الى

حدَثَ في الثاني عشر من محرّم سنة 61 هـ

زينب الكبرى للطاغية ابن زياد: ثكلتْكَ أمُّك يابن مرجانة ما رأيتُ إلّا جميلاً

دخَلَ موكبُ سبايا أهل البيت(عليهم السلام) الكوفةَ في اليوم الثاني عشر من المحرَّم 61هـ، ففَزِعَ أهلُ الكوفة وخرجوا إلى الشوارع، بين مُتسائلٍ لا يدري لمن السبايا، وبين عارفٍ يُكفكف أدمعاً ويُضمر ندماً، ثمَّ اتَّجه موكب السبايا نحو قصر الإمارة، مُخترقاً جموع أهل الكوفة، وهم يبكون لما حلَّ بالبيت النبويّ الكريم.
وقد ذكر الشيخُ المفيد في كتاب (الإرشاد): (..وأُدخِل عيالُ الحسين(عليه السلام) على ابن زياد، فدخلت زينب أختُ الحسين في جملتهم متنكّرةً وعليها أرذلُ ثيابِها، فمضتْ حتّى جلست ناحيةً من القصر، وحفّت بها إماؤها.
فقال ابن زياد: مَنْ هذه التي انحازتْ ناحيةً ومعها نساؤها؟! فلم تُجبْه زينب. فأعاد القول ثانيةً وثالثةً يسأل عنها؟
فقالت له بعضُ إمائها: هذه زينبُ بنتُ فاطمة بنت رسول الله. فأقبل عليها ابن زياد(لعنه الله) وقال لها: الحمد لله الذي فضَحَكم وقتَلَكم وأكذَبَ أحدوثَتَكم. فقالتْ زينبُ: الحمدُ لله الذي أكرَمَنا بنبيِّهِ محمّدٍ(صلّى الله عليه وآله) وطهّرنا من الرِّجْس تطهيراً، وإنّما يُفتَضَح الفاسقُ ويُكذَّبُ الفاجر، وهو غيرُنا والحمدُ لله.
فقال ابنُ زياد: كيف رأيتِ فعلَ اللهِ بأهلِ بيتك؟!
فقالت: ما رأيتُ إلّا جَمِيلاً، هؤلاء قومٌ كتَبَ اللهُ عليهم القتلَ، فبَرَزوا إلى مضاجِعِهم، وسيَجمَعُ الله بينك وبينهم فتُحاجّون إليه وتَختَصِمون عنده، فانظُرْ لمَنِ الفلجُ يومئذٍ، ثكلتْكَ أمُّك يا بن مرجانة!!
فغضبَ ابنُ زيادٍ واستشاط، فقال له عمرو بن حريث: أيّها الأمير، إنّها امرأة والمرأةُ لا تؤاخذ بشيءٍ من منطقها. فقال ابنُ زياد: لقد شفى اللهُ قلبي من طاغيتك الحسين والعُصاة المَرَدة من أهلِ بيتك.
فرقّت زينبُ وبكت وقالت له: لعَمْري لقد قتلتَ كَهلِي، وقطعتَ فَرعِي، واجتثثْتَ أصلِي، فإنْ كان هذا شفاؤكَ فقد اشتفيت.
فقال ابن زياد: هذه سجاعةٌ، ولعمري لقد كان أبوها سجّاعاً شاعراً.
ثمّ التفت ابنُ زيادٍ إلى عليّ بن الحسين وقال له: مَنْ أنت؟
فقال (عليه السلام): أنا عليُّ بن الحسين. فقال: أليسَ اللهُ قد قتَلَ علي بن الحسين؟
فقال (عليه السلام): قد كان لي أخٌ يُسمّى عليَّ بن الحسين، قتَلَه الناس.
فقال ابنُ زياد: بل اللهُ قتله.
فقال عليُّ بن الحسين: (اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِيْنَ مَوْتِهَا). فغَضِب ابنُ زيادٍ وقال: ولكَ جرأةٌ على جوابي وفيكَ بقيّةٌ للردّ عليّ؟! اذهبوا به فاضربوا عنقه. فتَعَلّقتْ بهِ زينبُ عمّتُه، وقالت: يا بن زياد! حسبُك من دمائنا. واعتنقته وقالت: والله لا أفارقه، فإنْ قتلتَهُ فاقتلني معه.
فنظر ابنُ زيادٍ إليها وإليه ساعة، ثمّ قال: عجباً للرَّحِم! واللهِ إنّي لأظنّها ودّت أنّي قتلتُها معه، دعوه فإنّي أراهُ لما به.
ثمّ أمر ابنُ زياد بعليّ بن الحسين وأهله فحُمِلوا إلى دارٍ جنب المسجد الأعظم، فقالت زينبُ بنتُ علي: لا يدخلنّ علينا عربيّة إلّا أمّ ولد مملوكة، فإنّهن سُبِين وقد سُبِينا)، انتهى ما نقله الشيخُ المفيد.
ففي هذا الحوارِ القصيرِ بين الخيرِ والشرّ، وبين الفضيلة والرذيلة، وبين القداسة والرجس، وبين ربيبة الوحي وعقيلة النبوّة والدعيّ ابن الدعيّ! انكشفت نفسيّاتُ كلٍّ من الفريقَيْن.
تعليقات القراء
لايوجد تعليقات لعرضها
إضافة تعليق
الإسم:
الدولة:
البريد الإلكتروني:
إضافة تعليق ..: