الى

سماحة السيد الصافي : من ذاكرة السجن في زمن البعث إلى مشروع وطني لحفظ تضحيات الشهداء والسجناء

ثمة تجارب لا تنتهي بانقضاء زمنها ؛ بل تظل حاضرة في وجدان أصحابها، وتتحول مع مرور السنوات إلى مسؤولية أخلاقية تجاه المجتمع والتأريخ.

ومن بين هذه التجارب، تبرز حكاية سماحة العلامة السيد أحمد الصافي، المتولي الشرعي للعتبة العباسية المقدسة، مع السجن في حقبة النظام البعثي، وهي تجربة ارتبطت فيما بعد باهتمامه بالسجناء السياسيين والشهداء، وحرصه على توثيق ما تعرض له العراقيون في تلك المرحلة، كي لا تبقى صفحات من تأريخهم حبيسة الذاكرة الفردية أو عرضة للنسيان.

ففي ثمانينات القرن الماضي، تعرض سماحة السيد الصافي للاعتقال والسجن في قسم الأحكام الخاصة بسجن أبي غريب، وعاصر هناك عددًا من السجناء السياسيين الذين جمعته بهم ظروف الاعتقال وتجربة الحرمان من الحرية.

وبعد عقود، لم تبقَ هذه التجربة مجرد ذكرى شخصية يستعيدها في لقاءاته ؛ بل أصبحت مدخلًا للحديث عن معاني الصبر والثبات، وعن مسؤولية المجتمع في إنصاف أصحاب التضحيات، وحفظ شهاداتهم، وصيانة كرامتهم.

ومن هذا المنطلق، تتصل تجربته في السجن بمشروع أوسع تتبناه العتبة العباسية المقدسة، يتمثل في توثيق ذاكرة الشعب العراقي في حقبة النظام السابق، وجمع روايات السجناء السياسيين ووثائقهم، وتحويلها إلى مادة تأريخية تحفظ للأجيال المقبلة حقيقة ما جرى، وتتيح للباحثين دراسة تلك المرحلة على أساس الشهادات والوثائق.



السجن : تجربة إنسانية تتجاوز حدود المحنة

لا تُقرأ تجربة السجن في حياة سماحة السيد الصافي بمعزل عن المعاني التي يستحضرها عند الحديث عن المظلومين وأصحاب التضحيات ، فالمحنة، مهما اشتدت، لا تقتصر آثارها على ما تتركه من ألم ؛ بل تكشف أيضًا عن قدرة الإنسان على التمسك بمبادئه، وتمنحه إدراكًا أعمق لمعاناة الآخرين، وتضع أمامه مسؤولية أخلاقية تتمثل في ألّا تتحول التجربة القاسية إلى مسوّغ لممارسة القسوة على الآخرين.

وفي هذا السياق، استعاد السيد الصافي، في لقائه مجموعة من السجناء السياسيين الذين رافقوه في سجون النظام السابق في 17 أيار 2024، ذكريات تلك المرحلة وما حملته من تجارب إنسانية قاسية ، وشكّل اللقاء مناسبة لاستذكار الراحلين من رفاق السجن، والحديث عن أحوال من بقي منهم، فضلًا عن تأكيد أهمية الاحتفاظ بشهاداتهم وتوثيق ما عاشوه.

وتكشف دلالات هذا اللقاء عن رؤية تتجاوز استعادة الماضي إلى استخلاص دروسه؛ فالتجربة التي عاشها الإنسان تحت وطأة الظلم ينبغي أن تعزز إحساسه بآلام الآخرين، وأن تجعله أكثر تمسكًا بالعدالة والكرامة، لا أن تتحول إلى ذكرى منفصلة عن سلوكه ومواقفه بعد انتهاء المحنة.

وانتهاء السجن لا يعني انتهاء مسؤولية السجين تجاه مجتمعه، ولا يختزل دوره في كونه شاهدًا على مرحلة مضت ، فالسجين السياسي يمتلك تجربة إنسانية ومعرفية يمكن أن تسهم في بناء الوعي العام، وتحذير الأجيال الجديدة من مخاطر الاستبداد، وتعريفها بالأثمان التي دفعها أصحاب المبادئ في سبيل مواقفهم.



المجتمع القوي

أكد المتولي الشرعي للعتبة العباسية المقدسة سماحة العلامة السيد أحمد الصافي " أنّ المجتمع الذي يقدم الشهداء والسجناء للحفاظ على القيم هو مجتمع قوي".

تختصر هذه الكلمات رؤية تنطلق من أن قوة المجتمعات لا تُقاس بما تمتلكه من إمكانات مادية فحسب ؛ بل بما تصونه من قيم، وبقدرتها على الاعتراف بتضحيات أبنائها وحفظ ذاكرتهم، وتحويل تجاربهم إلى مصدر للوعي والمسؤولية.

فالشهداء والسجناء السياسيون، على وفق هذا المعنى، ليسوا مجرد أسماء في سجلات الماضي ؛ بل أصحاب تجارب تحمل دلالات إنسانية وتأريخية تستحق أن تُروى وتُوثق ، ومن هنا تأتي أهمية الإنصات إليهم، واستعادة شهاداتهم، والتعرف إلى ما واجهوه من ظروف، وتسجيل ما بقي في ذاكرتهم من أحداث ومواقف.

وفي اللقاءات التي جمعته برفاق السجن، برز اهتمام السيد الصافي بأحوالهم، واستذكار من رحل منهم، وتأكيده بأن لكل سجين قصة تستحق أن تُحفظ ؛ فالذاكرة في هذا السياق ليست استعادة للماضي من أجل البكاء عليه، وإنما وسيلة لفهمه، وصون كرامة ضحاياه، وتحصين الأجيال المقبلة من تكرار مآسيه.

ويحمل هذا الاهتمام بعدًا اجتماعيًا يتمثل في ضرورة ألا ينقطع حضور السجين السياسي عن المجتمع بانتهاء فترة اعتقاله، وألا تُختزل مكانته في معاناته السابقة ؛ بل أن تتاح له فرصة الإسهام في الحياة العامة ونقل خبرته إلى الآخرين.



ذاكرة لا ينبغي أن تضيع

لم يقتصر اهتمام سماحة السيد الصافي بالسجناء السياسيين على اللقاءات الشخصية واستذكار أيام السجن ؛ بل امتد إلى الدعوة لإقامة مشروع توثيقي يستوعب تجاربهم ومذكراتهم وشهاداتهم، ويحولها إلى مرجع يمكن الرجوع إليه في دراسة تأريخ العراق الحديث.

وقد سبقت لقاءات عام 2024 خطوات في هذا المسار؛ ففي 6 شباط 2023، التقى سماحة السيد الصافي وفدًا من السجناء السياسيين الأكاديميين، ودعا إلى الإفادة من مذكراتهم وتجاربهم في إعداد موسوعة توثق جانبًا مهمًا من تأريخ العراق.

وأكد أهمية نقل هذه التجارب إلى الشباب، والتعريف بما واجهه السجناء، وبما استطاع بعضهم تحقيقه من إنجازات علمية ومهنية على الرغم من الظروف التي مرّوا بها.

وتعكس هذه الدعوة إدراكًا لقيمة الشهادة الشخصية في كتابة التأريخ؛ فالأحداث لا تُفهم بالأرقام والتواريخ وحدها ؛ بل تحتاج أيضًا إلى روايات الذين عاشوها، ووثائقهم، ومذكراتهم، وما يمكن أن يقدموه من تفاصيل تساعد في إعادة بناء الوقائع في ضمن سياقها الزمني والإنساني.

ومن هنا، تبرز أهمية الجمع بين الذاكرة الشفهية والوثيقة المكتوبة، وبين الرواية الشخصية والمصادر الرسمية، بما يتيح إعداد مادة توثيقية أكثر شمولًا، ويحفظ المعلومات من الضياع أو التشويه أو النسيان.



مشروع لتوثيق مرحلة البعث

في إطار هذا التوجه، تضطلع مؤسسة الوافي للتوثيق والدراسات التابعة للعتبة العباسية المقدسة بجهود لجمع الشهادات والوثائق المتعلقة بالسجناء السياسيين، والعمل على إعداد موسوعة تسجل تجاربهم وما تعرضوا له في حقبة النظام السابق.

وفي 18 كانون الأول 2023، أُعلن عن اتفاقية تعاون بين العتبة العباسية المقدسة ومؤسسة السجناء السياسيين، تهدف إلى تعزيز العمل المشترك في توثيق جرائم النظام السابق، وجمع الوثائق والشهادات المتعلقة بالانتهاكات، وتطوير أساليب الأرشفة وحفظ المواد التأريخية.

وشمل التعاون مجالات تبادل المعلومات والوثائق، وتنظيم الأنشطة العلمية والتوثيقية، وإقامة الندوات والورش والمعارض، فضلًا عن تطوير المهارات المتعلقة بحفظ الوثائق وترميمها.

ويمثل هذا التعاون أهمية خاصة؛ إذ يتيح الجمع بين الخبرة التوثيقية والإمكانات المؤسسية، ويوسع نطاق الوصول إلى المصادر التي يمكن أن تسهم في كتابة تأريخ تلك المرحلة.

وفي 19 تموز 2024، أعلنت مؤسسة الوافي أن عملها على موسوعة السجناء السياسيين قد تجاوز خمسين مجلدًا في مرحلته آنذاك، وأشارت إلى التعاون مع أكثر من 25 وزارة ومؤسسة متخصصة في تبادل المعلومات والمصادر التوثيقية.

وفي 18 أيلول 2025، تم الإعلان عن اكتمال الكتابي للموسوعة إذ تجاوز أكثر من ستين مجلدًا، وانتقل المشروع إلى مرحلة التدقيق والإخراج ، وتكشف هذه الأرقام عن اتساع نطاق العمل التوثيقي، مع ضرورة التمييز بين المجلدات المنجزة في مراحل الإعداد والمجلدات التي اكتمل نشرها فعليًا.

ولا تقتصر أهمية الموسوعة على حجمها ؛ بل تكمن في طبيعة مادتها؛ إذ سعت إلى جمع روايات السجناء ومذكراتهم، والوثائق الرسمية، والمعلومات المتاحة عن الاعتقالات والانتهاكات، وترتيبها من ضمن سياق زمني يمتد إلى عام 2003، بما يساعد على حفظ تفاصيل المرحلة وإتاحتها للباحثين والأجيال المقبلة.
relatedinner


شهادة سماحة السيد الصافي

في 2 أيلول 2025، استقبل سماحة السيد الصافي رئيس مؤسسة الوافي للتوثيق والدراسات والوفد المرافق له، واطّلع على مستجدات العمل في موسوعة السجناء السياسيين.

وخلال اللقاء، وثّقت المؤسسة الذاكرة الشفهية للسيد الصافي بشأن فترة الحكم البعثي، بالصوت والصورة، تمهيدًا لحفظها في ضمن أرشيف المشروع وإدراجها في المواد التوثيقية ذات الصلة.

وتحمل هذه الخطوة أهمية تتجاوز تسجيل شهادة شخصية؛ فهي تسهم في حفظ رواية أحد الذين عاصروا تلك المرحلة وتعرضوا للسجن فيها، وتتيح توثيق ما بقي في ذاكرته من أحداث وتجارب ومواقف.

وتوفر مادة يمكن دراستها ومقارنتها بالوثائق المكتوبة والشهادات الأخرى، بما يساعد على بناء صورة أكثر تكاملًا عن تلك الحقبة ، وتبرز هنا العلاقة بين التجربة الشخصية والمشروع المؤسسي؛ فالشهادة التي تبدأ من ذاكرة فرد تتحول، بعد تسجيلها وأرشفتها، إلى جزء من الذاكرة العامة، يمكن أن يستفيد منها الباحثون والمؤرخون والمهتمون بتأريخ العراق.

ومن هذا المنظور، لا يكون سماحة السيد الصافي في موقع من يستعيد تجربته فحسب ؛ بل في موقع من يسهم في حفظ شهادات الآخرين، ويؤكد ضرورة أن يجد السجناء السياسيون مساحة لرواية ما عاشوه، وأن تتحول تجاربهم إلى معرفة موثقة تتناقلها الأجيال.



حفظ التضحيات وصيانة الذاكرة الوطنية

تتصل جهود توثيق السجناء السياسيين بمسار أوسع تتبناه العتبة العباسية المقدسة في حفظ الذاكرة التأريخية، وتوثيق الأحداث التي شهدها العراق، والتعريف بتضحيات الشهداء والسجناء.

وتتجلى هذه الجهود في جمع الوثائق والمذكرات والصور والشهادات، وإعداد الموسوعات التوثيقية، والتعاون مع الجهات المختصة، فضلًا عن تنظيم الأنشطة العلمية التي تسهم في تعريف المجتمع بما جرى في المراحل المفصلية من تأريخ البلاد.

وتعكس اللقاءات التي يعقدها سماحة السيد الصافي مع السجناء السياسيين اهتمامًا بالجانب الإنساني والاجتماعي لهذه الشريحة؛ إذ تتيح التواصل معهم، والاستماع إلى تجاربهم، واستذكار من رحلوا منهم، والتأكيد بأنّ ما مرّوا به لا ينبغي أن يُطوى بمجرد انتهاء زمن الاعتقال.

