الى

نورٌ من النجف.. حكاية المصحف الذي كُتب وصُحح وطُبع في بلاد الرافدين.

في زمن تتسارع فيه التحولات الفكرية والمعرفية، وتتداخل فيه الحقائق مع سيل من التأويلات والشبهات، تبرز المشاريع العلمية والثقافية بوصفها أدوات أساسية لصون الهوية وترسيخ الثوابت.

ومن هذا المنطلق، يأتي مشروع مصحف النجف الأشرف ، ليجسد رؤيةً تتجاوز حدود الإصدار الطباعي، نحو مشروع علمي متكامل يربط بين الدقة في التوثيق والعمق في الرسالة؛ فهو امتداد لدور النجف الأشرف التأريخي بوصفها مركزاً للعلم والمعرفة، وفضاء أسهم عبر قرون في خدمة القرآن الكريم، حفظاً وتفسيراً وتدقيقاً، ليعيد اليوم تأكيد هذا الحضور بصيغة معاصرة تجمع بين الأصالة، والمنهج المؤسسي.



  • اقتباس

قال المتولي الشرعي للعتبة العباسية المقدسة سماحة العلامة السيد الصافي إنه :"قبل أكثر من 17 عامًا طُرِحت فكرةٌ لكتابة مصحفٍ شريفٍ على أيدي أحد الإخوة من الخطّاطين المَهَرة، وقد نال الطلب بعد أن عُرِض على مقام المرجعية الدينيّة العُليا. إن هذا العمل عمل مبارك، ثمّ بعد ذلك فإنّ الأمور مرهونة بأوقاتها، وقد حدثت بعض الأمور التي أعاقت هذه الخطوة، إلى أن سهّل الله تبارك وتعالى قبل خمس سنين، فتصدّى أحدُ الإخوة الأفاضل لكتابة المصحف، وهو الأخ الخطّاط الأستاذ عبد الحسين الركابي (سلّمه الله تعالى)، وقد قضى وقتًا مع هذه النسخة الخطّية قرابة الخمس سنين، ثم بعد ذلك شُكّلت لجان مختصّة سواء كانت في مراجعة الخطّ، ومتابعة رسم القرآن، ومتابعة الزخارف، حيث إنّ هذه اللجان نقلت مكتبها إلى مطبعة دار الكفيل للطباعة والنشر، ومع المتابعة ورقة بورقة، وبالمشاورة مع الإخوة في الدار تمّ الأمر".



  • امتداد لتراث قرآني عريق

يأتي مصحف النجف الأشرف امتدادا لمسيرة طويلة من كتابة المصاحف في العالم الإسلامي، إذ ارتبطت هذه الجهود بمدن علمية كبرى احتضنت علوم القرآن الكريم عبر قرون من الزمن، ومن بينها مدينة النجف التي عرفت بكونها مركزا علميا منذ أكثر من ألف عام، إذ احتضنت آلاف المخطوطات، وأنجبت أجيالا من العلماء والمفسرين.

ويعد هذا المشروع امتدادا لإرث هذه المدينة المعطاء، إذ إنه يجمع بين الخط اليدوي الأصيل، ومراحل إنجازه الدقيقة فضلا عن تقنيات طباعته الحديثة؛ ليكون إضافة نوعية لسجل المصاحف المنسوبة إلى المدن الإسلامية العريقة والكبيرة.



  • مصحف النجف الأشرف يطبع بـ(7000) نسخة

بلغ عدد النسخ المطبوعة في الطبعة الأولى من مصحف النجف الأشرف (7000) نسخة، إذ حرصت العتبة العباسية المقدسة على توفيره بأحجام متعددة لتناسب مختلف احتياجات القرّاء والمؤسسات.
وجاء الحجم الأول وهو الحجم الوزيري (Standard)، ليكون الأكثر شيوعا والمخصص للقراءة اليومية في المساجد والبيوت، إذ يتميز بوزن مثالي يسهل حمله باليد أثناء القراءة الطويلة، إلى جانب وضوح عال جدا للكلمات.
أما الحجم الثاني فهو الحجم الصغير، وقد خُصِصَ للمسافرين والطلاب. إذ يمتاز بخفة وزنه وصغر حجمه، مع الحفاظ على دقة ووضوح الخط على الرغم من تصغير القياس.
في حين جاء الحجم الثالث وهو الحجم الكبير، والمخصص للمساجد والمحافل القرآنية، ويتميز بوزن أثقل وورق أكثر سماكة؛ مما يجعله مناسبا لكبار السن أو لمن يعانون من ضعف البصر، نظرا لكبر حجم خطه وزخارفه.
وقد توزعت الطبعة بين قياسين رسميين، بواقع (2000) نسخة للقياس الكبير، و(5000) نسخة للقياس الوزيري، بما يضمن التنوع وتلبية مختلف الاحتياجات.



  • تحول نوعي يتجاوز حدود الإصدار

لا يمكن النظر إلى مصحف النجف الأشرف بوصفه مجرد طبعة جديدة من المصحف الشريف، بل هو مشروع متعدد الأبعاد أعاد صياغة العلاقة بين النص القرآني ومحيطه العلمي والثقافي والاجتماعي، فمن الناحية الدينية، يمثل هذا العمل تعزيزا عمليا للثقة بسلامة النص القرآني، إذ جاء مدعوما بمراجعات دقيقة وإشراف مؤسسي ومباركة المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف؛ مما يمنحه بعدا توثيقيا يرسخ وحدة النص بين المسلمين، ويبدد الشبهات التي تثار حول اختلاف نسخه.
وعلى المستوى العلمي، يأتي المشروع على وفق منهج التدقيق القرآني الصارم الذي تميزت به المدارس الإسلامية عبر التأريخ، حيث لم يقتصر العمل على النسخ والطباعة، بل اعتمد منهجية مراجعة متعددة المراحل؛ مما يجعله مادة علمية يمكن أن تبنى عليها دراسات متخصصة في رسم المصحف وضبطه.
هذه المنهجية تفتح الباب أمام مشاريع بحثية جديدة تقتفي أثر الدقة نفسها، وتعيد الاعتبار للعمل الجماعي المؤسسي، خدمة للقرآن الكريم.
من الناحية الثقافية والحضارية فقد أسهم المشروع في إعادة إبراز النجف الأشرف بوصفها مركزاً حياً للإنتاج المعرفي، لا يقتصر دورها على التدريس الديني، بل يمتد إلى إنتاج منجزات ملموسة تعكس عمقها التأريخي، وهذا بدوره يعزز حضور العراق في المشهد الثقافي الإسلامي، ويعيد ربطه بإرثه العلمي الذي امتد لقرون من الزمن.
وفي الجانب الفني، قدم المصحف نموذجا يجمع بين أصالة الخط العربي والزخرفة الإسلامية ما يعكس جودة الإخراج وجمالية التصميم؛ هذا التوازن بين التراث والمعاصرة لا يحفظ الفنون الإسلامية فحسب، بل يمنحها فرصة للتجدد والانتشار، وقد يشكل حافزا لإطلاق مشاريع فنية مشابهة تعيد الاعتبار لهذا الإرث العظيم والكبير.
ومن زاوية اقتصادية غير مباشرة، يفتح المشروع آفاقا لتطوير صناعة الطباعة المتخصصة بالمصاحف، سواء أكانت عن طريق دعم دور النشر المحلية أو التمهيد لإنشاء مطابع مخصصة لهذا النوع من النتاجات، وهو ما يمكن أن يسهم في خلق فرص عمل وتنشيط قطاع الصناعات الثقافية المرتبطة بالكتاب الديني.
وفي الأفق العراقي والعربي ، فيسهل (مصحف النجف الأشرف) وصول نسخ عالية الجودة إلى مختلف فئات المجتمع، مما يعزز الحضور اليومي للقرآن الكريم في حياة الأفراد، ويشجع على القراءة والتدبر، ويعيد ربط الأجيال الجديدة بالنص القرآني في ضمن إطار معاصر يجمع بين الجودة وسهولة التداول.
وبهذا التداخل العميق بين الأبعاد الدينية والعلمية والثقافية والفنية والاقتصادية والمجتمعية، يتحول مصحف النجف الأشرف من مجرد إصدار إلى مبادرة حضارية متكاملة، تعكس قدرة المؤسسات العلمية على إنتاج مشاريع ذات أثر ممتد، يتجاوز اللحظة الراهنة نحو بناء إرث مستدام.



  • رؤية علمية رصينة

ينطلق مشروع مصحف النجف الأشرف من رؤية علمية رصينة تهدف إلى ترسيخ حضور القرآن الكريم بوصفه دستور الأمة الإسلامية، عبر تقديم نص محقق بدقة عالية يجمع بين الأصالة في النقل والإتقان في الإخراج، ويقوم المشروع على إيمان عميق بأن خدمة كتاب الله لا تقتصر على الطباعة أو النسخ، بل تمتد لتكون عملا معرفيا متكاملا يعزز الثقة بالنص القرآني ويجسد عنايته عبر منهجية مؤسسية دقيقة.
وتتمثل أهداف المشروع في إبراز مكانة النجف الأشرف بوصفها مركزاً علمياً راسخاً في علوم القرآن . و يسعى المشروع إلى الإسهام في مواجهة الشبهات المثارة حول سلامة النص القرآني عن طريق عمل توثيقي تطبيقي قائم على الإشراف العلمي المتخصص والمراجعات المتعددة، فضلا عن الرد على الماكنة الإعلامية المغرضة التي تقتات على تزييف الحقائق، محاولةً غرس بذور الشك حول عقيدة أتباع أهل البيت (عليهم السلام) تجاه كتاب الله العزيز.



  • خلاصة القول

في ضوء ما يمثله (مصحف النجف الأشرف) من محطة مهمة في مسار العمل القرآني المؤسسي، تتجاوز حدود الإصدار الطباعي إلى مشروع علمي يعكس تطور أدوات التوثيق والدقة في خدمة النص القرآني، وهو بذلك لا يُعد نهاية جهد، بل بداية لمسار يمكن البناء عليه لتطوير مشاريع قرآنية أكثر شمولا وعمقا في المستقبل.
ويفتح هذا المنجز آفاقا لتوسيع العمل المؤسسي في مجال خدمة القرآن الكريم، عبر توحيد المعايير العلمية، وتفعيل التعاون بين المراكز العلمية، والإفادة من التقنيات الحديثة في التوثيق والنشر والتعليم، ويرسخ حضور النجف الأشرف بوصفها مركزاً علمياً في إنتاج المشاريع القرآنية.
ويبقى هذا المشروع خطوة تأسيسية نحو رؤية أوسع، تجعل من خدمة القرآن الكريم منظومة مستدامة تجمع بين الأصالة والتجديد، وتواكب متطلبات الحاضر وتحديات المستقبل.
تعليقات القراء
لايوجد تعليقات لعرضها
إضافة تعليق
الإسم:
الدولة:
البريد الإلكتروني:
إضافة تعليق ..: