شبكة الكفيل العالمية
الى

مسلمُ بن عقيل(عليه السلام) سفيرُ النهضةِ الحسينيّةِ المظلومُ وأوّلُ شهيدٍ يقدّمه الحسينُ(عليه السلام) على طريق ثورته الخالدة..

في مثل هذه الأيّام الحزينة استُشهِدَ سفيرُ الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب(عليهما السلام) وبالتحديد في الثامن من ذي الحجّة لسنة (60هـ) غدراً وغيلةً، فهو بطلٌ من أبطال الهاشميّين ذو نسب شريف وحسب رفيع، وابنُ عمّ الإمام الحسين(سلام الله عليه) وسفيره إلى أهل الكوفة. اختاره الإمام(سلام الله عليه) سفيراً من قِبَلِه إليهم بعد أن تتابعت كتبهم ورسائلهم –كالسيل– إلى الإمام وهي تحثّه على المسير والقدوم إليهم لإنقاذهم من ظلم الأمويّين وعنفهم واستهتارهم بالدين، فرأى الإمام(سلام الله عليه) قبل كلّ شيء أن يختار سفيراً ليعرّفه باتجاهاتهم وصدق نياتهم، فإن رأى منهم نيّة صادقة وعزيمة مصمّمة يأخذ البيعة منهم، ثم يتوجّه إليهم بعد ذلك، وقد اختار لسفارته ثقته وكبير أهل بيته، والمبرَّز بالفضل فيهم مسلم بن عقيل.
والمُتابِع لسيرة الإمام الحسين(عليه السلام) يجد أنّه دائماً يضع الشخص المناسب في المكان المناسب. حرصاً منه على جعل ثورته ثورةً متكاملة، فذهب مسلم إلى الكوفة وبايعه الناس فكتب إلى الإمام الحسين(عليه السلام) يخبره بالحال ويستعجله القدوم. فتحرّك الإمام(عليه السلام) على أساس كتاب مسلم متوجّهاً نحو الكوفة.
إلّا أنّ الأمور انقلبت من خلال التدابير الوحشية والأساليب الشيطانية وذلك عن طريق إرسال الملعون عبيد الله بن زياد إلى الكوفة وتوجيه الأوامر اليه بقمع ثورة مسلم وقتله، فعندما ورد مسلم الكوفة نزل في دار المختار بن أبي عبيدة الثقفي وانثال عليه الناس زرافاتٍ ووحداناً يهتفون بالترحيب به، فقرأ عليهم كتاب أبي عبدالله الحسين(عليه السلام) وعرّفهم أنّه مجيبهم إلى ما يريدون إن لزموا العهد وتدرّعوا بالصبر على مكافحة أعدائهم، وبعد أن فرغ من التعريف بأمر البيعة الذي أُريد منهم تدافع الناس يمسحون أيديهم على يده هاتفين بالرضا والتسليم كما فعل الأنصار مع النبيّ(صلى الله عليه وآله) ليلة العقبة وقريش يوم الفتح..
فبلغ عدد من بايع مسلماً(عليه السلام) ثمانية عشر ألفاً أو خمسةً وعشرين ألفاً وقيل أربعون ألفاً. وقد كتب إلى الحسين في ذلك وطلب منه التعجيل في القدوم، كما كتب الكوفيّون إليه قائلين: (يا ابن رسول الله إنّ لك بالكوفة مائة ألف سيفٍ فلا تتأخّر) ولكن سرعان ما انقلبوا على أعقابهم فخسروا شرف الدنيا كما عداهم الفوزُ في الدين، وجرى على مسلم في الكوفة ما جرى على الحسين(عليه السلام) فيما بعد في كربلاء من غدر الناس وخذلانهم ونكثهم العهود والمواثيق والبيعة بوحي من الطمع والشهوة والخوف وحبّ الدنيا الذي هو رأس كلّ خطيئة.
أصدر ابنُ زياد أوامره بتحرّي بيوت الكوفة بيتاً بيتاً وتفتيشها، بحثاً عن مسلم بن عقيل(عليه السلام)، الذي كان قد اختبأ في بيت إمرأة مجاهدةٍ ومُحبّةٍ لآل البيت(عليهم السلام) اسمها (طوعة)، فلمّا علم ابن زياد بمكانه أرسل له جيشاً إلى تلك الدار، فقاتلهم مسلم بن عقيل(عليه السلام) أشدّ قتال، إلّا أنّ الأقدار شاءت فوقع بأيدي قوّات ابن زياد فأرسلوه إلى القصر، فدارت بينه وبين ابن زياد مشادّة كلامية غليظة، حتى انتهت بقول ابن زياد لمسلم(عليه السلام): "إنّك مقتول"، ثم أمر ابن زياد جلاوزته أن يصعدوا به أعلى القصر ويضربوا عنقه ويلقوا بجسده من أعلى القصر، ثم انهال على مسلم(عليه السلام) سيف الغدر وحيل بين رأسه وجسده، ليلتحق بالشهداء والصدّيقين والنبيّين والصالحين.
ثم جاء الجلّادون بهانئ بن عروة(رضوان الله عليه)، واقتيد مكتوف اليدين إلى سوق الغنم في مدينة الكوفة فقتل هناك وقطع رأسه، وقام ابنُ زياد بإرسال رأسيهما الشريفين إلى يزيد في (9ذي الحجّة 60هـ) وأمّا الجسدان الشريفان فقد شَدَّهُما الجلّادون بالحبال وجُرّا في أزقّة الكوفة وأسواقها لتتحوّل هذه الدماء الثائرة إلى بركان غضبٍ وثورة، يصمت البركان برهةً من الزمن ثم ينفجر بوجه الطغاة وأعداء الله، فأصبحتَ أيّها السفير شهيد السفارة الحسينية وذكرى يسطّرها التاريخ في صفحات من نور يرتشف رحيقها كلّ الموالين، فالسلام عليك وعلى من نصب أوّل عزاء عليك في زرود.
تعليقات القراء
لايوجد تعليقات لعرضها
إضافة تعليق
الإسم:
الدولة:
البريد الإلكتروني:
إضافة تعليق ..: