (تحقيق حول دليل التأسي وهويته ودوره في الاستنباط عند صاحب المدرك) لسماحة الشيخ عباس علي الزارعي السبزواري.

إذ قدم أستاذ الحوزة العلمية في النجف الأشرف السيد غيث شبّر، بحثًا بعنوان: (الابتكار الرجالي عند صاحب المنتقى)، من ضمن الجلسة البحثية الافتتاحية للمؤتمر العلمي الدولي التمهيدي الثاني لإحياء ذكرى ألفية حوزة النجف الأشرف.

وذكر الباحث في ملخص بحثه أنّ الدراسة تتناول مظاهر الابتكار الرجالي عند الشيخ حسن صاحب المعالم في كتابه (منتقى الجمان)، وتهدف إلى بيان خصوصية منهجه في نقد أسانيد الروايات وتمييز الأخبار المقبولة، وإبراز موقع الكتاب في جهود تنقية التراث الحديثي الإمامي في القرن الحادي عشر الهجري.

وأوضح أنّ البحث يعتمد المنهج التأريخي في دراسة عصر المؤلف وبيئته العلمية، والمنهج التحليلي في استقراء مباحثه الرجالية والدرائية، مع دراسة تطبيقية لنماذج من أحاديث الكتاب، وينتظم في ثلاثة محاور.

وبيّن أنّ المحور الأول يتناول البيئة العلمية والسياسية في جبل عامل والنجف الأشرف، وما شهدته من تحوّلات بعد استشهاد الشهيد الثاني، والضغوط العثمانية والهجرة العلمية إلى إيران، وصولًا إلى بروز نفوذ فخر الدين المعني الثاني وما رافق تلك المرحلة من استقرار نسبي ونشاط في التواصل بين الحواضر العلمية.

وبيّن أنّ المحور الثاني يختصّ بتحليل الفوائد الاثنتي عشرة في مقدمة (منتقى الجمان)، للكشف عن تجديداته في علمي الرجال والدراية، فيما يدرس المحور الثالث نماذج من أحاديث المياه والطهارة، لتتبّع كيفية تطبيق المؤلف قواعده النقدية وضوابطه في قبول الخبر، وبيان الصلة بين تأصيله النظري وممارسته التطبيقية.

فيما قدم الباحث الشيخ محمد القائيني من إيران، بحثًا بعنوان: (الشيخ محمد بن علي الأردبيلي وكتابه جامع الرواة)، من ضمن الجلسة البحثية الافتتاحية للمؤتمر العلمي الدولي التمهيدي الثاني لإحياء ذكرى ألفية حوزة النجف الأشرف.

وقال الباحث في ملخص بحثه : إنَّ الشيخ محمد بن علي الأردبيلي (قدّس سرّه) يُعدُّ أحد أعلام علم الرجال، وهو صاحب كتاب (جامع الرواة وإزاحة الاشتباهات عن الطرق والأسناد)، الذي أسهم إسهامًا عظيمًا في معرفة الرواة وتمييز المشتركات وتصحيح أسانيد الأخبار، مبينًا أنَّ مكانة هذا الكتاب _ على الرغم من عظيم أثره _ بقيت خافية على كثيرين، إذ إنَّ السيّد البروجردي (قدّس سرّه) لم يطّلع عليه إلا بعد تأليف عمل يسير على نحو طريقته، وكان بصدد طباعته، فلما عرف (جامع الرواة) عدل عن طباعة تأليفه، وتصدَّى لطباعة الكتاب خدمةً للحديث وإحياءً لآثار السابقين.

وزاد بقوله : إنّ كتاب (جامع الرواة) يمثّل أصلًا وأساسًا للطريقة التي اتَّبعها السيّد الخوئي (قدّس سرّه) في (معجم رجال الحديث)، إذ جمع، مع صغر حجمه، ما ييسِّر للفقيه البحث في أحوال الرواة من حيث الوثاقة والضعف، وتعيين أصحاب الأسماء المشتركة، ومعرفة الطرق وتصحيح الأسانيد المشتبهة.

وأشار إلى أنَّ المؤلّف بيَّن أنَّ عمله يتيح معرفة حال ما يقارب اثني عشر ألف حديث أو أكثر وتصحيحها، بعدما كانت تُعدُّ عند المشهور مجهولة أو ضعيفة أو مرسلة، وأنَّ الناظر في كتابه تظهر له فوائد كثيرة لم تكن تخطر بالبال، وحُكي أنَّ تأليفه استغرق خمسًا وعشرين سنة، وهو ما يتناسب مع طبيعة هذا العمل القائم على استقصاء أسانيد الكتب الأربعة، وإحصاء شيوخ كلِّ راوٍ والرواة عنه، وتعيين الأسماء المطلقة بقرائن التقييد والطبقة وغيرها.

ولفت الباحث إلى أنَّ هذه المراجعة تشمل أكثر من 40 ألف رواية؛ إذ يضمُّ (الكافي) نحو 16 ألف رواية، و(التهذيب) نحو 14 ألفًا، و(الفقيه) نحو 6 آلاف، فضلًا عن روايات (الاستبصار).

وبيّن أنَّ الكتاب جمع أيضًا موادَّ الكتب الرجالية المعروفة في ترجمة كلِّ راوٍ، مع الإشارة إليها بالرموز، الأمر الذي أغنى حجمه الصغير عن مراجعة مصادر كثيرة متفرِّقة، ومن مزاياه المهمّة، بحسب الباحث، تعيين مواضع الروايات بعناوين الأبواب، بما ييسِّر الرجوع إليها مهما اختلفت الطبعات وأرقام المجلّدات والصفحات.

وقدم الباحث الشيخ جاسم الفهدي من العراق بحثًا بعنوان: (المباني الرجالية عند الشيخ عبد الله بن الحسين التستري (ت 1021هـ)/ عرض وتحليل)، من ضمن الجلسة البحثية الافتتاحية للمؤتمر العلمي الدولي التمهيدي الثاني لإحياء ذكرى ألفية حوزة النجف الأشرف.

وذكر الباحث في ملخص بحثه أنّ "علماء الرجال تناقلوا مباني الفاضل التستري وراعوها في الكثير من مباحثهم، اعتمادًا على ما نقله عدد من تلامذته، كالمجلسي الأول والسيد مصطفى التفرشي، متّبعين له في آرائهم وناسبين إليه الكثير من فوائدهم، لما عُرف عنه من اهتمام بالحديث وشؤونه، وهو ما يظهر من شرحه لكتاب (تهذيب الأحكام).

وزاد بقوله : إنّ البحث تتبّع ما حُكي عن الشيخ التستري في كلمات العلماء، وبحث فيما وصل من بعض مصنفاته الخطية، مشيرًا إلى أنّ حصيلة الدراسة تمثّلت في عشرة أبحاث ومقدمة عن حياته، اعتُمد فيها على كتب التراجم.

وبيّن أنّ الدراسة تناولت ما نُسب إلى الشيخ التستري من أقوال، وعرضتها بترتيب يتناسب مع البحوث الرجالية المتأخرة، فبدأت ببحث حجية قول الرجاليين، ثمّ مدرك توصيفاتهم، وعقدت بحثًا بشيء من التطويل عن التوثيقات العامة، لما لها من أثر في جملة من المفردات الرجالية.

وأشار إلى أنّ البحث تعرض إلى آراء الشيخ التستري في بعض الكتب الرجالية، مستعرضًا الأدلة التي اعتُمدت لتشييد هذه المباني ومناقشاتها، ثمّ تناول الآراء المقابلة وحللها بأسلوب ينسجم مع طبيعة البحث ومناسبته.

فيما قدم الباحث الشيخ عباس علي الزارعي السبزواري من إيران، بحثًا بعنوان: (تحقيق حول دليل التأسّي وهويته ودوره في الاستنباط عند صاحب المدارك)، من ضمن الجلسة البحثية الافتتاحية للمؤتمر العلمي الدولي التمهيدي الثاني لإحياء ذكرى ألفية حوزة النجف الأشرف.

وقال الباحث في ملخص بحثه: إنّ الدراسة تتناول مبنى التأسّي بالنبي الأعظم والأئمة المعصومين (صلوات الله عليهم) بوصفه قاعدة أصولية وفقهية يُعتمد عليها في الاستنباط، مبينًا أنّه سعى إلى توضيح رأي السيد العاملي (صاحب المدارك) في هذه القاعدة وتطبيقاتها.

وأوضح أنّ البحث قُسم على أربع جهات، تناول في الأولى تحديد هوية التأسّي، وما إذا كان موضوعًا أصوليًّا أم فقهيًّا، مبيّنًا أنّ ذلك يختلف باختلاف جهة البحث، وفي الجهة الثانية أوضح المراد من التأسّي، والمتأسّى به، والمتأسّى فيه، مستعرضًا أقسام أفعال النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله).

وبيّن أنّ الجهة الثالثة استعرضت أقوال العلماء ومرام صاحب المدارك، القائل باستحباب التأسّي فيما لا يُعلم وجهه وجوبًا، فيما تناول في الجهة الرابعة مقتضى التحقيق المستند إلى الآيات والروايات.

وخلص الباحث إلى أنّ التأسّي بالمعصوم واجب مطلقًا فيما عُلم وجهه وصورته من الأفعال والتروك، ولا دليل على وجوبه أو استحبابه فيما لم يُعلم وجهه، خلافًا لما ادّعاه صاحب المدارك من الاستحباب.



تكريم المشاركين في فعاليات اليوم الأول

شهدت فعاليات اليوم الأول من المؤتمر الدولي التمهيدي الثاني لإحياء ذكرى ألفية حوزة النجف الأشرف، تكريم الباحثين واللجان المنظمة والجهات المشاركة، تقديرًا لجهودهم.

وشارك في التكريم الأستاذ في الحوزة العلمية بالنجف الأشرف سماحة العلامة السيد أحمد الصافي، وعضو مجلس إدارة العتبة العباسية المقدسة السيد ليث الموسوي.



فعاليات اليوم الثاني

استُؤنفت صباح يوم الجمعة، الموافق 23 تشرين الأول/أكتوبر 2026، فعاليات اليوم الثاني من المؤتمر العلمي الدولي التمهيدي الثاني لإحياء ذكرى ألفية حوزة النجف الأشرف، الذي أُقيمت جلساته في جامعة الكفيل.

وتضمّن برنامج اليوم الثاني عقد جلستين بحثيتين صباحيتين؛ خُصّصت الجلسة الأولى لمناقشة خمسة بحوث علمية من ضمن محور علم الفقه وأصوله، فيما تناولت الجلسة الثانية خمسة بحوث أخرى في محور علم الكلام والعلوم العقلية، في إطار تسليط الضوء على النتاج العلمي والمعرفي لحوزة النجف الأشرف وإسهامات أعلامها في هذه المجالات.



بحوث اليوم الثاني

شهدت فعاليات اليوم الثاني جلستين بحثيتين مسائيتين، الجلسة الأولى اشتملت على مناقشة 4 بحوث في محور علوم القرآن واللغة العربية، أمّا الجلسة الثانية فتضمنت مناقشة 4 بحوث من ضمن محور علوم الحديث، لتُختتم الفعاليات بتكريم الباحثين والجهات المنظمة والمشاركة.

إذ ناقش الباحث سماحة السيد علي محمد حسين الحكيم من العراق، بحثًا بعنوان: (صلاة النافلة في وقت الفريضة والقضاء في مبنى صاحب المدارك).

وتناول هذا البحث دراسة مبنى المحقق السيد محمد صاحب المدارك (قدس سره) في حكم جواز الإتيان بالنافلة في وقت الفريضة، وكذلك حكم الإتيان بها ممّن تكون في ذمته فريضة فائتة يجب عليه قضاؤها، مع بيان أدلته ومستنداته الفقهية، وتحليل الأسس التي ابتنى عليها رأيه في هاتين المسألتين.

وتطرق البحث إلى موقف المحدث الشيخ يوسف البحراني، صاحب الحدائق الناضرة (قدس سره) من مبنى صاحب المدارك، وما أورده عليه من مناقشات وإشكالات تتصل بمدى جواز التنفّل بالصلاة في الموردين المذكورين.

فيما ناقش الباحث سماحة الشيخ فاضل الحلي من العراق بحثًا بعنوان (منهج الشيخ خضر الرازي الحبلرودي في كتابه - مفتاح الغرر في شرح الباب الحادي عشر - دراسة وصفية تحليلية مقارنة).

ودرس الباحث منهج الشيخ خضر بن محمد بن علي الرازي الحبلرودي في كتابه (مفتاح الغرر في شرح الباب الحادي عشر)، بوصفه أحد الشروح الكلامية المهمّة التي كتبت على متن الباب الحادي عشر للعلّامة الحلي؛ بهدف الكشف عن الأسس المنهجية التي اعتمدها الشيخ خضر في بناء شرحه، وبيان خصائص معالجته للمسائل الكلامية، وموقعه في ضمن مسار تطور الشروح الإمامية لهذا المتن، مع إفراد جانب من الدراسة لبحث ملاحظاته النقدية على الفاضل المقداد السيوري في النافع يوم الحشر؛ لما تمثله تلك الملاحظات من نافذة مهمة لفهم شخصيته العلمية وآلياته في البحث والمناقشة.

واعتمد الباحث في بحثه المنهج الوصفي التحليلي المقارن، عن طريق استقراء مباحث الشرح وتتبع طرائق المؤلف في عرض المسائل الكلامية وتقريرها، وتحليل أدواته في الاستدلال والاحتجاج، ورصد مصادره العلمية وموقفه منها، فضلًا عن مقارنة آرائه في الموارد المشتركة بما ورد في شرح الفاضل المقداد، للكشف عن مواطن الاتفاق والافتراق بين الشارحين.

وقد أظهرت الدراسة أنّ الشيخ خضر الرازي انتهج في شرحه منهجًا علميًّا يقوم على العناية بتحرير محل النزاع، والاهتمام بالتعريفات والاصطلاحات، والاستناد إلى البرهان العقلي في تقرير المسائل الكلامية، مع الإفادة من الموروث الكلامي الإمامي السابق ومناقشة آرائه مناقشة نقدية، موظّفًا لقواعد فنّ المناظرة لأجل ذلك.

واتسم شرح الشيخ خضر بالنزعة التحليلية؛ إذ لم يقتصر على شرح ألفاظ المتن وبيان مقاصده ؛ بل سعى إلى استكمال المقدمات العلمية، وتوضيح وجوه الاستدلال، والإجابة عن الإشكالات المحتملة، مع توظيف المعطيات المنطقية في تنظيم البحث وتقوية نتائجه.

وفيما يتعلّق بتعقباته على الفاضل المقداد، تبيّن أنّ جانبًا مهمًّا منها يندرج من ضمن اهتمامه بضبط الصناعة الكلامية وتحقيق مبانيها، ولا سيّما في مجال تقرير الأدلة العقلية وتحرير الحدود والمصطلحات، ويكشف ذلك عن أنّ الشيخ خضر كان يتعامل مع الشروح السابقة بروح علمية نقدية تسعى إلى المراجعة والتكميل أكثر من سعيها إلى مجرد الاعتراض أو المخالفة.

وتخلص الدراسة إلى أنّ مفتاح الغرر يمثل نموذجًا متقدمًا للشرح الكلامي الإمامي في القرن التاسع الهجري، وأنّ الشيخ خضر الرازي أسهم بوساطته في تطوير آليات البحث الكلامي وتعميق مناهجه، جامعًا بين الشرح والتحليل والنقد، بما يجعل دراسته ضروريّة لفهم تطور الفكر الكلامي الإمامي ومناهج شرح الباب الحادي عشر في تلك الحقبة.

كما قدم الباحث الشيخ علي ياسين العمار من لبنان، دراسة بحثية بعنوان: (التزاحم بين الواجب الموسّع والواجب المضيّق وأثره في صحة العبادة بحث تحليلي مقارن بين المحقق الكركي والمحققين النائيني والخوئي -قدس سرهم-).

وقال العمار في ملخص بحثه: إنّ "البحث تناول مسألة ما قيل من حصول التزاحم بين الواجب الموسّع والواجب المضيّق، وأثرها في صحة العبادة عن طريق دراسة تحليلية مقارنة لآراء المحقق الكركي والمحقق النائيني والمحقق الخوئي (قدس سرهم) وقد بدأت البحث بتحرير محل النزاع، وبيان أنّ البحث لا يدور حول أصل تقديم الواجب المضيق، وإنما حول بقاء فعلية الأمر بالواجب الموسّع عند مزاحمته للمضيّق، وإمكان تصحيح العبادة الواقعة في ظرف المزاحمة".

وأضاف أنّ "البحث استعرض نظرية المحقق الكركي القائمة على أنّ الأوامر تتعلق بالطبائع لا بالأفراد، وأنّ القدرة على الجامع كافية في صحة التكليف، فلا مانع من اجتماع الأمرين معًا، وما يترتب على ذلك من صحة العبادة إذا انطبقت عليها الطبيعة المأمور بها، مع ظهور ثمرة عملية في مسألة اقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن ضده".

وبيّن أنّ "البحث ناقش اعتراضات المحقق النائيني الذي بنى رأيه على اختصاص التكليف بالحصة المقدورة، مما يوجب خروج الفرد المزاحم عن متعلق الأمر، والنتيجة انتفاء صحة العبادة بالأمر الفعلي، مع إمكان تصحيحها بقصد الملاك عند إحرازه، وعرض الباحث مناقشات متعددة للمحقق الخوئي خاصة بهذا المبنى، سواء أتعلقت بحقيقة التكليف، أم في تعلق الأمر بالطبيعة، أم في مسألة الإطلاق والتقييد.

وأوضح أنّ "البحث انتهى إلى أنّ تلك الاعتراضات لا تنهض لإبطال مبنى المحقق الكركي، فضلا عن كون صورة الواجب الموسّع والواجب المضيّق لا تدخل حقيقة في باب التزاحم، لتمكن المكلف من امتثال كلا التكليفين في ضمن الوقت، وأنّ كثيرًا من نتائج النّزاع ترجع في حقيقتها إلى اختلاف المباني الأصولية في القدرة، ومتعلق الأمر، والإطلاق والتقييد، لا إلى أصل تحقق التزاحم، الأمر الذي يكشف عن عمق الارتباط بين هذه المسألة وسائر المباحث الأصولية المؤثرة في عملية الاستنباط".

فيما ناقش الباحث سماحة الشيخ سلام الناصري من العراق بحثًا بعنوان (المنهج العلمي لدى المحقق الشيرواني في حاشيته على حاشية الخفري وشرح القوشجي).

وتناول الباحث ما سلكه المحقق الشيرواني مستقصيًا ـ قدر ما يسمح به سعة البحث - نكته التدقيقية والتفاتاته التحقيقية في محاكمة المطالب القوشجية والخفرية - التي علق عليه نقضًا وإبرامًا وتأييدًا وإحكامًا، معتمدًا في كل ذلك على المنهج التحليلي النقدي.

وتضمّن البحث مقدمة وفصلين وخاتمة، شمل الفصل الأوّل التعريف بالمحقق الشيرواني ومصادر حاشيته، وتكون من ثلاثة مطالب: أولها في السيرة الذاتية والعلمية للمدقق الشيرواني (رحمه الله)، وثانيها في التعريف بحاشيته على حاشية الخفري والشرح الجديد، والثالث في بيان التعريف بحاشية الخفري وشرح القوشجي.

وشمل الفصل الثاني منهج المحقق الشيرواني في الحاشية، دراسة تحليلة نقدية، وتألف من ثلاثة مباحث، هي: الأوّل المنهج العلمي المتبع في الحاشية، والثاني في المنهج النقدي للشيرواني، والأخير من المباحث في تقويم منهج المحقق الشيرواني.

الباحث سماحة الشيخ محمد حسين جلوس قدم دراسة بعنوان (مع المحقِّق الكركي في ولاية الأب على نكاح البالغة الرشيدة).

وقال جلوس "يتناول بحثي الموسوم بـ (مع المحقِّق الكركي في ولاية الأب على نكاح البالغة الرشيدة) دراسة استدلالية لإحدى أهمِّ المسائل الفقهية، جاعلًا من تنقيح المحقِّق الكركي في (جامع المقاصد) محورًا للبحث"، مبينًا "سعيتُ في هذه الدراسة إلى تحرير محلِّ النزاع بدقَّة، موضِّحًا معاني الولاية، والباكرة، والرشيدة، وتأسيس الأصل العملي في المسألة".

وبيّن أنه "قسّم البحث على عرض ومناقشة الأقوال الخمسة التي أوردها الكركي، مع إضافة أقوال أخرى كالتخيير والتشريك فاستعرضتُ القول بسقوط الولاية واستقلال البنت (وهو الأصحُّ عند الكركي والمشهور)، والقول بولاية الأب والجدِّ دونها، والقول بالتشريك، والقول بجواز تفرُّدها بالمتعة دون الدوام، والقول بعكسه".

وأوضح "خلصتُ بعد مناقشة الأدلّة من الآيات والروايات المتعارضة والوجوه الاستدلالية إلى أنَّ المسألة من عويصات الفقه لتعارض أخبارها وانتهيتُ إلى أنَّ أحوط الأقوال وأبرأها للذمَّة في هذه المسألة الخطيرة المتعلّقة بالفروج والأنساب هو القول بالتشريك ؛ فيجمع العقد بين إذن البنت البالغة الرشيدة وإذن وليها".

فيما قدّم الباحث الشيخ مهند غازي العُقابي من العراق، بحثًا بعنوان (الائتلاف والاختلاف في الأمّة الإسلامية: أسبابهما ونتائجهما كتاب (ضياء العالمين) للعلّامة الفتوني أنموذجًا، دراسة وصفية تحليلية.

وقال الباحث في الملخّص إنَّ: البحث يسعى لبيان نظريّة العلّامة أبي الحسن محمّد طاهر الفتوني العاملي (رحمه الله) في ظاهرة الاختلاف عن طريق كتابه (ضياء العالمين)، واستقراء تسلسل مباحثه للوصول إلى تصوّرٍ متكامل لأسباب الاختلاف ونتائجه وسبل معالجته، منطلقًا من كون الاختلاف مسارًا يبدأ بتفاوت الطبائع والأفهام، ثمّ يتحوّل إلى تباينٍ في المناهج والمرجعيات، لينتهي بالتفرّق وتكوين الفرق.

وبيّن، أن الفصل الأوّل من البحث تناول أصل الصراع في الأمّة الإسلامية وما إذا كان سياسيًّا أم دينيًّا، فيما تناول الفصل الثاني بيان رؤية الفتوني للاختلاف وأسبابه وآثاره وسبل معالجته.

ولفت الباحث إلى أنَّ البحث انتهى إلى نتائج محدّدة، تبيّن أنّ العلّامة الفتوني يميّز بين التغاير الطبيعي في الآراء والاختلاف المذموم المؤدّي للتفرّق، ويرجع الاختلاف الديني إلى خللٍ في منهج الاستدلال والمعرفة، عادًّا اتّباع الظنّ والرأي والقياس والتفسير بالرأي من أسبابه المهمّة، وجاعلًا مُحكَمات الكتاب وثوابت السنّة معيارًا للحجّية وضابطًا للاختلاف، ويربط الاختلاف بإضلال الشيطان وإثارة الشبهات بالتعاضد مع الاستكبار والحسد والهوى، ويعدّه امتدادًا لاختلاف الأمم السابقة كاليهود والنصارى.

وبيّن أنّ الفتوني يجعل من قضيّة المرجعيّة بعد النبي (صلّى الله عليه وآله)، لا سيّما الإمامة، المحور الرئيس للانقسام الإسلامي، وأنّ علاج الاختلاف يكمن في إعادة الأمّة إلى المرجعيّة الشرعيّة، وترك الظنّ والقياس والرأي المنفصل عن الحجّة، وتحقيق التسليم للحقّ.

وقدم الباحث السيّد محمّد جعفر الحكيم دراسة بعنوان (السيّد فيض الله الحسيني التفرشي ت: 1028هـ/ دراسة في منهجه ومبانيه في كتابه -النور القمرية-).

وذكر الباحث في ملخص بحثه أن "السيّد فيض الله التفرشي (ت 1025هـ) من علماء النجف الأشرف، سكنها ودرَّس فيها ودُفن فيها وتتلمذ على يد المحقّق الأردبيلي وكان من خواصِّه، ومع ذلك بقي من الأعلام المغمورين، ولم يصل إلينا من تراثه الفقهي الاستدلالي، إلّا شرحه على رسالة صاحب المعالم في الصلاة المسمَّاة بالاثني عشرية واسم شرحه (النور القمرية)".

وبين أنَّ " هذا البحث يتناول الكتاب بدراسة وصفية تحليلية تكشف منهج مؤلّفه ومبانيه، في مبحثين: يعرض المبحث الأوَّل المعالم الفقهية في ثلاثة مطالب: الأوَّل في خصائص الكتاب: فهو شرح مزجي توسُّعي ألّفه المصنِّف في حياة الماتن، وعني فيه بالبحث اللغوي وعلم الرجال، أما الثاني في السمات العامّة لمنهجه: فقد تمثّل منهجه بالوقوف عند النصّ، والإكثار من الأدلّة اللبّية ولا سيّما مداومة المعصومين (عليهم السلام)، وسلوك مسلك المشهور، والتأثّر بالمدرسة الإخبارية مع كونه أصوليًّا، والميل إلى الاحتياط، وضمّ الإجماع المنقول إلى أصالة العدم."

وتابع أن "الدراسة تنتهي إلى أنّ التفرشي فقيه محتاط، ملتزم بالنصِّ، يعتني بالشهرة، ويسير على طريقة الأصوليين مع نزعة نصِّية ظاهرة، وهي نتيجة تدعو إلى تحقيق كتابه ودراسته".

وقدّم الباحث الشيخ عبد الناصر السهلاني من العراق، بحثًا بعنوان (آية الولاية ودلالاتها في ضوء كتاب "ضياء العالمين في بيان إمامة الأئمّة المصطفين" للعلّامة الفتوني الشريف أبي الحسن محمّد بن طاهر العاملي -رحمه الله).

وقال الباحث في الملخّص إن: البحث تناول آية الولاية، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾، ودلالتها على إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام)، وذلك في ضوء ما عرضه العلّامة الشريف أبو الحسن محمّد بن طاهر العاملي، المعروف بالعلّامة الفتوني (رحمه الله)، في كتابه ضياء العالمين في بيان إمامة الأئمّة المصطفين.

وبيّن أن البحث انقسم على مبحثين: تناول الأوّل روايات نزول الآية في أمير المؤمنين (عليه السلام)، مع بيان ما ذكره العلّامة الفتوني (رحمه الله) من كثرة طرقها وتواترها معنى، وورودها في مصادر الفريقين، وذكر عددٍ من الرواة والناقلين لها ، وعُرضت الرواية المشهورة التي تذكر تصدّق أمير المؤمنين (عليه السلام) بخاتمه على السائل وهو راكع، مع بيان اختلاف ألفاظ الروايات وتفاصيلها، وكيفية معالجة العلّامة الفتوني لهذا الاختلاف باحتمال تعدّد النزول أو رجوع الاختلاف إلى الرواة، وتناول الثاني دلالة الآية على الإمامة والشبهات الواردة عليها.

وأشار إلى أن المصنِّف استند في إثبات الدلالة إلى ثلاثة أمور رئيسة: خصوصية الأوصاف الواردة في الآية، وتحديد معنى (الولي) بالأولى بالتصرّف وتدبير الأمر، وثبوت نزول الآية في أمير المؤمنين (عليه السلام) ، واستشهد بالسياق القرآني والشواهد اللغوية والروائية لإثبات أنّ المراد بالولاية ليس مجرّد المحبّة أو النصرة ؛ بل الولاية التي تقتضي الإمامة ووجوب الطاعة.

ولفت الباحث إلى أن البحث ناقش أبرز الشبهات، ومنها استعمال صيغة الجمع مع إرادة شخصٍ واحد، والتعبير عن الصدقة بالزكاة، والإشكال المتعلّق بالتصدّق أثناء الركوع، وبيّن الأجوبة التي ذكرها العلّامة الفتوني عن تلك الشبهات.

وبيّن أنّ آية الولاية بمجموع سياقها القرآني وروايات نزولها والشواهد اللغوية والروائية، تمثّل دليلًا مهمًّا على إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام)، وتكشف عن منهج المصنّف القائم على تكامل الأدلّة وعدم الاقتصار على دليلٍ منفرد.

فيما ناقش الباحث الشيخ أحمد الرماحي من العراق: بحثًا بعنوان: (الميرزا محمد بن علي الأسترآبادي - ت1028 هـ - دراسة في منهجه الفقهي وأهم مبانيه).

وتناول الباحث في بحثه المنجزات العلمية الفقهية للميرزا محمد بن علي الأسترابادي، ويشتمل البحث على مبحثين: الأوّل يسلط الضوء على مؤلفات الشيخ الأسترابادي الفقهية، وقد اختص الكلام فيه عن مؤلفه الوحيد في الفقه الموسوم بـ (آيات الأحكام).

وتطرق الباحث إلى جوانب متعددة من الكتاب وأهم السمات العامة في منهجية الشيخ الأسترابادي التفسيرية والفقهية، فالتفسيرية كانت نتائج منهج الشيخ الأسترابادي في تعاطيه مع الآيات القرآنية وطبيعة البحث يشابه ما عليه المنهج العام في الكتب المصنفة في هذا الفن، من حيث أخذه وتعاطيه مع الآيات القرآنية، ومحاولة استنطاقه للنصوص الشريفة وبيان المرادات الجدية منها، فضلاً عن التركيز على النكات الأدبية، والاستعانة بالقواعد العربية النحوية والصرفية والبلاغية، وكذلك توظيف السنة النبوية والروايات الواردة عن الأئمة المعصومين (عليهم السلام) في مختلف الجوانب البحثية، فضلاً عن اعتماده القواعد الأصولية واستناده إليها بالخصوص تلك المتعلقة بمباحث الألفاظ، كالعام والخاص، والمطلق والمقيد، وصيغة الأمر والنهي، المفاهيم وغيرها من المباحث اللفظية الأصولية.

وأما الجانب الفقهي في هذا الكتاب فهو أكثر أهمية ممّا تقدم، بحكم أنّ المدار حول المنجز الفقهي بالخصوص، ويمكن اختصار أهم وأبرز ما توصلنا إليه: بأنّ كتاب (آيات الأحكام) يمثل عصارة المنجز الفقهي للشيخ الأسترابادي، وقد حذا فيه على طريقة علمائنا الإمامية في هذا الفن، ولا سيّما شيخه وأستاذه المولى المقدس أحمد الأردبيلي، فكان لهذا الأخير الأثر البارز في منهج الميرزا الأسترابادي وطريقته في كتابه هذا، فلم يفتأ عن النظر إلى شيخه، وتمحيص كلماته، والتعليق عليها، ونقضها ؛ بل استعان في بعض الأبحاث بكلمات شيخه عينها، مما أوجب الاشتباه بنسبة بعض النسخ الخطية لهذا الكتاب للمولى الأردبيلي.

وتطرق الباحث إلى الاختلافات الفقهية بين المذاهب والفرق الإسلامية، والتصدي لنقض أدلة القوم وإبرامها، فضلاً عن التصدي للإجابة على ما أورده علماؤهم من اعتراضات وإشكالات على أدلتنا، والشيخ الأسترابادي لا يسعى إلى تحقيق المسألة الفقهية أكثر من تركيزه على ما يمكن استفادته من الآية الكريمة، فهو يسعى إلى الوصول لنقطة مركزية في أبحاثه وهي: هل أنّ دلالة هذه الآية على هذا الحكم الشرعي تام أم لا؟ وهل ظاهر هذه الآية كذا أو كذا؟

وأمّا المبحث الثاني فسلط الضوء على جملة من الآراء والمسالك الفقهية المهمة للشيخ محمد بن علي الأسترابادي، ووقفنا فيه على ما يزيد عن 16 مسألة خالف المشهور فيها، أبرزها: عدم نجاسة الخمر، حرمة ذبائح المخالفين، حرمة الغيبة مطلقًا للمؤمن وغيره، القول بوجوب النكاح في زمانه وجوبًا عينيًّا، اعتبار الإيمان بالمعنى الأخص في الرقبة المحررة، كفر المرابين، وغيرها.

الباحث الشيخ عبد الغني إبراهيم جابر، قدم بحثًا بعنوان: (الجهود التفسيرية للشيخ فخر الدين الطريحي (قدس سره): دراسة في منهج فهم النص القرآني بين اللغة والحديث في المدرسة النجفية ـ القرن الحادي عشر للهجرة).

وذكر الباحث في ملخص بحثه أنّ الشيخ فخر الدين الطريحي (ت 1085هـ) اعتمد منهجًا تفسيريًّا يجمع بين التحليل اللغوي، عبر الاشتقاق والمعاجم، والتفسير الروائي عبر توظيف الأحاديث والروايات المأثورة، ممّا أسهم في تعزيز قدرة المدرسة النجفية على تقديم تفسير يجمع بين الدقة اللغوية والعمق الروائي.

وبيّن أنّ البحث تناول البيئة العلمية والفكرية للشيخ الطريحي ودور النجف الأشرف في تكوين شخصيته العلمية ومنهجه التفسيري، فضلا عن دراسة مؤلفاته التفسيرية والحديثية، ومنها (مجمع البحرين) و(المنتخب) و(جامع المقال)، مسلّطًا الضوء على منهجه في الجمع بين اللغة والحديث، وأثره في معاصريه والباحثين اللاحقين.

وزاد بقوله : إنّ الدراسة تناولت أبرز نقاط القوة والضعف في منهج الشيخ الطريحي، الذي تميّز بالدقة والرصانة، مع الإشارة إلى محدودية الاعتماد الواسع على المصادر التقليدية، مبينًا أنّه مثّل حلقة وصل بين التراث اللغوي والروائي، وأسهم في بناء مدرسة تفسيرية متينة، الأمر الذي يجعله مرجعًا مهمًا في الفكر التفسيري النجفي.

وخلص البحث إلى ضرورة تطوير منهج الشيخ الطريحي عبر الإفادة من أدوات الدراسات الحديثة في اللغة والحديث، وإعادة تحقيق مؤلفاته ونشرها، فضلا عن تعزيز الدراسات المقارنة لإبراز خصوصية المدرسة النجفية، وتوسيع دائرة البحث في التفسير الروائي مع مراعاة النقد العلمي للروايات.

فيما قدَّم الباحث سماحة السيِّد علي الرضا الحسيني الشيرازي من إيران بحثًا بعنوان: (دور الحسن بن زين الدين في كشف علل أسانيد تهذيب الأحكام وإراءته العلاج المثمر).

وبيَّن الباحث في ملخص بحثه أنَّ اعتبار الحديث وإمكان الحكم بحجِّيَّته، على وفق مباني المتأخّرين، يتوقّف على إحراز صحّته أو حسنه أو توثيقه، بحسب اختلاف المباني في شروط هذه المصطلحات، ويتوقّف على سلامة عنوان الراوي من التصحيف، واتّصال السند، وخلوّه من الزيادة والنقيصة المخلّين بسلامة الارتباط بين الرواة، ومعرفة هوية الراوي؛ ليتسنّى الفحص عن وثاقته أو ضعفه أو إهماله، فضلاً عن معرفة صحّة مذهبه أو فساده.

وأوضح أنّ الأسانيد الواردة في الكتب الحديثية قد تواجه بعض المشكلات التي تخلّ بمعرفة حقيقتها، فتؤدّي إلى الحكم عليها بخلاف الواقع، فيُحكم على السند المعتبر بعدم الاعتبار، أو ينعكس الأمر، مشيرًا إلى أنّ أسانيد الأحاديث الواردة في كتاب تهذيب الأحكام ليست مستثناة من هذه الظاهرة.

وبيّن أنَّ من أبرز من اهتمّ بكشف هذه العلل، وإزاحة الستار عن أدلّة وقوعها، الحسن بن زين الدين رحمه الله تعالى في كتابه القيّم (منتقى الجمان في الأحاديث الصحاح والحسان)، مبيّناً أنّ البحث تناول هذه العلل والعوامل الرئيسة الموجبة لها في رأيه، مع الإشارة إلى دور الشيخ الطوسي في وقوع بعض تلك العوامل.

وخلص البحث إلى أنّ معالجة هذه الاختلالات، بالاستناد إلى القرائن التي عرضها الحسن بن زين الدين، تسهم في استعادة الصورة الصحيحة لأسانيد تهذيب الأحكام، وتمييز الأسانيد المعتبرة من غيرها، بما يعزّز دقّة التقويم الرجالي وقيمة الموروث الحديثي.

فيما قدّم الباحث سماحة الشيخ حبيب زعتر بحثًا بعنوان: (الاشتراك الرجاليّ وحلوله في فكر صاحب المدارك).

وقال الباحث في ملخص بحثه إنّ المشترَك الرجالي يُعدّ من أبرز الإشكالات التطبيقية في علم الرجال ونقد الأسانيد عند الإمامية، موضحاً أنّه يتعلّق بتعدّد الرواة الذين يشتركون في الاسم أو الكنية أو اللقب، بما يجعل تعيين المراد منهم في السند متوقّفًا على القرائن والضوابط العلمية.

وبيّن أن البحث تناول مفهوم المشترَك الرجالي، وتتبّع نشأة هذا المبحث وأسباب ظهوره، مع عرض أهمِّ الوسائل التي اعتمدها علماء الرجال في تمييز الرواة المشتركين، ثم استقرأ موارد تناول السيّد محمّد بن علي العاملي، المعروف بصاحب المدارك، لهذه الظاهرة في كتابيه مدارك الأحكام ونهاية المرام، محلّلًا أحكامه النقدية والقرائن التي اعتمدها في الترجيح أو التوقّف.

وأوضح أنَّ صاحب المدارك انتهج منهجًا علميًّا منسجمًا يقوم على التوقّف عند عدم وجود قرينة مميّزة، وعدم الحكم باعتبار الرواية لمجرّد احتمال إرادة الثقة، مع اعتماده على جملة من القرائن العلمية عند إمكان التمييز، وفي مقدّمتها المشايخ والتلامذة، والطبقات، ومقارنة الأسانيد، وسائر القرائن.

وخلص البحث إلى أنّ معالجة المشتركات تمثّل جانبًا أصيلًا من المنهج الرجالي لصاحب المدارك، وتعكس تطبيقًا عمليًّا متقدّمًا لقواعد نقد الأسانيد في المدرسة الإماميّة، بما يسهم في ضبط الحكم على الروايات وتمييز موارد الاعتبار من موارد التوقّف.

وقدم الباحث الدكتور عامر نايف حسن من العراق دراسة بعنوان: (المنهج الاستدلالي للشيخ أحمد الجزائري في كتابه قلائد الدرر في بيان آيات الأحكام بالأثر: كتاب الجهاد أنموذجًا).

وتناول الباحث موضوع الجهاد في القرآن الكريم عبر دراسة تطبيقية في كتاب قلائد الدرر في بيان آيات الأحكام بالأثر للشيخ أحمد بن إسماعيل الجزائري، إذ يُعد هذا الكتاب أحد أبرز المؤلفات في تفسير آيات الأحكام على وفق المنهج الإمامي.

ويهدف البحث إلى تحليل منهج المؤلف في تفسير آيات الجهاد، وبيان كيفية استنباط الأحكام منها، مع تقديم تطبيقات عملية توضح منهجه في الاستدلال.

أما الباحث الأستاذ الدكتور علي كاظم محمد علي المصلاوي من العراق، قدم بحثًا بعنوان: (منهج الطريحي في بناء المجلس الحسيني في كتابه المنتخب: دراسة في البنية الخطابية وآليات التأليف).

وقال الباحث في ملخص بحثه: إنّ أهمية البحث تنبع من الكشف عن المنهج التأليفي الذي اعتمده الشيخ فخر الدين الطريحي في بناء المجلس الحسيني، وبيان كيفية تحويله المادة الدينية والتأريخية والأدبية المتنوعة إلى خطاب منبري متكامل، مشيرًا إلى أنّ البحث يتناول الأسس التي حكمت ترتيب هذه المادة، وما إذا كان كتاب (المنتخب) مجرد جامع للروايات والمراثي، أم يمثل مشروعًا واعيًا في بناء المجلس الحسيني وتقنين بنيته الكتابية.

وبيّن أنّ البحث اعتمد المنهج الوصفي التحليلي والاستقرائي في قراءة مجالس (المنتخب) وتحليل بنيتها وعلاقات عناصرها، متناولًا الشيخ فخر الدين الطريحي وكتابه ومكانته بين كتب المجالس، فضلا عن فلسفة التأليف وغاية الكتاب، ومصادر بناء المجلس، وهندسة المجلس وترتيب مادته، وحضور المؤلف وبناء الخطاب.

وبيّن أنّ البحث يهدف إلى الكشف عن منهج الشيخ الطريحي في تأليف مجالسه، وبيان مركزية المجلس بوصفه وحدة البناء الرئيسة في (المنتخب)، وتحليل طرائق توظيف القرآن والحديث والرواية والتأريخ والشعر، والكشف عن آليات الانتقال بينها، وإبراز حضور المؤلف بوصفه خطيبًا وواعظًا وموجهًا، فضلا عن بيان الخصائص التي جعلت الكتاب نموذجًا مؤثرًا في التأليف المنبري الحسيني.

