في لحظةٍ تداخل فيها التاريخيّ بالرمزيّ والجماليّ بالروحيّ انفتحت النجف الأشرف على حدثٍ يتجاوز حدود الإعلان إلى تخوم الاستعادة الحضارية إذ أُزيح الستار عن (مصحف النجف الأشرف) كونه نصّاً مكتوباً بمداد الانتماء لا بالحبر وحده ومشروعاً ثقافياً يستعيد للعراق صوته الخافت في محراب الكتابة القرآنية ليعيده جهورياً كما كان في عصور الازدهار في لحظةٍ بدت كأنها استعادةٌ واعية لذاكرة الحرف وانبعاثٌ جديد لهيبة النصّ المقدّس في أرض الرافدين
لقد كان يوم التاسع والعشرون من نيسان 2026 لحظةً تتكثّف فيها طبقات من الدلالة إذ تزامن الإعلان مع ذكرى ولادة الإمام علي بن موسى الرضا فكأنّ الزمن نفسه تواطأ ليمنح الحدث بعده الاحتفاليّ حيث يتجاور النصّ المقدّس مع ذاكرة القداسة ويتعانق الحرف مع الضوء في مشهدٍ تتقاطع فيه الأرضيّات الروحية مع الأبعاد الجمالية وكانت المناسبةٍ ذات دلالة رمزية عميقة ليكتسب الحدث بعداً احتفائياً يتجاوز اللحظة الزمنية إلى فضاءٍ من الإيحاء الروحي حيث يتجاور النوران نور المناسبة ونور النصّ الذي (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه).
أُزيح الستار في النجف الأشرف عن (مصحف النجف الأشرف) الذي يمثل علامةٍ ثقافية وروحية تؤشّر عودة العراق إلى موقعه الطبيعي في صناعة الجمال القرآني كتابةً وإخراجاً ووعياً.
وأنّ فرادة هذا المصحف تُستمدّ من طبيعته التكوينية فهو أول مصحف يُنجز داخل العراق بكليّته كتابةً بيد خطاطٍ عراقي ، وتدقيقاً وطباعةً وإخراجاً في مؤسسة عراقية وهذه الحقيقة على بساطتها الظاهرة تنطوي على تحوّل عميق في وعي المؤسسة الدينية والثقافية معاً إذ عاد إلى بيئته الأولى إلى تربةٍ عرفت الحرف العربي منذ أن كان يتلمّس طريقه بين النقطة والخط فصار هذا المصحف بمثابة إعادة توطين للقداسة في جغرافيتها الأصلية وتحت إشراف علمي محكم ليغدو بذلك تجسيداً ملموساً لفكرة السيادة الثقافية على النصّ المقدّس بعد عقودٍ كان فيها الاعتماد على مطابع ومشاغل خارجية وهنا يكون الانجاز هو استعادة لكرامة الحرف العراقي، وإعادة توطين لقدسيته.
لقد تولّت العتبة العباسية المقدسة عبر دوائرها المؤسسية مهمة الإشراف والتنسيق فيما نهضت دار الكفيل للطباعة والنشر بعبء التنفيذ الطباعي لتقدّم نموذجاً عراقياً خالصاً في صناعة المصحف يجمع بين الدقة التقنية والحساسية الجمالية وكان هذا العمل وليد لحظةٍ مُنتظرة وهو حصيلة جهدٍ تراكميّ امتدّ لسنوات تشكّلت خلاله لجان علمية متخصصة عملت على مراجعة النصّ وضبطه وفق أدقّ معايير الرسم والضبط القرآني بحيث لا يُترك مجالٌ للخطأ في نصٍّ يُعدّ معياراً للحقّ ذاته كما أشار إلى ذلك أحمد الصافي مؤكداً أن المصحف ثمرة عملٍ جماعيّ دؤوب، تآلفت فيه الخبرات وتكاملت فيه الرؤى وتوزّعت فيه الأدوار بين العلماء والخطاطين والمراجعين والفنيين في صورةٍ تُعيد الاعتبار لفكرة العمل المشترك لأنها شرط لإنتاج النصوص الكبرى.
أما من حيث الشرعية والاعتماد فقد حاز المصحف ختم ومباركة السيد علي السيستاني وهو ما يمنحه ثقلاً مضاعفاً في الوعي الديني إذ ينبغي أن يكون دقيقاً في نصّه موثوقاً في ضبطه وهو ما تحقّق عبر هذا الإقرار المرجعي الذي يُعدّ بمثابة شهادة عليا في عالم النصوص المقدّسة.
ويظهر الجمال في هذا المصحف عند حدود الإخراج الطباعي والضبط النصي له وبلغ ذروته في الخطّ الذي نهض به عبد الحسين الركابي حيث تحوّل الحرف بين يديه إلى كائنٍ حيّ يتنفّس إيقاع الآيات ويستجيب لنبض المعنى إنّ الخطّ هنا يمارس فعل التأويل الجمالي إذ يقرأ النصّ بطريقته الخاصة ويعيد كتابته بروحٍ مشبعة بالخشوع وتبدو الحروف وكأنها تنحني إجلالاً وتتوازن كما لو كانت تخشى أن تختلّ في حضرة المعنى فيتحوّل كلّ سطر إلى مساحة تأمّل وكلّ صفحة إلى فضاءٍ من السكينة البصرية.
ومن زاويةٍ أوسع يمكن قراءة هذا المصحف كونه يمثل خطاباً ثقافياً مضمرًا يسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين العراق والنصّ القرآني فبعد عقودٍ من الانقطاع أو التبعية الطباعية يأتي هذا الإنجاز ليقول إنّ العراق الذي كان يوماً مهداً للمدارس الخطية الكبرى لا يزال قادراً على إنتاج الجمال القرآني بصيغته المعاصرة دون أن يتخلّى عن جذوره الأصيلة إنه استعادة لهيبة الحرف باعتباره شكلاً فنياً و بوصفه وعاءً للمعنى وحاملاً لذاكرةٍ تمتدّ من الرقوق الأولى إلى أحدث تقنيات الطباعة.
ولا يمكن إغفال البعد الرمزي في احتضان المجمع العلوي لهذا الحدث حيث تلتقي العمارة المقدسة مع النصّ المقدس فيتشكّل مشهدٌ تتداخل فيه الفضاءات فضاء المكان وفضاء النصّ وفضاء الذاكرة الجمعية هناك كان الحضور لشخصيات دينية وحوزوية ورسمية يمثل شراكة في لحظة وعيٍ جماعي تُعلن أنّ الكتابة موقف حضاري.
إن (مصحف النجف الأشرف) هو أثرٌ يُتأمّل ونصٌّ يفتح باباً على أسئلة الجمال والإيمان ويستدعي القارئ إلى علاقةٍ أكثر عمقاً مع الكلمة الإلهية ففي كلّ صفحةٍ منه ثمة محاولة لإعادة ترتيب العلاقة بين العين والقلب بين النظر والتدبّر بحيث تكون القراءة تجربة وجودية كاملة.
وإذا كان المصحف في جوهره نصّاً ثابتاً لا يتغيّر فإن طرائق تقديمه هي التي تتجدّد وتكشف عن حساسية العصر تجاه الجمال والدقّة معاً وهكذا كانت المحاولةً واعية لإعادة تشكيل العلاقة بين القارئ والنصّ عبر وسيطٍ بصريّ راقٍ يحفظ قدسية الكلمة ويمنحها في الآن نفسه أفقاً جمالياً يليق بها.
إن (مصحف النجف الأشرف) غدى خطاباً ثقافياً ضمنياً يقول إن العراق برغم ما مرّ به لا يزال قادراً على إنتاج المعنى وصياغة الجمال وخدمة النصّ الأعلى بأدواتٍ تليق بجلاله إنه عودة الحرف إلى منبعه وعودة المنبع إلى وعيه حيث يلتقي التاريخ بالإيمان وتتصالح الذاكرة مع الحاضر في صفحةٍ واحدة… صفحةٍ تبدأ بـ(بسم الله) وتنفتح على ما لا نهاية له من الدلالات.
الكاتب حيدر عبدالله الشطري




































