العمل المؤسّساتي الذي يعتمدُ على الجهد الجماعي طريقةٌ مُثلى؛ لترصين المنجَز، وتحقيق الأهداف المنشودة؛ إذ يمكن من خلاله تخطّي الكثير من المعوّقات التي تعترض طريق العمل، فضلًا عن تهيئة الخبرات اللازمة في مختلف المجالات والتخصّصات وتأهيلها، ومنذ الوهلة الأولى لتسلّم زمام الأمور في إدارة العتبة العباسيّة المقدّسة، جعل القائمون عليها وعلى رأسهم سماحة المتولّي الشرعي السيّد أحمد الصافي (دام عزّه) هذه المهمة (الفكرة) نصب أعينهم، وعملوا منذ البدايات على تأسيس أكثر من نواة لمؤسسات ذات تخصّصات ومجالات متنوّعة، كان المجال الفكري والتراثي من ضمنها، لما له من أهمية كبيرة وعظيمة، فهو القناة التي توصلها لأعلام المذهب الماضين، وتحيطنا علمًا بما أنجزوه وخلّفوه لزماننا هذا من تراث فكري يحوي علومًا جمّةً، وكنوزًا معرفيةً قيّمةً، فتشكَّلَت وحدة تُعنَى بتحقيق التراث المخطوط في داخل مكتبة العتبة العباسية المقدّسة، وعملت على تحقيق مجموعة من العناوين التراثية المهمّة، التي لاقت قبولًا واسعًا وصدًى مدوّيًا من قبل المختصين والمهمتين بالمجال التراثي، وحازت على عدد من الجوائز الدولية.
ثُمَّ توسَّعت هذه الوحدة؛ لتصبح مركزًا تراثيًّا حمل مسمّى (مركز إحياء التراث) الذي كان الانطلاقة الأولى للمراكز التراثية التي أُسّست على غراره في العتبة المقدّسة، فأُسّس مركز تراث كربلاء، ومركز تراث الحلة، ومركز تراث البصرة، ومركز تراث الجنوب، والسمة الغالبة على تلك المراكز هي إحياء التراث العائد إلى تلك المدن، ثم أُسّس مركز الشيخ الطوسي للدراسات والتحقيق في النجف الأشرف، وكان له إسهامات فاعلة في تحقيق التراث الحوزوي ونشرِه، كالفقه والأصول والحديث وغيرها، كما له دور بارز في تفعيل حركة التحقيق التراثي وتحفيزها، حتّى ظهرت الحاجة إلى تأسيس كيان يجمع تحت ظلاله المراكز التراثية التابعة للعتبة المباركة، ويُنظّم عملها، فكانت الهيأة العليا لإحياء التراث.
جهود العتبة العباسية في إحياء التراث الإسلامي المخطوط لاسيّما التراث الشيعي منه زاخرٌ بالكتب والمدوّنات التي لم تخرج إلى النور، وخزائن المخطوطات (المكتبات) ما تزال تضمّ تراثًا خطيًّا فكريًّا جمًّا، ينتظر من ينتشله من رفوف الخزائن، ويعمل على تحقيقه تحقيقًا علميًّا؛ ليفيد منه الباحثون والدارسون، ولينقل لنا صورة عن الحراك العلمي لدى علماء المذهب إبّان العقود والقرون المنصرمة، ولقد لفت هذا الأمر أنظار القائمين على إدارة العتبة العباسية المقدّسة منذ تسلّم مهام إدارتها، فجعلت من أولوياتها العمل على تحقيق التراث المخطوط، وتجسّدت تلك الأولوية بتأسيس أكثر من قسم معني بإحياء التراث المخطوط، ونشره بعد تحقيقه تحقيقًا علميًّا، فضلًا عن المهام الأخرى التي تصبّ في خدمة التراث والمهمتين به.
ففي مجال التحقيق قامت المراكز التراثية في العتبة المباركة، ومن ضمنها الهيأة العليا لإحياء التراث، بتحقيق ونشر العشرات من الكتب والموسوعات في تخصّصات متنوّعة، كالفقه والأصول والحديث والعقائد والأخلاق والرجال والتراجم واللغة والأدب، ومن أبرز الموسوعات التراثية التي نُشرت: (موسوعة العلاّمة الأوردبادي)، وموسوعة (التراث الفقهي لوالد الشيخ البهائي)، التي صدرت عن مركز إحياء التراث، وكذلك موسوعة (التراث الفقهي للمحقّق السيّد عبد الله بن إسماعيل الموسوي البهبهاني)، التي صدرت عن مركز الشيخ الطوسي للدراسات والتحقيق، ومن أبرز الكتب الموسوعية التي صدرت مؤخّرًا: (كتاب الصلاة) للشيخ المشكيني، الذي خرج بعشرة أجزاء، بتحقيق مركز إحياء التراث، ومراجعة مركز الشيخ الطوسي.
وفي مجال إعداد الملاكات المتخصّصة وتطويرها، عملت المراكز التراثية على تدريب وتأهيل ملاكات متخصّصة في مجال التحقيق، تنوّعت بين ملاكات حوزية وأخرى أكاديمية داخل مراكزها.
وفي مجال تعزيز الساحة التراثية ورفدها بموارد بشرية فعّالة في هذا الميدان، عمدت الهيأة العليا لإحياء التراث، إلى تأسيس المعهد العالي للتراث، وهو تشكيل مختص بتدريس الراغبين من خارج ملاك الهيأة وتدريبهم على قواعد وأساسيات التحقيق العلمي الرصين وبشكل مجاني، وبواقع فصلين دراسيين وفصل عملي (تحقيق مخطوط) وبعدها يمنح الدارس شهادة التخرج.
وقد اهتمت المراكز التراثية في العتبة المقدّسة بنشر ثقافة العناية والاهتمام بهذا التراث العزيز في المجتمع عَبرَ جملة من الفعاليات العلميّة والفكريّة كعقد المؤتمرات والندوات والورش التراثية المختصة.