وخلص البحث إلى أنّ الشيخ الطريحي لم يكن مجرد جامع للنصوص ؛ بل كان مؤلفًا للمجلس ومهندسًا لبنيته الخطابية، وأنّ ترتيب مادته يقوم على تدرج وظيفي ينقل المتلقي من المعرفة إلى التأثر، ثم إلى المشاركة الشعائرية، وكشف البحث عن أنّ (المنتخب) يمثل نموذجًا تأسيسيًّا في تقنين المجلس الحسيني المكتوب، أسهم في التأثير في المؤلفات والمجالس اللاحقة، وأنّ وصفه بالمقتل لا يستوعب طبيعته التأليفية التي تكشف عنها بنيته الداخلية وتنوع مادته ووظيفته المنبرية.

فيما قدّم الباحث سماحة الشيخ وليد العامري من العراق بحثًا بعنوان: (أصحاب الإجماع عند متأخِّري الأعلام - وبالخصوص مدرسة المقدّس الأردبيلي – عرض وتحليل).

وبين الباحث في ملخص بحثه أنَّ البحث يتناول دراسة وتحليل أصحاب الإجماع الرجالية، وتتُّبع مسار فهمها لدى متأخِّري الأعلام، ولا سيَّما في مدرسة المقدَّس الأردبيلي في النجف الأشرف، مع تسليط الضوء على أهمِّ الأقوال في تفسير عبارات الكشّي الثلاث، وبيان وجهها الفنّي وتقييمه.

وأوضح أنَّ البحث استعرض ثلاثة أقوال رئيسة؛ أوّلها تخصيص الإجماع بتصديق وتوثيق الرواة المذكورين فقط، وثانيها، المنسوب إلى المشهور، القول بصحَّة مضمون الرواية بمجرَّد صحّة السند إليهم، من دون الالتفات إلى من بعدهم، وثالثها القول بوثاقة أصحاب الإجماع ووثاقة من يروون عنهم إلى المعصوم (عليه السلام).

وبيّن أنَّ البحث رجَّح القول الثالث، مدعِّمًا ذلك بحساب الاحتمال عبر إحصاء استقرائي لمرويات أصحاب الإجماع في العبارتين الثانية والثالثة من عبارات الكشّي، في الكتب الأربعة، إذ أثبتت الدراسة ضآلة روايتهم عن الضعفاء، بما يورث الاطمئنان بكونهم لا يروون ولا يرسلون إلّا عن ثقة، ليكون هذا الاستقراء دافعاً للاستبعادات الواردة ومثبتًا لشمول التوثيق لمن يروون عنهم.

وخلص البحث إلى ترجيح شمول التوثيق لمن يروي عنهم أصحاب الإجماع إلى المعصوم (عليه السلام)، استنادًا إلى القرائن الرجالية والاستقراء التطبيقي لمروياتهم، بما يعزّز القيمة العلمية لهذه القاعدة في تقويم الأسانيد وفهم الموروث الحديثي الإمامي.

وقدم الباحث الأستاذ الدكتور عباس علي الفحام من العراق بحثًا بعنوان: (ديوان السيد صادق الفحام الأعرجي (ت1205هـ) وثيقة تأريخ وإبداع).

وذكر الباحث في ملخص بحثه أنّ البحث يتناول التراث الشعري لهذا العلم النجفي البارز في القرن الثاني عشر الهجري، ويسعى إلى الكشف عن القيمة الفنية والوثائقية لديوانه المخطوط، الذي زاحم فيه أساطين العلم والأدب.

وبيّن أنّ البحث انقسم على مبحثين؛ تناول في الأول الأهمية الأدبية للديوان، عبر دراسة المدائح والمراثي لأهل البيت (عليهم السلام)، والوقوف على توظيف الشاعر المكثف لفنون البديع، فيما خُصص المبحث الثاني لدراسة التوثيق التأريخي في الديوان، عبر استعراض توثيقه الحوزوي لأحداث المرجعية وأعلامها، كالسيد بحر العلوم، وتوثيقه لعمارة المراقد المقدسة، فضلا عن توثيقه المجتمعي للقبائل والأسر النجفية.

وزاد بقوله : إنّ البحث يهدف إلى إبراز الإبداع الشعري للفحام، وبيان قيمته في صيانة هوية الشعر العربي والتزامه، فضلا عن الكشف عن ديوانه بوصفه وثيقة تأريخية فريدة كُتبت بأسلوب الشعر، أرّخت مراحل إعمار العتبات، وسجلت أسماء أسر نجفية انقرضت، موظفةً أسلوبًا بديعيًّا مكثفًا سار فيه الشاعر على خُطى أبي تمام.

وخلص البحث إلى أنّ الإبداع الشعري للفحام يكذب مزاعم انحسار القرائح في ذلك العصر، وأنّ ديوانه يمثل حالة فريدة في التوثيق التأريخي بأسلوب الشعر، إذ جمع بين القيمة الفنية والتسجيل الدقيق لمظاهر الحياة العلمية والعمرانية والاجتماعية في النجف الأشرف.

أما الباحث سماحة الشيخ محمّد فرمان لطف زاده التبريزي فقدّم بحثًا بعنوان: (الشيخ قاسم بن محمّد الكاظميّ النجفيّ الشهير بابن الونديّ (كان حيًّا سنة 1121هـ): حياته وجهوده في خدمة كتابَي التهذيب والاستبصار).

وبيَّن الباحث في ملخص بحثه أنّ التراث الحديثيّ الإماميّ يمثّل أحد المرتكزات الرئيسة في دراسة تأريخ العلوم الإسلاميَّة، وأنّ مصنَّفات الشيخ الطوسيّ، ولا سيّما كتابَي تهذيب الأحكام والاستبصار، حظيت بعناية واسعة من العلماء روايةً وضبطًا وشرحًا وتداولًا.

وزاد بقوله : إن البحث تناول حياة الشيخ قاسم بن محمّد الكاظميّ النجفيّ، الشهير بابن الونديّ والفقيه الكاظميّ، الذي كان حيًّا سنة 1121هـ، مستعرضًا ما تفرَّق من أخباره في كتب التراجم والفهارس والإجازات، ومتتبّعًا جوانب من حياته العلميّة، ومشايخه وتلامذته وإجازاته الحديثيّة، وموقعه في مسار النقل والتدوين الحديثيّ.

وأوضح أنّ الدراسة تتبَّعت جهود ابن الونديّ في تداول كتابَي التهذيب والاستبصار، عن طريق شواهد السماع والقراءة والمقابلة والإجازة وغيرها من الآثار المثبتة في النسخ المخطوطة، واعتمدت منهجًا تأريخيًّا توثيقيًّا يجمع بين المعلومات الواردة في المصادر الرجاليّة والحديثيّة والبيبليوغرافيّة، والقرائن المستفادة من المخطوطات نفسها.

وتناول البحث فهرسة مخطوطات كتاب جامع سرائر العلماء، عبر التعريف بالكتاب ومجلّداته وأجزائه، ووصف نسخه من حيث المحتوى والخطّ والتأريخ والخصائص الماديّة والعلميّة، فضلا عن التعريف بالأعلام الذين أسهموا في نسخه وتملّكه ووقفه وتصحيحه ومقابلته والتعليق عليه.

وخلص البحث إلى أهميّة الشواهد المخطوطة في توثيق تأريخ الحديث الإماميّ، ورصد طرائق تلقّي المصنّفات ونقلها وضبطها، والكشف عن مسارات انتقال الكتب والتحقّق من أوصاف النسخ ونسبتها، بما يسهم في حفظ ذاكرة النشاط العلميّ المرتبط بكتابَي التهذيب والاستبصار وبالتراث الحديثيّ الإماميّ.



تكريم الباحثين والجهات المنظمة والمشاركة

كرّمت العتبةُ العبّاسية المقدّسة الباحثين والجهات المنظّمة والمشاركة في فعّاليات المؤتمر العلمي الدولي التمهيدي الثاني، لإحياء ذكرى ألفية حوزة النجف الأشرف.

وتناوب على التكريم كلٌّ من أستاذ البحث الخارج في حوزة قمّ المقدّسة سماحة الشيخ هاشم نيازي، ومستشار الهيأة العُليا الشيخ مسلم رضائي، وعضو مجلس إدارة العتبة المقدّسة الدكتور عباس الدده الموسوي، ورئيس جامعة الكفيل الدكتور نورس الدهان.



حفل الاختتام

في يوم الجمعة، الموافق 23 تشرين الأول/أكتوبر 2026، اختتمت العتبة العباسية المقدسة فعاليات المؤتمر العلمي الدولي التمهيدي الثاني لإحياء ذكرى ألفية حوزة النجف الأشرف، بعد يومين من الجلسات العلمية والبحثية التي تناولت جوانب من عطائها العلمي والمعرفي وإسهامات أعلامها في مختلف المجالات.

وفي ختام المؤتمر، أعلنت اللجنة التحضيرية توصياته النهائية، التي ألقاها رئيس جمعية العميد العلمية والفكرية، الدكتور سرحان جفات، متضمّنةً مجموعة من الرؤى والمقترحات الرامية إلى توثيق التراث العلمي لحوزة النجف الأشرف، وإبراز نتاجات أعلامها، وتعزيز البحث العلمي في تأريخها وإسهاماتها المعرفية ، وجاءت التوصيات على النحو الآتي:

أولًا: أن تستمر هذه الفعاليات العلمية من مؤتمرات وندوات لاستكمال دراسة الجهود الحوزوية المباركة التي لم يتسنَ لهذا المؤتمر الإحاطة بها نظرًا لسعة تلك الجهود في آمادها الزمنية والتأليفية.

ثانيًا: نوصي بأن تُطلِق النسخة القادمة من المؤتمر صحيفة إلكترونية بعنوان (حوزة النجف الأشرف) تقوم على استقطاب مقالات موجزة عن هذه الحوزة المباركة تأريخًا ورجالًا ومعارف وهذه المقالات ستكون نواة أولى تؤسّس عليها موسوعة تُعنى بما يتعلق بهذه الحوزة الشريفة.

ثالثًا: إنّ ما أنجزته الحوزة العلمية في النجف الأشرف من جهود علمية كبيرة ينبغي إحياؤها وإعادة تقديمها للباحثين والمشتغلين بالدرس ؛ لذا نقترح إطلاق مكتبة عنوانها: (مكتبة الحوزة العلمية في النجف الأشرف) وتكون مهمّة هذه المكتبة إتاحة المؤلّفات الحوزوية وَرقيًّا وإلكترونيًّا لتكون في متناول الجميع؛ اكتمالًا لما قامت به العتبات المقدسة من جهود في هذا المجال.

رابعًا: كانت الحوزة العلمية في النجف الأشرف وستبقى منارًا علميًّا معرفيًّا للأجيال وجهودها في التعليم والتدريس محطّ فخر واعتزاز ؛ لذا نوصي بأن تكون الجهود الحوزوية وتأريخ الحوزة وعلماؤها مما يفاد منه في المدارس والجامعات؛ من أجل تبصرة الأجيال بالمنجزات الجليلة لهذه الحوزة المباركة؛ لأنّ تأريخ الحوزة جزءٌ لايتجزّأ من تأريخ العراق.

خامسًا: نوصي بأن تطلق النسخ القادمة من المؤتمر جائزة لأفضل ثلاثة مؤلّفات مكتوبة عن الحوزة العلمية في النجف الأشرف علماء ومعارف، وهذه المسابقة تستهدف إنضاج رؤى علمية متخصصة بالخط الحوزوي الشريف، ومن ثم إيجاد جيل من الباحثين الذين يقدمون الفكر الحوزوي تقديمًا علميًّا.

سادسًا: تشكيل لجان علمية مهمتها متابعة توصيات هذا المؤتمر واستعراض ما أنجز من هذه التوصيات عند افتتاح الدورة القادمة من المؤتمر.



الوفود المشاركة

دعت الوفودُ المشاركة في المؤتمر العلمي الدولي التمهيدي الثاني لإحياء ذكرى ألفية حوزة النجف، إلى مواصلة العمل وتوسيع دائرة التعاون بين المؤسّسات العلمية والحوزات والجامعات ومراكز البحث في مختلف البلدان.

جاء ذلك في أثناء كلمة الوفود المشاركة التي ألقاها رئيسُ الحوزة العلمية في مدينة شيراز الإيرانية سماحة الشيخ محمد بركات، في ختام فعاليات.

وقال سماحة الشيخ محمد بركات: "نقف اليوم نيابةً عن الوفود العلمية المشاركة في ختام المؤتمر العلمي الدولي التمهيدي الثاني، لإحياء ذكرى ألفية حوزة النجف الأشرف، ولقد اجتمعنا من بلدان مختلفة وتباعدت بيننا المسافات لكنّ العلم جمعنا بموضوع، والتراث وحّد مقاصدنا والوفاء لرجاله الأعلام قرّب بين قلوبنا، وما أجمل أن يلتقي أهلُ العلم على مائدة التأريخ لا ليقرأوا صفحاته فحسب ؛ بل يستكشفوا ما أودعته من كنوز وحملته من تجارب وما خلّفته من آثار تستحقّ أن تصان وتدرّس وتقدّم إلى الأجيال".

وزاد بقوله : إنّ "الحديث عن ألفية هجرة شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي إلى النجف الأشرف ليس حديثًا عن واقعةٍ تأريخية مضت وانقضت ؛ بل هو حديث عن لحظة مفصلية أسهمت في رسم ملامح الحضور العلمي لهذه المدينة وعن رجلٍ أدرك أنّ العلم لا يخلّد بكثرة ما يكتب وحده ؛ بل بما يؤسّس من مناهجه وما يشيد من مدارسه وما يترك للأجيال من أصول راسخة في البحث والاستدلال والتحقيق، لقد جاءت هجرة الشيخ الطوسي إلى النجف لتكون منطلقًا لمرحلة جديدة من تأريخها العلمي، ولتغدو المدينة مع مرور القرون حاضرة تستقطب العلماء وطلّاب المعرفة وتحفظ في مدارسها ومكتباتها ومجالسها امتدادًا حيًّا لرسالة العلم الإسلامي".

وتابع "إذا كان المؤتمر الأوّل قد أسهم في إضاءة جوانب من هذه المسيرة المباركة فإن المؤتمر الثاني الذي تناول الحقبة الممتدّة من القرن التاسع إلى الثاني عشر الهجري أتاح نافذة أخرى نطلّ منها على صفحات غنية من تأريخ الحوزة العلمية، وعلى جهود العلماء الذين حملوا أمانة المعرفة في عصورهم وأسهموا في حفظ التراث وتطوير الباحث وتوسيع آفاق التأليف والتصنيف، وما أَحوجنا إِلى مثل هذه المؤتمرات التي تخرج تأريخًا من حدود الرواية العامّة إلى فضاء البحث العلمي الرصين، وتعيد قراءة تراثنا قراءة تقوم على التحقيق والتوثيق والمقارنة وتكشف ما قد يخفى من جهود الأعلام وما قد يطويه النسيان من آثارهم ومؤلّفاتهم".

وأشار إلى أنّ "مشاركتنا في هذا المحفل العلمي لا نجد أبلغ من كلمة الشكر تعبيرًا عن تقديرنا للجهة المنظّمة ولجميع الذين بذلوا جهودهم في الإعداد لهذا المؤتمر وإنجاحه، من لجان علمية وتنظيمية وباحثين ومشاركين وكلّ من أسهَمَ في أن تخرج هذه الأيام بهذه الصورة التي نرجو أن تكون لائقةً لمقام النجف الأشرف وتأريخها".

وبيّن سماحته "لقد لمسنا في هذا اللقاء حرصًا على التراث، وإيماناً بأنّ إحياء الموروث العلمي لا يكون بمجرّد الاحتفاء بأسمائه ورموزه ؛ بل باستنطاق نصوصه وتحقيق مخطوطاته ودراسة رجاله وفهم سياقاته التأريخية والفكرية، وهذه الجهود تستحقّ التقدير وندعو إلى مواصلة العمل وتوسيع دائرة التعاون بين المؤسّسات العلمية والحوزات والجامعات، ومراكز البحث في مختلف البلدان".

ونوّه على أنّنا "نأمل أن يكون هذا المؤتمر خطوة جديدة في طريق التعاون العلمي المثمر، وأن تتجاوز آثاره حدود الأيام التي انعقد فيها فتثمر دراسات رصينةً وإصدارات محقّقة ومشروعات مشتركة، ودراسات علمية راسخة بين المشاركين والمؤسّسات التي يمثّلونها".

وذكر الشيخ بركات "لقد جئنا إلى النجف الأشرف وفودًا من بلدان شتى ونعود منها ونحن نحمل إلى جانب ما أفدناه من بحوث ومناقشات علمية وذكريات طيبة عن مدينة تتعانق فيها عراقة التأريخ، وعن لقاء جميع أهل العلم على المحبة والاحترام وعن تجربة أكدت لنا أنّ التراث الحي هو الذي يجدد حضوره في العقول ويستمد من البحث الجاد أسباب بقائه وامتداده وإذا كانت رحلات العلماء قد صنعت عَبرَ التأريخ جسورًا بين الحواضر العلمية فإنّ لقاءنا هذا امتداد لذلك التقليد العلمي الأصيل نلتقي اليوم في النجف الأشرف وقد تجمعنا غدًا مؤتمرات ومشروعات أخرى يحمل كل منها وعدًا بمزيد من التعاون والتكامل في خدمة المعرفة الإنسانية وإنّنا في هذا المقام نؤكّد اعتزازنا بالمشاركة في هذا المؤتمر وامتناننا لكل من أتاح لنا فرصة الحضور والإسهام وتقديرنا للجهود التي بُذلت في سبيل إنجاحه ولجميع الجهات المنظمة في المؤتمر".

واختتم كلمته بالقول: " ولا يفوتنا أن نتقدم بأسمى آيات الشكر والتقدير إلى سماحة العلّامة السيد أحمد الصافي المتولي الشرعي للعتبة العباسية لاهتمامه وعنايته الفائقة بالتراث وإحيائه، وختامًا سلام على النجف الأشرف منارة للعلم وموطن للمعرفة وحاضرة تحفظ للتراث مكانته وللعلماء ذكراهم وللأجيال حقّها في أن تتصل بماضيها اتصال فهم ووعي وإبداع سلام على كل يد خدمت العلم وكل قلم أنصف التراث وكل عقل جعل من البحث أمانة ومن المعرفة رسالة".



الأثر الديني والتأريخي للمؤتمر

يمكن تناول الأثر الديني والتأريخي للمؤتمر العلمي الدولي التمهيدي الثاني لإحياء ذكرى ألفية حوزة النجف الأشرف من منظورين متكاملين: أثره في الوعي الديني والحوار بين المدارس الإسلامية، وأثره في توثيق التأريخ العلمي للحوزة وإبراز مكانتها في الفكر الإسلامي.

ففي الأثر الديني بالوسط الإسلامي ، تنبع أهمية المؤتمر من إسهامه في إبراز الدور الذي أدّته حوزة النجف الأشرف في دراسة العلوم الإسلامية، ولا سيما الفقه وأصوله وعلم الكلام والعلوم العقلية، وهي مجالات أسهمت في تشكيل جانب مهم من التراث الفكري الإسلامي.

وتتيح دراسة نتاجات أعلام الحوزة العلمية فرصة للتعرّف إلى مناهج الاستدلال والاجتهاد والحوار الفكري التي تطوّرت عبر القرون، بما يعزّز المعرفة المتبادلة بين الباحثين، ويفتح المجال أمام الدراسات المقارنة بين المدارس الإسلامية، بعيدًا عن الأحكام المسبقة والقراءات الاختزالية.

ومن هذا المنطلق، يمكن للمؤتمر أن يسهم في تعزيز الحوار العلمي بين المسلمين، عن طريق تقديم التراث الحوزوي في سياقه التأريخي والفكري، وإبراز المشتركات المعرفية، مع الحفاظ على خصوصية كل مدرسة ومناهجها.

أما في الأثر الديني في المدرسة الشيعية فتحتل حوزة النجف الأشرف مكانة محورية في تأريخ التشيّع الإمامي؛ إذ أسهم علماؤها في تطوير مباحث الفقه وأصوله، والبحث الكلامي، والتفسير، والعلوم العقلية، وأدّت دورًا مهمًا في استمرار تقاليد الاجتهاد والتدريس والتأليف.

ومن هنا، يمثّل إحياء ألفية الحوزة مناسبة لاستعادة المحطات الرئيسة في تطوّر المدرسة العلمية النجفية، والتعريف بأعلامها ومؤلفاتهم ومناهجهم، فضلًا عن إبراز دور المؤسسات الحوزوية في نقل المعرفة الدينية من جيل إلى آخر.

وتكمن أهمية هذا الاستذكار في ربط الأجيال المعاصرة بتراثها العلمي، وإظهار أن استمرار الحوزة لم يقم على حفظ المتون والمصنفات فحسب ؛ بل ارتبط أيضًا بتجدد البحث والاجتهاد، ومناقشة الآراء، وتطوير أدوات الاستنباط والاستدلال.

أما في الأثر التأريخي وتوثيق التراث العلمي ، فلا تقتصر أهمية المؤتمر على الاحتفاء بمرور ألف عام على الحوزة ؛ بل تمتد إلى إعادة قراءة تأريخها وتوثيق مصادره ومراحله.

فالبحوث العلمية المتخصصة، وتحقيق المخطوطات، والتعريف بمؤلفات العلماء، تمثّل وسائل رئيسة لصيانة الذاكرة العلمية من الضياع، وتصحيح بعض التصورات التأريخية، وإتاحة مصادر أكثر دقة أمام الباحثين.

وتكتسب هذه الجهود أهمية إضافية عند دراسة القرون من التاسع إلى الثاني عشر للهجرة، وهي الفترة التي ركّز عليها المؤتمر؛ إذ يتيح البحث فيها تتبّع تطوّر المناهج العلمية، وحركة التأليف، وشبكات التواصل بين العلماء والمراكز الدينية والفكرية.

ونشر نتائج هذه البحوث وتوصياتها، وإتاحتها للجامعات والمراكز البحثية، من شأنه أن يحوّل المناسبة من احتفاء رمزي إلى مشروع معرفي مستمر، تتراكم فيه الدراسات وتُبنى فيه النتائج المستقبلية على ما أنجزه الباحثون.

وفي الأثر الحضاري والحوار بين المذاهب ، يمكن أن يشكّل المؤتمر فرصة لتقديم تأريخ حوزة النجف الأشرف من ضمن المشهد الحضاري الإسلامي الأوسع، وإبراز إسهاماتها في العلوم الدينية والعقلية، مع فتح المجال أمام الباحثين من خلفيات علمية ومذهبية مختلفة لدراسة هذا التراث ومناقشته.

ولا يعني ذلك إلغاء الاختلافات بين المدارس الإسلامية ؛ بل إتاحة مساحة علمية للتعرّف إليها وفهم سياقاتها التأريخية والفكرية.

فالدراسة الأكاديمية الرصينة تساعد على التمييز بين الاختلاف العلمي المشروع وبين الصور النمطية التي قد تنشأ عن نقص المعرفة أو غياب المصادر.



خلاصة القول

يمثّل المؤتمر العلمي الدولي التمهيدي الثاني لإحياء ذكرى ألفية حوزة النجف الأشرف محطةً تتجاوز حدود الاحتفاء التأريخي، لتفتح أفقًا أوسع أمام دراسة التراث الحوزوي وتوثيق منجزاته العلمية والفكرية.

فعلى المستوى الشيعي، يستحضر المؤتمر إرثًا أسهم في ترسيخ تقاليد الاجتهاد والتأليف والتعليم، وعلى المستوى الإسلامي العام، يتيح فرصة للتعريف بأحد المراكز العلمية المؤثرة في تأريخ الفكر الإسلامي، وتعزيز البحث المقارن والحوار المعرفي بين المدارس الإسلامية.

وتبقى القيمة الأعمق لهذه الفعاليات مرتبطة بقدرتها على تحويل الذاكرة التأريخية إلى مشروع علمي متجدد، يقوم على تحقيق المصادر، ونشر البحوث، ورعاية الباحثين، وإيصال التراث إلى الأجيال الجديدة؛ لتظل ألفية حوزة النجف الأشرف مناسبةً لاستذكار الماضي، ووسيلةً لفهم الحاضر، ومنطلقًا لاستشراف مستقبل البحث الديني والفكري.
تعليقات القراء
لايوجد تعليقات لعرضها
إضافة تعليق
الإسم:
الدولة:
البريد الإلكتروني:
إضافة تعليق ..: