المكاسب ـ جلد الثاني ::: 221 ـ 230
(221)
فالمراد : منع المالك المحال والمشتري عنها (1) ، وهذا لا إشكال فيه ، لأن اللازم من فرض صحة الإحالة والشراء تملك المحال والمشتري فلا يجوز منعهما عن ملكهما.
    وأما قوله رحمه الله : ( ولا يحل تناولها بغير ذلك ) ، فلعل المراد به ما تقدم (2) في كلام مشايخ المحقق الكركي من إرادة تناولها بغير إذن أحد حتى الفقيه النائب عن السلطان العادل (3) ، وقد عرفت أن هذا مسلم فتوى ونصا ، وأن الخراج لا يسقط من مستعملي (4) أراضي المسلمين.
    ثم إن ما ذكره من جواز الوقف لا يناسب ذكره في جملة التصرفات فيما يأخذه الجائر. وإن أراد وقف الأرض المأخوذة منه إذا نقلها السلطان إليه لبعض مصالح المسلمين ، فلا يخلو عن إشكال.

    [ توجيه كلام الشهيد الثاني في حرمة منع الخراج ]
    وأما ما تقدم (5) من المسالك من نقل الاتفاق على عدم جواز المنع عن الجائر (6) والجحود ، فالظاهر منه أيضا ما ذكرناه من جحود الخراج ومنعه رأسا ، لا عن خصوص الجائر مع تسليمه إلى الفقيه النائب عن العادل ، فإنه رحمه الله ـ بعد ما نقلنا عنه من حكاية الاتفاق ،
1 ـ كذا في ( ف ) و ( ش ) ومصححة ( ن ) ، وفي غيرها : عنهما.
2 ـ في الصفحة 216.
3 ـ في ( ش ) : العارف.
4 ـ في ( ف ) : عن مستعمل.
5 ـ في الصفحة 216.
6 ـ لم ترد ( عن الجائر ) في ( ش ).


(222)
قال بلا فصل : وهل يتوقف التصرف في هذا القسم (1) على إذن الحاكم الشرعي إذا كان متمكنا من صرفها على وجهها (2) ، بناء على كونه نائبا عن المستحق عليه السلام (3) ومفوضا إليه ما هو أعظم من ذلك؟ الظاهر ذلك ، وحينئذ فيجب عليه صرف حاصلها في مصالح المسلمين ، ومع عدم التمكن أمرها إلى الجائر.
    وأما جواز التصرف فيها كيف اتفق لكل واحد من المسلمين ، فبعيد جدا ، بل لم أقف على قائل به ، لأن المسلمين بين قائل بأولوية الجائر وتوقف التصرف على إذنه ، وبين مفوض الأمر إلى الإمام عليه السلام ، ومع غيبته يرجع الأمر إلى نائبه ، فالتصرف بدونهما لا دليل عليه (4) ، انتهى.
    وليس مراده رحمه الله من ( التوقف ) التوقف على إذن الحاكم بعد الأخذ من الجائر ، ولا خصوص صورة عدم استيلاء الجائر على الأرض ، كما لا يخفى.

    [ غاية ما تدلّ عليه النصوص والفتاوى ]
    وكيف كان ، فقد تحقق مما ذكرناه : أن غاية ما دلت عليه النصوص والفتاوى كفاية إذن الجائر في حل الخراج ، وكون تصرفه بالإعطاء والمعاوضة والإسقاط وغير ذلك نافذا.
    أما انحصاره بذلك ، فلم يدل عليه دليل ولا أمارة ، بل لو نوقش
1 ـ في ( ش ) زيادة : ( منها ) ، كما في المصدر.
2 ـ في ( ش ) هكذا : متمكنا في صرفها في وجهها.
3 ـ التسليم من ( ف ).
4 ـ المسالك 3 : 55.


(223)
في كفاية تصرفه في الحلية وعدم توقفها على إذن الحاكم الشرعي مع التمكن ـ بناء على أن الأخبار الظاهرة في الكفاية (1) منصرفة إلى الغالب من عدم تيسر استئذان الإمام عليه السلام أو نائبه ـ أمكن ذلك ، إلا أن المناقشة في غير محلها ، لأن المستفاد من الأخبار الإذن العام من الأئمة عليهم السلام ، بحيث لا يحتاج بعد ذلك إلى إذن خاص في الموارد الخاصة منهم عليهم السلام ، ولا من نوابهم.

    [ عدم نفوذ إذن الجائر فيما لاتسلّط له عليه ]
    هذا كله مع استيلاء الجائر على تلك الأرض والتمكن من استئذانه ، وأما مع عدم استيلائه على أرض خراجية ، لقصور يده عنها ، لعدم انقياد أهلها له ابتداء ، أو طغيانهم عليه بعد السلطنة عليهم ، فالأقوى ـ خصوصا مع عدم الاستيلاء ابتداء ـ عدم جواز استئذانه وعدم مضي إذنه فيها ، كما صرح به بعض الأساطين ، حيث قال ـ بعد بيان أن الحكم مع حضور الإمام عليه السلام مراجعته ، أو مراجعة الجائر مع التمكن ـ : وأما مع فقد سلطان الجور ، أو ضعفه عن التسلط ، أو عدم التمكن من مراجعته ، فالواجب الرجوع إلى الحاكم الشرعي (2) ، إذ ولاية الجائر إنما ثبتت على من دخل في قسم رعيته حتى يكون في سلطانه ، ويكون مشمولا لحفظه من الأعداء وحمايته ، فمن بعد عن سلطانهم ، أو كان على الحد فيما بينهم ، أو تقوى (3) عليهم فخرج عن مأموريتهم ،
1 ـ انظر الوسائل 12 : 161 ـ 162 ، الباب 52 و 53 من أبواب ما يكتسب به ، وراجع الصفحة 204 وما بعدها.
2 ـ شرح القواعد ( مخطوط ) : الورقة 81 ، مع اختلاف في الألفاظ.
3 ـ في ( خ ) ، ( م ) ، ( ع ) و ( ص ) : يقوى ، وفي ( ش ) : قوي.


(224)
فلا يجري عليه (1) حكمهم ، اقتصارا على المقطوع به من الأخبار وكلام الأصحاب في قطع الحكم بالاصول (2) والقواعد ، وتخصيص ما دل على المنع عن الركون إليهم والانقياد لهم.
1 ـ كذا في ( ف ) و ( ش ) ومصححة ( ن ) و ( ص ) ، وفي سائر النسخ : عليهم.
2 ـ شطب في ( ف ) على كلمة ( الحكم ) ، والباء الجارة ، فصارت العبارة : في قطع الاصول ... ، وكذا في مصححة ( ن ).


(225)
الثالث
    [ هل يحلّ خراج ما يعتقده الجائر خراجياً وإن كان عندنا من الأنفال؟ ]
    أن ظاهر الأخبار (1) وإطلاق الأصحاب : حل الخراج والمقاسمة المأخوذين من الأراضي التي يعتقد الجائر كونها خراجية وإن كانت عندنا من الأنفال ، وهو الذي يقتضيه نفي الحرج.

    [ مقتضى بعض أدلّتهم وكلماتهم هو الاختصاص ]
    نعم ، مقتضى بعض أدلتهم وبعض كلماتهم هو الاختصاص ، فإن العلامة قدس سره قد استدل في كتبه على حل الخراج والمقاسمة بأن هذا مال لا يملكه (2) الزارع ولا صاحب الأرض ، بل هو حق لله (3) أخذه غير مستحقه ، فبرأت ذمته وجاز شراؤه (4).
    وهذا الدليل وإن كان فيه ما لا يخفى من الخلل إلا أنه كاشف عن اختصاص محل الكلام بما كان من الأراضي التي (5) لها حق على الزارع ، وليس الأنفال كذلك ، لكونها مباحة للشيعة.
    نعم ، لو قلنا بأن غيرهم يجب عليه اجرة الأرض ـ كما لا يبعد ـ أمكن تحليل ما يأخذه منهم الجائر بالدليل المذكور لو تم.
    ومما (6) يظهر منه الاختصاص : ما تقدم (7) من الشهيد ومشايخ
1 ـ المتقدمة في الصفحات 204 ـ 211.
2 ـ في ( ش ) : ما لم يملكه ، بدل : مال لا يملكه.
3 ـ كذا في ( ش ) والمصدر ، وفي سائر النسخ : حق الله.
4 ـ التذكرة 1 : 583 ، ولم نعثر عليه في غير التذكرة.
5 ـ لم ترد ( التي ) في غير ( ش ).
6 ـ في ( ف ) : وممن.
7 ـ في الصفحة 216.


(226)
المحقق الثاني من حرمة جحود الخراج والمقاسمة ، معللين ذلك بأن ذلك حق عليه ، فإن الأنفال لا حق ولا اجرة في التصرف فيها. وكذا ما تقدم (1) من التنقيح (2) ـ حيث ذكر بعد دعوى الإجماع على الحكم ـ : أن تصرف الجائر في الخراج والمقاسمة من قبيل تصرف الفضولي إذا أجاز المالك.
    والإنصاف : أن كلمات الأصحاب بعد التأمل في أطرافها ظاهرة في الاختصاص بأراضي المسلمين ، خلافا لما استظهره المحقق الكركي قدس سره (3) من كلمات الأصحاب وإطلاق الأخبار ، مع أن الأخبار (4) أكثرها لا عموم فيها ولا إطلاق.
    نعم ، بعض الأخبار الواردة في المعاملة على الأراضي الخراجية التي جمعها صاحب الكفاية (5) شاملة لمطلق الأرض المضروب عليها الخراج من السلطان.
    نعم ، لو فرض أنه ضرب الخراج على ملك غير الإمام ، أو على ملك الإمام لا بالإمامة ، أو على الأراضي التي أسلم أهلها عليها طوعا ، لم يدخل في منصرف الأخبار قطعا ، ولو أخذ الخراج من الأرض المجهولة المالك معتقدا لاستحقاقه إياها ، ففيه وجهان.
1 ـ في ( ن ) ، ( خ ) ، ( م ) ، ( ع ) و ( ص ) : ما تقدم فيها ، لكن شطب في ( ن ) على ( فيها ).
2 ـ في الصفحة 203.
3 ـ قاطعة اللجاج ( رسائل المحقق الكركي ) 1 : 258.
4 ـ التي تقدم شطر منها في الصفحات : 209 ـ 211.
5 ـ الكفاية : 77.


(227)
الرابع
    [ المراد من السلطان : هو الجائر المدعي للرئاسة العامة ]
    ظاهر الأخبار ومنصرف كلمات الأصحاب : الاختصاص بالسلطان المدعي للرئاسة العامة وعماله ، فلا يشمل من تسلط على قرية أو بلدة خروجا على سلطان الوقت فيأخذ منهم حقوق المسلمين.

    [ هل يشتمل عنوان السلطان الجائر لغير المخالف من المؤمن والكافر؟ ]
    نعم ، ظاهر الدليل المتقدم (1) عن (2) العلامة شموله له ، لكنك عرفت أنه قاصر عن إفادة المدعى ، كما أن ظاهره عدم الفرق بين السلطان المخالف المعتقد لاستحقاق أخذ الخراج ، والمؤمن والكافر وإن اعترفا بعدم الاستحقاق ، إلا أن ظاهر الأخبار الاختصاص بالمخالف.
    والمسألة مشكلة :

    [ الاشكال في المسألة ]
    من اختصاص موارد الأخبار بالمخالف المعتقد لاستحقاق أخذه (3) ، ولا عموم فيها لغير المورد ، فيقتصر في مخالفة القاعدة عليه.
    ومن لزوم الحرج ، ودعوى الاطلاق في بعض الأخبار المتقدمة ، مثل قوله عليه السلام في صحيحة الحلبي : ( لا بأس بأن يتقبل الرجل الأرض وأهلها من السلطان ) (4) ، وقوله عليه السلام ـ في صحيحة محمد بن مسلم ـ : ( كل أرض دفعها إليك سلطان فعليك فيما أخرج الله منها
1 ـ في الصفحة 227.
2 ـ كذا في ( ف ) ، وفي غيرها : من.
3 ـ في ( ف ) : الأخذ.
4 ـ الوسائل 13 : 214 ، الباب 18 من أبواب المزارعة ، الحديث 3.


(228)
الذي قاطعك عليه ) (1). وغير ذلك.

    [ دفع بعض وجوه الإشكال ]
    ويمكن أن يرد لزوم الحرج بلزومه على كل تقدير ، لأن المفروض أن السلطان المؤمن ـ خصوصا في هذه الأزمنة ـ يأخذ الخراج عن كل أرض ولو لم تكن خراجية ، وأنهم يأخذون كثيرا من وجوه الظلم المحرمة منضما إلى الخراج ، وليس الخراج عندهم ممتازا عن سائر ما يأخذونه ظلما من العشور وسائر ما يظلمون به الناس ، كما لا يخفى على من لاحظ سيرة عمالهم ، فلا بد إما من الحكم بحل ذلك (2) كله ، لدفع الحرج ، وإما من الحكم بكون ما في يد السلطان وعماله ، من الأموال المجهولة المالك.
    وأما الإطلاقات ، فهي ـ مضافا إلى إمكان دعوى انصرافها إلى الغالب كما في المسالك (3) ـ مسوقة لبيان حكم آخر ، كجواز إدخال أهل الأرض الخراجية في تقبل الأرض في صحيحة الحلبي (4) ، لدفع توهم حرمة ذلك كما يظهر من أخبار اخر (5) ، وكجواز أخذ أكثر مما (6) تقبل به الأرض من السلطان في رواية الفيض بن المختار (7) ، وكغير ذلك من
1 ـ الوسائل 6 : 129 ، الباب 7 من أبواب زكاة الغلات ، الحديث الأول.
2 ـ عبارة ( بحل ذلك ) ساقطة من ( ش ).
3 ـ المسالك 3 : 144.
4 ـ المتقدمة في الصفحة 209.
5 ـ مثل صحيح اسماعيل بن فضل المتقدم في الصفحة 210.
6 ـ كذا في ( ف ) ومصححة ( ن ) ، وفي سائر النسخ : ما.
7 ـ المتقدمة في الصفحة 210.


(229)
أحكام قبالة الأرض واستئجارها فيما عداها من الروايات.
    والحاصل : أن الاستدلال بهذه الأخبار على عدم البأس بأخذ أموالهم ، مع اعترافهم بعدم الاستحقاق مشكل.

    [ ما يدلّ على عدم شمول كلمات الأصحاب للجائر المؤمن ]
    ومما (1) يدل على عدم (2) شمول كلمات الأصحاب : أن عنوان المسألة في كلامهم ( ما يأخذه الجائر لشبهة (3) المقاسمة أو الزكاة ) كما في المنتهى (4) ، أو ( باسم الخراج أو المقاسمة ) (5) كما في غيره (6).
    وما يأخذه الجائر المؤمن ليس لشبهة الخراج والمقاسمة ، لأن المراد بشبهتهما : شبهة استحقاقهما الحاصلة في مذهب العامة ، نظير شبهة تملك سائر ما يأخذون مما لا يستحقون ، لأن مذهب الشيعة : أن الولاية في الأراضي الخراجية إنما هي للإمام عليه السلام ، أو نائبه الخاص ، أو العام ، فما يأخذه الجائر المعتقد (7) لذلك إنما هو شيء يظلم به في اعتقاده ، معترفا بعدم براءة ذمة زارع الأرض من اجرتها شرعا ، نظير ما يأخذه من الأملاك الخاصة التي لا خراج عليها أصلا.
    ولو فرض حصول شبهة الاستحقاق لبعض سلاطين الشيعة من
1 ـ كذا في ( ف ) ، ( ش ) ومصححة ( ن ) ، وفي سائر النسخ : وما.
2 ـ كلمة ( عدم ) ساقطة من ( ش ).
3 ـ في ( ف ) ، ( خ ) ، ( م ) و ( ع ) : لشبه.
4 ـ منتهى المطلب 2 : 1027.
5 ـ في ( ف ) : والمقاسمة.
6 ـ الشرائع 2 : 13 ، والقواعد 1 : 122 ، والدروس 3 : 169 وغيرها.
7 ـ كذا في ( ف ) و ( ن ) ، وفي غيرهما : الجائر والمعتقد.


(230)
بعض الوجوه ، لم يدخل بذلك في عناوين الأصحاب قطعا ، لأن مرادهم من الشبهة : الشبهة من حيث المذهب التي أمضاها الشارع للشيعة ، لا الشبهة في نظر شخص خاص ، لأن الشبهة الخاصة إن كانت عن سبب صحيح ، كاجتهاد أو تقليد ، فلا إشكال في حليته له واستحقاقه للأخذ بالنسبة إليه ، وإلا كانت باطلة غير نافذة في حق أحد.

    [ ما يؤيد عدم شمول الكلمات للجائر الموافق ]
    والحاصل : أن آخذ الخراج والمقاسمة لشبهة الاستحقاق في كلام الأصحاب ليس إلا الجائر المخالف ، ومما (1) يؤيده أيضا : عطف الزكاة عليها ، مع أن الجائر الموافق لا يرى لنفسه ولاية جباية الصدقات.
    وكيف كان ، فالذي أتخيل : أنه (2) كلما ازداد (3) المنصف التأمل في كلماتهم يزداد (4) له هذا المعنى وضوحا ، فما أطنب به بعض (5) في دعوى عموم النص وكلمات الأصحاب مما لا ينبغي أن يغتر به.

    [ تفسير الفاضل القطيفي لـ ( الجائر ) ]
    ولأجل ما ذكرنا وغيره فسر صاحب إيضاح النافع (6) ـ في ظاهر كلامه المحكي ـ الجائر في عبارة النافع (7) : بمن تقدم (8) على
1 ـ في ( ن ) ، ( خ ) ، ( م ) ، ( ع ) و ( ص ) : وما.
2 ـ لم ترد ( أنه ) في ( ش ).
3 ـ في ( ف ) : أزاد.
4 ـ في ( ف ) : يزاد.
5 ـ الظاهر أنه صاحب الجواهر قدس سره ، انظر الجواهر 22 : 190 ـ 195.
6 ـ مخطوط ، ولا يوجد لدينا. نعم ، حكاه السيد العاملي في مفتاح الكرامة 4 : 247.
7 ـ المختصر النافع : 118.
8 ـ في مصححة ( ن ) : يقدم.
المكاسب ـ جلد الثاني ::: فهرس