وفي مجال التوثيق، يواصل المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرف، التابع لقسم الشؤون الفكرية والثقافية في العتبة العباسية المقدسة، جهوده في توثيق جرائم النظام البعثي بحق العراقيين، عبر جمع الوثائق والشهادات، وإعداد الموسوعات المتخصصة، وتنظيم المعارض التوثيقية، والعمل مع المؤسسات المعنية؛ بهدف صون الذاكرة الوطنية، وإنصاف الضحايا، وتعريف الأجيال المقبلة بحقائق تلك المرحلة.

وتتجسد هذه الجهود في مشاريع علمية وتوثيقية تسعى إلى تحويل الوثائق والأدلة والشهادات إلى مادة معرفية تحفظ تأريخ العراق الحديث، وتتيح للباحثين والمهتمين دراسة الانتهاكات التي تعرض لها أبناء الشعب العراقي بمختلف شرائحهم.

وفي هذا الإطار، أطلق المركز في كانون الثاني 2026 مشروعًا وطنيًا وإنسانيًا لتوثيق ضحايا جرائم نظام البعث، يشمل علماء الدين وخطباء المنبر الحسيني والنساء والأطفال والأكاديميين والعلماء والمثقفين، ممّن تعرضوا للقتل أو الاعتقال أو الاختفاء القسري وغيرها من الانتهاكات.

ويُنفذ المشروع بالتعاون مع مؤسسات معنية بالعدالة الانتقالية، وفي مقدمتها مؤسسة الشهداء، على وفق معايير علمية وقانونية لجمع الشهادات والوثائق الرسمية وأرشفة الإفادات، بما يسهم في إعداد ملفات توثيقية يمكن الإفادة منها في المجالات الحقوقية والقانونية.

ومن المحطات المهمة في هذا المسار، تسلّم المركز في 16 كانون الثاني 2025 أرشيف منظمة حقوق الإنسان في العراق، في زيارة رسمية إلى المملكة المتحدة، بعد أن جمعه سفير السلام العالمي الدكتور صاحب جواد الحكيم على مدى أكثر من أربعين عامًا.

وضم الأرشيف وثائق وصورًا ومراسلات مع شخصيات رسمية ومنظمات دولية بشأن الانتهاكات التي ارتكبها النظام البعثي، ما يمثل إضافة مهمة إلى المصادر التأريخية التي يعمل المركز على تنظيمها وحفظها.

وعلى الصعيد العلمي، أصدر المركز في 6 كانون الثاني 2026 كتاب (نظام البعث في العراق.. مقالات في أرشيفه وجرائمه)، متضمنًا بحوثًا تناولت أرشيف النظام السابق، وموقفه من الشعائر الدينية، وملفات الأنفال والمقابر الجماعية، ونماذج موثقة من الانتهاكات التي ارتُكبت بحق العراقيين ، ويأتي الإصدار من ضمن مساعي المركز إلى بناء مرجعية بحثية متخصصة تجمع بين الوثيقة والتحليل التأريخي.

وأعلن المركز في 11 حزيران 2026 عن إنجاز وإصدار موسوعة (ضحايا إجرام نظام البعث في العراق) في 22 مجلدًا ؛ وذلك من ضمن مشروع توثيقي يهدف إلى تسجيل الجرائم والانتهاكات التي شهدتها البلاد على مدى عقود، وحفظ تفاصيلها في ضمن عمل موسوعي منظم.

ولا تقتصر أنشطة المركز على إعداد الكتب والموسوعات ؛ بل تمتد إلى إقامة المعارض التوثيقية التي تعرض الصور والوثائق الأرشيفية المرتبطة بجرائم النظام السابق، بما يتيح للجمهور والباحثين والطلبة الاطلاع المباشر على شواهد تلك المرحلة.

ومن بينها المعرض الذي نظّمه المركز في نيسان 2026 بالتزامن مع ذكرى سقوط النظام البعثي، بمشاركة أكاديميين وباحثين ومهتمين بالشأن التأريخي والحقوقي.

وتتكامل هذه الأنشطة مع مسار المركز في إيصال نتائج التوثيق إلى المؤسسات التعليمية؛ إذ أُعلن في تشرين الأول 2023 عن اعتماد أرشيفه كمصدر في إعداد منهج جامعي يتناول جرائم نظام البعث، في خطوة تستهدف تعريف الطلبة بتأريخ الانتهاكات وحقوق الإنسان، وتعزيز المعرفة المستندة إلى الوثائق والمصادر.

أما الرعاية الاجتماعية والمعنوية للشهداء والسجناء وعائلاتهم، فقد كان للعتبة العباسية كثير من المشاريع والمواقف بهذا الاتجاه ، فهي مجال يرتبط بالاعتراف بتضحياتهم وصون كرامتهم وتعزيز حضورهم في المجتمع.



السجين السياسي: شاهد على الماضي وشريك في بناء المستقبل

في 23 تشرين الأول 2026، عاد السيد الصافي إلى لقاء مجموعة من السجناء السياسيين الذين رافقوه في سجون النظام البعثي، مؤكدًا أهمية دور هذه الشريحة في المجتمع، وضرورة أن تستمر رسالتها بعد انتهاء المحنة.

وشدد خلال اللقاء على أن السجين الذي واجه النظام الدكتاتوري لا ينتهي دوره بانتهاء ذلك النظام ؛ بل يظل قادرًا على الإسهام في خدمة المجتمع ونقل تجربته إلى الأجيال الجديدة ، وأكد أن لكل سجين قصة صبر وتضحية ينبغي أن تُروى، لتكون شاهدًا على ما عاشه الشعب العراقي من مآسٍ.

وتنسجم هذه التصريحات مع مسار الاهتمام الذي اتخذ أشكالًا متعددة، بدءًا من التواصل مع السجناء الأكاديميين في عام 2023، مرورًا بلقاء رفاق السجن في عام 2024، وصولًا إلى توثيق الذاكرة الشفهية للسيد الصافي في عام 2025.

وهي محطات تعكس تواصل العمل على حفظ الذاكرة، وعدم حصرها في المناسبات الاستذكارية ؛ بل نقلها إلى مشروع معرفي واجتماعي يتيح للأجيال المستقبل فهم تجارب الماضي والإفادة من دروسه.



من ذاكرة السجن إلى ذاكرة الوطن

إن تجربة سماحة السيد أحمد الصافي في سجون النظام البعثي، واهتمامه فيما بعد ذلك بالسجناء السياسيين والشهداء، يلتقيان عند فكرة محورية تتمثل في أن الذاكرة مسؤولية، وأن حفظ تضحيات الناس لا يتحقق بمجرد استذكار أسمائهم ؛ بل يتطلب تسجيل قصصهم، وجمع وثائقهم، والاستماع إلى شهاداتهم، وإتاحة هذه المواد أمام الباحثين والأجيال الجديدة.

ومن هنا، تكتسب موسوعة السجناء السياسيين أهميتها بوصفها مشروعًا يسعى إلى تحويل التجارب الفردية إلى ذاكرة موثقة، وإلى حفظ جانب من تأريخ العراق الحديث عن طريق شهادات الذين عاشوا أحداثه، وما توفر من وثائق ومصادر مرتبطة بها.

وتبرز أهمية الدور الذي تؤديه العتبة العباسية المقدسة في دعم هذا المسار، عبر مؤسسة الوافي للتوثيق والدراسات، والتعاون مع الجهات المختصة، والعمل على تسجيل الذاكرة الشفهية، وتوسيع قاعدة الوثائق والمعلومات المتاحة.

وهكذا، تمتد الحكاية من زنزانة في سجن أبي غريب في ثمانينات القرن الماضي إلى مشروع توثيقي يضم عشرات المجلدات، ومن تجربة شخصية إلى مسؤولية تجاه ذاكرة مجتمع بأكمله.

فالمجتمع الذي يحفظ تضحيات شهدائه وسجنائه، ويصون كرامتهم، ويوثق ما تعرضوا له من محن، لا يحمي ماضيه فحسب ؛ بل يؤسس لوعي أجياله المقبلة.

وفي هذا المعنى تتجلى دلالة قول سماحة السيد الصافي: «المجتمع الذي يقدم الشهداء والسجناء للحفاظ على القيم هو مجتمع قوي»؛ فالقوة هنا ليست في القدرة على تجاوز الماضي ونسيانه ؛ بل في امتلاك الشجاعة لتوثيقه، والإنصاف لمن عاشوا مآسيه، وتحويل دروسه إلى وعي يحفظ كرامة الإنسان ويرفض الظلم والاستبداد.
تعليقات القراء
لايوجد تعليقات لعرضها
إضافة تعليق
الإسم:
الدولة:
البريد الإلكتروني:
إضافة تعليق ..: